«مؤسسة لويس فويتون».. تحفة جديدة في باريس ثمرة زواج الفن والعمارة

فكرة برنار آرنو أغنى رجل في فرنسا وتصميم المعماري فرانك غيري

الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار
الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار
TT

«مؤسسة لويس فويتون».. تحفة جديدة في باريس ثمرة زواج الفن والعمارة

الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار
الخضرة والماء خففت من قوة ودرامية البناية التي تبدو وكأنها على أهبة الإبحار

منذ زمن والحديث يدور حول تلك العلاقة الحميمة التي تربط الفن والموضة بالمعمار، إلا أن هذا الحديث وصل أوجه بعد افتتاح مؤسسة لويس فويتون بباريس في الأسبوع الماضي. المؤسسة، أو بالأحرى المتحف، الذي صممه المعماري الشهير فرانك غيري، البالغ من العمر 85 سنة، بإيعاز من أغنى رجل في فرنسا، برنار آرنو، صاحب مجموعة «إل في إم إتش» التي تنضوي تحتها العديد من بيوت الأزياء والمجوهرات العالمية مثل ديور، بولغاري، لويس فويتون وهلم جرا، يتضمن الكثير من المعاني الثقافية والأهداف الفنية. ما يحسب لهذا العمل، على الرغم من أن العديد من أثرياء صناع الموضة توجهوا لرعاية الفن في السنوات الأخيرة، إما بتمويل أعمال فنية وإما بتصميم متاحف خاصة وغيرها، إنه مختلف عن كل تلك الأعمال، حجما وتصميما وهدفا. فقد شحذ فيه غيري كل أدواته كما وظف كل فنيته في التصميم وقدراته في البناء لتأتي النتيجة عبارة عن تحفة معمارية يمكن أن تنضم بسهولة إلى مركز بومبيدو أو متحف اللوفر وغيرهما كمعلمة ثقافية تفتخر بها باريس، إن لم نقل فرنسا كلها. ما لا يختلف عليه اثنان أن شكل المتحف يتحدى الأسلوب المعماري «الهوسماني» الذي يعطي باريس نكهتها الفريدة، إلا أن هذا الاختلاف لا ينتقص منه بقدر ما يغنيه، كونه يتماهى مع محيطه وفي الوقت ذاته يتميز عنه. فالمبنى يبدو للوهلة الأولى، وكأنه مركبة فضائية تتشرنق إلى السماء، أو سفينة معلقة تتفرع عنها 12 شراعا على شكل جناح من الزجاج مركب فوق هياكل خفيفة من المعدن، كل شراع منها ينحني ويتقوس بشكل مختلف عن الآخر، يخلق إحساسا بأن المتحف سفينة مستعدة للإبحار في أي لحظة، وهو أمر مفهوم بحكم أن المعماري المخضرم يعشق السفن والإبحار. رغم أن اسمها مؤسسة لوي فويتون عوض متحف لويس فويتون، إلا أن الفكرة واحدة، وهي أن تضم أعمالا فنية معاصرة، بعضها سيكون أعمالا ثمينة اقتناها رجل الأعمال برنار آرنو، صاحب المجموعة الاستثمارية الواسعة لدور الأزياء والبضائع الفخمة، «إل في إم إتش» التي تملك، ضمن ما تملك، شركة فويتون للصناعات الجلدية والحقائب، كما سيكون بعضها الآخر ثمرة تعاونات مع فنانين من كل أنحاء العالم. لكن الأهم في كل هذا أنها ستكون امتدادا لـ«إل في إم إتش»، أو إن صح التعبير وجهها الجميل الذي سيلمع صورة مجموعة تجارية ضخمة يشبهها البعض بسمك القرش. كما أن السيد برنار آرنو، بهذه الهدية، التي يقدمها لباريس، يكشف قناع الجدية عن وجه إنساني مرهف، يعشق الفن ويدعمه بكل الوسائل. هذا الربط بين المجموعة والمبنى الفني الجديد يعززه اللوغو الضخم الذي يزين واجهتها من مدخل «افينو ماهاتما غاندي»LV، وهو لوغو صممه غيري على شكل بروش من الصلب المقاوم للصدأ يلمع مثل الماس عندما تنعكس عليه أشعة الشمس، مما يشير إلى أنه بناية مصممة على مقاس المجموعة ومتطلبات صاحبها، مما يجعلها تأخذ صفة الـ«هوت كوتير»، خصوصا وأنها كلفت أكثر من 126 مليون دولار أميركي.
فكرتها لم تكن صدفة أو وليدة نزوة، بل تعود إلى 2001 عندما رأى جون بول كلافيري، «الذي عمل سابقا مع جاك لانغ في وزارة الثقافة الفرنسية، ويعمل حاليا مع مجموعة «إل في إم إتش»، متحف غونغهايم الذي صممه فرانك غيري في بيلباو. أعجب به إلى حد أنه شجع برنار آرنو أن يزور إسبانيا خصيصا لرؤيته. وكما توقع كالفيري، فقد انبهر آرنو بالعمل وطلب مقابلة مصممه، وهو ما حصل في نيويورك بعد عدة أسابيع. جرى الحديث عن رغبة آرنو في تصميم متحف باريسي يختزل رؤيته للمجموعة التي يملكها، وفي الوقت ذاته يجسد هدفه لدعم الفنون بأسلوب قوي ومؤثر وكأنه «هوت كوتير»، وهو ما لباه غيري بحماس وحب. فهذا أول عمل له في باريس منذ عام 1994، عندما صمم المركز الأميركي، الذي يعرف اليوم بـ«سينماتيك فرانسيز». ونظرا للإمكانيات التي وضعت بين يديه، فإنه أدرك مسبقا بأن هذا العمل سيكون أقوى وسيأتي على شكل قصيدة حب لباريس التي سحرته منذ أن زارها لأول مرة في شبابه، قبل 50 عاما.
وبالفعل روض فيه الذوق البورجوازي من دون أن ينسى مغازلة الجانب الوظيفي والشاعري الذي تتميز به غابة بولونيا، «بوا دو بولون»، المؤثثة بالأشجار والبحيرات التي يسبح فيها البط ويتفرع منها متنزه للعب الأطفال، «غاردان داكليماتاسيون» Jardin d›Acclimatation حيث كان يلعب مارسيل بروست في طفولته. وشرح فرانك غيري في يوم الافتتاح أن المشروع مفتوح على كل الاحتمالات «أعتقد بأنه عندما يعمل أي واحد منا بطريقة عفوية معتمدا على حدسه، فإنه يكون متجاوبا إلى حد ما مع المكان والزمان».
ما يشد الانتباه في مبنى «مؤسسة لويس فويتون» من اللحظة الأولى، الاستعمال السخي للزجاج، إلى حد يستحضر «لوغران باليه» الواقع بالقرب من الشانزليزيه، وأيضا الأعمدة المصنوعة من الصلب المكشوف. هذه التفاصيل المكشوفة تعكس أسلوب غيري من جهة، ورغبته في إبراز ما يطلق عليه «العظام» أو هيكل البناء، من جهة ثانية، وكأنه يريد أن يحتفل بما تتضمنه هذه المباني من جماليات وقوة داخلية. وهو اتجاه تبناه منذ عقود عندما كان يترك الإطارات الخشبية واضحة في حيطان البيوت التي كان يصممها، وتطور في هذه البناية الضخمة إلى أعمدة من الصلب وعوارض خشبية تذكر ببرج إيفل على مستوى مصغر. وفيما تمنح هذه العوارض والأعمدة المبنى عضلات قوية، فإن الاستعمال السخي للزجاج والماء يمنحه انسيابية ونعومة، لتتحول صورة السفينة أو المركبة الفضائية المستقبلية في بعض الأحيان إلى راقصة باليه أو «قصيدة شعرية» حسب قول فرانك غيري. فمن بين العناصر التي أخذها بعين الاعتبار أنه جزء من غابة بولونيا، وبالتالي من الضروري أن يضفي عليه الشفافية والانسيابية حتى يتماهى مع هذه الأجواء، عدا أن المصمم يحب أن يدفع بحدود الإبداع إلى أبعد حدود كأي فنان. والجميل فيه أيضا أنه كلما تقدم في العمر زاد جرأة وشجاعة، وكأنه يرى كل عمل ينتهي منه بداية لمغامرة جديدة يجب أن تكون بنكهة مختلفة تماما. فقد أتقن فيه ترويض الزجاج بمنحه انحناءات تخدم أعماله، إلى حد أنها تجلت هنا وكأنها أشكال متراقصة أو أشرعة سفينة تتهادى فوق المياه يمنة ويسرة.
لم ينس أن يشير في يوم الافتتاح بأن الغرض من المبنى هو أن يكون حاضنا للفن، لهذا «ترجمت الفكرة في بناية بحركة، أو بالأحرى بأشرعة»، متعمدا أن تكون الصورة من الداخل بسيطة مثل الكنفس الأبيض، بجعلها شبه عارية من الـ«فذلكات» والألوان حتى يتيح المجال لأعمال فنانين آخرين أن تأخذ مكانها فيه بكل أريحية. وشرح «أحب أن تكون أعمالي غير مكتملة حتى تشجع الناس على اللعب بها والإضافة إليها». والطريف أن المعماري المخضرم كرر أن المبنى ليس «ثمينا» عدة مرات، قاصدا بأنه ليس مقدسا أو غير قابل للتغيير بل يجب الإضافة إليه والاستمتاع باللعب بمساحاته.
ما أكده فرانك غيري في هذا العمل أن تراكم السنوات تمنح أي فنان خبرة وقدرة عالية لا تتوفر في الشباب، بل واعترف بأن هناك بعض الأشياء التي لو كان بيده اليوم لغيرها في هذا العمل رغم رضاه عن نتيجته النهائية، والسبب أنه «على الرغم من أن تنفيذه اكتمل الآن فإني صممته منذ نحو 6 سنوات تقريبا والإنسان يتطور في كل سنة، فما البال بـ6 سنوات».
يمتد المتحف، على مساحة 126 ألف قدم مربع ويحتضن 11 قاعة مترامية على 4 مستويات إضافة إلى صالة عرض كبيرة ستحتضن عدة فعاليات عندما يفتتح في آخر هذا الشهر. لكن يبقى الطابق الأعلى المفتوح على سماء باريس بمدرجاته المتعددة التي تطل على حدائق «بوا دو بولون» وعلى ناطحات «لا ديفونس» من أجمل ما تقع عليه العين، إذ لا يفوتك هنا ملاحظة اهتمام غيري بأدق التفاصيل، مثل الإضاءة الخفية، والانحناءات التي تشير إلى تأثره بالكنيسة التي صممها لوكوربيزييه في رونشون، وهي كنيسة تقع على بعد 250 ميل جنوب شرقي باريس، فضلا عن ربطه مختلف الفضاءات ببعض، وإدخال الدفء عليها رغم ألوانها الهادئة والوظيفية، إلى حد ما.
الاهتمام بالتفاصيل وخض الحواس بالمفاجآت ظهر في كل طابق وفي كل جزئية تقريبا. ففي الطابق السفلي مثلا، يشدك شلال من الماء وما يشبه المسابح الصغيرة المتناثرة على شكل مغارات، توقظ بداخل الزائر الرغبة في الاستكشاف، كما تعكس الضوء على أعمدة بزوايا مثلثة مصنوعة من زجاج مورانو للفنان أولافور إلياسون باسم «إنسايد ذي هورايزون».
وعندما تخرج من هذه الرحلة الاستكشافية متشبعا بالشروحات التي تبرع بها المسؤولون عن هذه التحفة، تشعر بأن فرانك غيري نجح في تطويع البناية وجعلها تتماهى مع المحيط المجاور لها، وبأن السيد برنار آرنو نجح بدوره في تطويع الصعوبات اللوجيستية والبيروقراطية، لاقتناعه بالفكرة وأهدافها البعيدة المدى. فالأرض التي يقع عليها المتحف تخص مدينة باريس، وبالتالي تطلب الحصول على حق البناء فوقها الكثير من التفاوض، وبقيود عديدة تتعلق بالمساحة والارتفاع وشروط تدعو لمراعاة الحديقة المجاورة الخاصة بالأطفال. من هذه الشروط أيضا أنه في عام 2062، أي بعد 50 عاما تقريبا، ستتحول ملكية المتحف إلى باريس وتصبح ملكية عامة. وهذا تحديدا ما يحسب للسيد آرنو، الذي تعامل مع كل هذا بإيجابية، تشير إلى أن المبنى يعني له أكثر من مجرد متحف يحمل اسم واحدة من بيوت الأزياء التي يعتبرها الملياردير جوهرة في تاج مجموعة «إل في إم إتش»، فهو هدية قيمة لمدينة باريس من جهة، وبيت ثان للأعمال التي اقتناها عبر السنوات من جهة ثانية، لهذا كان لا بد أن يكون سخيا من كل الجوانب، بحيث يمكن التفاعل معه بسهولة على المستويين الجمالي والثقافي، حتى يترك بصمة قوية على باريس. هذا ما جعل كل الصعوبات تهون في سبيل تعبيد الطريق لإنجاز هذه التحفة، فضلا أن السيد برنار آرنو تعود على ترويض المصاعب. فعندما قرر ترميم محلات «لاساماريتان» المطل على نهر السين منذ سنوات قوبل قراره بالرفض، لكن الكلمة الأخيرة كانت له وحصل على ما أراد واكتشف الكل كم كان مصيبا في قراره ونظرته، نفس الأمر يمكن أن يقال على هذا المتحف. فهو الآخر واجهته عراقيل بيروقراطية وسخط جماعات تنادي بالحفاظ على شخصية «بوا دو بولون»، لكن في آخر المطاف، تم الاقتناع بفكرة الملياردير بأن المتحف في الصالح الوطني، وسيتضمن أعمالا فنية يمكن للكل الاستمتاع بها. والأهم من هذا، يمكن اعتباره خطوة استراتيجية مهمة لاسترجاع باريس مكانتها الفنية التي تراجعت في العقود الأخيرة لصالح عواصم أخرى مثل نيويورك في زمن أصبحت فيه كل عواصم العالم تستعين بمعماريين لتصميم معالم ثقافية تجذب إليها أنظار العالم، من باكو في أذربيجان إلى بيلباو في إسبانيا.

* يفتتح المتحف للعامة في 27 من شهر أكتوبر الحالي.



جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.