المشهد الثقافي المصري... حوار غائب وأسئلة حائرة

شهد افتتاح متحف نجيب محفوظ وعودة بينالي القاهرة بعد غياب

افتتاح متحف نجيب محفوظ
افتتاح متحف نجيب محفوظ
TT

المشهد الثقافي المصري... حوار غائب وأسئلة حائرة

افتتاح متحف نجيب محفوظ
افتتاح متحف نجيب محفوظ

يبدو المشهد الثقافي المصري في عام 2019 مثقلاً بأسئلة كثيرة، بعضها مهمش ومكرور، من جعبة السنوات السابقة بحكم التراكم الكمي، وبعضها مهم وحيوي يتحسس طريقه إلى فضاء مغاير للتعبير عن صورة المجتمع، ولتصبح الثقافة مرآة حقيقية له.
في صدارة الأسئلة المكرورة، يبرز سؤال: من الذي يصنع الثقافة في مصر؟ ورغم بداهة السؤال فإنه يبدو حائراً ومرتبكاً في سياق التصور السياسي للثقافة الذي تمثله وزارة معنية بهذا الشأن، تملك جهازاً إدارياً ضخماً، لكنه يحتاج إلى إعادة النظر والهيكلة والتطهير، ووضع خطط وبرامج أكثر جرأة وانفتاحاً على الحياة الثقافية بكل أطيافها وتبايناتها، بعيداً عن التكريس لثقافة النمط المسكونة بهواجس الماضي إلى حد التماهي والاستلاب.
وفي مواجهة هذا التصور تبرز ثقافة السؤال، المسكونة بقيم التنوير والحرية وإعمال العقل النقدي برؤى وأسس موضوعية صحيحة. تأخذ ثقافة السؤال حيزاً لافتاً من الطرح في كتابات كوكبة من الكتاب والباحثين المهمومين بقضايا الواقع، في حين تبدو المسافة شاسعة بين السؤالين، فالأول تحكمه في الغالب الأعم حسابات الكم والمصلحة، وسياسات ملء الفراغ، بينما يولي الآخر اهتماماً حاسماً بالمراجعة، ومساءلة الذات، وإطلاق قوى التجريب والمغامرة والتعدد الخلاق، من أجل الوصول إلى منجز ثقافي نوعي، له تميزه وطبيعته الخاصة.
لا تخلو هذه الصورة الحاكمة للمشهد الثقافي المصري التي تفترض التكامل لا القطيعة من مفارقات حادة بين المؤسسة الثقافية الرسمية بهياكلها النمطية الراسخة، وهي الأوسع والأكثر انتشاراً ونفوذاً، وبين الطرف الآخر الطليعي، ابن الهامش الضيق والنزوع الفردي والتجمعات والمنتديات الأدبية الصغيرة؛ الأمر الذي يطرح السؤال الثالث الهارب في ظلال هذين السؤالين السالفين، حول الثقافة كمسؤولية مجتمعية، وأنها ليست حكراً على جهة أو جماعة معينة، فالكل يصنع الثقافة بداية من عامل المقهى، حتى عالم الذرة. يرفد ذلك أن المشهد المصري بكل تداعياته مشهد خصب ومتنوع، يمتلك بنية تحتية قوية للعمل الثقافي في شتى المجالات، المسرح والسينما والموسيقي والفنون التشكيلية والشعبية، إضافة إلى المكتبات العامة والمتاحف، وثقافة الطفل، كما ينتشر أكثر من 500 بيت وقصر ثقافة في الأقاليم.
في هذا السياق ثمة فجوة، وحلقة مفقودة بين أطراف هذه المعادلة، فرغم النشاطات التي يعج بها هذا المشهد، فإنها لا تؤسس لحوار بنّاء ومتصل، يشد هموم المثقفين والمبدعين إلى آفاق أرحب وأعمق بدلاً من الثرثرة على السطح واستسهال حلول الترقيع والتسكين. كما يشكل في الوقت نفسه نواة لاستراتيجية ثقافية تنهض على مرتكزات وأسس واضحة المعالم والرؤى، يمكن من خلالها ضبط البوصلة بين الجماعة الثقافية والمؤسسة الرسمية المعنية، وتحفيزها على حيوية العمل خارج الصندوق بعيداً عن لوائحه المتكلسة الجامدة. أيضاً من شأن هذا الحوار أن يعزز من دور الدولة بشكل إيجابي في العمل الثقافي. ويجعلها حاضنة للمشهد بكل تحولاته الفارقة.
