كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي يختار روائعه الأدبية والفلسفية والشعرية لكن بشكل متعسف أحياناً

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب
TT

كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب

هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الأدبية وتستمتع بها؟ هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الفلسفية؟ هل تستطيع أن تطلع على كل الروائع الموسيقية والفنية والسينمائية، وتستمتع بها أيضاً؟ هل تستطيع أن تعشق كل نساء العالم؟ مستحيل.
ومع ذلك فهذا ما يؤكده الكاتب الفرنسي الشهير جاك أتالي، في كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «الطريق إلى لب اللباب». ويمكن ترجمته حرفياً: «الطرق المؤدية إلى ما هو جوهري وأساسي».
والمؤلف هو مستشار الرئيس ميتران سابقاً وصاحب الكتب العديدة. نذكر من بينها: «العقل والإيمان ابن رشد، وابن ميمون، وتوما الأكويني»، 2004، ثم: «تاريخ الحداثة: كيف تفكر البشرية بمستقبلها» 2013، ثم: «هل يمكن أن نتنبأ بالمستقبل؟» 2015.
كما أنه صاحب السير التاريخية الكبرى عن باسكال، وغاندي، وكارل ماركس: روح العالم... إلخ.
في هذا الكتاب الجديد، يقول المؤلف ما معناه: أن الحياة الطيبة والحرة والسعيدة ستكون حتماً أفضل إذا ما اطلعنا على أكبر عدد ممكن من الروائع من شتى الأنواع والأصناف. فهي تشكل وسيلة ممتازة لاكتشاف الآخرين والعالم ونفسك. ولهذا السبب خطرت على بالي فكرة تنظيم قائمة بأسماء هذه الروائع من روايات، وكتب فكرية، وأعمال موسيقية، ولوحات فنية، ودواوين شعرية... إلخ. وقد استغرق مني هذا الفرز عشرات السنين. وقد أحببت أن يشاطرني القراء الأعزاء هذه المختارات أو المنتخبات. وعلى هذا النحو نتج هذا الكتاب.
ثم يردف المؤلف قائلاً: «طيلة زمن طويل جداً ما كان ممكناً للمرء أن يطلع على ثقافات الآخرين إلا قليلاً ونادراً. كان كل واحد منا محصوراً داخل جدران ثقافته الخاصة فقط. وأما اليوم فقد أصبحت كل ثقافات العالم متوافرة لنا جميعاً بفضل الإنترنت وثورة المعلوماتية التي دوخت العقول، وأدخلتنا في طور جديد من أطوار البشرية». ماذا نستنتج من كلام جاك أتالي؟ نستنتج أننا انتقلنا من كنوز التراث العربي مثلاً إلى كنوز البشرية كلها. التراث الصيني والهندي والياباني... إلخ أصبح ملكاً مشاعاً لنا أيضاً. وأنا شخصياً أجد متعة كبيرة في الانتقال من هذا إلى ذاك، وبالأخص من التراث العربي إلى التراث الفرنسي. وأجد أن الإنسان يغتني بتراثين وشخصيتين وثقافتين.
لكن ما هي أعظم 10 روائع روائية؟
يرى المؤلف أنه في مجال الروايات، فإن «دون كيشوت» هي واحدة من أعظم ما كُتب في مجال الرواية. وهذا شيء متفق عليه وتحصيل حاصل. ثم يذكر «موبي ديك» لميلفيل، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«الحرب والسلام» لتولستوي، و«مائة عام من العزلة» لماركيز. وكل هذا اختيار جيد ومقبول تماماً. ولكنه يذكر روايات أخرى أقل قيمة، بل وغير معروفة أحياناً. ثم بالأخص ينسى روائع دوستوفسكي ولا يعدها في العشرة الأوائل. فهل يعقل ذلك؟ وينسى روائع بلزاك، و«الأحمر والأسود» لستندال، و«هيلويز الجديدة» لجان جاك روسو، إلخ. هكذا نلاحظ أن اختياراته تعسفية في قسم منها على الأقل.
ما هي أعظم ثلاثين رائعة روائية؟
هنا يذكر «ألف ليلة وليلة»، وكان ينبغي أن يضعها مع العشرة الأوائل إلى جانب «دون كيشوت». كما يذكر «الأحمر والأسود» لستندال، و«ديفيد كوبرفيلد» لتشارلز ديكنز، و«الإخوة كرامازوف» لدوستوفسكي، و«الغريب» لألبير كامو، إلخ. ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة أبداً اللهم إلا إذا أراد أن يفرض علينا ذوقه وميوله بالقوة.
- ما هي أعظم مائة رائعة روائية؟
