كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي يختار روائعه الأدبية والفلسفية والشعرية لكن بشكل متعسف أحياناً

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب
TT

كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب

هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الأدبية وتستمتع بها؟ هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الفلسفية؟ هل تستطيع أن تطلع على كل الروائع الموسيقية والفنية والسينمائية، وتستمتع بها أيضاً؟ هل تستطيع أن تعشق كل نساء العالم؟ مستحيل.
ومع ذلك فهذا ما يؤكده الكاتب الفرنسي الشهير جاك أتالي، في كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «الطريق إلى لب اللباب». ويمكن ترجمته حرفياً: «الطرق المؤدية إلى ما هو جوهري وأساسي».
والمؤلف هو مستشار الرئيس ميتران سابقاً وصاحب الكتب العديدة. نذكر من بينها: «العقل والإيمان ابن رشد، وابن ميمون، وتوما الأكويني»، 2004، ثم: «تاريخ الحداثة: كيف تفكر البشرية بمستقبلها» 2013، ثم: «هل يمكن أن نتنبأ بالمستقبل؟» 2015.
كما أنه صاحب السير التاريخية الكبرى عن باسكال، وغاندي، وكارل ماركس: روح العالم... إلخ.
في هذا الكتاب الجديد، يقول المؤلف ما معناه: أن الحياة الطيبة والحرة والسعيدة ستكون حتماً أفضل إذا ما اطلعنا على أكبر عدد ممكن من الروائع من شتى الأنواع والأصناف. فهي تشكل وسيلة ممتازة لاكتشاف الآخرين والعالم ونفسك. ولهذا السبب خطرت على بالي فكرة تنظيم قائمة بأسماء هذه الروائع من روايات، وكتب فكرية، وأعمال موسيقية، ولوحات فنية، ودواوين شعرية... إلخ. وقد استغرق مني هذا الفرز عشرات السنين. وقد أحببت أن يشاطرني القراء الأعزاء هذه المختارات أو المنتخبات. وعلى هذا النحو نتج هذا الكتاب.
ثم يردف المؤلف قائلاً: «طيلة زمن طويل جداً ما كان ممكناً للمرء أن يطلع على ثقافات الآخرين إلا قليلاً ونادراً. كان كل واحد منا محصوراً داخل جدران ثقافته الخاصة فقط. وأما اليوم فقد أصبحت كل ثقافات العالم متوافرة لنا جميعاً بفضل الإنترنت وثورة المعلوماتية التي دوخت العقول، وأدخلتنا في طور جديد من أطوار البشرية». ماذا نستنتج من كلام جاك أتالي؟ نستنتج أننا انتقلنا من كنوز التراث العربي مثلاً إلى كنوز البشرية كلها. التراث الصيني والهندي والياباني... إلخ أصبح ملكاً مشاعاً لنا أيضاً. وأنا شخصياً أجد متعة كبيرة في الانتقال من هذا إلى ذاك، وبالأخص من التراث العربي إلى التراث الفرنسي. وأجد أن الإنسان يغتني بتراثين وشخصيتين وثقافتين.
لكن ما هي أعظم 10 روائع روائية؟
يرى المؤلف أنه في مجال الروايات، فإن «دون كيشوت» هي واحدة من أعظم ما كُتب في مجال الرواية. وهذا شيء متفق عليه وتحصيل حاصل. ثم يذكر «موبي ديك» لميلفيل، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«الحرب والسلام» لتولستوي، و«مائة عام من العزلة» لماركيز. وكل هذا اختيار جيد ومقبول تماماً. ولكنه يذكر روايات أخرى أقل قيمة، بل وغير معروفة أحياناً. ثم بالأخص ينسى روائع دوستوفسكي ولا يعدها في العشرة الأوائل. فهل يعقل ذلك؟ وينسى روائع بلزاك، و«الأحمر والأسود» لستندال، و«هيلويز الجديدة» لجان جاك روسو، إلخ. هكذا نلاحظ أن اختياراته تعسفية في قسم منها على الأقل.
ما هي أعظم ثلاثين رائعة روائية؟
هنا يذكر «ألف ليلة وليلة»، وكان ينبغي أن يضعها مع العشرة الأوائل إلى جانب «دون كيشوت». كما يذكر «الأحمر والأسود» لستندال، و«ديفيد كوبرفيلد» لتشارلز ديكنز، و«الإخوة كرامازوف» لدوستوفسكي، و«الغريب» لألبير كامو، إلخ. ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة أبداً اللهم إلا إذا أراد أن يفرض علينا ذوقه وميوله بالقوة.
- ما هي أعظم مائة رائعة روائية؟
هنا نلاحظ أن حظنا نحن العرب يتمثل فقط برواية نجيب محفوظ: «قصر الشوق». وهي الجزء الثاني من ثلاثيته الشهيرة. وفي رأي المؤلف فإنها أفضل الثلاثة. وهو يضعها في مصاف «البؤساء» لفيكتور هيغو، و«عناقيد الغضب» لجون شتاينبيك، و«لمن تقرع الأجراس» لأرنست همنغواي، و«الجريمة والعقاب» لدوستوفسكي، و«التربية العاطفية» لفلوبير... ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة على الإطلاق.
والآن لننتقل إلى روائع من نوع آخر، ولنطرح هذا السؤال:
ما هي أعظم الروائع الفكرية - الأدبية في نظر جاك أتالي؟
هنا نلاحظ أنه يركز على كتب السيرة الذاتية والمقالات والمذكرات الشخصية. وهذا شيء محترم ولا غبار عليه. فهو يذكر كتاب مونتيني الشهير المدعو بـ«المقالات»، الصادر عام 1592. وعنه يقول ما فحواه: هذا الكتاب يشكل قارة بأسرها لوحده. إنه يتحدث عن الكوني من خلال الخصوصي، ويعالج كل جوانب الوجود البشري. وكل ذلك بنرجسية استهزائية عميقة لا تقاوم. يقول مونتيني مثلاً: «لم أصنع كتابي هذا بقدر ما صنعني». بمعنى أنه منصهر فيه تماماً. ولهذا السبب اشتهر الكتاب وظل معتبراً من الروائع الفرنسية بل والعالمية منذ نهاية القرن السادس عشر، وحتى يومنا هذا. هناك كتب تخترق القرون، لا تموت. وهناك كتب تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات، وينساها الناس، وكأنها لم توجد قط. ولكن جاك أتالي ينسى كتاباً عظيماً صدر عام 1762، يدعى «اعترافات» جان جاك روسو. وهذا شيء مؤسف جداً. وهو لا يقل أهمية عن كتاب مونتيني إن لم يزد أضعافاً مضاعفة.
- ما هي أعظم الروائع الفلسفية؟
هنا نتفق معه في اختيار كتاب ابن رشد «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» الصادر عام 1179، المقصود بالحكمة هنا الفلسفة. ولا يسعنا إلا أن نشاركه إعجابه بفيلسوف العرب والإسلام. وسبب إعجابه هو أن ابن رشد نص منذ القرن الثاني عشر على أولوية العقل قياساً إلى النقل. فإذا ما تناقض النقل مع العقل فإنه يتوجب علينا إعادة تأويل النقل لكي يتوافق مع العقل. بمعنى آخر فإن الأولوية للعقل. هذا في حين أن الدوغمائيين المتحجرين يقولون العكس. وربما لهذا السبب نقم عليه فقهاء عصره وحرقوا كتبه في أواخر حياته. (بين قوسين: ولكن هناك رأي يقول العكس تماماً. فابن رشد لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره، وإنما كان فقيهاً متديناً بل وقاضي القضاة في قرطبة. وبالتالي فالشرع الديني أهم بالنسبة له من الفلسفة ويعلو عليها). ثم يختار المؤلف كتاب «خلاصة اللاهوت» للقديس توما الأكويني المؤلف بين عامي 1266 - 1273. وقد استفاد كثيراً من ابن رشد، وحاول مثله التوفيق بين الدين المسيحي والفلسفة اليونانية. أما ابن رشد فقد وفق بين الدين الإسلامي والفلسفة اليونانية ذاتها. لقد وفق كلاهما بين الإيمان والعقل. وهناك فيلسوف ثالث مهم هو موسى بن ميمون الذي استفاد من ابن رشد أيضاً، لكي يوفق بين الدين اليهودي والفلسفة اليونانية. وقد فعل ذلك من خلال كتابه المعروف: «دلالة الحائرين». وقد كتبه بالعربية مباشرة، وبعدئذ ترجموه إلى العبرية واللغات الأخرى. وهو كتاب مهم جداً، ومن روائع القرون الوسطى. ولذلك نقول بأن ابن ميمون مفكر عربي لأن كل من كتب وفكر وأبدع بالعربية فهو عربي. نقول ذلك باعتبار أن العروبة ثقافة وحضارة كونية وليست نزعة عرقية أو عنصرية أو طائفية. هؤلاء الثلاثة الكبار هم فلاسفة العصور الوسطى: المسلم ابن رشد، واليهودي ابن ميمون، والمسيحي توما الأكويني. ونتفق معه أيضاً في اختيار كتاب ديكارت الذي تجاوزهم جميعاً، وأغلق فلسفة العصور الوسطى، ودشن العصور الحديثة من خلال كتابه الشهير «مقال في المنهج» الصادر عام 1637، وهو يقوم فيه بمحاولة لتوجيه العلوم في اتجاه تحقيق التقدم التقني أو التكنولوجي. إن ديكارت يدافع هنا عن حق الإنسان في التفكير بكل حرية بواسطة عقله فقط. وهذا كان يشكل ثورة في تاريخ الفكر البشري. ولكنه لم يستطع تجاوز الدين كلياً، ولم يتجرأ على نقده بشكل مباشر خوفاً من الاغتيال. ولذلك جاء بعده مباشرة تلميذه سبينوزا الذي تجرأ لأول مرة على نقد العقائد اللاهوتية اليهودية - المسيحية نقداً صارماً. ثم جاء بعدهما كانط وأحدث القطيعة الكبرى بين الفلسفة والدين من خلال كتابه الشهير: «نقد العقل الخالص». ولكنه لم ينكر مشروعية الدين على المستوى الميتافيزيقي الأخروي الماورائي. ولم يرفضه في المطلق، كما سيفعل نيتشه لاحقاً. فقط رفض الصيغة الأصولية الظلامية للدين. ولكنه أقر بمشروعية الصيغة التنويرية من خلال كتابه: الدين ضمن حدود العقل فقط.
ولا نخالفه الرأي، إذ يختار «رسالة في التسامح» لفولتير. ومعلوم أنه كتبها دفاعاً عن شخص أقلوي بروتستانتي مضطهد، بل ومقتول من قبل الأغلبية الكاثوليكية في مدينة تولوز الفرنسية. هذا الشخص يدعى جان كالاس. وعندما سمع فولتير بالجريمة أمسك بقلمه وألف هذا الكتاب الذي نحن أحوج ما نكون إليه في عصر «الدواعش». إن فولتير يقدم هنا نصاً فلسفياً كونياً ينطبق على جميع الثقافات وجميع الأديان وجميع العصور. والشيء العجيب في الأمر هو أن فولتير يهاجم هنا طائفته الخاصة بالذات، أي طائفة الأغلبية الكاثوليكية، ويدافع عن الطائفة المضادة، أي طائفة الأقلية البروتستانتية. وهذا شيء نادر عند المثقفين. هل تجدون له مثيلاً في العالم العربي؟ ما عدا صديقي الراحل العفيف الأخضر لا أرى أحداً.. أرجو أن أكون مخطئاً.
- ما هي أعظم الروائع الشعرية؟
الآن دعونا ننتقل إلى الشعر. هل يهتم جاك أتالي به؟ يبدو ذلك. ويضع في مقدمة القائمة «نشيد الإنشاد» التوراتي، ومعه الحق من دون شك. فهو شعر بديع وقصيدة طويلة تمجد الحب والغزل بشكل حسي، بل وإيروتيكي تقريباً، أو حتى من دون تقريباً. والغريب العجيب أنه موضوع في قلب الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين. فهل يمكن أن يتصالح الجنس مع الدين؟ هل يمكن أن يقبل الدين بالغزل الحسي والجنسي محشوراً في نصه المقدس؟ بعده تجيء «الأوديسا» لهوميروس. ولكن أين هي «الإلياذة»؟ ولماذا لم يقع عليها الاختيار؟ سر مجهول. ثم نفاجأ بأنه يصنف كتاب «الأغاني» الشهير لأبي الفرج الأصفهاني في القائمة ذاتها. وقد سعدت جداً بذلك لأنه أحد عيون تراثنا العربي. فشكراً له وألف شكر.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن «رباعيات الخيام»، ونعم الاختيار، فهي كونية ومترجمة إلى مختلف لغات العالم. كما يتحدث عن دانتي وفصل «الجحيم» في «الكوميديا الإلهية». ولكني لن أغفر له أنه نسي ذكر «رسالة الغفران». لماذا لم يضعها في صدر القائمة؟ المعري في رأينا أهم من دانتي. وهو على أي حال سبقه وأثر عليه أيضاً. هنا يوجد نقص كبير في تصنيفات جاك أتالي على الرغم من ألمعيته.
ثم يذكر المؤلف بعدئذ «أزهار الشر» لبودلير وهي من روائع الشعر العالمي بطبيعة الحال. ويقول عنها كلاماً صائباً عندما يصفها بأنها تتحدث عن الألم، والعذاب، والتقزز من الوجود، والهوس بالموت، والطموح إلى الخير. ثم يذكر «التأملات» لفيكتور هيغو، و«أوراق العشب» لوالت ويتمان، و«النبي» لجبران خليل جبران... إلخ. وهنا أيضاً نشكره لأنه أشاد بعبقري لبنان والعرب. لكن ماذا عن قصص الحب والغرام؟ لا أغفر له أنه نسي شعراءنا العذريين من ذو الرمة وحبيبة قلبه الغالية مي، إلى جميل بثينة، فمجنون ليلى:
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريا روضه بعد القطار
تحية للشعر العربي!
تحية لمجنون ليلى، قيس بن الملوح: أعظم مجنون وأنقى شاعر في تاريخ العرب والعالم.


مقالات ذات صلة

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

كتب كاثرين جيزير-مورتون

الحياة سرداً معلّباً في زمن الخوارزميّات

لا تكاد تخلو جريدة أو مجلّة في أيّامنا من مقالة أو أكثر تحذر من إدمان الشاشات وتآكل قدرات التركيز التي انتهى إليها الإنسان المعاصر

ندى حطيط
كتب «حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

«حكايات الغماز»... نصوص تتشكل وحدتها عبر المكان والشخصيات

تؤسس الكاتبة المصرية هبة الله أحمد عالم مجموعتها «حكايات الغماز» على مفارقة مكانية وحركية

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

كتابات تدعو القارئ إلى «الخروج من القاع»

تفتتح الكاتبة أحلام نواف بارود كتابها «لم نُخلَق للقاع» بإهداء يشرع أمام القارئ أبواب الأمل: «إلى آخر يوم في حياتك، مُصرّح لك بالتجربة والخطأ والتعلّم»

«الشرق الأوسط» (عمّان)
يوميات الشرق الأدب الكلاسيكي عائد بقوَّة من خلال الأفلام والمسلسلات (إنستغرام) p-circle 01:30

من «الأوديسة» إلى «شرق عدن»... كيف فتحت شهيَّة هوليوود و«نتفليكس» على الأدب الكلاسيكي؟

أكثر من أي وقت تلجأ كبرى استوديوهات الإنتاج إلى الروايات الكلاسيكية القديمة، لصناعة أفلام ومسلسلات منها. فما مردُّ هذه الظاهرة؟

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟

شوقي بزيع

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.