أميركا في 2019: إجراءات عزل تاريخية وقرارات أشعلت صراعات في البيت الأبيض

ترمب يُعدّ لمعركة انتخابية ساخنة... ويعوّل على تبرئته في «محاكمة الشيوخ»

نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)
نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)
TT

أميركا في 2019: إجراءات عزل تاريخية وقرارات أشعلت صراعات في البيت الأبيض

نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)
نانسي بيلوسي ومايك بنس يصفقان بعد إلقاء ترمب خطاب حالة الاتحاد أمام الكونغرس في 5 فبراير 2019 (أ.ف.ب)

كان عام 2019 حافلاً بأحداث سوف يذكرها التاريخ، واجهت فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحديات قلّما واجهتها إدارات أميركية في السابق. وأصبح ترمب خلالها الرئيس الثالث فقط في التاريخ الأميركي الذي يعزله مجلس النواب.
فشخصية ترمب مختلفة للغاية عن شخصيات سياسية تقليدية اعتادت عليها واشنطن وعرفتها. شخصية تصادمت مع الديمقراطيين وتحدّتهم ليصل الأمر بهم إلى محاولة خلعه من مقعد الرئاسة. شخصية تحدّت زعماء الدول الحليفة وواجهتهم من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وصولاً إلى رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو. هذه الشخصية تحدّت الأعراف والتقاليد، واعتمدت على سياسة التواصل عبر «تويتر»، والإعلان عن أهم القرارات في السياسة الأميركية داخلياً وخارجياً عبر تغريدات.
أبلغ ترمب من خلال تغريداته الأميركيين والعالم بسحب القوات الأميركية من سوريا، وبإلغاء الضربة العسكرية على إيران، وبمنع رئيسة مجلس النواب من السفر بسبب الإغلاق الحكومي، وباستقالة أو إقالة مسؤولين في الإدارة. ناهيك عن تغريداته اليومية التي حملت وابلاً من الانتقادات للمحقق الخاص روبرت مولر، وللديمقراطيين، وإجراءات عزله. ومما لا شك فيه أن تداعيات السياسات المذكورة ستمتد إلى العام المقبل، وتؤثر مباشرة على نتيجة الانتخابات الرئاسية والتشريعية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020، في حلبة صراع مزدحمة بمرشحين ديمقراطيين ورئيس حالي هو الثالث الذي يصادق مجلس النواب على عزله في تاريخ الولايات المتحدة.

الإغلاق الحكومي الأطول
في تاريخ الولايات المتحدة

في الأول من يناير (كانون الثاني) 2019، استيقظ الأميركيون على وقع الإغلاق الحكومي الثالث في عهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لم يعرفوا حينها أنه سيكون الإغلاق الأطول في تاريخ الولايات المتحدة. فقد بدأ الإغلاق الجزئي في الثاني والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2018 مع بدء عملية شد الحبال بين البيت الأبيض والكونغرس، بعد فوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلس النواب. السبب: ملف الهجرة غير الشرعية وبناء حائط مع المكسيك. ففي حين دفع الديمقراطيون باتجاه تمويل المرافق الحكومية من دون شروط، أصر البيت الأبيض على إضافة تمويل الحائط. ومع مطلع العام الجديد وتسلم نانسي بيلوسي مطرقة الرئاسة في مجلس النواب، بدا أن الوضع يتدهور أكثر فأكثر وتبددت الآمال بالتوصل إلى اتفاق.

قصة خطاب حالة الاتحاد

علاقة ترمب ببيلوسي علاقة يصفها الكثيرون في واشنطن بالمضطربة في أفضل أيامها، ولعل أبرز مثال على ذلك قصة خطاب حال الاتحاد. فهذا التقليد المرسخ في العلاقة بين الكونغرس والبيت الأبيض شهد أكبر أزمة في تاريخه: بيلوسي سحبت الدعوة التي سبق وأن وجّهتها لترمب لإلقاء خطاب حال الاتحاد السنوي في التاسع والعشرين من يناير، بسبب الإغلاق الحكومي. فردّ عليها ترمب من خلال إلغاء زيارتها الرسمية إلى مصر وأفغانستان وبلجيكا. واستمرت عملية شد الحبال هذه إلى أن تم التوصل إلى اتفاق لفتح المرافق الحكومية بعد خمسة وثلاثين يوماً من إغلاقها. لكن بيلوسي لم تخرج من الصورة، حرفياً. فبعد فتح المرافق الحكومية أبوابها، ألقى ترمب خطاب حال الاتحاد في الخامس من فبراير (شباط)، ووراءه مباشرة جلست رئيسة المجلس، لتصبح صورتها وهي تصفق بسخرية للرئيس الصورة الأشهر تلك الليلة. ويتحدث مدير مكتب صحيفة «بوليتيكو»، جون بريسناهن، عن المراحل المتعدّدة التي مرت بها علاقة ترمب ببيلوسي. ويقول: «لقد بدأت بتغطية الكونغرس في أوائل عام 1990، وعلاقة ترمب ببيلوسي هي أكثر علاقة مشحونة ومتوترة تجمع بين رئيس أميركي ورئيس مجلس نواب. إن العلاقة تدهورت بشكل دراماتيكي منذ تسلم بيلوسي مطرقة رئاسة في المجلس، وهما بالكاد يتحدثان مع بعضهما بعضاً اليوم. وفي كل مرة يتحدثان فيها، تحصل مواجهة كبيرة ويغادر أحدهما قاعة الاجتماع. هذا أمر غير مسبوق».

جيمس ماتيس وسوريا

دخل ترمب العام الجديد من دون وزير دفاع في إدارته. فجايمس ماتيس قدّم استقالته بعد خلافات عميقة بين الرجلين بسبب قرار ترمب سحب القوات الأميركية من سوريا، ودراسة سحب القوات من أفغانستان. وجاءت استقالة الجنرال المتقاعد بعد يوم من تصريحات مفاجئة للرئيس الأميركي يعلن فيها عن انسحاب القوات الأميركية من سوريا والفوز على تنظيم «داعش» الإرهابي. تصريحات ترمب هزت وزارتي الدفاع والخارجية؛ إذ تزامنت مع تكرار مسؤولين في الوزارتين لتصريحات مفادها أن القتال ضد التنظيم في سوريا لم ينته بعد.
الموضوع الآخر الذي دفع بماتيس إلى اتخاذ قراره بالاستقالة هو طلب ترمب من البنتاغون العمل على استراتيجية لسحب عدد من القوات الأميركية من أفغانستان، على الرغم من معارضة وزير دفاعه.
غياب ماتيس هز الأوساط السياسية في واشنطن، خاصة في الكونغرس، حيث يتمتّع الرجل بسمعة طيبة ويحظى بثقة المشرعين من الحزبين، وقد عادلت هذه الصدمة التي تلقاها المشرعون لدى استقالة ماتيس صدمة سماعهم بنية ترمب الانسحاب من سوريا. ولعلّ خير دليل على هذا تصريح أقرب حلفاء ترمب في الكونغرس، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ ميتش مكونيل الذي قال حينها: «لقد أحزنني خبر استقالة ماتيس، وأنا مستاء ومضطرب من أنه قدّم استقالته بسبب خلافات عميقة مع الرئيس متعلقة بمظاهر أساسية للدور القيادي العالمي الذي تؤديه الولايات المتحدة».

دان كوتس وروسيا

وجه آخر استاء أعضاء الكونغرس من مغادرته الإدارة هو دان كوتس، مدير الاستخبارات الوطنية. كوتس السياسي المخضرم الذي خدم في مجلسي الشيوخ والنواب وعُيّن سفيراً للولايات المتحدة في ألمانيا أيام جورج بوش الابن، كان مستاءً من موقف الإدارة حيال روسيا. وبحسب صحيفة «نيويورك تايمز»، فإن كوتس قرّر تقديم استقالته لأسباب متعلقة بمحاولات الإدارة المتكررة للتخفيف من حدة الانتقادات لروسيا بسبب تدخلها في الانتخابات الأميركية.

جون كيلي و«الناتو»

استقالة أخرى هزت الإدارة هي استقالة جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض ووزير الأمن القومي السابق. ويقول داعمو كيلي، إن وجوده في البيت الأبيض ساعد في ملفات عدة، أبرزها إقناع ترمب بعدم سحب القوات الأميركية من كوريا الجنوبية، وإبقاء عضوية الولايات المتحدة في حلف شمالي الأطلسي.

كيرستن نيلسن وجدل الهجرة

استقالة جون كيلي حوّلت الأنظار إلى خليفته في منصبه السابق، وزيرة الأمن القومي كيرستن نيلسن. فنيلسن واجهت أحد أكثر الملفات حماوة في واشنطن: ملف الهجرة غير الشرعية، وقد أدت سياسة فصل الأطفال عن أهاليهم على الحدود الأميركية - المكسيكية إلى موجة من الانتقادات الديمقراطية لتعاطي نيلسن مع الملف. وعندما احتدم النقاش في الإدارة الأميركية لمحاولة إصلاح سياسة الهجرة غير الشرعية، أعلن الرئيس الأميركي عن نيته اعتماد سياسة أكثر صرامة، فقدّمت وزيرة الأمن القومي هي الأخرى استقالتها.

جون بولتون وإيران

لم تتوقف موجة الاستقالات عند نيلسن، ولعل الاستقالة الأكثر دراماتيكية حتى الساعة هي استقالة مستشار الأمن القومي جون بولتون. علاقة ترمب ببولتون، وهو من صقور الجمهوريين، كانت متوترة على مدى السبعة عشر شهراً التي أمضاها في منصبه. ووصلت إلى درجة الانفجار لدى مغادرة بولتون، فقد غرد ترمب بأنه طلب من بولتون الاستقالة، في حين أصر بولتون على أنه قرر تقديم استقالته بنفسه.
ولعل السبب الأبرز الذي أدّى إلى استقالة بولتون أو إقالته، هو محاولاته الحثيثة عرقلة مساعي ترمب للتوقيع على اتفاق سلام مع حركة «طالبان» في كامب ديفيد. وقد غيّر ترمب رأيه في اللحظة الأخيرة وألغى الاجتماع بعد أن تبنت «طالبان» انفجار سيارة مفخخة في كابول أودى بحياة جندي أميركي.
واتهم ترمب بولتون بتسريب أخبار الاجتماع في كامب ديفيد لإفشاله. وواجه الرئيس الأميركي انتقادات كثيرة من قبل حزبه والديمقراطيين، خاصة أن اللقاء كان سيتزامن مع ذكرى هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول).
ويتحدث ماثيو برودسكي الباحث في مجموعة الدراسات الأمنية في واشنطن عن هذه الاستقالات المتتالية في الإدارة الأميركية وتأثيرها على البيت الأبيض: «إن أي استقالة تؤثر بطريقة مختلفة على كل حزب. عندما أصبح ترمب رئيساً، قال الديمقراطيون إن من حوله سيشكلون درعاً لحماية البلاد، وسوف يحرصون على ألا يتخذ قرارات متشددة. الديمقراطيون وثقوا بماتيس كثيراً، وفقدوا صوابهم عندما غادر. أما الجمهوريون من الصقور مثلي، فاعتبروا مغادرة بولتون أمراً محزناً لأنه كان يركز كصقر على تهديدات مثل إيران وكوريا الشمالية».
تأثير الصقور كبولتون كاد أن يُترجم في يوليو (تموز) 2019 عندما أسقطت إيران طائرة أميركية من دون طيار فوق مضيق هرمز. قال ترمب حينها، إن إيران «ارتكبت خطأً كبيراً»، وقرّر الرد عبر شن ضربة عسكرية. غير أنه تراجع في اللحظة الأخيرة، مفاجئاً جنرالاته وحلفائه. وبرر هذا القرار في تغريدة قال فيها: «أوقفت الغارة قبل 10 دقائق من موعد تنفيذها؛ لأن الرد لا يتناسب مع إسقاط طائرة من دون طيار». وقال ترمب إنه ألغى الضربات عندما قيل له إن 150 شخصاً سيذهبون ضحايا لها.
الديمقراطيون تنفسوا الصعداء لدى إلغاء الضربة. وقالت رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، إن الولايات المتحدة ليست لديها رغبة في الحرب مع إيران، في حين وصف نائب الرئيس الأميركي السابق جو بايدن استراتيجية ترمب في إيران بأنها كارثية. أما صقور الجمهوريين فقد خاب أملهم من قرار ترمب، موقف فسّره ماثيو برودسكي الذي عمل مستشاراً في الخارجية الأميركية للملف الإيراني: «أعتقد أن الولايات المتحدة كان يجب أن تضرب إيران، فالضعف يؤدي إلى مزيد من الأفعال الاستفزازية من قبل أعدائنا... إن النظام الإيراني يحاول التلاعب بأوروبا والولايات المتحدة. وفي نهاية المطاف، على الأرجح أن تستمر أوروبا باسترضاء إيران، وعلى الولايات المتحدة وضع خط أحمر والالتزام به».

