الحياة في الحجر الصحي: 21 يوما من الخوف والكراهية

معايير عشوائية تفرض عزلة أكثر من مائة أميركية وتثير تساؤلات عن الانتشار

الحياة في الحجر الصحي: 21 يوما من الخوف والكراهية
TT

الحياة في الحجر الصحي: 21 يوما من الخوف والكراهية

الحياة في الحجر الصحي: 21 يوما من الخوف والكراهية

تعطلت الثلاجة بشقة يونغور جالاه الصغيرة الأسبوع الماضي، ولم يمر وقت طويل قبل أن تتصاعد رائحة الطعام المتعفن على نحو لا يطاق. ومع ذلك، عندما اتصلت بمكتب الخدمات داخل المجمع السكني الذي تقطنه، أخبرها المسؤول أن فني الإصلاح لن يأتي قبل الاثنين.
ويوافق الاثنين هذا اليوم الأخير لفترة الحجر الصحي الممتدة لـ21 يوما الذي فرضته جالاه على نفسها وزوجها وأطفالها الأربعة منذ يوم دخول صديق والدتها، توماس إريك دنكان المستشفى لإصابته بالإيبولا. ونظرا لوجود والدتها بالعمل، كانت جالاه، وعمرها 35 عاما، آخر من تولى رعاية دنكان وأعدت له قدحا من الشاي وناولته جهاز مقياس الحرارة - لكن من دون أن تمسه، حسبما أكدت - قبل استدعاء عربة إسعاف لنقله.
حث مدير المجمع السكني جالاه على نقل طعامها لشقة أخرى مجاورة منذ أن رحل عنها مستأجر بعد علمه بما حدث مع جالاه. وعندما بعث صاحب البناية بفني الصيانة للحصول على المفتاح، جاء الرجل مرتديا زوجين من القفازات المطاطية.
ومع تفشي الخوف من إيبولا من تكساس إلى أوهايو وما وراءها، فاقت أعداد الأفراد الذين حبسوا أنفسهم وفرض عليهم الحجر الصحي - البعض بأوامر حكومية، وآخرون طواعية - وأعلنت الولايات المتحدة أمس أن نحو 120 شخصا يراقبون حاليا خشية من إصابتهم بالفيروس. وعدد كبير منهم عاشوا مع - وتولوا - رعاية دنكان قبل وفاته في 8 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. وكان من شأن اكتشاف إصابة ممرضتين بمستشفى تكساس التابعة للكنيسة المشيخية بالفيروس أثناء علاجهما لدنكان إثارة موجة واسعة من الخوف بين صفوف العاملين بالحقل الطبي وفئات أخرى.
من جهتهم، أعلن مسؤولون في تكساس، أن قرابة 100 عامل بمجال الرعاية الصحية سيطلب منهم التوقيع على تعهدات بعدم استقلال مواصلات عامة أو ارتياد أماكن عامة أو محلات أو مطاعم لمدة 21 يوما، وهي فترة الحضانة القصوى لفيروس إيبولا. ورغم أن هذا التعهد ليس إجباريا، فإن به ملحوظة تحذر المنتهكين بأنهم «قد يتعرضون» لحجر طبي مفروض بقوة الدولة.
وعندما كشف المسؤولون أن إحدى الممرضتين المصابتين سافرت جوا من دالاس إلى كليفلاند ثم عادت قبل دخولها المستشفى للعلاج، واجه قرابة 300 ممن سافروا معها ومن أفراد طاقم الطائرة مسألة فرض الحجر الطبي على أنفسهم. وفي اليوم التالي، تم حبس فني بأحد المعامل بدأ رحلة بحرية في الكاريبي رغم تعرضه لمخاطرة الإصابة بالفيروس، داخل كابينة بالسفينة. أيضا، يلتزم العاملون بالحقل الطبي والتبشيريون والصحافيون العائدون من غرب أفريقيا - خاصة غينيا وليبيريا وسيراليون حيث تفشى وباء الإيبولا - منازلهم لدى العودة.
من جهته، قال هوارد ماركيل، الذي يتولى تدريس تاريخ الطب بجامعة ميتشغان، إن أنظمة الحجر الصحي تثير في الأذهان ذكريات بعيدة تتعلق بفترات تفشي أوبئة الكوليرا والتيفود.
وأضاف: «إن إيبولا يعيدنا للقرن الـ19. إنه وباء رهيب، ومثير للعزلة والخوف. إنه يفرض عليك عدم التواصل مع البشر الآخرين، حيث يتملكك الخوف من قنبلة زمنية ميكروبيولوجية قد تنفجر أي لحظة بداخلك».
ورغم أن الحجر الصحي مصمم لحماية أولئك الموجودين بالخارج، فإنه يؤجج مخاوف المجتمع المحيط، بل وقسوته أحيانا.
