برلمان تركيا يصوّت اليوم في جلسة طارئة على إرسال قوات إلى ليبيا

إجراءات التنقيب عن النفط والغاز ستبدأ خلال أشهر قليلة بموجب الاتفاق مع السراج

الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)
الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)
TT

برلمان تركيا يصوّت اليوم في جلسة طارئة على إرسال قوات إلى ليبيا

الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)
الرئيس التركي أعلن مساء أول من أمس أن بلاده ستنفذ جميع بنود الاتفاقيات المبرمة مع حكومة السراج (أ.ب)

يعقد البرلمان التركي جلسة طارئة اليوم (الخميس) للمناقشة والتصويت على مذكرة مقدمة من حكومة الرئيس رجب طيب إردوغان للحصول على تفويض بإرسال جنود إلى ليبيا، بناء على طلب حكومة الوفاق الليبية، التي يرأسها فائز السراج، وذلك بموجب اتفاقية التفاهم في مجال التعاون العسكري والأمني، الموقعة بين الجانبين في 27 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وتبدأ الجلسة بتلاوة نص المذكرة، التي تقدمت بها الحكومة إلى البرلمان يوم الاثنين الماضي، وتمنح 20 دقيقة لكل حزب من الأحزاب الخمسة الممثلة في البرلمان (العدالة والتنمية الحاكم والشعب الجمهوري والشعب الديمقراطي والحركة القومية والجيد) لمناقشة المذكرة، بعدها يتم الانتقال إلى عملية التصويت.
وأعلن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة التركية، رفضه إرسال قوات إلى ليبيا، موضحا أنه سيصوت ضد منح التفويض للحكومة، بينما كان حزب الحركة القومية، المتحالف مع العدالة، والتنمية في إطار «تحالف الشعب»، هو الوحيد الذي أعلن أن نوابه البالغ عددهم 49 نائبا سيصوتون لصالح المذكرة.
ويعول حزب العدالة والتنمية على أغلبيته، ودعم حزب «الحركة القومية» له في تمرير مذكرة التفويض خلال جلسة اليوم. وكان البرلمان التركي قد دخل عطلة عقب مداولات الميزانية الجديدة، بدأت في 21 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكان مقررا أن تستمر حتى 7 من يناير (كانون الثاني) الجاري، لكنه قطع العطلة بناء على طلب حزب العدالة والتنمية لمناقشة المذكرة والتصويت عليها.
وجاء في مذكرة التفويض المقدمة للبرلمان أن الجهود، التي بدأتها ليبيا عقب أحداث فبراير (شباط) 2011 لبناء مؤسسات ديمقراطية، ذهبت سدى بسبب النزاعات المسلحة المتزايدة، التي أدت إلى ظهور هيكلية إدارية مجزأة في البلاد. مضيفة أن من الاعتبارات التي تدفع تركيا إلى إرسال قوات عسكرية إلى ليبيا، حماية المصالح الوطنية، انطلاقاً من القانون الدولي، واتخاذ جميع الاحتياطات اللازمة ضد المخاطر الأمنية، التي مصدرها جماعات مسلحة «غير شرعية» في ليبيا، إلى جانب الحفاظ على الأمن ضد المخاطر المحتملة الأخرى، مثل تيارات الهجرة الجماعية، وتقديم المساعدات الإنسانية التي يحتاجها الشعب الليبي، وتوفير الدعم اللازم للحكومة الشرعية (حكومة السراج) في ليبيا.
ولفتت المذكرة إلى أن تقدير زمن إرسال قوات تركية إلى ليبيا، ومكان انتشارها، سيكون في عهدة رئيس الجمهورية، وفقاً للمبادئ التي حددها الرئيس بشأن اتخاذ جميع أنواع التدابير للقضاء على المخاطر والتهديدات، مبرزة أن مدة التفويض ستكون عاماً واحداً قابلة للتمديد، وفقاً للمادة 92 من الدستور التركي، المتعلقة بإرسال قوات عسكرية إلى دول أجنبية.
واستبق الرئيس التركي رجب طيب إردوغان انعقاد جلسة البرلمان بتصريحات قال فيها إن تركيا «بصدد اتخاذ خطوة جديدة في ليبيا وشرق البحر المتوسط... ونأمل أن يحقق جنودنا في شرق المتوسط ملاحم بطولية كتلك التي حققها أمير البحارة العثمانيين خير الدين بربروس (1478 - 1546)، وهم بالفعل سيواصلون كتابة تلك الملاحم».
في السياق ذاته، قالت وزارة الخارجية التركية إن اتفاق الصخيرات في ليبيا «يقتضي دعم حكومة الوفاق الوطني»، التي وصفتها بـ«الشرعية والمعترف بها دوليا». وذكر المتحدث باسم الخارجية التركية حامي أكصوي، ردا على سؤال حول اجتماع الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين حول الشأن الليبي، أول من أمس، والبيان الصادر عنه برفض التدخل الأجنبي في ليبيا، أن «الخارجية التركية اطلعت على بيان الجامعة العربية، الذي يؤكد دعم العملية السياسية من خلال التنفيذ الكامل لاتفاق الصخيرات في ليبيا، وترى أنه من المفيد التذكير بأن ذلك الاتفاق يقتضي دعم حكومة الوفاق الوطني الشرعية».
وأضاف المتحدث التركي، في بيان صدر أمس: «لقد سجلنا إشارة البيان الختامي عقب الاجتماع إلى الاتفاق السياسي الليبي عام 2015 (اتفاق الصخيرات)، وتأكيده على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لتحقيق الاستقرار في ليبيا... ومن المفيد في هذا الإطار التذكير بأن نص وروح الاتفاق السياسي الليبي، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2259 يهدفان إلى دعم حكومة الوفاق وتقويتها».
ولفت أكصوي إلى أن قرار مجلس الأمن تضمن دعوة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لدعم حكومة الوفاق، وقال في هذا السياق: «في المقابل، من الواضح أن الجامعة العربية تلتزم الصمت حيال هجمات قوات خليفة حفتر، بدعم عسكري خارجي، والمتواصلة منذ أشهر، لا سيما على العاصمة طرابلس، بخلاف الاتفاق السياسي الليبي، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2259، ولم تتمكن الجامعة من اتخاذ موقف حازم إلى جانب الشرعية الدولية».
وتابع المتحدث التركي موضحا أن تركيا «تدافع منذ البداية عن ضرورة إيقاف الهجمات أولا، وتحقيق وقف إطلاق نار فوري شامل، من أجل تحقيق حل سياسي في ليبيا»، معتبرا أن تركيا «أسهمت بشكل فاعل وبناء في مسار برلين في هذا الإطار».
في سياق ذلك، أبرز أكصوي أن تحقيق الحل السياسي الدائم والشامل بقيادة الليبيين «لا يمكن أن يتم عبر تشجيع الساعين لفرض أمر واقع عبر وسائل عسكرية، بل عبر ردعهم، وتركيا ستواصل دعم حكومة الوفاق الوطني، الممثل الشرعي لليبيا، وبذل الجهود من أجل وصول الشعب الليبي إلى السلام الدائم والاستقرار».
إلى ذلك، قال فؤاد أوكطاي، نائب الرئيس التركي، إن هدف أنقرة في ليبيا وقبرص يتمثل في إحباط ما سماها بـ«المكائد التي تستهدف تركيا».
وأضاف أوكطاي، في مقابلة مع وكالة «الأناضول» أمس: «أخاطب من يسألوننا: ما شأنكم في ليبيا وقبرص؟ نحن هناك لإحباط المكائد التي تستهدفنا... أفشلنا مؤامرة حبسنا في مياهنا الإقليمية عبر الاتفاق مع ليبيا».
وتابع موضحا: «أي خطة من دون تركيا في المنطقة لا فرصة لها للنجاح، مهما كان الطرف الذي يقف وراءها... والاتفاق - التركي الليبي يصب في مصلحة المنطقة أيضاً، وهو مشروع سلام».
وبخصوص جلسة البرلمان التركي اليوم، قال أوكطاي إن مذكرة التفويض حول إرسال جنود إلى ليبيا «تسري لعام واحد، حيث يتم إرسال القوات في التوقيت وبالقدر اللازم، ويتيح محتواها كل شيء، بدءا من المساعدات الإنسانية وحتى الدعم العسكري، ونأمل أن يؤدي ذلك دوراً رادعاً، وأن تفهم الأطراف هذه الرسالة بشكل صحيح».
في سياق متصل، قال فاتح دونماز، وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، إن إجراءات التراخيص للتنقيب المتعلقة بمناطق الصلاحية البحرية المحددة وفق الاتفاق الأخير مع ليبيا، ستبدأ في الأشهر المقبلة.
وأكد دونماز في اتصال مع طاقم سفينتي «ياووز» و«الفاتح» للتنقيب، اللتين تعملان في شرق البحر المتوسط خلال زيارته لمنشأة لتخزين الغاز في إسطنبول، أن تركيا «تمسك بحقوقها وحقوق أشقائها القبارصة الأتراك في شرق المتوسط». مشيرا إلى أن أنشطة التنقيب متواصلة بكل تصميم في المنطقة، دون أي تأخير، وإجراءات الترخيص بشأن المناطق، في إطار مذكرة التفاهم البحرية، المبرمة مع حكومة السراج في ليبيا بشأن تحديد مناطق السيادة البحرية، ستبدأ على وجه السرعة في الأشهر المقبلة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...