الرئيس المصري: بدأنا طريقا صعبا لكنه الطريق الصحيح

منصور يستقبل وفدا من الكونغرس ويلتقي اليوم الرئيس اليوناني في أثينا

وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال استقباله أمس وفد الكونغرس الأميركي  بمقر وزارة الدفاع في القاهرة (صفحة المتحدث باسم الجيش «فيس بوك»)
وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال استقباله أمس وفد الكونغرس الأميركي بمقر وزارة الدفاع في القاهرة (صفحة المتحدث باسم الجيش «فيس بوك»)
TT

الرئيس المصري: بدأنا طريقا صعبا لكنه الطريق الصحيح

وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال استقباله أمس وفد الكونغرس الأميركي  بمقر وزارة الدفاع في القاهرة (صفحة المتحدث باسم الجيش «فيس بوك»)
وزير الدفاع المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي خلال استقباله أمس وفد الكونغرس الأميركي بمقر وزارة الدفاع في القاهرة (صفحة المتحدث باسم الجيش «فيس بوك»)

وسط موجة من الترحيب المتنامي عربيا ودوليا بإنجاز أولى خطوات «خارطة الطريق المصرية، وجه الرئيس المصري المستشار عدلي منصور كلمة عبر التلفزيون، الليلة الماضية، هنأ فيها الشعب المصري بالدستور الجديد، وقال، إن «الشعب يبرهن يوما تلو الآخر على الوعي الوطني الثاقب وتغليبه للمصلحة الوطنية». وأضاف أن «ما شهدناه من إقبال كبير على الاستفتاء على الدستور يدلل على أننا بدأنا طريقا، قد يكون صعبا، لكنه الطريق الصحيح».
ووجه منصور التحية لشباب ثورة 25 يناير و30 يونيو وضحاياها، وقال إن «دور الشباب لم يكتمل بعد، وإنهم في بداية الطريق للتمكين ودعاهم للانخراط في الحياة السياسية من خلال العمل الحزبي».
كما أشار إلى أن «إقرار الدستور الجديد، وسيلة وخطوة وطنية جادة لوطن سيظل مهدا للحضارات وقلبا نابضا لمحيطه العربي ومركز إشعاع دينيا وثقافيا للعالم الإسلامي والعالم بأسره». وأضاف أن «الدستور سيتحول لقوانين لضمان الحقوق والحريات».
ودعا الأحزاب والقوى السياسية لاستغلال الأجواء الديمقراطية والتوافق على مصلحة الوطن. وقال إن «النجاح في مصر لن يكون إلا للأصلح». ووجه التحية للمرأة المصرية لدورها في الوعي السياسي وإشعال جذوة ثورتي يناير ويونيو والإقبال على الاستفتاء على الدستور. كما وجه التحية للقضاة ومن أشرفوا على الاستفتاء، وكذا للضباط والجنود الساهرين على تأمين الوطن.
في غضون ذلك، ووسط تفاؤل من جانب الحكام الجدد في القاهرة بشأن تطور العلاقات بين بلادهم وعدد من دول العالم التي انتقدت عزل الرئيس السابق محمد مرسي، خاصة من جانب بلدان غربية، بدت أمس «انفراجة متوقعة» في هذه العلاقات لأول مرة منذ نحو ستة أشهر، وذلك في أعقاب الالتفاف الشعبي الكبير حول خارطة المستقبل التي أعلنها قائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح السيسي، عقب الإطاحة بمرسي في يوليو (تموز) الماضي، وجرى إنجاز أول مراحلها بنجاح الاستفتاء الشعبي على الدستور.
وقبل ساعات من توجهه إلى اليونان التي تولت الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي في الأول من هذا الشهر، وتستمر رئاستها إلى نهاية النصف الأول من عام 2014، استقبل الرئيس منصور بمقر الرئاسة في ضاحية مصر الجديدة أمس وفدا من الكونغرس الأميركي، بحضور القائم بأعمال السفير الأميركي في القاهرة، ديفيد ساترفيلد، الذي قال خلال اللقاء إن «الاستفتاء على الدستور مثل، بلا شك، انعكاسا لإرادة الشعب المصري التي تحترمها الولايات المتحدة»، مشيرا إلى تقييم المراقبين للانتخابات بأنها كانت نزيهة، وأن ما شابها من مشكلات كان محدودا ولأسباب فنية غير مؤسسية.
كما التقى الفريق أول السيسي مع وفد الكونغرس. وقال العقيد أركان حرب أحمد محمد علي، المتحدث باسم الجيش، إن الوفد قدم التهنئة للقوات المسلحة والشعب المصري بنجاح عملية الاستفتاء على الدستور، والتأسيس لمرحلة جديدة من التحول الديمقراطي الذي تشهده مصر، وتمكين الشعب المصري من التعبير عن إرادته في مناخ من الحرية والديمقراطية لاستكمال خارطة المستقبل. وأضاف أن اللقاء تناول تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية وانعكاسها على الأمن والاستقرار بالمنطقة، ومناقشة عدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك في ضوء علاقات التعاون العسكري بين مصر والولايات المتحدة الأميركية.
وفي القصر الرئاسي، قال السفير إيهاب بدوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، إن الوفد قدم التهنئة للرئيس منصور على إنجاز أول استحقاق رئيس لخارطة المستقبل، والذي تمثل في إقرار الدستور الجديد بهذه النسبة الفائقة، فضلا عن الإعراب عن دعم وتضامن الكونغرس مع مصر، مشيدا بالالتزام بالجدول الزمني لخارطة المستقبل على الرغم من عبء مكافحة الإرهاب، الذي تواجهه مصر في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخها.
وأضاف أن الوفد عبر عن دعمه وتطلعه لبلورة الاستحقاقات الأخرى لخارطة المستقبل بما يدعم العلاقات البرلمانية بين البلدين بصفة خاصة، وعلاقاتهما الثنائية بصفة عامة. وتابع أنه جرى أثناء اللقاء استعراض مختلف جوانب العلاقات المصرية - الأميركية، وسبل دعمها وتطويرها، بما في ذلك العلاقات العسكرية وتكنولوجيا تحلية وإعادة استخدام المياه والفرص الاستثمارية المتاحة في مصر.
ومن جانبه، أكد القائم بأعمال السفير الأميركي، على الأهمية الاستراتيجية التي تحظى بها مصر في منطقة الشرق الأوسط بأسرها. كما أشار أعضاء الوفد إلى أن الكونغرس الأميركي يدرك أهمية التحديات التي تواجهها مصر في المرحلة الانتقالية، مؤكدين على حرص بلادهم على دعم وتطوير العلاقات المصرية الأميركية. وأشاد أعضاء الوفد بمواد الحقوق والحريات التي زخر بها الدستور الجديد، سواء فيما يتعلق بحرية التعبير عن الرأي أو حرية الاعتقاد والدين، فضلا عن زيادة المخصصات المالية لقطاعات التعليم والصحة والبحث العلمي.
وأكد الرئيس منصور أن هذه النصوص الدستورية يتعين تحويلها إلى قوانين ملزمة ومكسبة لهذه الحقوق والحريات، مشيرا إلى أن العبرة دائما تكون بالتطبيق، ونوه إلى أن الشعب المصري الذي تمكن من إزاحة رئيسين في غضون ثلاث سنوات يعد هو الضامن الأساسي لترجمة هذه النصوص الدستورية على أرض الواقع. وشدد على أهمية إدراك الإدارة الأميركية لطبيعة ونوعية التحديات التي تواجهها مصر في هذه المرحلة، لا سيما أن المصالح الحقيقية لا يمكن تحقيقها إلا مع دول وحكومات قوية ومدعومة شعبيا.
وأكد الرئيس المصري للوفد الأميركي أن حق التظاهر السلمي مكفول، أما اللجوء إلى العنف وتعطيل مسيرة الوطن واقتصاده، فهو أمر مرفوض جملةً وتفصيلا، وستقف الدولة المصرية في مواجهته بكل قوة وحسم. كما أثنى الرئيس منصور على النظام القضائي المصري، واصفا إياه بأنه قضاء عريق، راسخ، ذو تقاليد، ويقدم محاكمات عادلة.