في بيسون بأريزونا، تفاقمت مشاعر الخوف المرضي بعد انتشار أنباء عودة أحد التبشيريين كان قد توجه إلى ليبيريا في رحلة تابعة للكنيسة، وكان يقضي 3 أسابيع تحت حجر صحي اختياري مع زوجته وأطفاله الأربعة. وعلق التبشيري، ويدعى ألن مان، تحذيرا على لافتة صفراء وعلامة تحمل عبارة «ممنوع العبور» أمام الباب الأمامي لمنزله، وترك دلوا في فناء المنزل كي يضع به الجيران طعاما لأطفاله.
رغم أن غالبية الجيران تفهموا حقيقة أن احتمالات حمل مان (41 عاما)، للفيروس ضئيلة للغاية، انتشرت الشائعات حول المدينة بأن التحليلات أثبتت إصابته بإيبولا وسيتم إجلاؤه طبيا قريبا. وأشار مان إلى أن معلقا مجهولا على أحد المواقع الإخبارية المحلية اقترح حرق منزله.
وقال: «ما زال لدى البعض ذهنية الغوغاء الدموية».
من ناحية أخرى، ومثلما الحال مع الجوانب الأخرى للاستجابة لإيبولا، بدت معايير التوصية بفرض حجر طبي عشوائية وفي تبدل مستمر.
في دالاس، كان أربعة أشخاص تشاركوا مع دنكان في الغرفة ذاتها لدى زيارته القصيرة بعد عودته من ليبيريا هم الأشخاص الوحيدون الذين فرضت عليهم الولاية الحجر الطبي. ونظرا لتلوث شقتهم، تم نقلهم إلى مسكن تطوع بتوفيره أحد السكان المحليين.
وكان الوضع مؤلما بصورة خاصة للويز ترو (54 عاما) التي اضطرت للحزن على وفاة صديقها دنكان في معزل عن الناس. وعندما وصل القس جورج ميسون ليخبرها نبأ وفاة دنكان، انهارت على الأرض في حالة بكاء. ومع ذلك، لم يستطع التخفيف عنها بالربت على كتفيها. وخلال زياراته المنتظمة لمنزلها، يحرص على البقاء بعيدا عنها بمسافة 3 أقدام تقريبا.
وأوضح ميسون أنه من غير الواضح بعد أين ستعيش ترو ونجلها تيموثي (13 عاما)، بعد رفع الحجر الطبي. وأوضح القاضي كلاي جنكينز، المسؤول الأول عن مقاطعة دالاس، أن هناك صعوبة في العثور على صاحب بناية على استعداد لتأجير شقة لها.
وأشار ميسون إلى أن ترو تحاول الترويح عن نفسها من خلال طهي أطعمة ليبيرية والحديث مع الأقارب عبر الهاتف، بينما يقتل تيموثي والشابان الآخران بالمنزل، أوليفر سمولوود وجيفري كول، الوقت بمشاهدة أفلام الحركة.
وقال ميسون: «جميعهم يريدون الخروج. إنهم يرغبون في نيل حريتهم وأن يلمسوا الآخرين ويشعروا أنهم بشر، لكنهم يخشون من أنهم قد لا يتمكنون من العودة كبشر عاديين مجددا. عندما سألتهم إذا ما كانوا سمعوا بنبأ إصابة ممرضة ثانية، نظر إلي أوليفر متسائلا: هل سيلوموننا على ذلك؟».
في اليوم التالي لتشخيص حالة دنكان، صدرت تعليمات شفهية لجالاه وأسرتها بالتزام المنزل. وذكرت أن صديقها، آرون ياه، الذي لم يتصل بدنكان، حصل على تصريح من المقاطعة ومسؤولي الرعاية الصحية الفيدراليين بمغادرة المنزل بعد 4 أيام.
وبعد أسبوع، أخبر مسؤولون جالاه، التي لم تظهر عليها أية أعراض، أن بإمكانها القيام بجولات من حين لآخر للمحلات، لكن مع تجنب استقلال المواصلات العامة. إلا أن جالاه لم تغادر منزلها إلا قليلا، بسبب التزامها الشخصي بالحجر الطبي والنفور الذي تعاينه في وجوه الآخرين أينما تذهب.
وقالت: «حتى عندما أذهب للمتجر وأقابل أصدقاء ليبيريين، فإنهم ينفرون مني. إنهم يعتقدون أننا نحمل فيروس إيبولا، ويظنون أنه بمجرد حديثهم إلينا ولو فقط لإلقاء التحية، فإن الفيروس سيصيبهم». وصمتت برهة ثم استطردت: «لا أحد يرغب في الموت».
واجهت جالاه أيضا مسؤولية رعاية أطفالها، الذين تتراوح أعمارهم بين 2 و11، والذين تغيبوا عن مدارسهم. وما تزال هي وآرون ياه غير مرحب بعودتهما لعملهما كمساعدي تمريض. يوم الجمعة، اصطحبت أطفالها للقيام بغسل الملابس للمرة الأولى منذ 3 أسابيع، وعادت حاملة كيس قمامة أسود ضخما مليئا بالملابس النظيفة.
وعن حياتها داخل المنزل، قالت جالاه: «ليس لدي ما أفعله سوى الجلوس هنا مع هؤلاء الأطفال الذين لا يكفون عن العراك مع بعضهم البعض».
* خدمة «نيويورك تايمز»



ما دلالة تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً»؟

محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
TT

ما دلالة تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً»؟

محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)
محاكمة عناصر من «الإخوان» في القاهرة يوليو 2018 (أ.ف.ب)

دفع تصنيف باراغواي «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً» إلى تساؤلات حول تأثير القرار على مستقبل التنظيم وعناصره. يأتي هذا في ظل تصاعد الصراع بين «قيادات (الإخوان) في الخارج» حول قيادة التنظيم. وقال باحثون في الحركات المتطرفة والإرهاب إن «قرار باراغواي أشار إلى ارتباط (الإخوان) بـ(تنظيمات الإرهاب)، وقد يدفع القرار دولاً أخرى إلى أن تتخذ قرارات مماثلة ضد التنظيم».
ووافقت اللجنة الدائمة بكونغرس باراغواي على «اعتبار (الإخوان) (تنظيماً إرهابياً) يهدد الأمن والاستقرار الدوليين، ويشكل انتهاكاً خطيراً لمقاصد ومبادئ الأمم المتحدة». جاء ذلك في مشروع قرار تقدمت به ليليان سامانيغو، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية بالكونغرس المكوّن من 45 عضواً. وقال البرلمان في بيان نشره عبر موقعه الإلكتروني (مساء الخميس) إن «تنظيم (الإخوان) الذي تأسس في مصر عام 1928، يقدم المساعدة الآيديولوجية لمن يستخدم (العنف) ويهدد الاستقرار والأمن في كل من الشرق والغرب». وأضاف البيان أن «باراغواي ترفض رفضاً قاطعاً جميع الأعمال والأساليب والممارسات (الإرهابية)».
ووفق تقارير محلية في باراغواي، فإن باراغواي رأت في وقت سابق أن «(حزب الله)، و(القاعدة)، و(داعش) وغيرها، منظمات (إرهابية)، في إطار مشاركتها في الحرب على (الإرهاب)». وقالت التقارير إن «تصنيف (الإخوان) من شأنه أن يحدّ من قدرة هذه الجماعات على التخطيط لهجمات (إرهابية) وزعزعة استقرار الدول». كما تحدثت التقارير عن دول أخرى أقرت خطوات مماثلة ضد «الإخوان» من بينها، روسيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، والإمارات، والبحرين.
وتصنف دول عربية عدة «الإخوان» تنظيماً «إرهابياً». وعدّت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية التنظيم «جماعة إرهابية منحرفة» لا تمثل منهج الإسلام. وذكرت الهيئة في بيان لها، نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2020، أن «(الإخوان) جماعة إرهابية لا تمثل منهج الإسلام وإنما تتبع أهدافها الحزبية المخالفة لهدي ديننا الحنيف، وتتستر بالدين وتمارس ما يخالفه من الفُرقة، وإثارة الفتنة، والعنف، والإرهاب». وحذّرت حينها من «الانتماء إلى (الإخوان) أو التعاطف مع التنظيم».
كذلك أكد مجلس الإمارات للإفتاء الشرعي أن كل مجموعة أو تنظيم يسعى للفتنة أو يمارس العنف أو يحرّض عليه، هو تنظيم إرهابي مهما كان اسمه أو دعوته، معتبراً «(الإخوان) تنظيماً (إرهابياً)».
وتحظر الحكومة المصرية «الإخوان» منذ عام 2014، وقد عدّته «تنظيماً إرهابياً». ويخضع مئات من قادة وأنصار التنظيم حالياً، وعلى رأسهم المرشد العام محمد بديع، لمحاكمات في قضايا يتعلق معظمها بـ«التحريض على العنف»، صدرت في بعضها أحكام بالإعدام، والسجن «المشدد والمؤبد».
وحسب الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، منير أديب، فإن «تصنيف باراغواي (الإخوان) يؤكد الاتهامات التي توجَّه إلى التنظيم، بأن تنظيمات العنف خرجت من رحم (الإخوان)، أو أنها نهلت من أفكار التنظيم»، لافتاً إلى أن «قرار باراغواي أشار إلى أن (الإخوان) وفّر الحماية لتنظيمات التطرف التي نشأت في الشرق والغرب». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «قرار بعض الدول العربية في وقت سابق حظر (الإخوان) يعود إلى أمرين؛ الأول أن التنظيم مارس العنف، والآخر أن التنظيم وفّر الحماية لجماعات الإرهاب».
وفي وقت سابق أكدت وزارة الأوقاف المصرية «حُرمة الانضمام لـ(الإخوان)»، مشيرةً إلى أن التنظيم يمثل «الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي». وفي فبراير (شباط) 2022 قالت دار الإفتاء المصرية إن «جميع الجماعات الإرهابية خرجت من عباءة (الإخوان)». وفي مايو (أيار) الماضي، قام مفتي مصر شوقي علام، بتوزيع تقرير «موثق» باللغة الإنجليزية على أعضاء البرلمان البريطاني يكشف منهج «الإخوان» منذ نشأة التنظيم وارتباطه بـ«التنظيمات الإرهابية». وقدم التقرير كثيراً من الأدلة على علاقة «الإخوان» بـ«داعش» و«القاعدة»، وانضمام عدد كبير من أعضاء «الإخوان» لصفوف «داعش» عقب عزل محمد مرسي عن السلطة في مصر عام 2013، كما لفت إلى أذرع «الإخوان» من الحركات المسلحة مثل «لواء الثورة» و«حسم».
وحول تأثير قرار تصنيف باراغواي «الإخوان» على «قيادات التنظيم في الخارج»، أكد الباحث المصري المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة والإرهاب الدولي، أن «قرار باراغواي سوف يؤثر بالقطع على عناصر التنظيم في الخارج، لأن التنظيم يزعم أنه ينتشر في دول كثيرة حول العالم، ومثل هذا القرار يؤثر على عناصر (الإخوان) الموجودة في باراغواي وفي الدول المجاورة لها، كما أن القرار قد يدفع دولاً أخرى إلى اتخاذ قرار مماثل ضد (الإخوان)».
يأتي قرار باراغواي في وقت يتواصل الصراع بين «قيادات الإخوان في الخارج» حول منصب القائم بأعمال مرشد التنظيم. ويرى مراقبون أن «محاولات الصلح بين جبهتي (لندن) و(إسطنبول) لحسم الخلافات لم تنجح لعدم وجود توافق حول ملامح مستقبل التنظيم». والصراع بين جبهتي «لندن» و«إسطنبول» على منصب القائم بأعمال المرشد، سبقته خلافات كثيرة خلال الأشهر الماضية، عقب قيام إبراهيم منير، القائم بأعمال مرشد «الإخوان» السابق، بحلّ المكتب الإداري لشؤون التنظيم في تركيا، وقيامه بتشكيل «هيئة عليا» بديلة عن «مكتب إرشاد الإخوان». وتبع ذلك تشكيل «جبهة لندن»، «مجلس شورى» جديداً، وإعفاء أعضاء «مجلس شورى إسطنبول» الستة، ومحمود حسين (الذي يقود «جبهة إسطنبول»)، من مناصبهم.


بولوارتي تضع البيرو في مواجهة مع حكومات المنطقة

رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
TT

بولوارتي تضع البيرو في مواجهة مع حكومات المنطقة

رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)
رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي قبيل مؤتمر صحافي في ليما، في 24 يناير الحالي (أ.ب)

بعد التدهور الأخير في الأوضاع الأمنية التي تشهدها البيرو، بسبب الأزمة السياسية العميقة التي نشأت عن عزل الرئيس السابق بيدرو كاستيو، وانسداد الأفق أمام انفراج قريب بعد أن تحولت العاصمة ليما إلى ساحة صدامات واسعة بين القوى الأمنية والجيش من جهة، وأنصار الرئيس السابق المدعومين من الطلاب من جهة أخرى، يبدو أن الحكومات اليسارية والتقدمية في المنطقة قررت فتح باب المواجهة السياسية المباشرة مع حكومة رئيسة البيرو الجديدة دينا بولوارتي، التي تصرّ على عدم تقديم موعد الانتخابات العامة، وتوجيه الاتهام للمتظاهرين بأنهم يستهدفون قلب النظام والسيطرة على الحكم بالقوة.
وبدا ذلك واضحاً في الانتقادات الشديدة التي تعرّضت لها البيرو خلال القمة الأخيرة لمجموعة بلدان أميركا اللاتينية والكاريبي، التي انعقدت هذا الأسبوع في العاصمة الأرجنتينية بوينوس آيريس، حيث شنّ رؤساء المكسيك والأرجنتين وكولومبيا وبوليفيا هجوماً مباشراً على حكومة البيرو وإجراءات القمع التي تتخذها منذ أكثر من شهر ضد المتظاهرين السلميين، والتي أدت حتى الآن إلى وقوع ما يزيد عن 50 قتيلاً ومئات الجرحى، خصوصاً في المقاطعات الجنوبية التي تسكنها غالبية من السكان الأصليين المؤيدين للرئيس السابق.
وكان أعنف هذه الانتقادات تلك التي صدرت عن رئيس تشيلي غابرييل بوريتش، البالغ من العمر 36 عاماً، والتي تسببت في أزمة بين البلدين مفتوحة على احتمالات تصعيدية مقلقة، نظراً لما يحفل به التاريخ المشترك بين البلدين المتجاورين من أزمات أدت إلى صراعات دموية وحروب دامت سنوات.
كان بوريتش قد أشار في كلمته أمام القمة إلى «أن دول المنطقة لا يمكن أن تدير وجهها حيال ما يحصل في جمهورية البيرو الشقيقة، تحت رئاسة ديما بولوارتي، حيث يخرج المواطنون في مظاهرات سلمية للمطالبة بما هو حق لهم ويتعرّضون لرصاص القوى التي يفترض أن تؤمن الحماية لهم».
وتوقّف الرئيس التشيلي طويلاً في كلمته عند ما وصفه بالتصرفات الفاضحة وغير المقبولة التي قامت بها الأجهزة الأمنية عندما اقتحمت حرم جامعة سان ماركوس في العاصمة ليما، مذكّراً بالأحداث المماثلة التي شهدتها بلاده إبّان ديكتاتورية الجنرال أوغوستو بينوتشي، التي قضت على آلاف المعارضين السياسيين خلال العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي.
وبعد أن عرض بوريتش استعداد بلاده لمواكبة حوار شامل بين أطياف الأزمة في البيرو بهدف التوصل إلى اتفاق يضمن الحكم الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان، قال «نطالب اليوم، بالحزم نفسه الذي دعمنا به دائماً العمليات الدستورية في المنطقة، بضرورة تغيير مسار العمل السياسي في البيرو، لأن حصيلة القمع والعنف إلى اليوم لم تعد مقبولة بالنسبة إلى الذين يدافعون عن حقوق الإنسان والديمقراطية، والذين لا شك عندي في أنهم يشكلون الأغلبية الساحقة في هذه القمة».
تجدر الإشارة إلى أن تشيلي في خضمّ عملية واسعة لوضع دستور جديد، بعد أن رفض المواطنون بغالبية 62 في المائة النص الدستوري الذي عرض للاستفتاء مطلع سبتمبر (أيلول) الفائت.
كان رؤساء المكسيك وكولومبيا والأرجنتين وبوليفيا قد وجهوا انتقادات أيضاً لحكومة البيرو على القمع الواسع الذي واجهت به المتظاهرين، وطالبوها بفتح قنوات الحوار سريعاً مع المحتجين وعدم التعرّض لهم بالقوة.
وفي ردّها على الرئيس التشيلي، اتهمت وزيرة خارجية البيرو آنا سيسيليا جيرفاسي «الذين يحرّفون سرديّات الأحداث بشكل لا يتطابق مع الوقائع الموضوعية»، بأنهم يصطادون في الماء العكر. وناشدت المشاركين في القمة احترام مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى، والامتناع عن التحريض الآيديولوجي، وقالت «يؤسفني أن بعض الحكومات، ومنها لبلدان قريبة جداً، لم تقف بجانب البيرو في هذه الأزمة السياسية العصيبة، بل فضّلت تبدية التقارب العقائدي على دعم سيادة القانون والنصوص الدستورية». وأضافت جيرفاسي: «من المهين القول الكاذب إن الحكومة أمرت باستخدام القوة لقمع المتظاهرين»، وأكدت التزام حكومتها بصون القيم والمبادئ الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون، رافضة أي تدخّل في شؤون بلادها الداخلية، ومؤكدة أن الحكومة ماضية في خطتها لإجراء الانتخابات في الموعد المحدد، ليتمكن المواطنون من اختيار مصيرهم بحرية.
ويرى المراقبون في المنطقة أن هذه التصريحات التي صدرت عن رئيس تشيلي ليست سوى بداية لعملية تطويق إقليمية حول الحكومة الجديدة في البيرو بعد عزل الرئيس السابق، تقوم بها الحكومات اليسارية التي أصبحت تشكّل أغلبية واضحة في منطقة أميركا اللاتينية، والتي تعززت بشكل كبير بعد وصول لويس إينياسيو لولا إلى رئاسة البرازيل، وما تعرّض له في الأيام الأخيرة المنصرمة من هجمات عنيفة قام بها أنصار الرئيس السابق جاير بولسونارو ضد مباني المؤسسات الرئيسية في العاصمة برازيليا.


واشنطن: مادورو غير شرعي

نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
TT

واشنطن: مادورو غير شرعي

نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)
نيكولاس مادورو في 8 ديسمبر 2022 (رويترز)

قالت الولايات المتحدة اليوم (الثلاثاء)، إنها ما زالت ترفض اعتبار نيكولاس مادورو الرئيس الشرعي لفنزويلا، وتعترف بسلطة الجمعية الوطنية المُشَكَّلة عام 2015 بعد أن حلت المعارضة «حكومتها المؤقتة».
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية نيد برايس للصحافيين: «نهجنا تجاه نيكولاس مادورو لا يتغير. إنه ليس الرئيس الشرعي لفنزويلا. نعترف بالجمعية الوطنية المُشَكَّلة عام 2015»، وفق ما أفادت به وكالة الصحافة الفرنسية.
ولدى سؤاله عن الأصول الفنزويلية، ولا سيما شركة النفط الفنزويلية في الولايات المتحدة، قال برايس إن «عقوباتنا الشاملة المتعلقة بفنزويلا والقيود ذات الصلة تبقى سارية. أفهم أن أعضاء الجمعية الوطنية يناقشون كيف سيشرفون على هذه الأصول الخارجية».