مولر وحملة الاعتقالات

في حين تشابكت الاضطرابات على صعيد السياسة الخارجية، كان ترمب يواجه فيضاً من الهجمات الداخلية، فطرده لمدير الـ«إف بي آي» جايمس كومي كانت له تداعيات كبيرة، تمثلت بقرار وزارة العدل حينها تعيين المحقق الخاص روبرت مولر للنظر في احتمال وجود تواطؤ بين حملة ترمب الانتخابية وروسيا. تحقيق وصفه ترمب مراراً وتكراراً بـ«حملة مطاردة الساحرات». مولر وبعد تحقيق استمر قرابة العامين، أصدر تقريره النهائي في أبريل (نيسان) من عام 2019. وقد أدت تحقيقاته إلى إدانة 34 شخصاً، منهم مدير حملة ترمب السابق بول مانافورت، ومستشار الأمن القومي السابق مايكل فلين، ومحامي ترمب السابق مايكل كوهين، وغيرهم.
وعلى الرغم من أن التقرير بخلاصته برأ ترمب من أي تواطؤ مباشر مع الروس، فإنه لم يحسم موضوع عرقلته للعدالة. وقد قال مولر حينها للكونغرس: «ليست لدينا الثقة الكافية لنقول بعد التحقيق إن الرئيس لم يقم بأي عرقلة للعدالة». وترك مولر الباب مفتوحاً أمام الكونغرس للنظر في هذه النقطة على وجه التحديد.
لكن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لم تر حينها وجود أدلة كافية لفتح باب التحقيق، إلى أن ظهرت شكوى المُبلغ في فضيحة أوكرانيا وانقلبت كل المعطيات.
ويشرح جون برسناهن، مدير مكتب «بوليتيكو» في الكونغرس، كيف تغيرت حسابات الديمقراطيين: «عندما انكشفت فضيحة أوكرانيا، تزايد الدعم الديمقراطي لعزل الرئيس، لكن هذا لم يبدأ من الصفر. فقد كان هناك عدد لا بأس به من الديمقراطيين الذين أرادوا عزل ترمب بعد تقرير مولر. اتصال ترمب الشهير بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي جرى في الخامس والعشرين من يوليو بعد يوم واحد من إدلاء مولر بإفادته أمام الكونغرس».

المصادقة التاريخية على العزل

في الرابع والعشرين من سبتمبر 2019، أعلنت نانسي بيلوسي عن بدء التحقيق في عزل الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليصبح الرئيس الرابع في تاريخ الولايات المتحدة الذي يواجه إجراءات العزل. سبقه كل من أندرو جونسون في عام 1868، وريتشارد نيكسون في عام 1974، الذي استقال قبل مباشرة إجراءات العزل ضده، وبيل كلينتون في عام 1998.
بيلوسي ترددت كثيراً قبل اتخاذ القرار، لكن اتصال الخامس والعشرين من يوليو الشهير بين ترمب والرئيس الأوكراني زيلينسكي كان كافياً لإقناعها بالمضي قدماً. فخلال الاتصال، طلب ترمب من زيلينسكي فتح تحقيق بشركة «بوريسما» الأوكرانية. وقال ترمب، بحسب النص الذي نشره البيت الأبيض: «هناك حديث عن نجل بايدن وعن أن بايدن أوقف التحقيق بالشركة، ويريد أشخاص كثر أن يعرفوا المزيد عن هذا الموضوع؛ لذلك فإن أي شيء تستطيع أن تفعله في هذا الخصوص مع النائب العام سيكون رائعاً». وكان ترمب يشير إلى هنتر بايدن، الذي يتمتع بمقعد في مجلس إدارة شركة «بوريسما».
وثارت ثائرة الديمقراطيين؛ فهم رأوا أن الاتصال يثبت أن ترمب جمّد المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا للضغط على زيلينسكي في سبيل الإعلان عن إجراء تحقيق بخصم سياسي. في حين نفى ترمب والجمهوريون هذه الاتهامات، وقالوا إن الرئيس الأميركي كان يتحدث عن الفساد في أوكرانيا بشكل عام، وإنه جمّد المساعدات لهذا السبب قبل الإفراج عنها.
وبدأ مسلسل إجراءات العزل عبر عقد جلسات استماع مغلقة ومفتوحة، تم استدعاء أكثر من 17 شاهداً خلالها. شهود من المقربين لترمب ومسؤولين حاليين وسابقين في الإدارة الأميركية، منهم من لبّى دعوة الكونغرس، ومنهم من رفضها احتراماً لرغبة البيت الأبيض.
في مساء الثامن عشر من ديسمبر (كانون الأول)، صادق مجلس النواب على عزل الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة. وهي المرة الثالثة فقط في التاريخ الأميركي التي يصوت فيها مجلس النواب لعزل رئيس أميركي حالي. فقد صوّت المجلس لعزل أندرو جونسون وبيل كلينتون.
ومع انتقال إجراءات العزل إلى مجلس الشيوخ، تبقى النتيجة شبه محسومة لصالح الرئيس. فالجمهوريون يسيطرون على المجلس المسؤول عن محاكمة الرئيس، وبيده القرار الأخير لخلعه عن الرئاسة. الأمر المستحيل نسبياً كون القرار بحاجة إلى ثلثي الأصوات، ليصبح مصير ترمب مشابهاً إلى حد كبير لمصير الرئيسين السابقين أندرو جونسون وبيل كلينتون. فقد صوّت مجلس النواب لعزل جونسون وكلينتون، لكنّ مجلس الشيوخ لم ينجح في إدانتيهما، فأكملا رئاستيهما حتى نهاية عهديهما.
ويشرح جون برسناهن الفرق بين إجراءات عزل كلينتون ونيكسون من جهة، وترمب من جهة أخرى: «هناك فرق كبير في إجراءات عزل كلينتون ونيكسون وترمب؛ فنيكسون وكلينتون كانا في ولايتهما الثانية عند بدء إجراءات عزلهما ولم يكن متوقعاً أن يخوضا معركة رئاسية. ترمب مرشح لولاية ثانية، وعلى الجمهوريين التضامن معه وإلا فسوف يدفعون الثمن في نوفمبر المقبل».
وسيخوض ترمب معركة رئاسية محتدمة في نوفمبر 2020، يراها البعض بمثابة محاكمة شعبية له في حال لم يعزله مجلس الشيوخ. لكن الرئيس الأميركي مطمئن، فعندما سأله أحد الصحافيين ما إذا كان قلقاً من تأثير العزل على نتيجة الانتخابات، رد ترمب: «أبداً! أبداً! هذه خدعة كبيرة سخيفة».


مقالات ذات صلة

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

حصاد الأسبوع باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك،

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي

حصاد الأسبوع كيريكو (آ ف ب)

بنين... الديمقراطية «المستقرة نسبياً» في أفريقيا

تُعدّ بنين، التي كانت تُعرف سابقاً باسم داهومي، والتي يقارب عدد سكانها 14 مليون نسمة، واحدة من أكثر الدول استقراراً نسبياً في أفريقيا. وسياسياً، عاصمة بنين

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع صورة جامعة للقادة المشاركين في «القمة» (رويترز)

«القوى التقدمية» في الغرب تسعى لاستعادة الثقة بالنفس

عندما بزغ فجر القرن الحادي والعشرين، كانت كوكبة من القيادات «التقدمية» - الاشتراكية أو من اليسار المعتدل - تتربع على قمم السلطات التنفيذية في أوروبا، من بينها:

شوقي الريّس ( مدريد)

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.