هنا نلاحظ أن حظنا نحن العرب يتمثل فقط برواية نجيب محفوظ: «قصر الشوق». وهي الجزء الثاني من ثلاثيته الشهيرة. وفي رأي المؤلف فإنها أفضل الثلاثة. وهو يضعها في مصاف «البؤساء» لفيكتور هيغو، و«عناقيد الغضب» لجون شتاينبيك، و«لمن تقرع الأجراس» لأرنست همنغواي، و«الجريمة والعقاب» لدوستوفسكي، و«التربية العاطفية» لفلوبير... ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة على الإطلاق.
والآن لننتقل إلى روائع من نوع آخر، ولنطرح هذا السؤال:
ما هي أعظم الروائع الفكرية - الأدبية في نظر جاك أتالي؟
هنا نلاحظ أنه يركز على كتب السيرة الذاتية والمقالات والمذكرات الشخصية. وهذا شيء محترم ولا غبار عليه. فهو يذكر كتاب مونتيني الشهير المدعو بـ«المقالات»، الصادر عام 1592. وعنه يقول ما فحواه: هذا الكتاب يشكل قارة بأسرها لوحده. إنه يتحدث عن الكوني من خلال الخصوصي، ويعالج كل جوانب الوجود البشري. وكل ذلك بنرجسية استهزائية عميقة لا تقاوم. يقول مونتيني مثلاً: «لم أصنع كتابي هذا بقدر ما صنعني». بمعنى أنه منصهر فيه تماماً. ولهذا السبب اشتهر الكتاب وظل معتبراً من الروائع الفرنسية بل والعالمية منذ نهاية القرن السادس عشر، وحتى يومنا هذا. هناك كتب تخترق القرون، لا تموت. وهناك كتب تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات، وينساها الناس، وكأنها لم توجد قط. ولكن جاك أتالي ينسى كتاباً عظيماً صدر عام 1762، يدعى «اعترافات» جان جاك روسو. وهذا شيء مؤسف جداً. وهو لا يقل أهمية عن كتاب مونتيني إن لم يزد أضعافاً مضاعفة.
- ما هي أعظم الروائع الفلسفية؟
هنا نتفق معه في اختيار كتاب ابن رشد «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» الصادر عام 1179، المقصود بالحكمة هنا الفلسفة. ولا يسعنا إلا أن نشاركه إعجابه بفيلسوف العرب والإسلام. وسبب إعجابه هو أن ابن رشد نص منذ القرن الثاني عشر على أولوية العقل قياساً إلى النقل. فإذا ما تناقض النقل مع العقل فإنه يتوجب علينا إعادة تأويل النقل لكي يتوافق مع العقل. بمعنى آخر فإن الأولوية للعقل. هذا في حين أن الدوغمائيين المتحجرين يقولون العكس. وربما لهذا السبب نقم عليه فقهاء عصره وحرقوا كتبه في أواخر حياته. (بين قوسين: ولكن هناك رأي يقول العكس تماماً. فابن رشد لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره، وإنما كان فقيهاً متديناً بل وقاضي القضاة في قرطبة. وبالتالي فالشرع الديني أهم بالنسبة له من الفلسفة ويعلو عليها). ثم يختار المؤلف كتاب «خلاصة اللاهوت» للقديس توما الأكويني المؤلف بين عامي 1266 - 1273. وقد استفاد كثيراً من ابن رشد، وحاول مثله التوفيق بين الدين المسيحي والفلسفة اليونانية. أما ابن رشد فقد وفق بين الدين الإسلامي والفلسفة اليونانية ذاتها. لقد وفق كلاهما بين الإيمان والعقل. وهناك فيلسوف ثالث مهم هو موسى بن ميمون الذي استفاد من ابن رشد أيضاً، لكي يوفق بين الدين اليهودي والفلسفة اليونانية. وقد فعل ذلك من خلال كتابه المعروف: «دلالة الحائرين». وقد كتبه بالعربية مباشرة، وبعدئذ ترجموه إلى العبرية واللغات الأخرى. وهو كتاب مهم جداً، ومن روائع القرون الوسطى. ولذلك نقول بأن ابن ميمون مفكر عربي لأن كل من كتب وفكر وأبدع بالعربية فهو عربي. نقول ذلك باعتبار أن العروبة ثقافة وحضارة كونية وليست نزعة عرقية أو عنصرية أو طائفية. هؤلاء الثلاثة الكبار هم فلاسفة العصور الوسطى: المسلم ابن رشد، واليهودي ابن ميمون، والمسيحي توما الأكويني. ونتفق معه أيضاً في اختيار كتاب ديكارت الذي تجاوزهم جميعاً، وأغلق فلسفة العصور الوسطى، ودشن العصور الحديثة من خلال كتابه الشهير «مقال في المنهج» الصادر عام 1637، وهو يقوم فيه بمحاولة لتوجيه العلوم في اتجاه تحقيق التقدم التقني أو التكنولوجي. إن ديكارت يدافع هنا عن حق الإنسان في التفكير بكل حرية بواسطة عقله فقط. وهذا كان يشكل ثورة في تاريخ الفكر البشري. ولكنه لم يستطع تجاوز الدين كلياً، ولم يتجرأ على نقده بشكل مباشر خوفاً من الاغتيال. ولذلك جاء بعده مباشرة تلميذه سبينوزا الذي تجرأ لأول مرة على نقد العقائد اللاهوتية اليهودية - المسيحية نقداً صارماً. ثم جاء بعدهما كانط وأحدث القطيعة الكبرى بين الفلسفة والدين من خلال كتابه الشهير: «نقد العقل الخالص». ولكنه لم ينكر مشروعية الدين على المستوى الميتافيزيقي الأخروي الماورائي. ولم يرفضه في المطلق، كما سيفعل نيتشه لاحقاً. فقط رفض الصيغة الأصولية الظلامية للدين. ولكنه أقر بمشروعية الصيغة التنويرية من خلال كتابه: الدين ضمن حدود العقل فقط.
ولا نخالفه الرأي، إذ يختار «رسالة في التسامح» لفولتير. ومعلوم أنه كتبها دفاعاً عن شخص أقلوي بروتستانتي مضطهد، بل ومقتول من قبل الأغلبية الكاثوليكية في مدينة تولوز الفرنسية. هذا الشخص يدعى جان كالاس. وعندما سمع فولتير بالجريمة أمسك بقلمه وألف هذا الكتاب الذي نحن أحوج ما نكون إليه في عصر «الدواعش». إن فولتير يقدم هنا نصاً فلسفياً كونياً ينطبق على جميع الثقافات وجميع الأديان وجميع العصور. والشيء العجيب في الأمر هو أن فولتير يهاجم هنا طائفته الخاصة بالذات، أي طائفة الأغلبية الكاثوليكية، ويدافع عن الطائفة المضادة، أي طائفة الأقلية البروتستانتية. وهذا شيء نادر عند المثقفين. هل تجدون له مثيلاً في العالم العربي؟ ما عدا صديقي الراحل العفيف الأخضر لا أرى أحداً.. أرجو أن أكون مخطئاً.
- ما هي أعظم الروائع الشعرية؟
الآن دعونا ننتقل إلى الشعر. هل يهتم جاك أتالي به؟ يبدو ذلك. ويضع في مقدمة القائمة «نشيد الإنشاد» التوراتي، ومعه الحق من دون شك. فهو شعر بديع وقصيدة طويلة تمجد الحب والغزل بشكل حسي، بل وإيروتيكي تقريباً، أو حتى من دون تقريباً. والغريب العجيب أنه موضوع في قلب الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين. فهل يمكن أن يتصالح الجنس مع الدين؟ هل يمكن أن يقبل الدين بالغزل الحسي والجنسي محشوراً في نصه المقدس؟ بعده تجيء «الأوديسا» لهوميروس. ولكن أين هي «الإلياذة»؟ ولماذا لم يقع عليها الاختيار؟ سر مجهول. ثم نفاجأ بأنه يصنف كتاب «الأغاني» الشهير لأبي الفرج الأصفهاني في القائمة ذاتها. وقد سعدت جداً بذلك لأنه أحد عيون تراثنا العربي. فشكراً له وألف شكر.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن «رباعيات الخيام»، ونعم الاختيار، فهي كونية ومترجمة إلى مختلف لغات العالم. كما يتحدث عن دانتي وفصل «الجحيم» في «الكوميديا الإلهية». ولكني لن أغفر له أنه نسي ذكر «رسالة الغفران». لماذا لم يضعها في صدر القائمة؟ المعري في رأينا أهم من دانتي. وهو على أي حال سبقه وأثر عليه أيضاً. هنا يوجد نقص كبير في تصنيفات جاك أتالي على الرغم من ألمعيته.
ثم يذكر المؤلف بعدئذ «أزهار الشر» لبودلير وهي من روائع الشعر العالمي بطبيعة الحال. ويقول عنها كلاماً صائباً عندما يصفها بأنها تتحدث عن الألم، والعذاب، والتقزز من الوجود، والهوس بالموت، والطموح إلى الخير. ثم يذكر «التأملات» لفيكتور هيغو، و«أوراق العشب» لوالت ويتمان، و«النبي» لجبران خليل جبران... إلخ. وهنا أيضاً نشكره لأنه أشاد بعبقري لبنان والعرب. لكن ماذا عن قصص الحب والغرام؟ لا أغفر له أنه نسي شعراءنا العذريين من ذو الرمة وحبيبة قلبه الغالية مي، إلى جميل بثينة، فمجنون ليلى:
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريا روضه بعد القطار
تحية للشعر العربي!
تحية لمجنون ليلى، قيس بن الملوح: أعظم مجنون وأنقى شاعر في تاريخ العرب والعالم.


مقالات ذات صلة

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

ثقافة وفنون «الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

«الكتاب الورقي» يربح المعركة و«الإلكتروني» يتعثر

بعد 15 عاماً من الدعايات الحماسية للكتاب الإلكتروني بأنه سيقضي على الورق، ويحول المكتبات التقليدية إلى مجرد مدافن لمحتويات تأكلها الغبار...

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

«أرواحهم في المفكرة» لنبيل سليمان

صدر للروائي والناقد السوري نبيل سليمان كتاب جديد بعنوان «أرواحهم في المفكرة»

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية
TT

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

عندما تستأثر القصيدة العمودية بهوية الذات العربية

سواء كنتَ شاعراً تشارك في المهرجانات الشعرية في العالم العربي، أو محباً للشعر يحلو لك حضور المناسبات الشعرية، فلن تجد صعوبة في ملاحظة ما يشبه الهيمنة العمودية في التعاطي مع الشعر في مهرجاناتنا، أو البرامج الإعلامية ذات الصلة بالأدب والشعر، أو في طبيعة الجوائز المنظمة للتشجيع على هذه القصيدة بالذات دون سواها.

وللعلم، نحن هنا في قلب ماهية الشعر، بل في عمق كيفية بناء العلاقة مع الشعر. فالظاهرة ليست في وجود القصيدة العمودية بقدر ما هي في حجم هذا الوجود، وهذا الحضور القائم على الاستحضار بمختلف الأدوات الممكنة؛ أي أن هيمنة هذه القصيدة بالذات تسحب معها بُعداً مهماً من أبعاد هيمنة الماضي، ناهيك عما تعنيه من احتفالية متعالية عن الضرورة النقدية للنسق الثقافي من بوابة الشعر.

أما الرسالة الأشد دلالة فتكمن في أن ظاهرة عملية الإحياء الشعري المتكررة في العصر الحديث للقصيدة الخليلية، إنما تستبطن مقاربتنا للشعريّ في الزمن الراهن بأدوات جمالية من الماضي، ممّا يكشف أيضاً هذا القبول - ولكنه متردد واحتجاجي - لأدوات قصيدة التفعيلة بعض الشيء، وقصيدة النثر بشكل شبه كامل. لذلك، فإن كُتّاب الشعر الحديث اليوم هم مناضلون يسبحون ضد التيار منذ عقود طويلة؛ شعر يقاوم من أجل الوجود، ورغم أن من يكتبون الشعر الحديث كُثر، فإن ما يحظى به الشعر العمودي من اهتمام ودعم ومناصرة يجعل من الشعر الحديث جمالية أقليّات.

تَعيش القصيدة العمودية الكلاسيكية اليوم عهداً ذهبياً متجدداً، بفضل هندسة دعم متكاملة تجمع بين ضخ الميزانيات الضخمة وحداثة الوسائط الرقمية، مما نجح في تحويل هذا الفن التراثي النخبوي إلى ممارسة تفاعلية حيّة تستهوي الأجيال الناشئة، وتتجاوز الميزانيات السنوية المرصودة لإحياء وتكريس هذا النمط حاجزَ عشرات الملايين من الدولارات في المشهد الثقافي العربي؛ وهو استثمار معلّل برغبة مؤسساتية صريحة في صون الهوية القومية التاريخية، وحمايتها من عواصف التحولات الأدبية المعاصرة، وعلى رأس هذه العواصف: قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.

ويتجلى هذا الدعم المالي بالأرقام في الجوائز والإنتاجات الكبرى؛ حيث تمنح بعض الجوائز مكافآت نقدية مباشرة تفوق مئات آلاف الدولارات في كل دورة، منها أكثر من مائة ألف دولار لصاحب المركز الأول. ولم تقتصر محاولات تكريس البحور الخليلية هنا حكراً على المجالس المغلقة الرافضة للأدوات الشعرية الحديثة في كتابة الشعر، بل انتقلت إلى الفضاء الرقمي بفضل ميزانيات إنتاج تلفزيوني ضخمة تبلغ ملايين الدولارات، نجحت في جذب الجمهور الناشئ وتحقيق جماهيرية للشاعر الذي يكتب الشعر العمودي ويتنافس حوله. وفي السياق ذاته، تُرصد هذه الجوائز، إلى جانب عدد لافت من المؤسسات، ميزانيات سنوية لتكريم البنية القديمة للقصيدة الكلاسيكية الفصيحة، إضافة إلى دعم وتمويل طباعة الدواوين التقليدية وعقد الملتقيات الدولية في شأنها.

هذا الزخم المالي واكبه تطور تقني بارز؛ حيث تم رصد ميزانيات حكومية لتطوير تطبيقات ذكية متخصصة تعمل كأدوات عروضية متطورة تُعنى بضبط الأوزان والقوافي وتنبيه الشعراء الشباب لمواضع الكسر العروضي بدقة فائقة. علاوة على ذلك، أسهمت المنصات الرقمية في خلق فضاءات تفاعلية مخصصة لتدريب وصقل مواهب الناشئة؛ فمن خلال الورش الافتراضية والتدريبية المفتوحة، نجحت هذه الأدوات في تبسيط المفاهيم المعقدة لعلم العروض والبيان العربي. إن هذا التمازج الفريد بين الجوائز التقديرية والتطبيقات التكنولوجية يؤكد هذا الدعم اللامتناهي من أجل نجاح مجهودات إعادة إحياء الشعر العمودي، وتمكينه من الصمود والامتداد داخل الوعي الرقمي المعاصر، بوصفه هوية بصرية وجمالية متجددة ترتكز على بنية مالية صلبة ومستدامة تضمن تفوقها واستمرارها، واستمرار هيمنتها على شعر التفعيلة وقصيدة النثر. إنّها معادلة صعبة بين قصيدة تتمتع بالاعتراف والدعم، وقصيدة تفتقد إلى الاعتراف، ومنظوراً إليها ناقصةَ الشرعية والشعرية. إننا في وضع شعري يمكن توصيفه بديكتاتورية نظام القصيدة العمودية. ذلك أنه لو كان الشعر القديم والحديث يحظيان معاً بالاهتمام والدعم نفسيهما أو بشكل متقارب لتلاشى المشكل من أصله ولظفرنا بمشهد ثري إنتاجاً وتلقياً.

هنالك نزاع صامت وخفي ينتصر للقصيدة العمودية، ولا يكاد يعترف إلا بالقصيدة العمودية وما سواها من منتجات الغَيرية المهدِّدة للهوية العربية في مفهومها الواسع العام. ومن المهم التذكير بأن من أربعينات القرن الماضي ومحاولات إحياء الشعر العربي القديم متواصلة؛ تهدأ فترة ثم تعود حيث عرف الشعر العربي في العصر الحديث مدارس وتيارات واتجاهات عدّة ظهرت بشكل متعاقب منذ بداية عصر النهضة في الفضاء العربي الإسلامي. لذلك، فإن عصر النهضة يمثل تاريخاً مفصلياً في تاريخ الشعر العربي ككل، وعاملاً مهماً في انبثاق النهضة الأدبية في العصر الحديث، خصوصاً أنه بعد عصور ازدهار الشعر العربي، التي تعود إلى الشعر الجاهلي وصولاً إلى الشعر العباسي، شهدت الحياة الأدبية العربية نوعاً من الخمول والضعف، أصاب اللغة العربية والكتابة الشعرية والنثرية، ومسّ كذلك ميولات الثقافة الشعبية التي كانت تجنح إلى الإنتاجات الهزلية والخرافية، الشيء الذي مثّل بدوره سبباً أساسياً من أسباب ظهور النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر، وأكّد الحاجة إليها؛ إذ النهضة مدلولياً تشير إلى حالة من التعارض مع ما سبق، وإلى طموح تجاوز حالة الوهن الحضاري وملامحه الدالة عليه كافة.

وهكذا يتضح لنا أن كل مقاربة للشعر العربي في العصر الحديث، وبشكل خاص تلك التي اهتمت بالمدارس الشعرية الأولى وتحديداً مدرسة الإحياء والبعث، إنما هي بالضرورة مقاربة تتنزل في جزء من تحليلها ومن استنتاجاتها في إطار عصر النهضة؛ باعتبار أن عوامل النهضة الأدبية العربية تساعدنا على فهم طبيعة الخطاب الشعري الإحيائي، وعلى تفسير مضامينه وخياراته الفنية الجمالية وتأويلها. فشأن الشعر، من منظور بنيوي وظيفي ماكرو-سوسيولوجي كشأن سائر مجالات الإبداع كافة، فهو نتاج ظروف تاريخية واجتماعية في أحد أهم وجوهه، وذلك من منطلق أن الشعر جزء من الفعل الاجتماعي وأحد الحقول الاجتماعية المهمة، ويخضع في إنتاجه وتلقيه إلى عملية مركبة من التواصلية والتفاعلية. بمعنى آخر، فإنه كما أبرز ذلك بيير ماشري (Pierre Macherey)؛ لا ينبغي التعامل مع المنتج الأدبي الإبداعي كما لو كان منغلقاً على نفسه، متمركزاً فيها، ولا يرتبط بأي شيء خارجه. فهو - أي الخلق الثقافي الإبداعي - وفق ما ذهب إليه لوسيان غولدمان، نتاج ذاتٍ جماعية، ويحمل في باطنه رسائل ومعاني كاشفة عن طبيعة ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو «نسق الإحالات المشتركة» للذات الجماعية.

إذاً، ظهرت في العصر الحديث مدارس شعرية عربية متعددة، افتتحتها مدرسة الإحياء والبعث، ثم جاءت جماعة «الديوان»، وتولدت المدرسة الرومنطيقية، وذلك في بداية القرن العشرين متأثرة برموز الرومنطقية في الآداب الفرنسية والإنجليزية. وبعدها عرف الشعر العربي جماعة «أبولو»، وأيضاً ما سُمي «أدب المهجر»، وصولاً إلى مدرسة الواقعية في الأدب، ويليها ظهور حركة الشعر الحر أو قصيدة التفعيلة، ثم قصيدة النثر من السبعينات من القرن الماضي، التي انطلقت بأعلامٍ ذوي مواهب مجيدة ونظرة نقدية كرّست أحد أهم شروط الحداثة في الثقافة العربية.

ومن الملاحظات الخاطفة التي نسوقها بشكل عاجل، أن اقتران التجديد الشعري مع نازك الملائكة وبدر شاكر السياب أظهر خصوصية البيئة العراقية الشعرية في هذا النزوع للتجديد والتجريب، الذي تواصل إلى اليوم؛ حيث نجد حالة من الانفتاح الجمالي فريدة من نوعها من الناحيتين: على مستوى الإنتاج الإبداعي، وأيضاً التلقي.

ولعل هذا الكم من المدارس والاتجاهات الذي شهده الشعر العربي في العصر الحديث يكشف بدقة ووضوح عن حالة من الحراك الشعري، من أهم مظاهرها وعناوينها استعادةٌ قوية لمكانة الشعر في الثقافة والحضارة العربيتين، واستنهاضٌ لوظيفة الشعر عند العرب وتلبيةٌ لحاجة اجتماعية وثقافية ملحة للشعر، بوصفه مجالاً من مجالات النهضة وأحد أبرز مضامينها ومسوغاتها. ولكن علاقة العرب بالشعر ظلت في الغالب سكونية في ارتباطها بالقصيدة العمودية؛ إذ نلحظ أن النزعة الإحيائية تظهر ثم تخفت قليلاً ولكن لا تغيب أبداً، الشيء الذي يعني أننا أمام مظهر من مظاهر الهوية التي تمارس الانكفاء من خلال القصيدة العمودية والتي تشغل مقام مقوِّمٍ من مقومات الهوية العربية.

في المقابل، يُعاني الشعر الحديث والمعاصر - بشكل أقل بكثير شعرُ التفعيلة وبشكل أكبر قصيدة النثر - من غياب شبه تام للدعم المؤسساتي المنظم، وضآلة الاعتراف الرسمي بِمُنْجَزِه الجمالي (طبعاً باستثناء بعض القامات الشعرية التي استطاعت الإقناع بالشعر الحديث، واستغلت جيداً فترة الركود «العمودي» الظرفي التي تحصل دائماً)، مقارنة بالحفاوة التي تحظى بها الأنماط التقليدية. فرغم أن الحداثة الشعرية تمثل الوجه الأكثر تعبيراً عن حيوية الإنسان المعاصر وتحولاته النفسية، فإنها لا تزال تُدفع بعيداً نحو الهامش والمبادرات الفردية. ولا يكاد يُرصد لهذا النمط التجديدي ميزانيات تُذكر، ولا توجد تطبيقات ذكية ممولة حكومياً تُعنى بجماليات البناء البصري والتدوير الحداثي، مما يترك الموهبة الشابة المعاصرة في عزلة رقمية وتواصلية رغم ما نراه من تهافت على كتابته والطريقة ذات الأثر العكسي التي يغزو بها وسائل التواصل الاجتماعي وهذا في حد ذاته موضوع جدير بالاهتمام.

ويتجلى هذا التهميش بوضوح في ندرة الجوائز الكبرى المخصصة حصرياً للتجريب النثري، وحرمان الأصوات الجديدة من منصات التكريس اللائقة وتدريب الناشئة، مما يجعل طباعة الدواوين الحديثة ونشرها عبئاً مالياً يقع على كاهل الشاعر نفسه وعدد من دور النشر الطلائعية. إن هذا التفاوت الصارخ في الضخ المالي والاهتمام المؤسساتي لا يعكس قيمة الفن الحقيقية، بقدر ما يكرس قطيعة تجعل الشعر الحديث محاصراً في النطاقات النخبوية الضيقة، ومحروماً من أدوات الانتشار التي تضمن له الحضور والامتداد في الوعي الجمعي؛ ناهيك عن أن الشعر الحديث بقدرته الخاصة على تدوين الراهن وتصوير تفاصيله بحساسية جديدة مع اللغة والواقع والروح المختلفة، سينتهي بنا إلى إيقاف الزمن الشعري عند العمودي، إذ الجماليات المختلفة هي أزمنة وأمكنة مختلفة أيضاً.

من باب الموضوعية، ربما يمكن القول إنه بحكم أن الإعلام الثقافي تشرف عليه في الغالب أصوات حداثية ومتشبعة بالإبداع العالمي، وعاشت في عواصم عربية وغربية جُبلت على التجديد، فإن الصفحات الثقافية تحتفي بالتجارب الشعرية الحداثية أكثر من الأخرى الكلاسيكية.

الفكرة باختصار لا تكمن في مناصرة القصيدة العمودية وتوفير آليات دعم قوية لتأمين البقاء وتأثيرها، فذاك أمر طبيعي ويؤدي وظيفة سوسيولوجية ذات علاقة بالهوية الجمعية، إضافة إلى ما تعنيه مناصرتها من حفظ للغة العربية كمقوِّم رئيسي من مقومات البناء الرمزي للهوية العربية. فالمشكلة - كما تبدو لنا - في هيمنة العمودي وغياب ممارسة ديمقراطية تجاه التعبيرات الجمالية كافة. كما أنه ليس من صالح الشعر العربي ولا الثقافة العربية ألا يوجَّه الضوء للدعم والمناصرة لتجارب شعرية غاية في الإبداع وصنع الدهشة، فقط لأنها من خارج أوزان القصيدة الخليلية. فلتتبارَ الأشكال الشعرية كافة، والرابح دوماً هو الشعر، الذي لا يحدده شكل ولا جماليات بعينها؛ فالشعر انفتاح وانقلاب متواصل تماماً كما هو العقل النقدي الذي محركه النقد.

بيت القصيد أو الجملة الشعرية المراد تسويقها: الشعر لا يضره إحياء القديم ولكن يزهر عندما ننصت لقلبه الحيّ الذي يتجدد مع كل دورة حياة.


«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون
TT

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

«عروس قونيا»... مونتاج سردي يعبر ثمانية قرون

تتحرك الكاتبة اللبنانية رشا مختار دندشلي في روايتها «عروس قونيا - محاكمة شمس التبريزي» بين زمنين تفصل بينهما ثمانية قرون؛ زمن بطلة بيروتية معاصرة تعاني أزمة نفسية، وزمن كيميا خاتون، الطفلة التي عاشت في قونيا خلال القرن الثالث عشر، وظلت سيرتها عالقة في المنطقة الغامضة من العلاقة بين جلال الدين الرومي وشمس التبريزي.

غير أن الرواية الصادرة عن «دار الفارابي» ببيروت لا تنظر إلى الزمن بوصفه خطاً يفصل الماضي عن الحاضر؛ إذ يتداخل العالمان تدريجياً داخل وعي البطلة، لتصبح الحدود بين الذاكرة والتخييل، وبين التجربة النفسية والاستدعاء الميتافيزيقي، أكثر التباساً. وهكذا تتحول القرون الثمانية الفاصلة بين البطلتين إلى مساحة سردية تتقاطع داخلها ذاكرتان وطفولتان، وتستعيد من خلالها «كيميا» صوتاً غيّبته الحكاية الأشهر عن الرومي وشمس التبريزي.

يفتح السرد أمام البطلة بوابة زمنية تستعيد عبرها حياة «كيميا القديمة»، فتبدو كأنها «عاشت آلامها من قبل»، ويقود هذا المسار الرواية إلى منطقة ميتافيزيقية تتداخل فيها أفكار التقمص والتزامن والذاكرة الجمعية والأكوان المتوازية، وهي أفكار تستعيدها البطلة وتناقشها في حوار متصل مع جدها المنحدر من أصول صوفية.

كما يبدو اختيار الكاتبة لعمل بطلتها المعاصرة في مونتاج الأفلام الوثائقية مفتاحاً فنياً لبنية الرواية نفسها؛ إذ يتفعّل «المونتاج السردي» على امتداد العمل بين زمنين ومكانين وذاكرتين، وتدخل المشاهد المتباعدة في علاقات جديدة، بحيث تضيء كل لقطة ما يقابلها في الزمن الآخر. وتعيد الرواية تركيب شذرات سيرة كيميا داخل وعي امرأة معاصرة، فتغدو الحكاية القديمة مرآة لأزمات الحاضر. ويصبح عمل البطلة في المونتاج أكثر من مجرد تفصيلة مهنية؛ إذ ينسجم مع طبيعة وعيها الذي يجمع صوراً وأصواتاً وأزمنة متناثرة، ويعيد تركيبها داخل سردية واحدة.

ولا يقتصر التوازي بين البطلتين على حمل الألم أو الإحساس بالتخلي، بل يمتد إلى جراح الطفولة نفسها؛ فكلتاهما تواجه عالماً صنعه الكبار، ثم تركوا الطفلة تتحمل نتائجه.

تبعات الزلزال

تخلق الرواية بعض ومضاتها السردية الأبرز من خلال التقابل بين أحداث تفصل بينها قرون، لكنها تتجاور داخل ذهن البطلة، ففي أحد مشاهد الرواية يتزامن زلزال قونيا، الذي عدّه بعض أهلها لعنة إلهية حلت بهم بسبب إيذائهم شمس التبريزي، مع توابع زلزال ضرب بيروت، وأعادت حوله بعض الأصوات المعاصرة إنتاج التفسير الغيبي نفسه، بوصفه عقاباً أو لعنة.

ولا تتوقف هذه المقابلة عند تشابه حادثتين، بقدر ما تكشف استمرار العقل الجمعي في إنتاج تفسيراته نفسها، رغم تغير الأزمنة، فبينما يهتز المكانان، يبدأ الزمن نفسه في الاهتزاز داخل وعي البطلة؛ فتتجاور قونيا وبيروت، ويختلط الزلزال التاريخي بتوابعه المعاصرة، كما لو أن الحدثين يقعان في اللحظة نفسها.

تنجح الكاتبة في منح زمن قونيا كثافة محسوسة؛ فلا يظهر القرن الثالث عشر مجرد خلفية تاريخية، وإنما عالماً تجري معايشته عبر تفاصيل البيوت والأفنية والمدارس والأسواق والملابس والطعام ومجالس العلم والسماع. وتتيح هذه التفاصيل للقارئ أن يدخل بيت الرومي، ويرى نافورته وشجرة الدلب وحبات التفاح المتدلية من أغصانها، ويتابع التحوّلات التي أحدثها حضور شمس التبريزي في البيت والمدينة معاً. وتستعين دندشلي بالمادة التاريخية المتاحة، في مقدمتها «مناقب العارفين» لأحمد الأفلاكي، أحد أبرز المراجع القديمة عن سيرة الرومي وشمس التبريزي، لكنها لا تتعامل مع تلك المادة بوصفها حقيقة نهائية. فالفراغات والتناقضات المحيطة بمصير كيميا تصبح المساحة التي يدخل منها الخيال الروائي لإعادة تركيب الحكاية من منظور الشخصية التي ظلت طويلاً على هامشها.

وفي هذا المزج بين المرجع التاريخي والتخييل، لا تبحث الرواية عن إجابة قاطعة عما وقع، بقدر ما تحاول تصور ما كان يمكن أن تشعر به طفلة وجدت نفسها داخل واحدة من أشهر العلاقات الروحية في التاريخ. ولذلك لا تصبح قونيا ديكوراً تاريخياً، بل عالماً له لغته وأسئلته وصراعاته، تخضعه الرواية في الوقت نفسه للمراجعة، خصوصاً حين تتحول لغة «الباطن» والمشيئة الروحية إلى وسيلة لتبرير قرارات إنسانية قاسية.

محاكمة الأسطورة

تقود الكاتبة قارئها إلى سرد ملغم بالمفارقات داخل عالم الصوفية؛ فهي تنجذب إلى أسئلته عن الزمن والروح والفناء، لكنها ترفض التسليم بهالة القداسة التي أحاطت بأبطاله، ومن ثم تتبنى الرواية موقفاً نقدياً من السطوع المعاصر لنجم شمس التبريزي، لا سيما بعد الانتشار الواسع لرواية «قواعد العشق الأربعون»، كما لا تقف من جلال الدين الرومي موقف التسليم الذي يحجب تناقضاته البشرية.

لا تستهدف الرواية إنكار القيمة الروحية أو الشعرية للرومي والتبريزي، بقدر ما تسائل الثمن الإنساني الذي دفعه المحيطون بهما، وعلى رأسهم كيميا، فهي تعيد النظر في موافقة الرومي على تزويج الطفلة اليتيمة ذات الثالثة عشرة من شيخه المتقدم في العمر، في زواج بدا هدفه ضمان استقرار شمس ومنعه من مغادرة قونيا، إلى جانب إسكات الأقاويل التي لاحقت شدة تعلق الرجلين ببعضهما البعض.

هنا تكمن المفارقة المركزية؛ فالأسطورة التي قدمت الرومي وشمس بوصفهما رمزين للعشق المتعالي، تخفي في هامشها طفلة جرى التعامل معها كوسيلة لحماية هذا العشق وضمان استمراره. ومن خلال نقل كيميا من الهامش إلى مركز السرد، تتحول «عروس قونيا» من إعادة رواية سيرة صوفية شهيرة إلى مساءلة مَن امتلك حق كتابة تلك السيرة.

وفي مقابل هذه المراجعة التاريخية، تمضي البطلة المعاصرة في مراجعة أزماتها الشخصية؛ طفولتها، وشعورها بالتخلي، وهشاشتها النفسية، وقدرتها على التمييز بين ما عاشته بالفعل وما أعاد لا وعيها بناءه، وهكذا تتقدم المحاكمتان معاً؛ محاكمة الأسطورة في الماضي، ومحاكمة البطلة لتصوّرها عن نفسها في الحاضر.

ومع نهايتها، تكشف الرواية عن مفاجأة سردية لا تهدم ما سبق أن شيدته من أزمنة وعوالم، بقدر ما تكثف سؤالها عن العلاقة بين الزمن التاريخي والزمن النفسي، وعن المسافة الملتبسة بين الذاكرة والتخييل، وهي الأسئلة التي تشير إليها الكاتبة في المراجع التاريخية والنفسية والفلسفية التي استعانت بها، من دون أن تنحاز إلى تفسير نهائي لما عاشته البطلة.


ثلاث قصائد

ثلاث قصائد
TT

ثلاث قصائد

ثلاث قصائد

دعاء

أعدني للكتاب

لاخضرار يدي

كلما لامست ورقة.

أعدني إلى الراقدين على الرفِ

علّي أتشربُ شيئا

من مدادٍ يسيلُ

حين يزحف ضوءُ

أو يبرق رعدُ.

أعدني لعيني

تسفح الضوءَ فوق الحروف

على المتنِ والهامشِ

أعدني لتلك السلاسل،

طينيةً، رمليةً، صخريةً،

ولا تغلق الحرفَ دوني.

أعدني لمكتبة النهرِ

أقرأ أسماءَ موتاهُ

مفروشة على الماء مثل النجوم،

لمكتبةِ الطيرِ

أقرأ ما حمل الريشُ

قدني إلى مدخل البرجِ

أبسطْ يديّ،

أعنْ قدميّ

لأصعد للبرجٍ حيث كتاب أبي...

أمام النهر

قلت: أمضي إلى النهرِ

علّيَ أنسى

شبح البيت، يطرق كل مساء

على الصدرِ...

علّ القواربَ تأخذني

إلى آخر النهرِ

حيث السماء

تتلألأ فوق المياه،

لذاك الضياءِ،

موسيقاه تعزف فوق الضفاف.

قمر جديد

سيهبط فوق الشجر

ويولد ليل جديد.

أتوحد والماءَ،

يصعد نحو السماء

قطرةً...قطرةً.....القوارب تمضي بدوني،

ربما إلى البحرِ،

وأنا أرقب النهرَ...

كان نهراً غريبا.

كأني بيت قديم

كأنّيَ بيتٌ قديم

أرمّم أحجارهُ

حجراً... حجراً

كلما مرّت الريحُ بين أركانهِ

وأسدّ الثقوب

ثم تنضح ماء

كلما استدرتُ

سئمتُ

-لا أبا لك-

وأنا أراني

أبدّل عضواً فعضوا

والذين أحبّ مضوا

كلٌ لبيت غريبِ

وقد كنتُ - أذكرُ- بيتاً

كلما بهمُ ضاق يتسعُ

ثمّ أني تعبتُ

من الحلمِ أن أبصر الحلمَ يوماً

ماشياً في الشوارعِ،

وهو يختالُ مرتدياً ثيابي،

يتقافز فوق النوافذ،

ناضحاً ما يشاء

من اللون فوق الرؤوس

فتقوم المدينة

من النوم بيضاء ما مسها ضررُ.

ثمّ أنيَ مني تعبتُ

ومن شبحي

وأنا أنتظر

وقت غارته الأبدية

عند منتصف الليلِ...

كلّ ليلِ.