كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي يختار روائعه الأدبية والفلسفية والشعرية لكن بشكل متعسف أحياناً

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب
TT

كتب تخترق القرون وأخرى تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات

جاك أتالي  -  غلاف الكتاب
جاك أتالي - غلاف الكتاب

هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الأدبية وتستمتع بها؟ هل تستطيع أن تقرأ كل الروائع الفلسفية؟ هل تستطيع أن تطلع على كل الروائع الموسيقية والفنية والسينمائية، وتستمتع بها أيضاً؟ هل تستطيع أن تعشق كل نساء العالم؟ مستحيل.
ومع ذلك فهذا ما يؤكده الكاتب الفرنسي الشهير جاك أتالي، في كتاب صدر مؤخراً بعنوان: «الطريق إلى لب اللباب». ويمكن ترجمته حرفياً: «الطرق المؤدية إلى ما هو جوهري وأساسي».
والمؤلف هو مستشار الرئيس ميتران سابقاً وصاحب الكتب العديدة. نذكر من بينها: «العقل والإيمان ابن رشد، وابن ميمون، وتوما الأكويني»، 2004، ثم: «تاريخ الحداثة: كيف تفكر البشرية بمستقبلها» 2013، ثم: «هل يمكن أن نتنبأ بالمستقبل؟» 2015.
كما أنه صاحب السير التاريخية الكبرى عن باسكال، وغاندي، وكارل ماركس: روح العالم... إلخ.
في هذا الكتاب الجديد، يقول المؤلف ما معناه: أن الحياة الطيبة والحرة والسعيدة ستكون حتماً أفضل إذا ما اطلعنا على أكبر عدد ممكن من الروائع من شتى الأنواع والأصناف. فهي تشكل وسيلة ممتازة لاكتشاف الآخرين والعالم ونفسك. ولهذا السبب خطرت على بالي فكرة تنظيم قائمة بأسماء هذه الروائع من روايات، وكتب فكرية، وأعمال موسيقية، ولوحات فنية، ودواوين شعرية... إلخ. وقد استغرق مني هذا الفرز عشرات السنين. وقد أحببت أن يشاطرني القراء الأعزاء هذه المختارات أو المنتخبات. وعلى هذا النحو نتج هذا الكتاب.
ثم يردف المؤلف قائلاً: «طيلة زمن طويل جداً ما كان ممكناً للمرء أن يطلع على ثقافات الآخرين إلا قليلاً ونادراً. كان كل واحد منا محصوراً داخل جدران ثقافته الخاصة فقط. وأما اليوم فقد أصبحت كل ثقافات العالم متوافرة لنا جميعاً بفضل الإنترنت وثورة المعلوماتية التي دوخت العقول، وأدخلتنا في طور جديد من أطوار البشرية». ماذا نستنتج من كلام جاك أتالي؟ نستنتج أننا انتقلنا من كنوز التراث العربي مثلاً إلى كنوز البشرية كلها. التراث الصيني والهندي والياباني... إلخ أصبح ملكاً مشاعاً لنا أيضاً. وأنا شخصياً أجد متعة كبيرة في الانتقال من هذا إلى ذاك، وبالأخص من التراث العربي إلى التراث الفرنسي. وأجد أن الإنسان يغتني بتراثين وشخصيتين وثقافتين.
لكن ما هي أعظم 10 روائع روائية؟
يرى المؤلف أنه في مجال الروايات، فإن «دون كيشوت» هي واحدة من أعظم ما كُتب في مجال الرواية. وهذا شيء متفق عليه وتحصيل حاصل. ثم يذكر «موبي ديك» لميلفيل، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«الحرب والسلام» لتولستوي، و«مائة عام من العزلة» لماركيز. وكل هذا اختيار جيد ومقبول تماماً. ولكنه يذكر روايات أخرى أقل قيمة، بل وغير معروفة أحياناً. ثم بالأخص ينسى روائع دوستوفسكي ولا يعدها في العشرة الأوائل. فهل يعقل ذلك؟ وينسى روائع بلزاك، و«الأحمر والأسود» لستندال، و«هيلويز الجديدة» لجان جاك روسو، إلخ. هكذا نلاحظ أن اختياراته تعسفية في قسم منها على الأقل.
ما هي أعظم ثلاثين رائعة روائية؟
هنا يذكر «ألف ليلة وليلة»، وكان ينبغي أن يضعها مع العشرة الأوائل إلى جانب «دون كيشوت». كما يذكر «الأحمر والأسود» لستندال، و«ديفيد كوبرفيلد» لتشارلز ديكنز، و«الإخوة كرامازوف» لدوستوفسكي، و«الغريب» لألبير كامو، إلخ. ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة أبداً اللهم إلا إذا أراد أن يفرض علينا ذوقه وميوله بالقوة.
- ما هي أعظم مائة رائعة روائية؟