وفيما عدته مصادر في الخارجية المصرية بوادر لتحول محتمل في العلاقات المصرية الأميركية، التي أصيبت ببعض الفتور بعد الإطاحة بحكم الرئيس السابق، أشاد وفد الكونغرس أثناء لقائه بمسؤولين في وزارة الخارجية المصرية بإنجاز مصر بعض خطوات خارطة المستقبل، التي أعلنها الفريق السيسي عقب عزل مرسي قبل ستة أشهر. وجدد السفير بدر عبد العاطي، المتحدث الرسمي باسم الخارجية المصرية التزام بلاده بتنفيذ باقي استحقاقات خارطة المستقبل من انتخابات رئاسية وبرلمانية.
وقال عبد العاطي إن الوفد الأميركي أشاد بإنجاز أول استحقاقات خارطة المستقبل، وذلك أثناء لقائه مع نائب وزير الخارجية السفير حمدي سند لوزة. وتناول السفير لوزة أهمية العلاقات بين البلدين في إطار الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والحوار الاستراتيجي الجاري الترتيب له بين البلدين، وضرورة العمل على دفع العلاقات الاقتصادية والسياحية بين البلدين في ضوء التحسن الملموس للأوضاع الأمنية.
وعلى صعيد متصل، قالت الرئاسة المصرية إن منصور يتوجه اليوم (الاثنين)، في أول زيارة خارجية له بعد إقرار الدستور، إلى اليونان. وقال المتحدث باسم الرئاسة المصرية إن منصور سيعقد عقب وصوله أثينا جلسة مباحثات مع رئيس الوزراء اليوناني، أنتونيس ساماراس. وأضاف أن الزيارة تعد الزيارة الخارجية الأولى التي يجريها الرئيس عقب إنجاز أول استحقاقات خارطة المستقبل، وفي إطار رغبة البلدين في تدعيم وتطوير العلاقات الثنائية بينهما في شتى المجالات.
ويرافق منصور في زيارته للعاصمة اليونانية، والتي تستغرق يوما واحدا، وفد يضم كلا من وزير السياحة هشام زعزوع ووزير الخارجية نبيل فهمي. ويجري منصور جلسة مباحثات منفردة مع الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس، بالقصر الجمهوري، يعقبها مؤتمر صحافي مشترك لرئيسي الدولتين. ثم يقيم الرئيس اليوناني مأدبة غداء على شرف نظيره المصري.
وتلقى منصور أمس اتصالا هاتفيا من الرئيس اللبناني العماد ميشال سليمان هنأه فيه بنتيجة الاستفتاء، وبخيار الشعب المصري نحو الاعتدال والديمقراطية. وأكد سليمان على الدور الرائد لمصر على الصعيدين العربي والدولي، معربا عن تمنياته للشعب المصري بالاستقرار، والازدهار للبلاد.
كما بعث أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمس، ببرقية تهنئه إلى الرئيس المصري عبر فيها عن خالص تهانيه بمناسبة نجاح عملية الاستفتاء على الدستور، وقال إنه خطوة هامة في خارطة المستقبل الهادفة لتحقيق الاستقرار والتنمية في مصر.
من جهته، وصف رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي نتائج الاستفتاء على الدستور المصري الجديد بأنها «مؤشر على رغبة الشعب المصري في الأمن والاستقرار ورفض العنف والإرهاب».
وقال المالكي، في برقية تهنئة إلى الشعب المصري، أمس: «أعرب باسمي، ونيابة عن الحكومة العراقية، عن التهاني الحارة للشعب المصري الشقيق والقيادة المصرية بنجاح الاستفتاء على الدستور المصري الجديد».
وأضاف أن «التأييد الكاسح للمصوتين المصريين لدستورهم الجديد، يمثل أكبر ضمانة لمستقبل مصر، كما يُعدّ مؤشرا على رغبة الشعب المصري الشديدة بالانطلاق نحو مرحلة جديدة من الأمن والاستقرار والحرية، ورفض العنف والإرهاب».
وتابع: «إننا إذ نبارك للشعب المصري ولقيادته الشجاعة هذا الإنجاز الكبير، فإننا نتطلع إلى عودة مصر إلى ممارسة دورها الريادي في العالم العربي والمنطقة».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.