يرافق هذا المشهد تحول آخر، يجب أن ينهض بالوتيرة نفسها والهدف نفسه داخل المؤسسات الأدبية والفنية المهنية الأهلية، وفي مقدمتها نقابتا اتحاد الكتاب، والتشكيليين المصريين، فلا تزال النقابتان محصورتين داخل مربعهما المكاني، لا يتجاوز دورهما تقديم بعض المساعدات الصحية والاجتماعية للأعضاء، وهي مساعدات فقيرة وضحلة قياساً بالتحولات الاجتماعية والاقتصادية الضاغطة التي طرأت على الواقع في الآونة الأخيرة، فاتحاد الكتاب رغم أنه يزخر ضمن أعضائه بالكثير من العناصر المبدعة، من شعراء وكتاب ونقاد وباحثين، يفتقر إلى برنامج ثقافي جاد ومتنامٍ، يمكن أن يدفع به كطرف فاعل في هذا الحوار المفقود، ليس هذا فحسب، بل يجب أن يكون رأس حربة له، ونقابة التشكيليين لا تنفك عن هذه الإطار، فلا نشاط يذكر لها، ولا مجلة ولو فصلية تساهم في إضاءة الوعي بحركة تشكيلية نشطة لا تكف عن التنوع والمغامرة، وهو ما يتجسد في الكثير من المعارض التي يصعب متابعتها على مدار الشهر.
لا يبتعد قطاع من المثقفين والمبدعين أنفسهم عن عشوائية ومفارقات هذا المشهد، فهم ينتقدونه بحسابات المصلحة الذاتية الضيقة، وفي الوقت نفسه يوسعون من رقعته النمطية الجامدة بشلليتهم وعشوائيتهم وحروبهم الرخوة الصغيرة، يساعدهم في ذلك فضاء الميديا بوسائطها السريعة المغوية.
في إحدى مقالاته مؤخراً بجريدة «الأهرام» يفند الناقد الأدبي الدكتور يسري عبد الله مسارات الفعل الثقافي العام، خاصة بعد ثورتي 25 يناير (كانون الثاني) 2011، و30 يونيو (حزيران)، وما شهده الوطن من أحداث عنف وإرهاب ضارية قائلاً: «وتحولت الثقافة إلى كرنفال باهت محدود التأثير في محيطه الاجتماعي، وبدت أشبه بجيتو يتنازع على اللاشيء، بينما ينزف الوطن دماً زكياً قرباناً للنور والأمل».
يتابع عبد الله بعين نقدية ثاقبة: «كان كل شيء ممهداً لاستئناف مشروع التنوير، لكن غياب الوعي بجدل السياسي والثقافي، والارتكان إلى التصورات القديمة نفسها في إدارة الثقافة، والاكتفاء بالضجيج اللحظي، دون السعي لإدراك الأثر المقيم، والابتعاد عن تشكيل العقل العام وصياغته على نحو جديد ومغاير يكرس لقيم الجمال والاستنارة والتقدم في كل ما يصنع ويصبو من فعل. وقد مثّل ذلك كله غياباً حقيقياً لمشروع جاد للثقافة الوطنية يؤسس للمعني داخله، ويعيد الاعتبار للقوة الناعمة المصرية في محيطيها العربي والعالمي».
وتعليقاً على المؤتمر العام لأدباء مصر، الذي استضافته مؤخراً مدينة بورسعيد، ودارت حوله آراء متضاربة، كتب الشاعر صلاح اللقاني على صفحته بـ«فيسبوك» قائلاً: «لا أحد يريد أن يواجه الحقيقة. مؤتمر الأدباء ليس مؤتمر أدباء. صار تجمعاً من أعضاء نوادي الأدب لا يحضر فعالياته مدعووه. وأعضاؤه في كثرتهم الكثيرة أدباء تحت التمرين»، مضيفاً فيما يشبه الصرخة المؤلمة «وجود منصات التواصل الاجتماعي تمنح فرصة النشر لكل من يظن في نفسه موهبة من أي نوع، وتسحب، في الوقت نفسه، شرعية أي نشر لا يحقق أعلى درجات القيمة الفنية. إما مؤتمر للأدباء الحقيقيين القادرين على الطرح الدائم لقضايا العصر، ومواكبة سيولة العالم التي لا تتوقف حولنا، يا تفضوها سيرة وتريحونا».