هنا نلاحظ أن حظنا نحن العرب يتمثل فقط برواية نجيب محفوظ: «قصر الشوق». وهي الجزء الثاني من ثلاثيته الشهيرة. وفي رأي المؤلف فإنها أفضل الثلاثة. وهو يضعها في مصاف «البؤساء» لفيكتور هيغو، و«عناقيد الغضب» لجون شتاينبيك، و«لمن تقرع الأجراس» لأرنست همنغواي، و«الجريمة والعقاب» لدوستوفسكي، و«التربية العاطفية» لفلوبير... ولكنه يذكر أسماء أخرى غير مقنعة على الإطلاق.
والآن لننتقل إلى روائع من نوع آخر، ولنطرح هذا السؤال:
ما هي أعظم الروائع الفكرية - الأدبية في نظر جاك أتالي؟
هنا نلاحظ أنه يركز على كتب السيرة الذاتية والمقالات والمذكرات الشخصية. وهذا شيء محترم ولا غبار عليه. فهو يذكر كتاب مونتيني الشهير المدعو بـ«المقالات»، الصادر عام 1592. وعنه يقول ما فحواه: هذا الكتاب يشكل قارة بأسرها لوحده. إنه يتحدث عن الكوني من خلال الخصوصي، ويعالج كل جوانب الوجود البشري. وكل ذلك بنرجسية استهزائية عميقة لا تقاوم. يقول مونتيني مثلاً: «لم أصنع كتابي هذا بقدر ما صنعني». بمعنى أنه منصهر فيه تماماً. ولهذا السبب اشتهر الكتاب وظل معتبراً من الروائع الفرنسية بل والعالمية منذ نهاية القرن السادس عشر، وحتى يومنا هذا. هناك كتب تخترق القرون، لا تموت. وهناك كتب تموت في أرضها أو بعد صدورها بساعات، وينساها الناس، وكأنها لم توجد قط. ولكن جاك أتالي ينسى كتاباً عظيماً صدر عام 1762، يدعى «اعترافات» جان جاك روسو. وهذا شيء مؤسف جداً. وهو لا يقل أهمية عن كتاب مونتيني إن لم يزد أضعافاً مضاعفة.
- ما هي أعظم الروائع الفلسفية؟
هنا نتفق معه في اختيار كتاب ابن رشد «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال» الصادر عام 1179، المقصود بالحكمة هنا الفلسفة. ولا يسعنا إلا أن نشاركه إعجابه بفيلسوف العرب والإسلام. وسبب إعجابه هو أن ابن رشد نص منذ القرن الثاني عشر على أولوية العقل قياساً إلى النقل. فإذا ما تناقض النقل مع العقل فإنه يتوجب علينا إعادة تأويل النقل لكي يتوافق مع العقل. بمعنى آخر فإن الأولوية للعقل. هذا في حين أن الدوغمائيين المتحجرين يقولون العكس. وربما لهذا السبب نقم عليه فقهاء عصره وحرقوا كتبه في أواخر حياته. (بين قوسين: ولكن هناك رأي يقول العكس تماماً. فابن رشد لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره، وإنما كان فقيهاً متديناً بل وقاضي القضاة في قرطبة. وبالتالي فالشرع الديني أهم بالنسبة له من الفلسفة ويعلو عليها). ثم يختار المؤلف كتاب «خلاصة اللاهوت» للقديس توما الأكويني المؤلف بين عامي 1266 - 1273. وقد استفاد كثيراً من ابن رشد، وحاول مثله التوفيق بين الدين المسيحي والفلسفة اليونانية. أما ابن رشد فقد وفق بين الدين الإسلامي والفلسفة اليونانية ذاتها. لقد وفق كلاهما بين الإيمان والعقل. وهناك فيلسوف ثالث مهم هو موسى بن ميمون الذي استفاد من ابن رشد أيضاً، لكي يوفق بين الدين اليهودي والفلسفة اليونانية. وقد فعل ذلك من خلال كتابه المعروف: «دلالة الحائرين». وقد كتبه بالعربية مباشرة، وبعدئذ ترجموه إلى العبرية واللغات الأخرى. وهو كتاب مهم جداً، ومن روائع القرون الوسطى. ولذلك نقول بأن ابن ميمون مفكر عربي لأن كل من كتب وفكر وأبدع بالعربية فهو عربي. نقول ذلك باعتبار أن العروبة ثقافة وحضارة كونية وليست نزعة عرقية أو عنصرية أو طائفية. هؤلاء الثلاثة الكبار هم فلاسفة العصور الوسطى: المسلم ابن رشد، واليهودي ابن ميمون، والمسيحي توما الأكويني. ونتفق معه أيضاً في اختيار كتاب ديكارت الذي تجاوزهم جميعاً، وأغلق فلسفة العصور الوسطى، ودشن العصور الحديثة من خلال كتابه الشهير «مقال في المنهج» الصادر عام 1637، وهو يقوم فيه بمحاولة لتوجيه العلوم في اتجاه تحقيق التقدم التقني أو التكنولوجي. إن