عوارض «السقم» في الديمقراطيات الغربية

بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني... يعتبره البعض من ابرز القادة الشعبويين في أوروبا
بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني... يعتبره البعض من ابرز القادة الشعبويين في أوروبا
TT

عوارض «السقم» في الديمقراطيات الغربية

بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني... يعتبره البعض من ابرز القادة الشعبويين في أوروبا
بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني... يعتبره البعض من ابرز القادة الشعبويين في أوروبا

ولّى ذلك الزمن الذي كانت تنهار فيه الديمقراطيات تحت وطأة الانقلابات العسكرية أو الثورات الشعبية، وبدأ عصر انحلال النظم الديمقراطية في عجزها عن معالجة المشكلات الملحّة التي يعاني منها المواطن، وجنوحها نحو أنماط شبه استبدادية للحكم تقوم على شخصية الزعيم «المنقذ» الذي غالباً ما يحاكي الغرائز التي خدّرتها عقود من الرفاه والاستقرار وعادت لتستيقظ على وقع الأزمات الاقتصادية وانسداد الأفق أمام حلّها في القريب المنظور.
النزف الديمقراطي في العالم لم يعد وليد الصراعات العسكرية، بل أصبح صنيع الزعامات المنتخَبة والرؤساء الذين يتنكرّون للقواعد التي أوصلتهم إلى السلطة وينقلبون عليها. وكما يقول الباحث السياسي في جامعة هارفارد ستيفن ليفيتسكي في مؤلفه (كيف تموت الديمقراطيات): «في الربع الأول من القرن الحادي والعشرين لن تلفظ الأنظمة الديمقراطية أنفاسها الأخيرة برصاصة الرحمة التي ستطلق عليها، بل بعد حشرجة ضعيفة ناجمة عن وهن المؤسسات الأساسية مثل الأجهزة القضائية والمجالس التشريعية ووسائل الإعلام، وتداعي القواعد السياسية التقليدية».
وقد شهد العام المنصرم مواجهة شديدة بين تيّارين يدفع كل منهما بعكس الآخر، وليس واضحاً بعد لمن ستكون الغلبة في نهاية هذا الصراع الذي بدأ يزعزع القواعد الاجتماعية وركائز التعايش في العديد من الدول. الأول ليس بجديد، بل هو نما في العقدين الماضيين وتوطّد خلال السنوات الأخيرة فيما يمكن تسميته تمرّد النخبة. والثاني له سوابق عدة في العقود الماضية، من مايو (أيار) 1968 الفرنسي إلى محطات الربيع العربي وانفجار الحركات الشعبية، لكنه راح يتجسّد مؤخراً في احتجاجات متزامنة شملت مناطق عديدة من العالم، يقودها طيف واسع من المواطنين والمجموعات المدنية المتفاوتة، من كل الأعمار ومن غير انتماء طبقي محدد، يعربون عن غضبهم؛ لأن السياسة قد تخلّت عنهم ويشعرون بأن الطبقة الحاكمة تهزأ بهم وتحتقرهم.
ويلاحظ الباحثون الذين انكبّوا على دراسة هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، أن ثمّة نزوعاً متزايداً بين الطبقة الحاكمة نحو التخلّي عن هدف المصلحة المشتركة، يدفع المجتمعات الغربية إلى المزيد من الفوضى، فيما تنهار الطبقة الوسطى التي كانت تشكّل عماد هذه المجتمعات ومصدر استقرارها الرئيسي، وتزداد أزمة التمثيل السياسي حدّة مع اتسّاع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية.
لكن الطبقة السياسية المسيطرة، وبالتناغم مع النُخَب، ما زالت تصرّ على أسطورة الطبقة الوسطى الصاعدة اجتماعياً التي لم يعد لها وجود منذ ما لا يقلّ عن عقد من الزمن. وتقوم هذه الطبقة، بالتعاون والتواطؤ مع مجموعات اقتصادية وسياسية تمثّل الشرائح المحظيّة في المجتمعات، بفسخ من طرف واحد للعقد الاجتماعي الذي يربط بين المواطنين، وتنعزل في أوساطها وداخل شبكاتها وعالمها المكتفي بذاته، متخلّية عن الطبقات الاجتماعية الأخرى ومتنكّرة لفكرة الديمقراطية كنظام يُعنى بكل المواطنين.
والعقد الاجتماعي الذي تخلّت عنه الطبقة المهيمنة هو اتفاق ضمني غير مكتوب بين المواطنين والدولة والنُخَب، يقتضي توفير الحماية الاجتماعية والاقتصادية الأساسية، بما فيها فرص معقولة للعمل ودرجة معيّنة من الأمان المعيشي لكل مواطن. ومن الشروط التي يتضمنها هذا الاتفاق، أن يتقاسم الفقراء أرباح المجتمع في زمن النمو الاقتصادي، وأن يساهم الأغنياء في التخفيف من الضائقة الاجتماعية في الأزمات. وهذا بالتحديد ما أخفقت فيه المجتمعات الغربية إبّان «الكساد الكبير» أواخر عشرينات القرن الماضي، وما تتبدّى ملامحه اليوم حيث تتجّه الأنظمة السياسية نحو ديمقراطيات فرديّة لم يعد قوامها التضامن ودعم الحقوق الشخصية. إنه نموذج نرجسي للديمقراطية، ينزع نحو أنماط جديدة من التفرقة السياسية والاجتماعية والثقافية، وينال من نوعيّة الحكم ومستوى أدائه.
التيّار المعاكس تمثّله الاحتجاجات والتحرّكات العديدة التي انفجرت في مناطق متباعدة جغرافياً طوال العام المنصرم، واتخّذت أشكالاً مختلفة جمع بينها عدم وجود رابط سياسي أو نقابي، وكانت قواسمها المشتركة هي العفويّة وعدم وجود قيادات أو تحديد خصم معيّن لانتفاضتها. إنه، في جملة القول، تيّار الخاسرين في نظـام العولمة يخرجون إلى الشوارع ضد قوانين العمل الجديدة وتحرير التجارة والعفو عن الذين يتهرّبون من دفع الضرائب والسوق الأوروبية الواحدة، ويشعرون بأنهم وقعوا ضحيّة خدعة كبيرة بأن كل ذلك سيؤدي إلى تحسين ظروف حياتهم.
إنهم مواطنون غاضبون ومقتنعون بأن اللجوء إلى القنوات والسبل المؤسسية للضغط لا يجدي نفعاً، لأن أهل السياسة غير قادرين على فهم ظروفهم ومعاناتهم، أو غير مستعدّين للتجاوب مع المطالب الاجتماعية الواسعة التي تستدعي تغييراً جذريّاً في وجهة الحكم. لكن الغاضبين، في غالبيتهم الساحقة، يكتفون بالتعبير عن استياء عارم من الأنظمة السياسية بغضّ النظر عن لونها، ولا يقترحون أي برامج عمل من شأنها تحقيق أهداف معيّنة. إنهم يحملون من الإحباط أكثر مما يحملون من الطموحات، ولأنهم لا يشعرون بانتماء بروليتاري فمن الأرجح ألا تؤدي احتجاجاتهم إلى تغيير في الواقع الاجتماعي.
لكن ماذا سيحصل بعد هذه الانتفاضات العفوية الحاشدة عندما يستقرّ الإنهاك في صفوفها؟ ما الذي سيتبقّى من كل هذه الاحتجاجات؟
هذه التساؤلات تذكّرنا بالنقاش الذي دار بعد أحداث مايو 68 حول ما إذا كان النضال الاجتماعي يحتاج لطلائع سياسية أو نقابية منظمة لقيادته. ويقول أحد الذين شاركوا في تلك الأحداث، بعد خمسين عاماً على وقوعها: «ثم جاء الشهر التالي، فأعاد اليمين تنظيم صفوفه فيما لم يكن عند اليسار ما يقدّمه آيديولوجياً أو حتى إصلاحيا. من كل ذلك استخلصت عبرة واحدة: لا عودة إلى محاولة الإمساك بالسلطة من القاعدة ولا إلى الخطاب السياسي من خارج السلطة. تملكتني المرارة والنقمة على هشاشة ما قمنا به والألم العميق الذي خلّفته تلك التجربة، ولذلك فإن الدعوات إلى الإمساك الجزئي بالسلطة تثير عندي شكوكاً كبيرة».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended