أبرز 14 إنجازاً علمياً في 2019 ... صورة الثقب الأسود والحمض النووي الرقمي والسيارة الطائرة

الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية  -  الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري
الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية - الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري
TT

أبرز 14 إنجازاً علمياً في 2019 ... صورة الثقب الأسود والحمض النووي الرقمي والسيارة الطائرة

الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية  -  الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري
الفريق البحثي يفحص طيور أبو منجل المحنطة في سراديب الموتى بالمناطق الأثرية المصرية - الباحثون نجحوا في كشف أسرار الخريطة العصبية للمخ البشري

يبدأ الإنجاز العلمي دائما بسؤال يحاول الباحث الحصول على إجابة عنه، قد تطول أو تقصر الفترة التي يظل خلالها يعمل حتى يصل إلى مبتغاه.
ويتميز عام 2019 بأنه شهد الإجابة عن كثير من الأسئلة التي ظلت تشغل بال الباحثين، ليكون العام الأبرز من حيث كم الإنجازات العلمية التي تحققت، والتي اخترنا أبرز 14 منها لإبرازه في حصاد العام.

- إنجازات فضائية
تحظى الاختراقات في مجال الفضاء دائما باهتمام الجمهور، لطبيعتها المثيرة التي تشبه أفلام الخيال العلمي، وفي هذا الصدد فإن الاختراق الأهم هو التقاط أول صورة في التاريخ للثقب الأسود.
> تتشكل الثقوب السوداء عند انهيار نجوم هائلة في نهاية دورة حياتها، وتعرف بقدرتها على ابتلاع الأشياء، ورغم أن الحديث عنها بدأ منذ القرن الـ18 لكن لم يسبق لأي تلسكوب رصدها أو التقاط صورة لها، حتى تمكن من ذلك الباحثون في مشروع «إيفنت هورايزن تلسكوب»، الذي يضم شبكة عالمية من التلسكوبات تمتد من الصين إلى الولايات المتحدة، مروراً باليابان وتشيلي وبلجيكا وتايوان.
وأعلن الباحثون في 10 أبريل (نيسان) الماضي عن التقاط أول صورة للثقب الأسود، وتم عرضها في مؤتمر صحافي عقد في واشنطن، وكان التعليق وقتها أن الصورة تتشابه تماما مع تصور العالم «ألبرت آينشتاين» لشكل الثقوب السوداء.
> ومن الاختراقات في هذا المجال أيضا، اكتشاف العلماء لكوكبين يشبهان الأرض، يبعدان عنها 12 سنة ضوئية فقط. ساعد في هذا الاكتشاف مرصد «ثالار ألتو» في إسبانيا، في يونيو (حزيران) الماضي، وتم توثيقه في دراسة نشرت في دورية «Astrophysical Journal Letters».
وقال الباحثون في الدراسة إن الكوكبين يدوران حول نجم صغير باهت يعرف باسم «تيغاردن»، وقد يحتويان على مياه سائلة وربما شكلاً من أشكال الحياة.
> الاختراق الثالث، حدث مع بداية العام، وتمثل في هبوط المسبار الصيني «تشانغ آه - 4» على الجانب البعيد من القمر، وبثه لأول صورة قريبة على الإطلاق لهذا الجانب المظلم.
وسبق أن شاهدت مركبات فضائية أخرى الجانب البعيد من القمر، لكن أيا منها لم يهبط عليه، وسوف يفيد الهبوط الصيني في دراسة البيئة على الجانب البعيد من القمر، من حيث التضاريس والتكوين الصخري وقياس الإشعاع النيتروني والذرات المحايدة.
- إنترنت بلا حدود
> من الإنجازات الفضائية الثلاثة لإنجاز رابع في مجال الاتصالات ليس ببعيد عنها، يتمثل في إطلاق قدرات الإنترنت، حتى يتمكن المستخدم من استخدامه في أي مكان حتى لو كان في منطقة صحراوية.
وانطلق من غويانا الفرنسية في فبراير (شباط) 2019 صاروخ يحمل 6 أقمار صناعية شيدتها شركة «إيرباص» وشريكتها «وان ويب»، في خطوة هي الأولى نحو توفير إنترنت فائق السرعة من الفضاء للملايين في المناطق النائية والريفية.
> وشهد مجال الاتصالات أيضا إنجازا خامسا في إنجازات 2019 العلمية، والمتمثل في «الحمض النووي الرقمي»، وهي تجربة مزجت بين التقنية الرقمية والعلوم الحيوية، قام بها خبراء في مركز أبحاث تابع لشركة مايكروسوفت.
وبدأ هذا الإنجاز بملاحظة للباحثين، وهي أن الخلايا الحية تستعمل سلاسل الحمض النووي DNA لتشفير كمية كبيرة جدا من المعلومات ونقلها من جيل لآخر، وكان السؤال الذي طرحوه وقادهم إلى هذا الإنجاز: هل يمكن استعمال خيوط الحمض النووي كوحدات تخزين حيوية بديلة عن التخزين على الأقراص المغناطيسية أو الضوئية؟
وعرض الخبراء في مارس (آذار) 2019 لأول نموذجا قادرا على تخزين كمية غيغابايت كاملة من البيانات الرقمية على خيوط من الحمض النووي.
- كشف الغازات السامة
حظيت البيئة باهتمام خاص حيث شهد عام 2019 الكثير من الابتكارات العلمية التي تهدف للكشف عن الغازات السامة وامتصاصها من البيئة.
> كان الإنجاز السادس في حصادنا العلمي من نصيب «جامعة مانشستر» البريطانية ومختبر «لورنس بيركلي» الوطني في كاليفورنيا بأميركا، حيث نجحا في تشكيل مادة جديدة من مواد الأطر المعدنية العضوية البلورية لها القدرة على فصل ثاني أكسيد الكبريت عن الغازات الأخرى، من أجل تحويله لمركبات مفيدة وتقليل النفايات.
وأثبت الباحثون في الدراسة المنشورة بدورية «Nature Materials» في 14 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 أن المادة الجديدة، يمكن أن تساعد في الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت (SO2) في البيئة عن طريق اصطياد جزيئاته بشكل انتقائي، ويمكن بعد ذلك إطلاق الغاز السام الذي تم التقاطه بأمان لتحويله إلى منتجات مفيدة، حيث يؤدي خلطة مع الماء إلى الحصول على حمض «الكبريتوز»، وهو مادة تستخدم لتبييض الأقمشة، وحفظ الطعام، ويستخدم أيضاً لتحضير «الكبريتيتات» وحمض «الكبريتيك»، ويتحول الغاز إلى سائل تحت الضغط ودرجة حرارة «- 10°م»، وعندها يستخدم كسائل تبريد.
> وفي المجال ذاته، كان الإنجاز السابع المتمثل في تطـــوير باحـــثي جامعة تافتس الأميركية نوعا من الملابس الذكية القادرة على اكتشاف ورصد الغازات السامة الموجودة في الهواء وتنبيه مرتديها فوراً من خلال تغيير لون أنسجتها بسرعة.
وفكرة هذه الملابس التي تم الإعلان عنها في أبريل الماضــي، أن خيوطها مصبوغة كيميائياً بحيث يتغير لونها بسرعة، عندما تتفاعل مع غازات سامة مثل الأمونيا أو كلوريد الهيدروجين، وتشير شدة تغير اللون إلى مقدار الغاز السام الموجود في الهواء.
- تكنولوجيا لخدمة البشر
وكما كانت حماية الإنسان من الملوثات حاضرة في الإنجازات، كانت رفاهيته وراحته حاضرة أيضا من خلال توظيف التكنولوجيا والابتكار لراحته، ويظهر في هذا الإطار التقدم الذي يشهده العالم في مجال إجراء الجراحات الطبية باستخدام «الروبوت».
> وفي هذا الإطار يسجل حصادنا العلمي الإنجاز الثامن بنجاح الجراح الهندي الدكتور تيجاس باتيل في تنفيذ جراحة دقيقة في القلب باستخدام روبوت، بينما كان يوجد على مسافة تبعد نحو 20 ميلا.
وقالت صحف عالمية ووكالات أنباء في سبتمبر (أيلول) من العام الجاري، إن الجراح يعد أول عالم يجري عملية جراحية في القلب من خلال روبوت يسيطر عليه من مكان بعيد.
> ومن الهند إلى أميركا، حيث شهدت تقنية الطباعة ثلاثة الأبعاد للأعضاء البشرية تطويرا يمثل الإنجاز التاسع في حصادنا العلمي. وتعتمد التقنيات السابقة على وجود طابعة مثل الطابعة العادية التي نعرفها، لكن بدلا من استخدام الحبر يتم استخدام خلايا حية ترسم العضو المطلوب طبقة بطبقة، وذلك بناء على المعلومات التي تم تزويد تلك الطابعة بها بعد إجراء تصوير مقطعي بالأشعة السينية للعضو المراد استبداله، وتحويل البيانات الناتجة إلى نموذج ثلاثي الأبعاد من خلال برنامج رقمي خاص.
ولكن التقنية الجديدة المبتكرة من معهد «Wyss» للهندسة البيولوجية بجامعة هارفارد والمسماة بـ«SWIFT»، والتي كشفت عنها دراسة نشرت في سبتمبر 2019 بدورية «Science Advances»، تستخدم الخلايا الجذعية في طباعة ثلاثية الأبعاد للأوعية الدموية داخل العضو التالف، بدلا من الطريقة السابقة، والتي تعتمد على طباعة ثلاثية الأبعاد لخلايا العضو بالكامل.
ويمكن لهذا التطوير أن يساعد في التغلب على مشكلات قوائم الانتظار في عمليات زراعة الأعضاء، حيث يموت في الولايات المتحدة وحدها 20 شخصاً كل يوم في انتظار عملية زرع الأعضاء.
> ومن التكنولوجيات المهمة أيضا لخدمة البشر، هو إنتاج «السيارة الطائرة»، وهي الحلم الذي ظل يراود قائدي السيارات عشرات السنين، كلما كانت الطرق المزدحمة تعوق وصولهم إلى مبتغاهم بالسرعة المطلوبة.
وشهد معرض الرياض للسيارات في 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 الإنجاز العاشر في حصادنا، حيث تم الإعلان خلاله عن انطلاق سيارة Pal - V Liberty، وهي أول سيارة طائرة تستطيع الطيران في الهواء وقت الزحام لكي تهرب من الاختناقات المرورية، ويقدر ثمنها بـ3 ملايين ريال سعودي.
- الخريطة العصبية
ورغم ما شهده العلم من تطور، كانت الكثير من أسرار الدماغ البشري غير معروفة، وشهد عام 2019 الكشف عن بعضها، ويمثل نجاح باحثين في جامعة ميسوري الأميركية في الكشف عن أسرار الخريطة العصبية للدماغ البشري الإنجاز الحادي عشر في حصادنا.
> وخلال هذا الإنجاز الذي تم توثيقه في دراسة نشرت في نوفمبر من عام 2019 بدورية «NeuroImage»، توصل الفريق البحثي إلى أنه عندما يلمس شخص ما يده اليمنى، يتسبب ذلك في إضاءة منطقة يد محددة في الجانب الأيسر من الدماغ، ويحدث رد فعل مشابه، ولكنه معاكس عندما يلمس اليد اليسرى، ولكن عندما يفقد أحدهم يده، وجد الفريق البحثي أن مناطق اليد في الدماغ - اليسار واليمين - أصبحت مكرسة لليد السليمة المتبقية، وهذا مثال صارخ على مرونة دماغ الإنسان، وقيامه بإعادة تنظيم وظائفه.
> وليس ببعيد عن هذا العمل، نجاح فريق بحثي أميركي بريطاني مشترك في تحديد الشبكات الرئيسية داخل الدماغ المسؤولة عن زيادة خطر تفكير الفرد في الانتحار أو محاولته الإقدام على ذلك، وهو الإنجاز الثاني عشر في حصادنا، والذي من شأنه أن يساعد في علاج مشكلة تتسبب في وفاة 800 ألف شخص على مستوى العالم كل عام.
ووثق الفريق البحثي الإنجاز في أوائل ديسمبر (كانون الأول) 2019 بدورية «الطب النفسي الجزيئي»، وحددوا مسار الشبكتين العصبيتين اللتين تتحكمان في رغبة الانتحار، الأولى في مناطق باتجاه مقدمة الدماغ تُعرف باسم (القشرة أمام الجبهة) Prefrontal Cortex، وعلاقتها بمناطق أخرى في المخ تشارك في العاطفة، حيث قد تؤدي أي تغييرات في هذه الشبكة إلى أفكار سلبية مفرطة وصعوبات في تنظيم العواطف، وتحفيز أفكار الانتحار.
أما الشبكة الثانية، فتتضمن مناطق تعرف باسم (القشرة الظهرية الأمامية) dorsolateral prefrontal cortex، (التلفيف الجبهي السفلي) nferior frontal gyrus، وقد تؤثر التعديلات في هذه الشبكة على محاولة الانتحار جزئياً، بسبب دورها في صنع القرار، وتوليد حلول بديلة للمشاكل، والسيطرة على السلوك.
- كشف أسرار الماضي
> وبالتزامن مع كشف أسرار الفضاء والعمل على رفاهية الإنسان تكنولوجيا وصحيا وبيئيا، كانت هناك فرق بحثية أخرى معنية بالكشف عن أسرار الماضي. ويبرز في هذا الاتجاه الإنجاز الثالث عشر في حصادنا العلمي، والمتمثل في اكتشاف كائن عمره مليار عام قد يفسر بداية الحياة على كوكب الأرض.
وظهر هذا الاكتشاف المذهل في أعماق القاع الصخري في القطب الشمالي بكندا، وهو عبارة عن فطريات متحجرة أطلق عليها العلماء في الدراسة التي نشرتها دورية «نيتشر» في مايو (أيار) الماضي اسم «Ourasphaira giraldae»، وقالوا إنها تكشف طريقة الحياة وعيش الكائنات متعددة الخلايا قبل مليار عام مضت. وكانت أقدم حفريات فطرية معروفة قبل هذا الاكتشاف، عثر عليها في اسكوتلندا يعود عمرها إلى 410 ملايين عام، بما يجعل الفطريات المكتشفة في 2019 أكبر منها بما لا يقل عن 400 مليون عام، أي بنحو الضعف تقريبا.
> ونختم إنجازات العام العلمية بالإنجاز الرابع عشر، وهو يكشف أيضا أحد أسرار الماضي، حيث نجح فريق بحثي من جامعة جريفت الأسترالية، في إعداد أول خريطة وراثية لطائر أبو منجل الفرعوني، خلال الدراسة التي نشرت في نوفمبر الماضي بدورية «بلوس وان».
وجمع الفريق البحثي الحمض النووي من 40 عينة من أبو منجل من ستة سراديب للموتى في المناطق الأثرية بمصر التي يرجع تاريخها إلى نحو 2500 سنة، كما جمعوا أيضا الحمض النووي من 26 عينة حديثة من جميع أنحاء أفريقيا، ومن مقارنة التنوع الوراثي بين المجموعتين توصل الفريق البحثي إلى أن التنوع الوراثي لأبو منجل المحنط كان مشابهاً للتنوع الوراثي في الطيور الحالية.
وخلص الفريق البحثي من ذلك إلى أن المصري القديم كان يصيد تلك الطيور من موائلها الطبيعية، أو ربما يتم تربيتها لفترة محدودة فقط من السنة في موسم التضحية بها في الطقوس التعبدية، لأنه لو كانت الطيور تم وتربيتها لفترات طويلة، فستكون النتيجة المتوقعة هي انخفاض التنوع الوراثي.


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً
TT

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

حوكمة «الذكاء الاصطناعي المسؤول» لمؤسستك... خلال 90 يوماً

أعلنت شركة أنثروبيك هذا الشهر عن تطويرها نموذج ذكاء اصطناعي فائق القدرات، الأمر الذي حال دون نشره للجمهور.

تطويرات متلاحقة

اكتشف البرنامج الجديد «كلود ميثوس» بشكل مستقل، آلاف الثغرات الأمنية الحرجة في جميع أنظمة التشغيل ومتصفحات الويب الرئيسية. لذا اختارت «أنثروبيك» توفير النموذج فقط لمجموعة محددة من شركات التكنولوجيا، لمنحها فرصة لسد الثغرات وتعزيز الدفاعات قبل أن تقع نماذج مماثلة في أيدي من يستغلونها.

ويسلط هذا التطور الضوء على المخاطر المستقبلية المحتملة التي يحملها التطور السريع لنماذج الذكاء الاصطناعي، كما كتب فيصل حقّ(*).

أهمية الذكاء الاصطناعي المسؤول

ومن المتوقع أن تنتشر هذه النماذج القوية على نطاق واسع، وسيؤدي انتشارها إلى تزايد الحاجة إلى سياسات حوكمة تستند إلى مبادئ الذكاء الاصطناعي المسؤول.

وتهدف ممارسة الذكاء الاصطناعي المسؤول إلى ضمان أن تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي، مع ازدياد قوتها، عادلة وقابلة للتفسير وخاضعة للإشراف البشري، وفقاً لمبادئ أخلاقية وهياكل مساءلة تحمي الأفراد المتأثرين بهذه الأنظمة.

إن الذكاء الاصطناعي المسؤول ضرورة ملحة للأعمال، وليس مجرد طموح مستقبلي. فالمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أطر حوكمة معرضة بالفعل لمخاطر متزايدة على سمعتها وقانونها وتشغيلها، وتتفاقم هذه المخاطر بمرور الوقت مع توسع الأنظمة وتعمقها.

تبعات اجتماعية بتسريح العاملين

والأهم من ذلك، أن المخاطر تتجاوز الأعطال التقنية أو انتهاكات الامتثال. للذكاء الاصطناعي تبعات مجتمعية كبيرة، لا سيما في مجال التوظيف: إذ يتوقع استطلاع رأي أُجري بين المديرين الماليين فقدان نحو 500 ألف وظيفة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي في عام 2026، مما يؤكد ضرورة أن تعالج المؤسسات اضطراب القوى العاملة، وليس فقط أداء النظام. لذا، يجب أن يدمج الذكاء الاصطناعي المسؤول الاعتبارات الأخلاقية والتنظيمية والإنسانية في استراتيجية حوكمة موحدة.

إطار الذكاء الاصطناعي المسؤول

يرتكز الإطار المُقدم للذكاء الاصطناعي المسؤول على ثلاثة أركان أساسية:

1. الأسس الأخلاقية. غالباً ما تبدأ المؤسسات بسياسات استخدام الذكاء الاصطناعي - وهي قواعد تحكم الاستخدام المقبول له - لكن هذه السياسات غير كافية دون قيم أساسية واضحة المعالم.

المبادئ الأخلاقية... قبل السياسات

يجب أن تسبق المبادئ الأخلاقية السياسات، لتكون بمثابة بوصلة لاتخاذ القرارات عند ظهور سيناريوهات جديدة لا تغطيها كل تفاصيل السياسات. وتُحدد هذه المبادئ الالتزامات بالعدالة، وعدم التمييز، والإشراف البشري، والمسؤولية المجتمعية. ومن دون هذا الأساس، تُصبح السياسات عرضةً لأن تكون ردود فعلية وغير متسقة.

تحديد السلطة والمسؤولية

2. المساءلة والإشراف. يفشل الذكاء الاصطناعي المسؤول عندما تكون الملكية غير واضحة. تتطلب الحوكمة الفعّالة تحديداً واضحاً للسلطة والمسؤولية: من يُوافق على عمليات النشر، ومن يُمكنه إيقافها، ومن الذي يُحاسب أمام القيادة عند حدوث إخفاقات. يجب أن يُستكمل ذلك بضمانات تشغيلية تضمن مشاركة بشرية فعَّالة، لا سيما في القرارات المصيرية أو التي لا رجعة فيها.

إن الحوكمة ليست مجرد تركيبة هيكلية؛ بل يجب أن تُمارس عملياً بسلطة قابلة للتنفيذ.

3. التأثير البشري. تُعيد أنظمة الذكاء الاصطناعي تشكيل حياة البشر - إذ تُغير الوظائف، والفرص، وبيئات صنع القرار. ويتطلب النهج المسؤول اهتماماً أصيلاً بهذه التأثيرات، مع إعطاء الأولوية للعدالة، والكرامة، والتحسين على عملية الاستبدال. وهذا يُحوِّل (توظيف النظم الذكية) من التركيز من التحسين التقني البحت إلى التصميم الاجتماعي التقني، حيث تُعامل النتائج البشرية كاعتبارات أساسية.

خطة تنفيذية بـ90 يوماً

وإليكم خطة تنفيذية بـ90 يوماً لتحقيق هذه الأهداف، مقسَّمة إلى ثلاث مراحل: التخطيط، والبناء، والتطبيق.

التخطيط

* الأيام 1-30: التخطيط. تركز المرحلة الأولى على فهم واقع الذكاء الاصطناعي الحالي قبل محاولة التحكم فيه. غالباً ما تقلل المؤسسات من شأن مدى انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي لديها، لا سيما من خلال عمليات توظيفه بشكل غير رسمي أو حنى «خفي».

تعداد النظم والتهيؤ لأسوأ السيناريوهات

* حصر وتعداد أنظمة الذكاء الاصطناعي: تحديد جميع تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك الأدوات غير الرسمية التي يستخدمها الموظفون. وتجرى لكل تطبيق عمليات لتوثيق وظائفه، ومصادر بياناته، والجهات المعنية، ومسؤولية إدارته. وغالباً ما سيكشف هذا التعداد والحصر عن بيئة مجزأة وغير منظمة بشكل كافٍ.

* إجراء تحليل لأسوأ السيناريوهات: باستخدام منهجية «التصور الكارثي» المنظمة، يُطلب من فرق القيادة تصور أخطر حالات الفشل المحتملة لكل نظام. صُممت هذه الطريقة للكشف عن المخاطر الخفية التي قد تغفلها التقييمات القياسية.

الفرز الفوري: في حال الكشف عن مخاطر حرجة - مثل اتخاذ الأنظمة قرارات مصيرية دون رقابة - يجب اتخاذ إجراء فوري. قد يشمل ذلك إيقاف توظيف الأدوات الذكية مؤقتاً أو إدخال مراجعة بشرية، حتى قبل وضع إطار حوكمة متكامل.

ثقافة المؤسسة والصلاحيات

* تقييم ثقافة المؤسسة: تعتمد فعالية الحوكمة على ما إذا كان الذكاء الاصطناعي المسؤول يُعامل كأولوية استراتيجية أم مجرد واحد من المتطلبات العصرية. إذا كان الأمر كذلك، فإن الإصلاحات الهيكلية وحدها ستفشل دون تغيير ثقافي أوسع.

توضيح صلاحيات اتخاذ القرار: تتطلب الحوكمة هياكل سلطة واضحة لا لبس فيها. يجب على المؤسسات تحديد من يمكنه الموافقة على مبادرات الذكاء الاصطناعي ومراجعتها وإيقافها وتوفير الموارد لها. من دون هذا الوضوح، يصبح اتخاذ القرار خاضعاً لديناميكيات السلطة غير الرسمية، ما يقوض المساءلة.

بناء النظم وتفعيلها

* الأيام 31-60: البناء. تركز المرحلة الثانية على بناء البنية التحتية اللازمة لتفعيل الذكاء الاصطناعي المسؤول.

تطوير إطار أخلاقي: يُضفي هذا الإطار طابعاً رسمياً على مبادئ المؤسسة، ويُحوّلها إلى توجيهات عملية، تشمل العدالة، والرقابة، والاستقلالية المقبولة، وتأثيرها على القوى العاملة، وتداعياتها المجتمعية. ويُشكِّل هذا الإطار الأساس لجميع قرارات الحوكمة.

* إنشاء بنية تحتية تقنية: يجب أن تدعم السياسات أنظمة قادرة على مراقبة سلوك الذكاء الاصطناعي. ويشمل ذلك تتبع المخرجات، واكتشاف التحيز وانحراف النموذج، وتوليد أدلة التدقيق. ومن دون هذه القدرات، تبقى الحوكمة نظرية.

فريق مخصص ومسؤول

* تحديد المسؤولية والهيكل: يجب أن يكون هناك فرد أو فريق مُخصَّص مسؤول عن حوكمة الذكاء الاصطناعي، يتمتع بصلاحيات كافية لإنفاذ المعايير. بالإضافة إلى ذلك، تضمن الأدوار اللامركزية داخل وحدات الأعمال تطبيق الحوكمة عملياً.

* تصميم عمليات التقييم: وضع إجراءات موحَّدة لتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي وفقاً لمعايير أخلاقية ومعايير المخاطر. وينبغي أن تُنتج هذه الإجراءات تصنيفات واضحة للمخاطر، مع تحديد «عتبات» تُحدد مستوى الرقابة المطلوب.

إعادة توجيه الحوافز: يتبع سلوك المؤسسة الحوافز. إذا ركزت مقاييس الأداء على السرعة والتكلفة فقط، فسيتم تجاهل الحوكمة. يجب دمج مقاييس الذكاء الاصطناعي المسؤول - مثل تخفيف المخاطر والامتثال - في تقييم القيادة.

تهيئة الكفاءات العالية

* بدء مراجعات المخاطر العالية: ابدأ بتطبيق إطار الحوكمة على الأنظمة الأكثر أهمية التي تم تحديدها سابقاً. هذا يخفف من المخاطر العاجلة ويختبر نموذج الحوكمة تحت الضغط.

* تطوير المهارات والقدرات: يتطلب الذكاء الاصطناعي المسؤول كفاءات جديدة في جميع أنحاء المؤسسة، بما في ذلك الكفاءات التقنية (كشف التحيز)، والإدارية (التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي)، والقانونية (الوعي التنظيمي). يُعد وجود برنامج تدريبي منظم أمراً ضرورياً.

تشغيل إطار الحوكمة المسؤولة

* الأيام 61-90: «تضمين» الحوكمة داخل المؤسسة. تضمن المرحلة الأخيرة أن تصبح الحوكمة قدرة تنظيمية مستدامة وليست مبادرة مؤقتة.

مواجهة الأزمات والمراجعة الدورية

* وضع استراتيجيات «الخروج» من الأزمات: يجب أن يكون لكل نظام ذكاء اصطناعي بروتوكول إيقاف تشغيل محدد مسبقاً. يضمن تصميم هذه الاستراتيجيات مسبقاً إمكانية إيقاف تشغيل الأنظمة بأمان أثناء الأزمات.

وضع إجراءات حوكمة فعَّالة: تُرسِّخ اجتماعات المراجعة الدورية الرقابة، موفِّرةً منبراً ثابتاً لرصد المخاطر ومعالجة القضايا المستجدة.

* دمج الحوكمة في سير العمل: يجب دمج الذكاء الاصطناعي المسؤول في سير العمل القياسي. تتطلب الأنظمة عالية المخاطر مراجعةً قبل توظيفها، ويجب إعادة تقييم جميع الأنظمة دورياً. ولهذا تصبح الحوكمة جزءاً لا يتجزأ من العمليات الاعتيادية بدلاً من كونها نقطة تفتيش خارجية.

* التحسين المستمر بناءً على الملاحظات: في هذه المرحلة، تمتلك المؤسسات بيانات تشغيلية حول أداء الحوكمة. ويُعدّ التحسين المستمر أمراً بالغ الأهمية، من خلال تحسين العمليات، ومعالجة المعوقات، وتعزيز التوافق الثقافي.

الخلاصة - الاستعداد لنظم ذكية متطورة

إن قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة - كما يتضح من مثال «كلود ميثوس» - ليست افتراضية، بل وشيكة. السؤال المحوري ليس ما إذا كانت المؤسسات ستواجه أنظمة ذكاء اصطناعي قوية وربما محفوفة بالمخاطر، بل ما إذا كانت ستكون مستعدة عند حدوث ذلك.

والأهم من ذلك، يمكن تحقيق تقدم ملموس نحو حوكمة مسؤولة للذكاء الاصطناعي في غضون ربع سنة واحد إذا تم اتباع خط منهجي.

إجراءات فورية ومنظمة

الرسالة الأساسية واضحة: الذكاء الاصطناعي المسؤول ليس خياراً، ولا يمكن تأجيله. إنه يتطلب إجراءات فورية ومنظمة تدمج المبادئ الأخلاقية والمساءلة المؤسسية والتصميم الذي يركز على الإنسان في نظام حوكمة متماسك. والمنظمات التي لا تتخذ إجراءات لا تخاطر فقط بالإخفاقات التشغيلية، بل أيضاً بضرر مجتمعي أوسع وخسارة استراتيجية.

إن الذكاء الاصطناعي المسؤول ضرورة ملحة للأعمال، وليس مجرد طموح مستقبلي. فالمؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي دون أطر حوكمة معرضة بالفعل لمخاطر متزايدة على سمعتها وقانونها وتشغيلها، وتتفاقم هذه المخاطر بمرور الوقت مع توسُّع الأنظمة وتعمقها.

* مجلة «فاست كومباني».


الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
TT

الذكاء الاصطناعي في الطب

بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية
بين عين الطبيب وعقل الخوارزمية

في الطب، لا تبدأ الحقيقة دائماً بما نراه... بل كثيراً بما لا يُعرض علينا أصلاً، فالأرقام، مهما بدت دقيقة، لا تحكي القصة كاملة، والخوارزميات، مهما بلغت من ذكاء، لا تُفصح عن حدودها بصراحة.

حين تعتمد أوروبا على الذكاء الاصطناعي

تقرير أوروبي

في هذا السياق، صدر تقرير حديث عن منظمة الصحة العالمية - المكتب الإقليمي لأوروبا، ونُشر رسمياً في 20 أبريل (نيسان) 2026، ليُقدّم أول صورة شاملة عن واقع استخدام الذكاء الاصطناعي في الأنظمة الصحية داخل دول الاتحاد الأوروبي. لا بوصفه وعداً تقنياً، بل محاولة لقياس ما أصبح بالفعل جزءاً من الممارسة الطبية اليومية: مَن يستخدم هذه الأنظمة؟ كيف تُدمج في القرار السريري؟ وإلى أي حد يمكن الوثوق بها؟

ما الذي نقيسه... وما الذي يغيب عنا؟

لكن ما يلفت الانتباه في هذا التقرير، ليس فقط ما كشفه من أرقام بل ما تركه خارج القياس. فبينما يشير إلى أن نحو 64 في المائة من الدول الأوروبية باتت تعتمد الذكاء الاصطناعي في مجالات التشخيص، خصوصاً في تحليل الصور الطبية، يظل السؤال الأعمق معلقاً: هل تكفي هذه المؤشرات لفهم ما يحدث فعلاً داخل غرفة القرار الطبي؟

في مقالات سابقة، كان السؤال: مَن يقرر؟ أما اليوم، فقد تغيّر السؤال: ماذا لا نرى؟

بين الانتشار والفهم... فجوة لا تُرى

لم يعد إدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المستشفيات تحدياً تقنياً يُذكر؛ فالنماذج قادرة اليوم على تحليل آلاف الصور الطبية في لحظات، واقتراح مسارات تشخيصية بدقة لافتة. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في القدرة على الاستخدام، بل في القدرة على الفهم: ماذا تفعل هذه الأنظمة حين تعمل؟ وأين تتوقف حدودها؟

تفاوت الجاهزية البشرية والتنظيمية

يكشف تقرير منظمة الصحة العالمية عن تفاوت واضح بين الدول، لا في توفر التكنولوجيا، بل في جاهزيتها البشرية والتنظيمية؛خصوصاً في مجالات الحوكمة الأخلاقية، وتأهيل الأطباء، وإدارة البيانات. لكن هذا التفاوت الظاهر يخفي وراءه فجوة أعمق، لا تُقاس بسهولة.

إنها فجوة معرفية قبل أن تكون تقنية، فالذكاء الاصطناعي لا يعمل بمنطق الشك الذي اعتاد عليه الطبيب، ولا يعلن عن مناطق ضعفه كما يفعل العقل البشري حين يتردد. إنه يولد إجابات، لكنه لا يكشف عمّا استُبعد من الحساب، ولا عمّا لم يُمثَّل في البيانات أصلاً.

هنا يظهر ما يمكن تسميته بـ«الصمت الخوارزمي»؛ ليس بوصفه خللاً في الأداء، بل خاصية بنيوية في هذه الأنظمة: فراغ غير مرئي داخل القرار؛ حيث لا يكون الخطأ في ما قِيل، بل فيما لم يُطرح أصلاً.

هل يُقاس الطب بالخوارزميات وحدها؟

في بيئة طبية تتسارع فيها الأنظمة الذكية، يسهل اختزال جودة الرعاية الصحية في مؤشرات الأداء: دقة أعلى، وقت أقل، وقرارات أسرع. غير أن هذا القياس، على أهميته، يظل عاجزاً عن التقاط جوهر القرار الطبي. فالطب لا يقوم فقط على ما يُكتشف، بل على كيفية التعامل مع ما يظل غير محسوم.

الطبيب لا يعمل داخل معادلة مغلقة، بل داخل مساحة مفتوحة من الاحتمالات؛ حيث تُعاد صياغة القرار مع كل معلومة جديدة، ومع كل شك يظهر في الطريق. وهذا ما لا تعكسه المؤشرات الرقمية، ولا تُترجمه النماذج الحسابية بسهولة.

تفاعل الطبيب

التقرير الأوروبي يقيس مدى انتشار الذكاء الاصطناعي، لكنه لا يقيس كيفية تفاعل الطبيب مع مخرجاته: متى يقبلها؟ ومتى يعيد تفسيرها؟ ومتى يختار أن يتجاوزها؟ هذه اللحظات -التي لا تُسجل في البيانات- هي التي تُشكّل جوهر الممارسة السريرية.

وهنا تتجلى المفارقة بوضوح: كلما أصبحت الأنظمة أكثر دقة في الإجابة، ازدادت الحاجة إلى عقل قادر على إعادة طرح السؤال.

من يكتب القواعد... الإنسان أم الآلة؟

يُظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن الدول الأوروبية لا تتحرك بإيقاع واحد في تنظيم الذكاء الاصطناعي الطبي؛ فبعضها صاغ استراتيجيات وطنية واضحة، في حين لا يزال بعضها الآخر في طور البحث عن إطار ينظم ما يتسارع قبل أن يُفهم بالكامل.

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بوجود القوانين، بل بطبيعة ما نحاول تنظيمه. فالذكاء الاصطناعي لم يعد أداة ثابتة يمكن إخضاعها لقواعد جامدة، بل نظام يتعلم ويتغير، وتتشكل مخرجاته من تفاعل معقد بين البيانات والسياق وطريقة الاستخدام.

وهنا تظهر مفارقة تنظيمية عميقة: نحن نكتب قواعد لأنظمة لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها. فالقانون يفترض ثبات السلوك، في حين تقوم هذه الأنظمة على التحول المستمر.

لهذا، لم تعد مساءلة الذكاء الاصطناعي مساءلة تحديد «من أخطأ»، بل فهم كيف تُشكّل القرار أصلاً، ومن أين بدأ مساره. إنها مساءلة لا تبحث فقط في النتيجة، بل في البنية التي أنتجتها، وهذا ما يجعلها أقرب إلى سؤال فلسفي منه إلى إجراء تنظيمي تقليدي.

أوروبا تتقدم... فماذا عن العالم العربي؟

ما يلفت النظر في تقرير منظمة الصحة العالمية ليس فقط ما حققته أوروبا، بل ما يكشفه ضمنياً عن موقعنا نحن في هذه الخريطة المتحركة. ففي العالم العربي، تبدو الصورة غير متجانسة، بل أقرب إلى تفاوت حاد بين دول تقود التجربة، وأخرى لا تزال في بداياتها الأولى.

المملكة تقود التحول حيث يلتقي الطب بالذكاء

في المقدمة، تبرز المملكة العربية السعودية نموذجاً يقود التحول في الذكاء الاصطناعي الطبي، ضمن رؤية استراتيجية واضحة ترتبط بـ«رؤية السعودية 2030»؛ حيث لم يعد الاستخدام مقصوراً على التجريب، بل أصبح جزءاً من البنية التشغيلية في المستشفيات، ومنصات الرعاية الافتراضية، وتحليل البيانات الصحية على نطاق واسع.

تلي السعودية كل من قطر والإمارات العربية المتحدة بخطوات متفاوتة؛ حيث تتشكل منظومات واعدة، لكنها لم تصل بعد إلى مستوى التكامل الشامل الذي نشهده في التجربة السعودية.

أما بقية العالم العربي، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الدول، فتتراوح بين مراحل وضع الأسس الأولية للذكاء الاصطناعي الطبي، أو غيابه شبه الكامل عن الممارسة السريرية المنظمة. وهنا لا تكون الفجوة تقنية فحسب، بل فجوة في الرؤية والتخطيط والجاهزية البشرية.

لكن التحدي الحقيقي لا يكمن في تسريع التبني فقط، بل في كيفية توجيهه. فالسؤال لم يعد: كم نظاماً نملك؟ بل: كيف نستخدمه؟ ومن يفسر نتائجه؟ وهل الطبيب العربي اليوم مُهيأ ليكون شريكاً في القرار، لا مجرد متلقٍ لمخرجاته؟

ما الذي لا يظهر في التقارير؟

ربما يكون أهم ما كشفه تقرير منظمة الصحة العالمية... هو ما لم يقله صراحة. فبين الأرقام، تختفي تفاصيل لا تُقاس: قلق طبيب شاب أمام توصية لا يفهم آليتها، أو مريض يبدأ موازنة ثقته بين الإنسان والنظام.

هذه المساحات غير المرئية ليست هامشية، بل هي التي تُشكّل جوهر القرار الطبي؛ حيث تتقاطع الدقة مع الشك، والتوصية مع المسؤولية.

الخلاصة: السؤال الذي تغيّر

في نهاية المطاف، لا يكمن السؤال فيما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُستخدم في الطب، بل في مَن يقود القرار حين يلتقي الإنسان بالخوارزمية.

في هذا العصر، لم تعد الأخطاء تختبئ فقط في القرارات الخاطئة، بل في القرارات التي لم تُتخذ، وفيما لم يُعرض أصلاً على طاولة التفكير السريري. ولهذا، لم يعد السؤال: هل أخطأ النظام؟ بل أصبح:

ما الذي لم نره... وكان ينبغي أن يكون جزءاً من القرار؟


«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
TT

«ناسا» تكشف عن تلسكوب سيوفر «أطلساً جديداً للكون»

صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)
صحافي يلتقط صورة للتلسكوب الفضائي الجديد «رومان» (أ.ف.ب)

كشفت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) عن تلسكوبها الفضائي الجديد «رومان» القادر على مسح أجزاء شاسعة من الكون بحثاً عن كواكب خارجية، وكذلك عن إجابات لأكبر الألغاز الفيزيائية المتمثلة في المادة والطاقة المظلمتين.

ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مدير «ناسا» جاريد آيزاكمان قوله أمس (الثلاثاء) من مركز غودارد التابع للوكالة في ولاية ماريلاند (شرق الولايات المتحدة)، إن هذا التلسكوب من الجيل الأحدث «سيوفِّر لكوكب الأرض أطلساً جديداً للكون».

وسيُنقل التلسكوب الذي يتجاوز طوله 12 متراً والمزوَّد ألواحاً شمسية ضخمة إلى فلوريدا، تمهيداً لإرساله إلى الفضاء في أقرب وقت مطلع سبتمبر (أيلول)، بواسطة صاروخ تابع لشركة «سبيس إكس».

وأُطلقت تسمية «رومان» على هذا التلسكوب الذي فاقت تكلفته 4 مليارات دولار، تيمناً بنانسي غريس رومان، إحدى أهم عالمات الفلك الأميركيات، والملقبة بـ«أم هابل»، نسبة إلى تلسكوب «هابل» الشهير التابع لـ«ناسا».

ومن نقطة مراقبة تبعد 1.5 مليون كيلومتر عن كوكب الأرض، سيمسح «رومان» مناطق شاسعة من السماء، بفضل مجال رؤيته الواسع الذي يفوق مجال رؤية «هابل» بأكثر من مائة مرة.

وقال مهندس الأنظمة في مهمة «رومان» مارك ميلتون، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن التلسكوب الجديد سيُرسِل إلى الأرض «11 تيرابايت من البيانات يوميّاً، ما يعني أن كمَّ البيانات التي سيوفِّرها في السنة الأولى وحدها يفوق ما جمعه تلسكوب هابل طوال فترة عمله» منذ دخوله الخدمة قبل 35 عاماً.

وتوقَّعت المسؤولة عن الأنشطة العلمية في «ناسا» نيكي فوكس، أن يتيح «رومان» بفضل عدسته الواسعة الزاوية «اكتشاف عشرات الآلاف من الكواكب الجديدة»، فضلاً عن «آلاف المستعرات العظمى» أي النجوم الضخمة التي شارفت دورة حياتها نهايتها.

لكنَّ «رومان» يهدف أيضاً إلى دراسة ما هو غير مرئي، أي دراسة المادة والطاقة المظلمتين اللتين يُعتقد أنهما تمثِّلان 95 في المائة من الكون.

وبفضل الأشعة تحت الحمراء، سيتمكَّن «رومان» من رصد الضوء المنبعث من أجرام سماوية قبل مليارات السنين، والعودة بذلك إلى الماضي، لفهم هاتين الظاهرتين الغامضتين بصورة أفضل.