مذكرات ومشاهدات في عشق بلد وناسه

مذكرات ومشاهدات في عشق بلد وناسه

«المغرب بعيون عراقية» لرحمن خضير عباس
الأحد - 10 جمادى الأولى 1441 هـ - 05 يناير 2020 مـ رقم العدد [ 15013]
مراكش: عبد الكبير الميناوي

لطالما استهوى المغرب، بمدنه وطبيعته وتاريخه، الكتاب والفنانين من مختلف البقاع، فأرّخوا لعلاقة العشق تلك بكتابات وأعمال فنية، بقدر ما أغنت منجزهم الإبداعي زادت البلد إشعاعاً عبر العالم.
ومن بين كُتّاب العالم وفنانيه، تبقى للكتاب والفنانين العرب حكاياتٌ وذكريات جميلة عن البلد، تتجاورُ فيها مُتعة السفـر والسياحة مع دفء الماضي المشترك وتفرد المكان.
وسيراً على علاقة العشق التي جمعت عدداً من الكتاب والفنانين العرب بالمغرب، تقترح علينا مذكرات للكاتب العراقي المقيم بكندا رحمن خضير عباس، ضمّنها كتاباً صدر له قبل أيام عن «منشورات مقاربات» بفاس، تحت عنوان «المغرب بعيون عراقية»، مجموعة من الانطباعات والمشاهدات، التي تشكّل عصارة التجربة الشخصية لكاتبها في المغرب، حيث عاش عقداً من الزمن، من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، وأصبح مغرماً بالتردد عليه، الشيء الذي تمخض عنه كثير من الملاحظات التي دوّنها وارتأى جمعها، لكثرتها وتنوعها. وهي ملاحظات عن «المشهد الحياتي اليومي، ببهائه وعتمته، بثرائه وفقره. المغرب الهائل والمتنوع والعميق»، قال عنها إنها كانت تنقل لمشاهدات تأخذ طابعاً تأملياً، وكأنه يرى المشهد عبر «شرفة العمر الذي انفرطت حبّاته، في زوايا هذا العالم المكتظ بالمتناقضات».
وعن مضامين هذا الكتاب، نقرأ على لسان الكاتب، من خلال صفحة «منشورات مقاربات»: «تحدثتُ عن المدن التي مررتُ بها، أو عشتُ بين جنباتها. عن روحها ونبضها، ودبيب الحياة فيها. الناس الذين يشكلون نسغ المغرب وجذوره وتاريخه. تحدثت عن الأسوار التي تطوّق أعناق المدن كالقلائد، وكأنها مخطوطات نادرة تسجل تاريخ المدن، وطبيعة ملامحها التي صمدت أمام العصور والأزمنة. عن الدروب الضيقة والشوارع الفارهة. عن الحداثة والموروث. عن الأزياء التقليدية والأعراف والولائم والحفلات المختلفة، عن التقاليد بجمالها وقبحها، عن المائدة المغربية، وما يحيط بها من تقاليد صارمة، توارثها الناس والتزموا بها. تحدثتُ عن البيئة بأشجارها، وأنهارها، وبحرها، ومرتفعاتها التي تتحدى الغمام؛ حتى ينحني لهاماتها السامقة. تحدثت عن المقاهي المغربية، بوصفها ظاهرة تتفرد بها المغرب، ومجالاتها وطاقاتها وحضورها في الحياة الاجتماعية. تناولتُ الصالونات الأدبية في المغرب. طبيعتها وتأثيراتها. تحدثت عن الإنسان المغربي، فناناً وقاصّاً ومُبدعاً وشاعراً وعاملاً وكادحاً. تحدثت عن المشهد الثقافي الذي انطفأ، وعن المشهد الذي يتوهج. عن جان جينيه، أكبر أدباء فرنسا الذي اختار أنْ تكون مدينة العرائش مدينته الأبدية التي تضمُّ مثواه الأخير. عن بول بولز الذي عشق طنجة. تناولتُ الظواهر الاجتماعية الحادة، التي هي إفراز للتطور. تحدثتُ عن بعض المدن: مراكش العصية على الوصف. تارودانت التي تختبئ تحت أسوارها. عن وجدة البهية ذات المساجد والذكريات. عن تازة التاريخ والذكريات الحزينة. عن فاس والرباط وطنجة وأكادير وشفشاون والعرائش. تحدثتُ عن الندوات الأدبية والفنية، عن المهرجانات الكثيرة التي تحتضنها المدن المغربية. قبل كل شيء، تحدثت عن الأصدقاء في توهجهم وتألقهم وبؤسهم وفشلهم. عن الشرائح الاجتماعية التي تعايشت مع الواقع، بحلوه ومرّه. إنّه المغرب بعيون عراقية. ليست بعيوني فقط، وإنّما بعيون عراقيين عاشوا وماتوا في هذا البلد. أو مرّوا به، أو هاجروا منه. إنّه المغرب بكل ثقله الحضاري، الذي يمتد إلى البدايات الموغلة في القدم».
ونقرأ في تقديم الكتاب، الذي تزين غلافه لوحة للفنان السوري عبد الرحمن مهنا: «في أواخر سبعينات القرن الماضي، حللنا في المغرب، وكنّا مجموعة غير متجانسة من العراقيين. الصدفة وحدها التي جمعتنا. فلم نكن قد خططنا لذلك مسبقاً، سوى أنّ أكثرنا كان هارباً من قفص حديدي كبير، اسمه الوطن. ولحسن الحظ، كانت المدارس المغربية (آنذاك) بحاجة إلى مدرسين في مختلف الاختصاصات، لسد النقص. لذلك فقد استوعبت وزارة التربية المغربية طلباتنا للعمل في التعليم الثانوي. وهكذا توزّعنا على المدن المغربية المختلفة. والطريف في الأمر: كنّا نجتمع في العطل السنوية، فنستفسر عن بعضنا، ونطلق اسم المدينة ككُنية للشخص المقيم فيها. فنقول مثلا: هادي القصر، نسبة إلى القصر، وعادل طنجة، وساجد فاس، وكاظم تازة، وجواد آسفي... إلخ من المدن الأخرى. كنّا متوجسين من حقيقة وجودنا في المغرب. تنتابنا مشاعر متضاربة، بأننا نَمرُّ بمرحلة طارئة، حتى إننا ترددنا كثيرا في شراء مستلزمات السكن والعيش من أثاث وغيرها، واكتفينا بالضروري فقط. وكأننا في حالة من السياحة والسفر، متلهفين لسماع أخبار الوطن، الذي غادرناه، ولكنه لم يغادرْنا. لكن الحياة المغربية، ببساطتها وهدوئها، قد سمّرتنا على أبوابها. فاقتنعنا بأنها ليست مجرد محطة انتظار. وإنما ملاذ بديل، سرعان ما تحوّل إلى عنصر حياتي، تناسينا به همومنا، وإمكانية العودة إلى الوطن الأوّل. شيئاً فشيئاً، تناغم أكثرنا مع الواقع المغربي، الذي انتشينا بعطره، وتسللنا إلى عمق الحياة فيه، وتشبعنا بعاداته وتقاليده. كان المغاربة أقرب إلينا من دول تجاورنا. وكأنها عملية الجذب بين قطبين متباعدين؛ لأنّ العراق في أقصى الشرق، والمغرب في أقصى الغرب. ومع ذلك فقد لمسنا أشكالاً من التعاطف والاحترام، من قِبَل أغلب شرائح المجتمع. حالما يُذكر العراق أمام المغاربة، حتى تنهمر الذاكرة الجمعية لهم. فيتحدثون عن أصالة العراق، عن شعره وأدبه، وعن عصوره الذهبية. يتحدثون عن التمر والنهر والحضارة وأشياء أخرى تُشبع فينا الألفة التي نفتقدها في بلدان أخرى. أحيانا نحاول أنْ نتحدث لهم عن التراجع الكبير الذي شهده العراق. ولكنّ مخيالهم الجمعي يرفض ذلك، ويبقى متشبثاً بالعراق المتألّق الذي سيتجاوز المِحنة. إنه شعور جميل، ألفناهُ وتعوّدنا عليه. المغربي يعرف عن بلدك أكثر منك. يتحدثون لنا عن مرقد الإمام عبد القادر الكيلاني في بغداد، كما يتحدثون عن الجواهري والسيّاب ومظفر النوّاب. يذكرون لنا المجلات الأدبية التي تأتي من العراق، رخيصة في ثمنها وغنية في محتواها، يحفظون أغاني ناظم الغزالي. كان للمغرب الفضل في تطمين قلقنا، وذلك بإسعافنا بالمحبة والمودة، وجعلنا أكثر قابلية للاستقرار. وهكذا طالت إقامتنا في المغرب، مُثقلين بوضع عائلي. فقد تزوج أغلبنا من مواطنات البلد، ولكن الصدمة التي واجهتنا، هي أنّ أطفالنا لا يكتسبون الجنسية المغربية، حسب القوانين المرعية في الثمانينات من القرن الماضي؛ لذلك فكر أكثرنا بالهجرة إلى أوروبا أو أميركا الشمالية. ولم يبق في المغرب، إلا القليل من العراقيين، الذين اندمجوا في المجتمع المغربي اندماجاً كاملاً.
أما نحن الذين هاجرنا إلى الغرب، فقد أضحى المغرب وطناً بديلاً، حينما أوصدت أبواب العراق. لذا كنّا نزوره بين الفينة والأخرى. نتفقد المدن التي هجرناها، والبيوت التي سكنّاها، وكأننا نتلمس أطلال الماضي، مندهشين ومبهورين بهذا البلد، وكأننا نراهُ للمرة الأولى».


المغرب كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة