طهران لـ«انتقام استراتيجي» يستهدف الحضور الأميركي في المنطقة

تشييع سليماني في بغداد > قيادي في «الحرس» يتحدث عن بنك أهداف بينها إسرائيل - ثالث انهيار تاريخي في البورصة... والدولار يرتفع

مشيعون يحملون نعشي سليماني والمهندس في مدينة كربلاء جنوب العاصمة العراقية أمس (أ.ب)
مشيعون يحملون نعشي سليماني والمهندس في مدينة كربلاء جنوب العاصمة العراقية أمس (أ.ب)
TT

طهران لـ«انتقام استراتيجي» يستهدف الحضور الأميركي في المنطقة

مشيعون يحملون نعشي سليماني والمهندس في مدينة كربلاء جنوب العاصمة العراقية أمس (أ.ب)
مشيعون يحملون نعشي سليماني والمهندس في مدينة كربلاء جنوب العاصمة العراقية أمس (أ.ب)

لوّح قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، بشن «انتقام استراتيجي» يستهدف الحضور الأميركي في المنطقة، في وقت قال رئيس لجنة الأمن القومي البرلمانية مجتبى ذو النور، إن الرد الإيراني «لن يكون عاطفياً»، محدداً هدف بلاده بـ«الانتقام وليس الحرب». وشارك آلاف العراقيين، أمس، في بغداد في تشييع قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني، ونائب رئيس هيئة «الحشد الشعبي» العراقي أبو مهدي المهندس، اللذين قُتلا، أول من أمس (الجمعة)، في ضربة أميركية، زادت من احتمال نشوب صراع أوسع في الشرق الأوسط.
ونقل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بإجازته الهجوم، واشنطن إلى مرحلة جديدة في المواجهة مع إيران والجماعات المسلحة المدعومة منها في المنطقة. ورغم الغموض حيال هذه الضربة، التي جاءت بعد هجوم صاروخي بطائرة مسيّرة نفّذه الأميركيون قرب مطار بغداد وقتلوا خلاله سليماني والمهندس وثمانية أشخاص آخرين، ردّت طهران متوعدة بـ«انتقام قاسٍ»، بينما أثار التصعيد الخشية من نزاع مفتوح بين الجانبين.
وقال قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي، للتلفزيون الإيراني، إن «الانتقام الاستراتيجي سينهي الحضور الأميركي بالمنطقة»، مشيراً إلى أن تمهيد العمل على مدى جغرافيا واسعة في إطار عزم بلاده على الثأر.
وأصر سلامي على «تحقق» وعده لإنهاء الحضور الأميركي. وعدّ مقتل سليماني «ليس نهايته وإنما بداية جديدة لإنهاء الحضور الأميركي بالمنطقة».
ولوّح العميد غلام علي أبو حمزة، القيادي في «الحرس الثوري»، بمعاقبة الأميركيين، قائلاً: «أينما كانوا على مرماها»، مشيراً إلى إمكانية شن هجمات على سفن في الخليج.
وفرضت مفردات الثأر والانتقام نفسها على الصحف الصادرة أمس، في طهران، في إطار تهديد المرشد علي خامنئي برد قاسٍ على مقتل سليماني.
وأورد أبو حمزة في إقليم كرمان، سلسلة من الأهداف المحتمل ضربها انتقاماً لمقتل سليماني، تشمل مضيق هرمز، الممر الحيوي لناقلات النفط إلى الأسواق العالمية. وقال في تصريحات نشرتها وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس»، أمس، إن «مضيق هرمز نقطة حيوية للغرب وإن عدداً كبيراً من المدمرات والسفن الأميركية يمرّ من هناك». وأضاف: «حددت إيران أهدافاً أميركية حيوية في المنطقة منذ وقت طويل... نحو 35 هدفاً أميركياً في المنطقة، بالإضافة إلى تل أبيب في متناول أيدينا» مشيراً إلى أكبر مدينة إسرائيلية.
على نقيض ذلك، أوضح رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان مجتبى ذو النور، أن الرد الإيراني «لن يكون عاطفياً وتحت تأثير المشاعر»، مشدداً على أن «هدفنا الانتقام فحسب، ونحن لا نعتزم الحرب. لم نكن البادئين بأي حرب، بل سنوجّه الرد المناسب لجريمة الأعداء، لكن لم نكن البادئين بأي حرب ولا نرغب فيها». وقال إن رد إيران سيكون «انتقامياً، وفي غاية الدقة، ومحسوباً»، لافتاً إلى أنه «سيكون أكثر فائدة للأمة الإيرانية وأكثر ضرراً على أعدائها».
ومن المقرر أن یعقد البرلمان الإيراني، اليوم، اجتماعاً خاصاً لبحث مقتل سليماني، خلف الأبواب المغلقة، بحضور قادة من القوات العسكرية وفق ما نقلت وكالات عن متحدث باسم البرلمان، أمس. وأعلن البرلمان تعليق أنشطته، الاثنين، بسبب مشاركة النواب في جنازة سليماني بطهران.
لكن المتحدث الأعلى باسم القوات المسلحة أبو الفضل شكارجي، عدّ الرد على مقتل سليماني «حقاً» لبلاده، لافتاً إلى أنه «سيكون حاسماً وقوياً»، لكنه قال إنها «لن تتسرع في الرد». وأشار إلى أنه سيأتي بعد تمهل في التخطيط. وقال: «نحن سنقرر المكان وطريقة العملية».
وتعليقاً على تسمية نائب سليماني إسماعيل قاآني، قائداً لـ«فيلق القدس»، قال إن «الفكرة (الدور الخارجي للحرس) من المؤكد ستتواصل وسيرون أنه أقوى من السابق». وجدد مطالبة إيران بخروج الولايات المتحدة من العراق. وقال إنه «ليس بطلب رسمي من العراق».
وفي وقت سابق، شدد نائب قائد «الحرس الثوري» علي فدوي، أيضاً على الانتقام، وقال إن بلاده تلقت رسالة من واشنطن تدعوها إلى أن يكون ردها على الاغتيال «متناسباً». وأضاف في تصريحات للتلفزيون الرسمي الإيراني «لجأ (الأميركيون) إلى الطرق الدبلوماسية (...) صباح الجمعة»، و«قالوا: إذا أردتم الانتقام، انتقموا بشكل متناسب مع ما فعلناه».
ولم يوضح فدوي كيف تلقت إيران الرسالة الأميركية في ظل انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين منذ أربعة عقود. لكنّ وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، قال في مقابلة تلفزيونية، ليل الجمعة، إن «الموفد السويسري نقل رسالة حمقاء من الأميركيين هذا الصباح». وتابع أنه تم بعد ذلك «استدعاء» المسؤول في السفارة السويسرية «في المساء وتلقى رداً خطياً حازماً... على رسالة الأميركيين الوقحة».
وأكدت وزارة الخارجية السويسرية، أول من أمس، أن القائم بأعمالها سلّم الإيرانيين رسالة من واشنطن عند استدعائه إلى وزارة الخارجية الإيرانية، صباح الجمعة. ويتولى سفير سويسرا في طهران تمثيل المصالح الأميركية في إيران منذ قطع العلاقات الثنائية عام 1980.
وفي نيويورك، صرّح سفير إيران في الأمم المتحدة مجيد تخت راونتشي، لشبكة «سي إن إن»، مساء الجمعة، بأن واشنطن قامت «بعمل حربي ضد الشعب الإيراني» يستدعي رداً مماثلاً. وأضاف: «إنهم بدأوا (الأميركيون) نزاعاً عسكرياً باغتيال أحد كبار ضباطنا بعمل إرهابي. ماذا بإمكان إيران أن تفعل؟ لا يمكننا البقاء صامتين، علينا أن نتحرك وسنتحرك». وتابع: «سيكون هناك انتقام، انتقام قاسٍ»، مؤكدا أن «الرد على عمل عسكري هو عمل عسكري. بيد من ومتى وأين؟ المستقبل سيقول لنا ذلك».
وكان السفير قد أبلغ مجلس الأمن الدولي والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في وقت سابق الجمعة، بأن بلاده تحتفظ بحقها في الدفاع عن النفس بموجب القانون الدولي، رداً على مقتل سليماني. وذكر في رسالة أن قتل سليماني «مثال واضح لإرهاب الدولة وعمل إرهابي يمثل انتهاكاً صارخاً للمبادئ الأساسية للقانون الدولي خصوصاً تلك المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة».
ونقلت «رويترز» عن دبلوماسيين، أن المجلس لم يتلقَّ بعد رسالة من واشنطن بشأن قتل سليماني. وقال فرحان حق، المتحدث باسم الأمين العام، في بيان، يوم الجمعة، إن غوتيريش يشعر بقلق بالغ بشأن التصعيد الأخير في التوتر بالشرق الأوسط. وأضاف المتحدث: «هذه لحظة ينبغي فيها للزعماء ممارسة أقصى درجات ضبط النفس. العالم لا يمكن أن يتحمل حرباً أخرى في الخليج».
وبدأ تشييع سليماني والمهندس ورفاقهما صباحاً في حي الكاظمية في بغداد الذي وصلت إليه سيارات «بيك أب» نقلت نعوش قتلى العملية الأميركية، فرفعت أعلاماً عراقية وسارت بين الحشد الذي ارتدى المشاركون فيه ملابس سوداء، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية.
وانتقل الموكب إلى المنطقة الخضراء وسط العاصمة حيث كانت القيادات السياسية تنتظر. وشارك رئيس الوزراء العراقي المستقيل عادل عبد المهدي، في التشييع، وكذلك شخصيات سياسية بارزة بينها رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، ورئيس هيئة «الحشد الشعبي» فالح الفياض، وعمار الحكيم، رئيس تيار الحكمة. وبقيت الحشود الشعبية عند مدخل المنطقة الخضراء، حيث تقع السفارة الأميركية التي تعرضت لهجوم ومحاولة اقتحام الثلاثاء الماضي، من متظاهرين موالين لإيران وعناصر من «الحشد الشعبي». ونُقلت الجثمانين العشرة بعد ذلك إلى مدينة كربلاء على أن ينتهي بها المطاف في مدينة النجف جنوب البلاد، حيث سيوارى المهندس الثرى ويُنقل جثمان سليماني إلى إيران.
وسيُدفن قاسم سليماني في مسقط رأسه كرمان، وسط إيران، بعد مراسم تكريم في ثلاث مدن كبيرة تبدأ في الأحواز جنوب غربي إيران، وستتوجه إلى طهران، الاثنين، قبل أن تتوجه إلى مدينة مشهد، وفي نهاية المطاف إلى كرمان.
وستعطَّل الجامعات والمدارس والدوائر في المدن الثلاث في إطار تمهيدات السلطات لمشاركة مكثفة في الجنازة.
وزار الرئيس حسن روحاني عائلة سليماني لتقديم العزاء بعد ساعات من توجه المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية علي خامنئي، الجمعة، بالعزاء لأسرة سليماني.
إلى ذلك، ذكرت وكالة «مهر» الحكومية أن شركة «فيسبوك» أغلقت عدة حسابات إيرانية مقرّبة من «الحرس الثوري»، على شبكة «إنستغرام» ومنها حساب إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى. وحذف تطبيق «إنستغرام» عدداً كبيراً من تسجيلات وأفلام وصور لسليماني. وقالت وكالة «فارس» إن عدداً من الإيرانيين دعوا إلى مقاطعة «إنستغرام».
وتأثرت أسواق العملة الإيرانية، وارتفع الدولار 4300 ريال واقترب مرة أخرى إلى 140000 ريال، وفقاً لوكالة «إيلنا». وجرّبت سوق الأسهم الإيرانية، أمس، ثالث سقوط مدوٍّ في تاريخها. وقالت صحيفة «دنياي اقتصاد» أن الصدمة السياسية في يوم الجمعة ومخاوف من مواجهة إيرانية وأميركية أدت إلى هجوم في عرض الأسهم للبيع وتراجع 4.4%.



إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».