ديكارت يدافع هنا عن حق الإنسان في التفكير بكل حرية بواسطة عقله فقط. وهذا كان يشكل ثورة في تاريخ الفكر البشري. ولكنه لم يستطع تجاوز الدين كلياً، ولم يتجرأ على نقده بشكل مباشر خوفاً من الاغتيال. ولذلك جاء بعده مباشرة تلميذه سبينوزا الذي تجرأ لأول مرة على نقد العقائد اللاهوتية اليهودية - المسيحية نقداً صارماً. ثم جاء بعدهما كانط وأحدث القطيعة الكبرى بين الفلسفة والدين من خلال كتابه الشهير: «نقد العقل الخالص». ولكنه لم ينكر مشروعية الدين على المستوى الميتافيزيقي الأخروي الماورائي. ولم يرفضه في المطلق، كما سيفعل نيتشه لاحقاً. فقط رفض الصيغة الأصولية الظلامية للدين. ولكنه أقر بمشروعية الصيغة التنويرية من خلال كتابه: الدين ضمن حدود العقل فقط.
ولا نخالفه الرأي، إذ يختار «رسالة في التسامح» لفولتير. ومعلوم أنه كتبها دفاعاً عن شخص أقلوي بروتستانتي مضطهد، بل ومقتول من قبل الأغلبية الكاثوليكية في مدينة تولوز الفرنسية. هذا الشخص يدعى جان كالاس. وعندما سمع فولتير بالجريمة أمسك بقلمه وألف هذا الكتاب الذي نحن أحوج ما نكون إليه في عصر «الدواعش». إن فولتير يقدم هنا نصاً فلسفياً كونياً ينطبق على جميع الثقافات وجميع الأديان وجميع العصور. والشيء العجيب في الأمر هو أن فولتير يهاجم هنا طائفته الخاصة بالذات، أي طائفة الأغلبية الكاثوليكية، ويدافع عن الطائفة المضادة، أي طائفة الأقلية البروتستانتية. وهذا شيء نادر عند المثقفين. هل تجدون له مثيلاً في العالم العربي؟ ما عدا صديقي الراحل العفيف الأخضر لا أرى أحداً.. أرجو أن أكون مخطئاً.
- ما هي أعظم الروائع الشعرية؟
الآن دعونا ننتقل إلى الشعر. هل يهتم جاك أتالي به؟ يبدو ذلك. ويضع في مقدمة القائمة «نشيد الإنشاد» التوراتي، ومعه الحق من دون شك. فهو شعر بديع وقصيدة طويلة تمجد الحب والغزل بشكل حسي، بل وإيروتيكي تقريباً، أو حتى من دون تقريباً. والغريب العجيب أنه موضوع في قلب الكتاب المقدس لليهود والمسيحيين. فهل يمكن أن يتصالح الجنس مع الدين؟ هل يمكن أن يقبل الدين بالغزل الحسي والجنسي محشوراً في نصه المقدس؟ بعده تجيء «الأوديسا» لهوميروس. ولكن أين هي «الإلياذة»؟ ولماذا لم يقع عليها الاختيار؟ سر مجهول. ثم نفاجأ بأنه يصنف كتاب «الأغاني» الشهير لأبي الفرج الأصفهاني في القائمة ذاتها. وقد سعدت جداً بذلك لأنه أحد عيون تراثنا العربي. فشكراً له وألف شكر.
ثم يتحدث المؤلف بعدئذ عن «رباعيات الخيام»، ونعم الاختيار، فهي كونية ومترجمة إلى مختلف لغات العالم. كما يتحدث عن دانتي وفصل «الجحيم» في «الكوميديا الإلهية». ولكني لن أغفر له أنه نسي ذكر «رسالة الغفران». لماذا لم يضعها في صدر القائمة؟ المعري في رأينا أهم من دانتي. وهو على أي حال سبقه وأثر عليه أيضاً. هنا يوجد نقص كبير في تصنيفات جاك أتالي على الرغم من ألمعيته.
ثم يذكر المؤلف بعدئذ «أزهار الشر» لبودلير وهي من روائع الشعر العالمي بطبيعة الحال. ويقول عنها كلاماً صائباً عندما يصفها بأنها تتحدث عن الألم، والعذاب، والتقزز من الوجود، والهوس بالموت، والطموح إلى الخير. ثم يذكر «التأملات» لفيكتور هيغو، و«أوراق العشب» لوالت ويتمان، و«النبي» لجبران خليل جبران... إلخ. وهنا أيضاً نشكره لأنه أشاد بعبقري لبنان والعرب. لكن ماذا عن قصص الحب والغرام؟ لا أغفر له أنه نسي شعراءنا العذريين من ذو الرمة وحبيبة قلبه الغالية مي، إلى جميل بثينة، فمجنون ليلى:
أقول لصاحبي والعيس تهوي
بنا بين المنيفة فالضمار
تمتع من شميم عرار نجد
فما بعد العشية من عرار
ألا يا حبذا نفحات نجد
وريا روضه بعد القطار
تحية للشعر العربي!
تحية لمجنون ليلى، قيس بن الملوح: أعظم مجنون وأنقى شاعر في تاريخ العرب والعالم.


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي