أبرز 14 إنجازاً علمياً في 2019 ... صورة الثقب الأسود والحمض النووي الرقمي والسيارة الطائرة

الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية  -  الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري
الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية - الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري
TT

أبرز 14 إنجازاً علمياً في 2019 ... صورة الثقب الأسود والحمض النووي الرقمي والسيارة الطائرة

الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية  -  الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري
الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية - الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري

يبدأ الإنجاز العلمي دائما بسؤال يحاول الباحث الحصول على إجابة عنه، قد تطول أو تقصر الفترة التي يظل خلالها يعمل حتى يصل إلى مبتغاه.
ويتميز عام 2019 بأنه شهد الإجابة عن كثير من الأسئلة التي ظلت تشغل بال الباحثين، ليكون العام الأبرز من حيث كم الإنجازات العلمية التي تحققت، والتي اخترنا أبرز 14 منها لإبرازه في حصاد العام.

- إنجازات فضائية
تحظى الاختراقات في مجال الفضاء دائما باهتمام الجمهور، لطبيعتها المثيرة التي تشبه أفلام الخيال العلمي، وفي هذا الصدد فإن الاختراق الأهم هو التقاط أول صورة في التاريخ للثقب الأسود.
> تتشكل الثقوب السوداء عند انهيار نجوم هائلة في نهاية دورة حياتها، وتعرف بقدرتها على ابتلاع الأشياء، ورغم أن الحديث عنها بدأ منذ القرن الـ18 لكن لم يسبق لأي تلسكوب رصدها أو التقاط صورة لها، حتى تمكن من ذلك الباحثون في مشروع «إيفنت هورايزن تلسكوب»، الذي يضم شبكة عالمية من التلسكوبات تمتد من الصين إلى الولايات المتحدة، مروراً باليابان وتشيلي وبلجيكا وتايوان.
وأعلن الباحثون في 10 أبريل (نيسان) الماضي عن التقاط أول صورة للثقب الأسود، وتم عرضها في مؤتمر صحافي عقد في واشنطن، وكان التعليق وقتها أن الصورة تتشابه تماما مع تصور العالم «ألبرت آينشتاين» لشكل الثقوب السوداء.
> ومن الاختراقات في هذا المجال أيضا، اكتشاف العلماء لكوكبين يشبهان الأرض، يبعدان عنها 12 سنة ضوئية فقط. ساعد في هذا الاكتشاف مرصد «ثالار ألتو» في إسبانيا، في يونيو (حزيران) الماضي، وتم توثيقه في دراسة نشرت في دورية «Astrophysical Journal Letters».
وقال الباحثون في الدراسة إن الكوكبين يدوران حول نجم صغير باهت يعرف باسم «تيغاردن»، وقد يحتويان على مياه سائلة وربما شكلاً من أشكال الحياة.
> الاختراق الثالث، حدث مع بداية العام، وتمثل في هبوط المسبار الصيني «تشانغ آه - 4» على الجانب البعيد من القمر، وبثه لأول صورة قريبة على الإطلاق لهذا الجانب المظلم.
وسبق أن شاهدت مركبات فضائية أخرى الجانب البعيد من القمر، لكن أيا منها لم يهبط عليه، وسوف يفيد الهبوط الصيني في دراسة البيئة على الجانب البعيد من القمر، من حيث التضاريس والتكوين الصخري وقياس الإشعاع النيتروني والذرات المحايدة.
- إنترنت بلا حدود
> من الإنجازات الفضائية الثلاثة لإنجاز رابع في مجال الاتصالات ليس ببعيد عنها، يتمثل في إطلاق قدرات الإنترنت، حتى يتمكن المستخدم من استخدامه في أي مكان حتى لو كان في منطقة صحراوية.
وانطلق من غويانا الفرنسية في فبراير (شباط) 2019 صاروخ يحمل 6 أقمار صناعية شيدتها شركة «إيرباص» وشريكتها «وان ويب»، في خطوة هي الأولى نحو توفير إنترنت فائق السرعة من الفضاء للملايين في المناطق النائية والريفية.
> وشهد مجال الاتصالات أيضا إنجازا خامسا في إنجازات 2019 العلمية، والمتمثل في «الحمض النووي الرقمي»، وهي تجربة مزجت بين التقنية الرقمية والعلوم الحيوية، قام بها خبراء في مركز أبحاث تابع لشركة مايكروسوفت.
وبدأ هذا الإنجاز بملاحظة للباحثين، وهي أن الخلايا الحية تستعمل سلاسل الحمض النووي DNA لتشفير كمية كبيرة جدا من المعلومات ونقلها من جيل لآخر، وكان السؤال الذي طرحوه وقادهم إلى هذا الإنجاز: هل يمكن استعمال خيوط الحمض النووي كوحدات تخزين حيوية بديلة عن التخزين على الأقراص المغناطيسية أو الضوئية؟
وعرض الخبراء في مارس (آذار) 2019 لأول نموذجا قادرا على تخزين كمية غيغابايت كاملة من البيانات الرقمية على خيوط من الحمض النووي.
- كشف الغازات السامة
حظيت البيئة باهتمام خاص حيث شهد عام 2019 الكثير من الابتكارات العلمية التي تهدف للكشف عن الغازات السامة وامتصاصها من البيئة.
> كان الإنجاز السادس في حصادنا العلمي من نصيب «جامعة مانشستر» البريطانية ومختبر «لورنس بيركلي» الوطني في كاليفورنيا بأميركا، حيث نجحا في تشكيل مادة جديدة من مواد الأطر المعدنية العضوية البلورية لها القدرة على فصل ثاني أكسيد الكبريت عن الغازات الأخرى، من أجل تحويله لمركبات مفيدة وتقليل النفايات.
وأثبت الباحثون في الدراسة المنشورة بدورية «Nature Materials» في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أن المادة الجديدة، يمكن أن تساعد في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO2) في البيئة عن طريق اصطياد جزيئاته بشكل انتقائي، ويمكن بعد ذلك إطلاق الغاز السام الذي تم التقاطه بأمان لتحويله إلى منتجات مفيدة، حيث يؤدي خلطة مع الماء إلى الحصول على حمض «الكبريتوز»، وهو مادة تستخدم لتبييض الأقمشة، وحفظ الطعام، ويستخدم أيضاً لتحضير «الكبريتيتات» وحمض «الكبريتيك»، ويتحول الغاز إلى سائل تحت الضغط ودرجة حرارة «- 10°م»، وعندها يستخدم كسائل تبريد.
> وفي المجال ذاته، كان الإنجاز السابع المتمثل في تطـــوير باحـــثي جامعة تافتس الأميركية نوعا من الملابس الذكية القادرة على اكتشاف ورصد الغازات السامة الموجودة في الهواء وتنبيه مرتديها فوراً من خلال تغيير لون أنسجتها بسرعة.
وفكرة هذه الملابس التي تم الإعلان عنها في أبريل الماضــي، أن خيوطها مصبوغة كيميائياً بحيث يتغير لونها بسرعة، عندما تتفاعل مع غازات سامة مثل الأمونيا أو كلوريد الهيدروجين، وتشير شدة تغير اللون إلى مقدار الغاز السام الموجود في الهواء.
- تكنولوجيا لخدمة البشر
وكما كانت حماية الإنسان من الملوثات حاضرة في الإنجازات، كانت رفاهيته وراحته حاضرة أيضا من خلال توظيف التكنولوجيا والابتكار لراحته، ويظهر في هذا الإطار التقدم الذي يشهده العالم في مجال إجراء الجراحات الطبية باستخدام «الروبوت».