ينسرب من ثقوب هذا المشهد بعض الأنشطة الإيجابية التي شهدها هذا العام، من أبرزها عودة بينالي القاهرة الدولي بعد غياب 8 سنوات في دورته الـ13 بمشاركة 78 فناناً من 52 دولة، وتحت شعار «نحو الشرق»، كما كان لاقتاً تنوع واتساع مظاهر الاحتفال بالذكري الـ108 لميلاد الكاتب الروائي نجيب محفوظ الحائز جائزة نوبل، حيث احتفلت به هيئات ومنتديات ثقافية عدة في القاهرة والأقاليم، من بينها الملتقى السادس للكاريكاتير بقصر الأمير طاز، الذي عرض مجموعة كبيرة من البورتريهات الشخصية لصاحب الحرافيش شارك في رسمها عدد من فناني العالم، وشهد المجلس الأعلى للثقافة ندوة موسعة عنه، ركزت على تطور لغة السرد في أعماله، واستضاف «بيت السحيمي» بحي الجمالية الذي شهد السنوات الأولى لمحفوظ، وجرت في شوارعه أحداث الكثير من رواياته، أمسية أدبية بعنوان «نجيب محفوظ المتجدد» تحدث فيه نقاد وكتاب ومخرجون سينمائيون، كما مثل افتتاح متحف نجيب محفوظ، بتكية «أبو الدهب» بحي الأزهر الحدث الأهم في عام 2019، وذلك بعد 13 عاماً من الجدل حول إمكانية إقامة المتحف، خاصة بعد أن تداعى البيت الذي نشأ به محفوظ بحي الجمالية المجاور لمكان المتحف.
وعلى صعيد الحركة التشكيلية برز عدد من المعارض المهمة تتمتع بروح فنية خاصة، ومغامرة جمالية تستقي مصادرها وتميزها من فضاء الواقع بمخزونه التراثي والبصري المتنوع، كما تحتفي بمظاهر البيئة الطبيعية ودبيب البشر الطافر بالحياة فوق سطحها... من بينها معرض «سندس» لإيمان عزت، ومعرض «نقار الخشب» لعبد الوهاب عبد المحسن، ومعرض «مراكب الإشراق» لأحمد عبد الكريم.
ويتجلى القاسم المشترك بين هذه المعارض الثلاثة في الاحتفاء باللون، ليس فقط كمقوم بصري، وإنما كعنصر حاسم في بناء الشكل والصورة وتنويع مساقط النور والضوء في اللوحات.
يضاف إلى هذه المعارض معرض تذكاري للفنانة فاطمة العرارجي (88 عاماً)، استضافه جاليري المسار، بعنوان «الإنسان، المكان، والزمن» تضمن نماذج تمثيلية، شكلت بتتابعها الزمني والتشكيلي تلخيصاً ثرياً لرحلة فنانة رائدة على مدار سبعة عقود، تركت بصمة خاصة في فضاء الفن التشكيلي المصري.
في السياق نفسه، واصل «ملتقى البرلس للرسم على الحوائط والمراكب» صعوده الفني في دورته السادسة بمشاركة 40 فناناً مثلوا 18 دولة من أنحاء العالم، ليصبح أحد أهم ورش الفن المفتوحة على المستوى الدولي، حيث الرسم الحر العفوي على جدران مدينة البرلس، الساحلية، في فضاء خاص مسكون ببداهة المغامرة والحلول البصرية، ثم يتقلص هذا الفراغ في تكثيف فني مغوٍ بانتقال التجربة من الرسم على جدران البيوت للرسم على مسطحات المراكب الخشبية بفراغاتها ونوافذها المعقدة، في اختبار حي وطازج بين الفنانين وأدواتهم، فضلاً عن الحوار الذي يتخلق بتلقائية بينهم في أثناء العمل.
ولم يشأ هذه العام أن ينقضي دون تلويحة وداع شجية وأخيرة لكتاب وشعراء ونقاد أثروا الحياة الثقافية بعطاء متميز، منهم: الكاتب الروائي عبد الوهاب الأسواني، والكاتب الناقد المترجم إبراهيم فتحي، والشاعر رشيد العناني، والفنانة محسنة توفيق، والعالم اللغوي الدكتور محمود فهمي حجازي، والمخرج السينمائي سمير سيف، والمخرج المسرحي محسن حلمي، الذين تركوا لنا ما يبقى في الذاكرة والوجدان.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».