«المواجهة» الأميركية ـ الإيرانية تتصاعد... وطهران تتوعد بـ«ثأر قاس» لمقتل سليماني

قائد «فليق القدس» ونائب قائد «الحشد الشعبي» قضيا في ضربة استهدفت موكبهما في مطار بغداد

قاسم سليماني في حديث مع نائب قائد الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس (تسنيم)
قاسم سليماني في حديث مع نائب قائد الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس (تسنيم)
TT

«المواجهة» الأميركية ـ الإيرانية تتصاعد... وطهران تتوعد بـ«ثأر قاس» لمقتل سليماني

قاسم سليماني في حديث مع نائب قائد الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس (تسنيم)
قاسم سليماني في حديث مع نائب قائد الحشد الشعبي ابو مهدي المهندس (تسنيم)

عاشت منطقة الشرق الأوسط في الساعات الماضية على وقع مخاوف من تصاعد المواجهة الأميركية - الإيرانية، بعد تهديد إيران بـ«ثأر قاس» لقتل الولايات المتحدة قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني قاسم سليماني ومستشاره في العراق نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، بضربة استهدفت موكباً كان يقلهما داخل مطار بغداد، فجر اليوم (الجمعة).
وكانت «خلية الإعلام الأمني» التابعة لمكتب رئيس الوزراء العراقي أوضحت أن ثلاثة صواريخ سقطت على مطار بغداد الدولي «قرب صالة الشحن الجوي»؛ ما أدى إلى احتراق سيارتين «وإصابة عدد من المواطنين»، قبل أن يتضح أن السيارتين كانتا ضمن موكب سليماني الذي وصل إلى المطار سراً بطائرة قبل قتله، قالت وكالة «أسوشييتد برس» إنها وصلت من لبنان، في حين قالت صحيفة «نيويورك تايمز» إنها جاءت من سوريا.
وقبل إعلان مقتل سليماني والمهندس في الهجوم، أعلن «الحشد» مقتل مدير العلاقات العامة فيه محمد الجابري. ونقلت وكالة «رويترز» عن مصدر في «الحشد»، أن خمسة أعضاء و«ضيفين» قتلوا في «غارة جوية» استهدفت سيارتين تقلانهم داخل مطار بغداد. وأضاف المصدر، أن أعضاء «الحشد» القتلى كانوا يرافقون «ضيوفاً مهمين» في المطار.
وغرّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعلم بلاده على «تويتر»، قبل دقائق من إعلان وزارة الدفاع الأميركية في بيان، أنها نفذت الهجوم بتوجيه من الرئيس، رداً على استهداف قوات أميركا ومصالحها في العراق والمنطقة، و«لردع خطط إيران» لتنفيذ هجمات جديدة.
وأكد التلفزيون الرسمي الإيراني مقتل المسؤول الأول عن العمليات الخارجية لـ«الحرس»، في حين اتهم الناطق باسم «الحشد الشعبي» أحمد الأسدي «العدو الأميركي والإسرائيلي» بالمسؤولية عن قتل المهندس وسليماني.
وقالت «هيئة الحشد الشعبي» في بيان اليوم، إن جنازات رسمية ستقام السبت لقتلى الضربة الأميركية.
ويأتي مقتل سليماني والمهندس، بعد ثلاثة أيام على هجوم غير مسبوق شنّه مناصرون لإيران على السفارة الأميركية في بغداد.
والمهندس هو رسمياً نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي»، لكنه يعتبر على نطاق واسع قائد «الحشد» الفعلي، وأدرجت الولايات المتحدة اسمه على قائمتها السوداء. أما سليماني، الجنرال الإيراني واسع النفوذ، فهو قائد «فيلق القدس» المسؤول عن العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، وهو أيضاً رجل إيران الأول في العراق.
وانسحب مناصرو إيران من محيط السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء الأربعاء الماضي، لكن هجومهم غير المسبوق الذي تخلّله رشق السفارة بالحجارة وكتابة عبارات على جدرانها وإضرام النيران حولها، أثار مخاوف من أن يتحول العراق إلى ساحة لتسوية الخلافات بين إيران والولايات المتحدة.
وكان وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبر، أعلن الخميس أنه يتوقع أن تقوم الفصائل الموالية لإيران في العراق بشن هجمات جديدة على القوات الأميركية، متوعداً بأن الولايات المتحدة «ستجعلهم يندمون» عليها. وقال إسبر: «نشهد استفزازات منذ أشهر. هل أعتقد أنهم يمكن أن يقدِموا على فعل شيء؟ نعم. وسيندمون على ذلك على الأرجح... نحن جاهزون للدفاع عن أنفسنا، ومستعدون لصد أي تصرفات سيئة أخرى من هذه الجماعات التي ترعاها وتوجهها وتموّلها جميعاً إيران».
وحذر من أنه «إذا علمت واشنطن بهجمات جديدة قيد التحضير فسنتخذ إجراءات وقائية لحماية القوات الأميركية ولحماية أرواح أميركية».
وقال قائد الأركان الأميركي الجنرال مارك، ميلي، إن هجوم «كتائب حزب الله» على قاعدة كركوك كان هدفه «قتل أميركيين»، مضيفاً أن «إطلاق 31 قذيفة ليس إطلاق نار تحذيرياً، بل هدفه التسبب في أضرار والقتل». وأشار إسبر إلى أن كل ذلك «غيَر المعطيات... ونحن على استعداد لفعل كل ما هو ضروري للدفاع عن موظفينا ومصالحنا وشركائنا في المنطقة».

الموقف الإيراني
وفي إيران، توعد المرشد الإيراني علي خامنئي بـ«ثأر قاسٍ» رداً على مقتل سليماني ونائب رئيس «الحشد الشعبي» العراقي. ونعى خامنئي، في بيان عبر موقعه الإلكتروني، سليماني. وأعلن الحداد الرسمي 3 أيام. وتوعد بـ«الثأر»، قائلاً: «ينتظر ثأر قاسٍ المجرمين».
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن خامنئي ترأس اجتماعاً طارئاً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني لبحث تداعيات مقتل قاسم سليماني.
قال خامنئي في بيان نقله التلفزيون: «فليعلم جميع الأصدقاء والأعداء أيضاً أن نهج الجهاد في المقاومة سيستمر بدوافع مضاعفة، وأن النّصر الحاسم سيكون حليف مجاهدي هذا المسار المبارك».
أما الرئيس الإيراني حسن روحاني فقال: إن مقتل سليماني «سيجعل إيران أكثر حزماً في مقاومة التوسع الأميركي والدفاع عن قيمنا الإسلامية». وتابع قائلاً بحسب «رويترز»: «بلا شك، ستثأر له إيران وغيرها من الدول التي تسعى إلى الحرية في المنطقة».

ردود عراقية
وأصدر المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بياناً أدان فيه الضربة الأميركية. وقال: «إن اغتيال قائد عسكري عراقي (أبو مهدي المهندس) يشغل منصباً رسمياً (في الحشد الشعبي) يعد عدواناً على العراق دولة وحكومة وشعباً. وإن القيام بعمليات تصفية ضد شخصيات قيادية عراقية أو من بلد شقيق على الأرض العراقية يعد خرقاً سافراً للسيادة العراقية واعتداءً صارخاً على كرامة الوطن». ودعا مجلس النواب العراقي إلى الاجتماع لاتخاذ قرار في شأن طريقة الرد على قتل الرجلين.
كما وصف المرجع الديني الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني، الجمعة، الضربة الجوية الأميركية بـ«الاعتداء الغاشم». واعتبر السيستاني في خطبة الجمعة التي ألقاها ممثله عبد المهدي الكربلائي في مدينة كربلاء جنوب بغداد: «الاعتداء الغاشم بالقرب من مطار بغداد الدولي الليلة الماضي يمثّل «خرقاً سافراً للسيادة العراقية وانتهاكاً للمواثيق الدولية». وهتف الكربلائي مع المصلين «كلا كلا أميركا».
كذلك، أصدر الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، أمراً، اليوم (الجمعة)، باستئناف نشاطات «جيش المهدي» أبرز قوة مسلحة شيعية قاتلت القوات الأميركية في العراق، بعد مقتل قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس. وقال الصدر، في تغريدة على موقع «تويتر»: «كمسؤول المقاومة العراقية الوطنية أعطي أمراً بجهوزية المجاهدين، ولا سيما (جيش الإمام المهدي) و(لواء اليوم الموعود) ومن يأتمر بأمرنا من الفصائل الوطنية المنضبطة، لنكون على استعداد تام لحماية العراق»، ودعا الصدر الجميع للتحلي بـ«الحكمة والحنكة».
ودعا حزب الدعوة الإسلامية في العراق بزعامة نوري المالكي، الجمعة، الحكومة العراقية إلى إعادة النظر بالعلاقات مع الإدارة الأميركية. ووصف حزب الدعوة الإسلامية في بيان عملية مقتل سليماني والمهندس بأنها «عمل مشين يكشف بوضوح العنجهية الاستكبارية التي تنتهجها السياسة الأميركية في تنفيذ طموحاتها ومشروعها الرامي إلى السيطرة على المنطقة».

دمشق و«حزب الله»
وفي دمشق، أدانت السلطات السورية، الجمعة، «العدوان الأميركي الجبان» الذي أدى إلى مقتل القائد العسكري الإيراني قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في بغداد، معتبرة أنه «تصعيد خطير للأوضاع في المنطقة»، حسبما ذكرت وكالة الأنباء السورية (سانا). ونقلت الوكالة عن مصدر في وزارة الخارجية السورية في دمشق قوله، إن سوريا «واثقة بأن هذا العدوان الأميركي الجبان الذي أدى إلى ارتقاء كوكبة استثنائية من قادة المقاومة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الإصرار». وأشار المصدر، بحسب البيان، إلى أن الضربة الأميركية «تؤكد مجدداً مسؤولية الولايات المتحدة عن حالة عدم الاستقرار التي يشهدها العراق الشقيق وذلك في سياق سياساتها الرامية إلى خلق التوترات وتأجيج الصراعات في دول المنطقة».
وفي بيروت، دعا الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني حسن نصر الله، الجمعة، إلى «القصاص العادل» من قتلة قاسم سليماني. وقال نصر الله في بيان نقلته وكالة الصحافة الفرنسية: «القصاص العادل من قتلته المجرمين الذين هم أسوأ أشرار هذا العالم سيكون مسؤولية وأمانة وفعل كل المقاومين والمجاهدين على امتداد العالم». وأضاف: «أما نحن الذين بقينا بعده، فسنكمل طريقه وسنعمل في الليل والنهار لنحقق أهدافه». وتابع: «سنحمل رايته في كل الساحات والميادين والجبهات، وستتعاظم انتصارات محور المقاومة» نتيجة مقتله، في إشارة إلى التحالف بين إيران وسوريا و«حزب الله».
وفي تل أبيب، أفيد بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قطع، الجمعة، زيارته الرسمية لليونان ليعود إلى إسرائيل بعد مقتل القائد قاسم سليماني، وسط استنفار إسرائيلي على الحدود خشية هجمات تقوم بها جماعات موالية لإيران، سواء في قطاع غزة أو على الحدود مع لبنان وسوريا. ووصل نتنياهو إلى أثينا الخميس، حيث وقّع اتفاقاً مع قبرص واليونان يتعلق بمشروع أنبوب للغاز، وكان يفترض أن يبقى في اليونان حتى السبت. لكنه قرر اختصار زيارته بعد إعلان مقتل قائد «فيلق القدس» في الحرس الثوري.



وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
TT

وزير الخارجية الإيراني يعود إلى باكستان

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

عاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الأحد، إلى باكستان التي تقود الوساطة بين طهران وواشنطن، في زيارة جديدة ضمن مساعي إنهاء الحرب التي أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب عزمه على «الانتصار» فيها.

وحلّ عراقجي في إسلام آباد للمرة الثانية خلال عطلة نهاية الأسبوع الحالي، وهذه المرة غداة إلغاء ترمب زيارة كان يتوقع أن يجريها مبعوثاه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وذلك في ظل عدم تحقيق اختراق ينهي الحرب التي اندلعت بهجوم أميركي إسرائيلي على طهران في 28 فبراير (شباط).

واستضافت إسلام آباد في وقت سابق من أبريل (نيسان) جولة مفاوضات أولى مباشرة في إطار اتفاق هدنة بين المتحاربين، من دون التوصل إلى اتفاق على إنهاء الحرب التي طالت تداعيتها الشرق الأوسط وأسواق الطاقة العالمية.

وبعد محطته الأولى في إسلام آباد، انتقل عراقجي إلى مسقط ضمن الجولة التي من المقرر أن تشمل روسيا كذلك.

وأكدت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) أن عراقجي وصل إلى إسلام آباد بعد ظهر الأحد، آتيا من عُمان حيث التقى السلطان هيثم بن طارق.

وقالت وكالة الأنباء العمانية إن الطرفين بحثا «مستجدّات الأوضاع في المنطقة، وجهود الوساطة والمساعي الرّامية إلى إنهاء النّزاعات».

وكان الوزير الإيراني التقى في باكستان رئيس الوزراء شهباز شريف ونظيره إسحق دار، وقائد الجيش عاصم منير. وقال عراقجي إن طهران تنتظر لتبيان «ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

وكان ترمب قد أعلن، السبت، أن ويتكوف وكوشنر لن يزورا باكستان. وأضاف: «لدينا كل الأوراق. يمكنهم (الإيرانيون) الاتصال بنا متى أرادوا، لكن لن تقوموا برحلات مدتها 18 ساعة بعد الآن للجلوس والتحدث عن لا شيء». ورأى أن واشنطن أهدرت «الكثير من الوقت في السفر، والكثير من العمل!».

لكن ترمب شدد على أن عدم سفرهما لا يعني استئناف الحرب، مضيفاً أن الإيرانيين «قدموا إلينا وثيقة كان يجب أن تكون أفضل مما هي عليه»، وأنه بعد إلغاء الزيارة «قدموا وثيقة جديدة أفضل»، دون أن يدلي بتفاصيل.


إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.