> وفي هذا الإطار يسجل حصادنا العلمي الإنجاز الثامن بنجاح الجراح الهندي الدكتور تيجاس باتيل في تنفيذ جراحة دقيقة في القلب باستخدام روبوت، بينما كان يوجد على مسافة تبعد نحو 20 ميلا.
وقالت صحف عالمية ووكالات أنباء في سبتمبر (أيلول) من العام الجاري، إن الجراح يعد أول عالم يجري عملية جراحية في القلب من خلال روبوت يسيطر عليه من مكان بعيد.
> ومن الهند إلى أميركا، حيث شهدت تقنية الطباعة ثلاثة الأبعاد للأعضاء البشرية تطويرا يمثل الإنجاز التاسع في حصادنا العلمي. وتعتمد التقنيات السابقة على وجود طابعة مثل الطابعة العادية التي نعرفها، لكن بدلا من استخدام الحبر يتم استخدام خلايا حية ترسم العضو المطلوب طبقة بطبقة، وذلك بناء على المعلومات التي تم تزويد تلك الطابعة بها بعد إجراء تصوير مقطعي بالأشعة السينية للعضو المراد استبداله، وتحويل البيانات الناتجة إلى نموذج ثلاثي الأبعاد من خلال برنامج رقمي خاص.
ولكن التقنية الجديدة المبتكرة من معهد «Wyss» للهندسة البيولوجية بجامعة هارفارد والمسماة بـ«SWIFT»، والتي كشفت عنها دراسة نشرت في سبتمبر 2019 بدورية «Science Advances»، تستخدم الخلايا الجذعية في طباعة ثلاثية الأبعاد للأوعية الدموية داخل العضو التالف، بدلا من الطريقة السابقة، والتي تعتمد على طباعة ثلاثية الأبعاد لخلايا العضو بالكامل.
ويمكن لهذا التطوير أن يساعد في التغلب على مشكلات قوائم الانتظار في عمليات زراعة الأعضاء، حيث يموت في الولايات المتحدة وحدها 20 شخصاً كل يوم في انتظار عملية زرع الأعضاء.
> ومن التكنولوجيات المهمة أيضا لخدمة البشر، هو إنتاج «السيارة الطائرة»، وهي الحلم الذي ظل يراود قائدي السيارات عشرات السنين، كلما كانت الطرق المزدحمة تعوق وصولهم إلى مبتغاهم بالسرعة المطلوبة.
وشهد معرض الرياض للسيارات في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 الإنجاز العاشر في حصادنا، حيث تم الإعلان خلاله عن انطلاق سيارة Pal - V Liberty، وهي أول سيارة طائرة تستطيع الطيران في الهواء وقت الزحام لكي تهرب من الاختناقات المرورية، ويقدر ثمنها بـ3 ملايين ريال سعودي.
- الخريطة العصبية
ورغم ما شهده العلم من تطور، كانت الكثير من أسرار الدماغ البشري غير معروفة، وشهد عام 2019 الكشف عن بعضها، ويمثل نجاح باحثين في جامعة ميسوري الأميركية في الكشف عن أسرار الخريطة العصبية للدماغ البشري الإنجاز الحادي عشر في حصادنا.
> وخلال هذا الإنجاز الذي تم توثيقه في دراسة نشرت في نوفمبر من عام 2019 بدورية «NeuroImage»، توصل الفريق البحثي إلى أنه عندما يلمس شخص ما يده اليمنى، يتسبب ذلك في إضاءة منطقة يد محددة في الجانب الأيسر من الدماغ، ويحدث رد فعل مشابه، ولكنه معاكس عندما يلمس اليد اليسرى، ولكن عندما يفقد أحدهم يده، وجد الفريق البحثي أن مناطق اليد في الدماغ - اليسار واليمين - أصبحت مكرسة لليد السليمة المتبقية، وهذا مثال صارخ على مرونة دماغ الإنسان، وقيامه بإعادة تنظيم وظائفه.
> وليس ببعيد عن هذا العمل، نجاح فريق بحثي أميركي بريطاني مشترك في تحديد الشبكات الرئيسية داخل الدماغ المسؤولة عن زيادة خطر تفكير الفرد في الانتحار أو محاولته الإقدام على ذلك، وهو الإنجاز الثاني عشر في حصادنا، والذي من شأنه أن يساعد في علاج مشكلة تتسبب في وفاة 800 ألف شخص على مستوى العالم كل عام.
ووثق الفريق البحثي الإنجاز في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2019 بدورية «الطب النفسي الجزيئي»، وحددوا مسار الشبكتين العصبيتين اللتين تتحكمان في رغبة الانتحار، الأولى في مناطق باتجاه مقدمة الدماغ تُعرف باسم (القشرة أمام الجبهة) Prefrontal Cortex، وعلاقتها بمناطق أخرى في المخ تشارك في العاطفة، حيث قد تؤدي أي تغييرات في هذه الشبكة إلى أفكار سلبية مفرطة وصعوبات في تنظيم العواطف، وتحفيز أفكار الانتحار.
أما الشبكة الثانية، فتتضمن مناطق تعرف باسم (القشرة الظهرية الأمامية) dorsolateral prefrontal cortex، (التلفيف الجبهي السفلي) nferior frontal gyrus، وقد تؤثر التعديلات في هذه الشبكة على محاولة الانتحار جزئياً، بسبب دورها في صنع القرار، وتوليد حلول بديلة للمشاكل، والسيطرة على السلوك.
- كشف أسرار الماضي
> وبالتزامن مع كشف أسرار الفضاء والعمل على رفاهية الإنسان تكنولوجيا وصحيا وبيئيا، كانت هناك فرق بحثية أخرى معنية بالكشف عن أسرار الماضي. ويبرز في هذا الاتجاه الإنجاز الثالث عشر في حصادنا العلمي، والمتمثل في اكتشاف كائن عمره مليار عام قد يفسر بداية الحياة على كوكب الأرض.
وظهر هذا الاكتشاف المذهل في أعماق القاع الصخري في القطب الشمالي بكندا، وهو عبارة عن فطريات متحجرة أطلق عليها العلماء في الدراسة التي نشرتها دورية «نيتشر» في مايو (أيار) الماضي اسم «Ourasphaira giraldae»، وقالوا إنها تكشف طريقة الحياة وعيش الكائنات متعددة الخلايا قبل مليار عام مضت. وكانت أقدم حفريات فطرية معروفة قبل هذا الاكتشاف، عثر عليها في اسكوتلندا يعود عمرها إلى 410 ملايين عام، بما يجعل الفطريات المكتشفة في 2019 أكبر منها بما لا يقل عن 400 مليون عام، أي بنحو الضعف تقريبا.
> ونختم إنجازات العام العلمية بالإنجاز الرابع عشر، وهو يكشف أيضا أحد أسرار الماضي، حيث نجح فريق بحثي من جامعة جريفت الأسترالية، في إعداد أول خريطة وراثية لطائر أبو منجل الفرعوني، خلال الدراسة التي نشرت في نوفمبر الماضي بدورية «بلوس وان».
وجمع الفريق البحثي الحمض النووي من 40 عينة من أبو منجل من ستة سراديب للموتى في المناطق الأثرية بمصر التي يرجع تاريخها إلى نحو 2500 سنة، كما جمعوا أيضا الحمض النووي من 26 عينة حديثة من جميع أنحاء أفريقيا، ومن مقارنة التنوع الوراثي بين المجموعتين توصل الفريق البحثي إلى أن التنوع الوراثي لأبو منجل المحنط كان مشابهاً للتنوع الوراثي في الطيور الحالية.
وخلص الفريق البحثي من ذلك إلى أن المصري القديم كان يصيد تلك الطيور من موائلها الطبيعية، أو ربما يتم تربيتها لفترة محدودة فقط من السنة في موسم التضحية بها في الطقوس التعبدية، لأنه لو كانت الطيور تم وتربيتها لفترات طويلة، فستكون النتيجة المتوقعة هي انخفاض التنوع الوراثي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل
TT

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

في خطوة علمية متقدمة كشفت دراسة حديثة من إسبانيا عن أسلوب مبتكر لفهم انتشار مرض السل، وذلك من خلال استخدام تقنيات التسلسل الجيني لرصد حركة العدوى بدقة غير مسبوقة.

تقنية التسلسل الجيني

وبمناسبة اليوم العالمي للسل تسلط هذه الدراسة الضوء على الدور المتنامي لتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» في كشف سلاسل انتقال خفية للمرض، وتوجيه التدخلات الصحية بشكل أكثر فاعلية. ففي إقليم كاتالونيا يتم تشخيص أكثر من 1200 حالة سل سنوياً، لكن يبقى التساؤل قائماً: كم عدد الحالات التي تمر دون اكتشاف؟ وكيف تنتقل البكتيريا فعلياً داخل المجتمعات؟

للمرة الأولى استخدم باحثون تقنية التسلسل الجيني على نطاق واسع لرسم خريطة دقيقة لانتشار السل في مختلف أنحاء الإقليم. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في مجلة «Frontiers in Microbiology» في 20 مارس (آذار) 2026 أماكن تركز المرض، وأيضاً الأنماط الجينية للسلالات البكتيرية المنتشرة، والفئات السكانية المرتبطة بها.

وجاءت هذه الدراسة ثمرة تعاون علمي بين معهد أبحاث جيرمانس ترياس إي بوجول ومستشفاه الجامعي، ومعهد الطب الحيوي في فالنسيا، حيث تمثل أولى النتائج المنشورة للبرنامج التجريبي TB-SEQ. وقد أُطلق هذا البرنامج في أواخر عام 2021 بهدف دمج تقنيات التسلسل الجيني ضمن أنظمة الترصد الوبائي الروتينية لمرض السل في كاتالونيا، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في أساليب مراقبة الأمراض المعدية.

بصمة وراثية لكل حالة

تعتمد طرق تتبع السل التقليدية على تتبع المخالطين، أي سؤال المرضى المصابين عن الأشخاص الذين قضوا وقتاً معهم، ثم فحص هؤلاء الأفراد. لكن هذه الطريقة بها نقاط عمياء. فقد لا يعرف الأشخاص أنهم تعرضوا للعدوى، أو قد لا يتذكرون كل تفاعل.

ويقدم التسلسل الجيني عدسة مختلفة، فمن خلال تحليل المادة الوراثية لبكتيريا المتفطرة السلية Mycobacterium tuberculosis المسببة للمرض من كل مريض يمكن للعلماء مقارنة السلالات. فإذا كان مريضان يحملان جينومات بكتيرية متطابقة تقريباً ولا تفصل بينهما سوى بضع طفرات، فمن المرجح جداً أنهما جزء من نفس سلسلة الانتقال.

السلالة المهيمنة والارتباط بالوافدين

كما حللت الدراسة السلالات البكتيرية التي جُمعت من جميع أنحاء كاتالونيا بين ديسمبر (كانون الأول) 2021 ويونيو (حزيران) 2023. وتظهر النتائج أن السلالة الأكثر شيوعاً، والتي تسمى «إل4» L4 توجد في كل مكان في الإقليم، سواء بين السكان الأصليين، أو بين المقيمين من المولودين خارج إسبانيا.

لكن السلالات الأخرى تروي قصة أكثر تحديداً، حيث تظهر سلالات مثل L1/EAI وL2/Beijing وL3/CAS بشكل متكرر في مناطق جغرافية معينة، وغالباً ما ترتبط بأشخاص يتحدرون من أجزاء من العالم تنتشر فيها هذه الأنواع الفرعية.

وعلى سبيل المثال فإن سلالة بكين (L2) شائعة في شرق آسيا، بينما سلالة CAS (L3) أكثر شيوعاً في وسط وجنوب آسيا.

كما حدد الباحثون منطقة برشلونة الحضرية كنقطة ساخنة رئيسة، وهي منطقة تتركز فيها مجموعات بكتيرية متعددة، ومتميزة. ووفقاً للباحثين، فإن الكثافة السكانية، وأنماط الهجرة قد تفسران سبب تجمع أنواع فرعية معينة في أحياء أو بلديات محددة.

* أكثر من 10 ملايين شخص يصابون بالسل كل عام ويموت نحو مليون ونصف بسببه*

«قاتل عالمي» لا يزال بيننا

غالباً ما يُعتقد أن السل مرض من الماضي. لكن الأرقام تقول غير ذلك. فعلى الصعيد العالمي، يصاب أكثر من 10 ملايين شخص بالسل كل عام، ويموت نحو مليون ونصف بسبب المرض. ففي عام 2023 استعاد السل موقعه كأول سبب للوفاة من عامل معدٍ واحد على مستوى العالم متجاوزاً كوفيد-19.

في كاتالونيا يبلغ معدل الإصابة نحو 15.2 حالة جديدة لكل 100 ألف نسمة وفقاً للبيانات المنشورة في عام 2024. وهذا يعني أن أكثر من 1200 حالة تشخص سنوياً. ورغم أن هذا ليس بمستوى الأزمة الذي نشهده في بعض البلدان منخفضة الدخل، فإنه يمثل تحدياً صحياً عاماً مستمراً، ويتطلب أدوات حديثة.

من برنامج تجريبي إلى ممارسة دائمة

تم إدراج مشروع TB-SEQ رسمياً في برنامج مكافحة السل في كاتالونيا في عام 2022 بعد إصلاحات الترصد الوبائي التي دفعتها جائحة كوفيد-19. وتُنسق المبادرة مع وكالة الصحة العامة في كاتالونيا، وتشمل شبكة واسعة من مختبرات علم الأحياء الدقيقة السريرية، وخدمات الترصد الوبائي، ووكالات الصحة العامة في برشلونة، والإقليم.

ويعمل قسم الأحياء الدقيقة في مستشفى جيرمانس ترياس كمركز مركزي، حيث يجمع مزارع السل الإيجابية من المختبرات في جميع أنحاء الإقليم، ويقوم بتحديد تسلسلها الجيني.

نحو مستقبل أكثر دقة في مكافحة الأمراض

تُقدّم هذه الدراسة الحالية خطاً أساسياً -أي صورة جينية- لمرض السل في كاتالونيا على مدى 18 شهراً. لكن القيمة الحقيقية للمراقبة الجينومية تكمن في استخدامها المستمر. فمن خلال التسلسل الجيني للحالات الجديدة، ومقارنتها بقاعدة بيانات متنامية يستطيع مسؤولو الصحة العامة تحديد سلاسل انتقال العدوى غير المعروفة سابقاً، ثم وقف تفشي المرض قبل انتشاره. وبعد ذلك توجيه التدخلات إلى أحياء أو فئات سكانية محددة، وأخيراً التمييز بين انتقال العدوى الحديث والعدوى القديمة المُنشّطة.

ويشير الباحثون إلى أن «هذه النتائج تُقدّم رؤى قيّمة حول ديناميكيات انتقال مرض السل، ويمكن أن تُساعد في توجيه استراتيجيات الصحة العامة التي تستهدف مناطق أو فئات سكانية محددة».

وفي اليوم العالمي للسل، فإن الرسالة واضحة، وهي أن السل مرض قديم لا يزال يتطلب علوماً حديثة. وفي كاتالونيا أصبحت المراقبة الجينومية الآن جزءاً من الأدوات الأساسية.


هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