بروكسل تعلن في بداية 2020 حالة التعبئة العامة لإنقاذ المشروع الأوروبي

بسبب فسخ العلاقة مع لندن والحرب التجارية مع واشنطن ومشكلة الهجرة والمناخ

الرئيسة الجديدة أورسولا فان دير لاين مع كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه في مواجهة ملف «بريكست» (أ.ف.ب)
الرئيسة الجديدة أورسولا فان دير لاين مع كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه في مواجهة ملف «بريكست» (أ.ف.ب)
TT

بروكسل تعلن في بداية 2020 حالة التعبئة العامة لإنقاذ المشروع الأوروبي

الرئيسة الجديدة أورسولا فان دير لاين مع كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه في مواجهة ملف «بريكست» (أ.ف.ب)
الرئيسة الجديدة أورسولا فان دير لاين مع كبير المفاوضين الأوروبيين ميشال بارنييه في مواجهة ملف «بريكست» (أ.ف.ب)

منذ أن تسلّمت الحكومة الأوروبية الجديدة مهامها مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تشهد المفوضية نشاطاً محموماً يقول الموظفون إنهم لم يعرفوا مثله من قبل، وإن الرئيسة الجديدة أورسولا فان دير لاين قد «أنذرت» معاونيها بأن حالة التعبئة العامة سوف تستمرّ، على الأقل، حتى نهاية السنة.
إنها سنة التحدّيات الكبرى التي قد يتوقّف عليها مستقبل المشروع الأوروبي برمّته: فسخ العلاقة مع المملكة المتحدة وما قد يترتّب عنها، الحرب التجارية التي أعلنتها الإدارة الأميركية ولم توفّر حتى الحلفاء، الهجرة التي ما زالت معالجتها والتعامل مع تداعياتها موضع خلافات عميقة بين الدول الأعضاء، والصورة المهتزّة للمشروع الأوروبي الذي يواجه حصارات من الداخل والخارج.
أمام هذه التحدّيات قرّرت المفوضية الجديدة تخصيص السنة الأولى من هذا العقد للتركيز على الأولويات التالية: الميثاق الأخضر الذي يشمل مشاريع الطاقة المتجددة ومواجهة التغيّر المناخي، الثورة الرقمية التي ستكون العماد الاستراتيجي الأساسي في المستقبل، إعادة هيكلة المنظومة الأوروبية للهجرة واللجوء، إرساء القواعد الأساسية للسياسة الدفاعية المشتركة الضرورية للاستقلال الجيوستراتيجي للاتحاد، وتسوية النزاعات التجارية المتعددة التي أصبحت ميدان الصراع الرئيسي بين القوى العظمى.
ويفيد تقرير داخلي أعده مكتب رئيسة المفوضية، بأن التحديات الطارئة والملفات الملّحة لا يجب أن تكون معالجتها على حساب القضايا الأساسية التي تشكّل أولويات الإدارة الجديدة. وفي طليعة هذه الملفات الاتفاق مع المملكة المتحدة حول الخروج من الاتحاد، الذي سيقتضي عاماً كاملاً من المفاوضات المعقدة قبل إبرام عقد الطلاق النهائي. تليه في المقام الثاني موازنة الاتحاد للسنوات السبع المقبلة، التي لا بد من إنجازها قبل نهاية هذا العام والتي ستكون موضع مفاوضات صعبة بين الدول الأعضاء.
على الصعيد الخارجي، يواجه الاتحاد منافسة شرسة من القوى الدولية الأخرى، في حين يعاني داخلياً من تباطؤ النمو الاقتصادي ومن الحركات الشعبوية المناهضة للمشروع الأوروبي التي لم تتمكّن من الفوز في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، لكنها تختزن من القوة ما يكفي لتبقى الخاصرة الرخوة للاتحاد في السنوات المقبلة.
ويفيد التقرير الذي عممته رئيسة المفوضية على جميع الإدارات، بأن الميثاق الأوروبي الأخضر هو أولوية الأولويات والشعار الرئيسي للاتحاد في السنوات المقبلة، وأن «كل القطاعات والاستراتيجيات يجب أن تعاد صياغتها وتصويبها كي تساعد على تحقيق أهداف الميثاق». ويشير التقرير إلى أن الظروف السياسية مهيأة لتفعيل هذا الميثاق في ظل تزايد الاهتمام الشعبي بقضيّة تغيّر المناخ ومطالب الناخبين بإجراءات سريعة وطموحة لمواجهته، لكنه يحذّر من أن المهمّة لن تكون سهلة بسبب من المعارضة الداخلية التي تقودها حكومات أوروبا الشرقية والوسطى، والموقف الأميركي الرافض لمواكبة الجهود الدولية لمكافحة تغيّر المناخ وتردد الصين وبعض الدول الأخرى، فضلاً عن أن تفعيل الميثاق يتطلّب موارد مالية ضخمة لتشجيع الابتكار والتعويض على الدول المتضررة.
ويقول المسؤول الجديد عن السياسة الخارجية الأوروبية، جوزيب بورّيل، إن ولايته تتضمّن «دبلوماسية مناخية مكثفة»، مشيراً إلى الصعوبة البالغة في معالجة هذا الملفّ، حتى على الصعيد الأخلاقي؛ إذ يتساءل «نحن نهدف إلى تحقيق الحياد في الانبعاثات، في حين تقول بلدان أخرى إن انبعاثاتها الغازية هي لإنتاج مواد تستهلكها أوروبا. أي الاثنين هو الأهمّ إذن: الغاز المنتَج أو الغاز المستهلَك؟». ويذكّر بورّيل بكمية الطاقة التي تستهلكها الخدمات الرقمية، فيقول «إن الطاقة التي تستهلكها نقرتان للبحث عبر محرّك (غوغل) تعادل ما يحتاج إليه إنتاج فنجانين من القهوة. علينا أن نستثمر أكثر في البحوث لنكون أكثر فاعلية في هذا المجال». ورغم ما هو معروف عن بورّيل من رغبة قوية في أن يلعب الاتحاد الأوروبي دوراً أساسياً في اللعبة السياسية الكبرى، فإنه يدعو إلى الحذر والواقعية، ويقول: «علينا أن نكون واقعيين. مواقف الدول الأعضاء متباينة في ملفّات كثيرة، وعلينا دائماً أن نبحث عن قواسم مشتركة غالباً في الحد الأدنى. لا يجب أن نخادع أنفسنا. ومن نقاط ضعفنا الأساسية في السياسة الخارجية أن الآخرين يعرفون ما هي خلافاتنا».
الهجرة هي من الملفّات الأخرى التي تقضّ مضجع المسؤولين الأوروبيين منذ انفجار هذه الظاهرة في عام 2015، والتي تغلي تحت نارها السياسة الأوروبية منذ سنوات. ويقول نائب رئيس المفوضية المكلّف شؤون الهجرة، اليوناني مارغاريتيس سكيناس «إن نظام اللجوء الحالي يلقي بمسؤولية الجميع على عاتق بلدان الحدود الخارجية للاتحاد، وهذا ليس مقبولاً. لا يمكن أن تتحمّل اليونان وإسبانيا ومالطا وإيطاليا وحدها المسؤولية بالنيابة عن جميع الدول الأعضاء. لا بد من تعديل القوانين وإيجاد السبل الكفيلة بتقاسم المسؤولية بين الجميع. علينا أن نتوصّل إلى اتفاق يقنع كل الدول بأن لها مصلحة في الانضمام إليه والمشاركة في تنفيذه».
أما عن ملفّ «بريكست» الذي سينكبّ عليه المفاوضون اعتباراً من الأسبوع المقبل، يقول المفوّض الآيرلندي فيليب هوغان «لا أفهم ما الذي يدفع رئيس الوزراء البريطاني إلى تكبيل يديه بتحديد هذه المهلة القصيرة للمفاوضات... ربما يشعر بالقوة بعد حصوله على هذه الأغلبية الجديدة، لكن الحكمة تقضي بالحفاظ على بعض المرونة مثل القبول باحتمال إنجاز الخطوط العريضة للاتفاق السياسي وإفساح المزيد من الوقت لتنفيذ التشريعات الضرورية. وإذا أصرّ على الانطلاق من قاعدة أنه يملك كل الأوراق في المفاوضات، فهو يرتكب خطأ أساسياً في استراتيجيته التفاوضية».



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...