ليبيا: قطار السياسة لم يصل بعد... والحرب تمضي بلا حسم

ليبيون يعاينون آثار دمار خلفته غارة جوية على طرابلس في 14 أكتوبر أسفرت عن مقتل 3 أطفال (أ.ف.ب)
ليبيون يعاينون آثار دمار خلفته غارة جوية على طرابلس في 14 أكتوبر أسفرت عن مقتل 3 أطفال (أ.ف.ب)
TT

ليبيا: قطار السياسة لم يصل بعد... والحرب تمضي بلا حسم

ليبيون يعاينون آثار دمار خلفته غارة جوية على طرابلس في 14 أكتوبر أسفرت عن مقتل 3 أطفال (أ.ف.ب)
ليبيون يعاينون آثار دمار خلفته غارة جوية على طرابلس في 14 أكتوبر أسفرت عن مقتل 3 أطفال (أ.ف.ب)

طوت الحرب على العاصمة الليبية طرابلس قرابة تسعة أشهر من عام 2019 الذي شهد معارك دامية بين «الجيش الوطني» وقوات «الوفاق»، التي تساندها ميليشيات مسلحة، دون حسم المعركة، أو إحداث تغييرات جذرية على الأرض، باستثناء ما رأى مراقبون أنه «بعض خطوات إلى الأمام» لصالح الطرف الأول. وتواكبت هذه الأحداث مع دخول واشنطن على خط المواجهة مع موسكو، في تحرك اعتبرت أطراف سياسية وبرلمانية في حديثها إلى «الشرق الأوسط» أنه «قد يقلب موازين القوى»، في وقت لا تزال فيه القوى الدولية تتصارع فيما بينها على مساحات النفوذ، ما يشير إلى أن قطار السياسة لن يصل الآن لمحطة استقرار أو تسوية في ليبيا.
ومنذ أن أمر القائد العام للجيش الوطني، المشير خليفة حفتر، بشن عملية عسكرية على طرابلس، في الرابع من أبريل (نيسان) 2019 لـ«تحريرها» من «الجماعات الإرهابية والمسلحة»، سُفكت دماء كثيرة بفعل آلة الحرب بين الجانبين، في محاولة للوصول إمّا إلى قلب العاصمة، وإما «منعها من السقوط».
وأمام هذه المحاولات، يكثف كل طرف من ضرباته. لكن العميد خالد المحجوب، مدير إدارة التوجيه المعنوي بـ«الجيش الوطني»، رجح لـ«الشرق الأوسط» «قرب زوال»، ما أطلق عليه «دولة الميليشيات، القابضة على رقبة العاصمة منذ ثماني سنوات وأكثر»، وتوعد بـ«دحرها أينما وجدت»، وقال إن «الأمور تحت السيطرة، وأيام الميليشيات باتت معدودة».
وبموازاة تصاعد وتيرة الحرب، وتراكم أعداد القتلى والجرحى، وارتفاع معدلات النزوح، سعت البعثة الأممية، بقيادة الدكتور غسان سلامة، مبكراً لفرملة عجلة الاقتتال، لكنها كانت قد مضت سريعاً، في ظل تلكؤ القوى الكبرى في مجلس الأمن الدولي في حسم أمرها، فضلاً عن تمكن كل فريق من حشد قواته وعتاده على خطوط المواجهة المستعرة.
ورأت قوى سياسية، داعمة للعملية العسكرية، أن «الفرصة كانت مواتية أمام المجلس الرئاسي وحكومته، منذ أن هيمن على العاصمة، لإحداث إصلاحات حقيقية، ومحاربة الفساد. لكنه سقط رهينة في قبضة الميليشيات المسلحة، التي تغوّلت في أوصال المؤسسات الحكومية، والمصرفية وأمعنت فيها فساداً». لكن قوى سياسية موالية لحكومة «الوفاق» ترى أن العاصمة «تم الاعتداء عليها من (قوات شرق البلاد)، ما يستوجب الذود عنها بكل الإمكانيات».
في الأثناء، كانت نيران الحرب قد استعرت وتشعبت، ووفق تقرير أصدرته «اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان» في ليبيا، فإن حصيلة ضحايا الاشتباكات الدائرة بمحيط العاصمة طرابلس، سجلت منذ انطلاقها، وقرب نهاية 2019 نحو 2759 قتيلا، من بينهم (142 مدنياً، و23 عنصراً طبياً، و38 سيدة، و48 طفلاً)، فضلاً عن إصابة 8169 شخصاً بجروح تتراوح بين البسيطة والمتوسطة، ونوهت اللجنة الحقوقية بأن الإحصاءات مستندة إلى المعلومات الواردة من مستشفيات عدة منها: (غريان العام، والمستشفى الميداني قصر بن غشير، والسبيعة، ومصراتة العام، والزهراء، وترهونة العام، وشارع الزاوية، والمشفى الميداني طريق المطار، وأبو سليم، والخضراء، والمشفى الميداني تاجوراء).
شروط حفتر
وحول تطور الأوضاع الميدانية في طرابلس، قال العميد المحجوب لـ«الشرق الأوسط» إن «القائد العام المشير خليفة حفتر يتابع بنفسه العمليات العسكرية، والأمور تحت السيطرة، والجيش بات على مقربة من تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة الغربية»، ورأى أن القوات المسلحة «بدأت تبسط سيطرتها في أكثر من اتجاه، حيث توجهت للجنوب، وحاصرت بعض البؤر هناك، وتم ضرب أولها، وهي مجموعة ما يعرف بحسن موسى، التي سبق أن هاجمت حقل الفيل النفطي، وهي تمتهن تهريب المرتزقة، لكن تم القضاء على أميرها ومجموعة منهم، وتدمير عدد كبير من آلياتهم».
واعتبر المحجوب أن «الجيش الوطني» عبر هذه العمليات يكون قد «قطع الطريق على تهريب المرتزقة إلى المنطقة الغربية، وخصوصاً طرابلس».
ورسم المحجوب صورة للعمليات الحربية الدائرة في طرابلس، بقوله إن «الميليشيات تقهقرت، بعدما أحكمت قوات الجيش قبضتها، وباتت على تخوم الهضبة، وهو آخر خط يفصل الهضبة عن منطقة صلاح الدين، كما تم السيطرة على منطقة الهيرة، الشريان الرئيسي لمنطقة غريان، التي لم تعد لها أي قيمة ميدانية تعبوية، وهي المدينة التي دخلتها الميليشيات، واعتقدت أنها حققت إنجازاً، فإذا بها تورطت في خط أصبح مفصولاً عن بقية المجموعات الميليشياوية».
وكان حفتر قد رهن وقف إطلاق النار في طرابلس بتوفير شروط الحوار، إذ أعلن في سبتمبر (أيلول) الماضي، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، تأكيده على دعم العملية السياسية في ليبيا، ونقل عنه الناطق باسم القيادة العامة اللواء أحمد المسماري أنه «لا بد في نهاية المطاف من حوار وطني شامل، ولا بد من عملية سياسية». لكنه رأى أن «الحوار الضامن لوحدة ليبيا وسيادتها لا مجال أمامه، طالما بقيت المجموعات الإرهابية والإجرامية المسلحة تسيطر على مقاليد ومناحي الحياة في العاصمة طرابلس».
إعلان حفتر، الذي استبق به الاجتماع الوزاري حول ليبيا، الذي عقد على هامش اجتماع الجمعية العمومية للأمم المتحدة في السادس والعشرين من نفس الشهر، لم يلتفت فيه إلى مبادرة سابقة أطلقها غريمه فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، تحدث فيها عن عقد ملتقى لمناقشة خريطة طريق للمرحلة القادمة، وإقرار قاعدة دستورية مناسبة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، قبل نهاية 2019.
بدوره، رأى عضو مجلس النواب محمد بشير الفيرس «أنه لم تعد هناك فرصة للعودة ثانية إلى طاولة التفاوض لأسباب، من بينها تخبط السراج»، وذهب إلى أن «(الجيش الوطني) حقق مكاسب كبيرة على الأرض لا يستهان بها... فقد بدأ يقترب تدريجياً من قلب العاصمة، حتى أصبح هدف الميليشيات الآن، ليس صد العدوان كما تزعم، بل المحافظة على مواقعها».
وعدّد الفيرس، الذي شغل منصب رئيس دائرة قضائية بمحكمة استئناف طرابلس، في حديثه إلى «الشرق الأوسط» جانبا مما تحقق للجيش بقوله: «لقد تم استنزاف ما يقارب 70 في المائة من قوات الميليشيات، وفقدانها لأغلب قادتها الميدانيين»، فضلاً عن «التحام المناطق الغربية، مثل صبراتة والعجيلات وصرمان بالقوات المسلحة، وأعقب ذلك افتتاح فروع لديوان الحكومة المؤقتة هناك».
وقال الفيرس إن المجلس الرئاسي «تشتت وأصبح يفتقد القدرة على إدارة المعركة... وهذا واضح من تصريحاته وتخبطه السياسي»، فضلاً عن أن «القوات الجوية باتت تسيطر بشكل كامل على أجواء العاصمة، وهذا ما أربكهم. كما أن الزخم الشعبي الذي تحظى به القوات المسلحة يتزايد يوماً بعد يوم».
من جانبه، قال النائب البرلماني الصالحين عبد النبي، معلقا على الموقف التركي من دعم «الوفاق»: «إننا في انتظار تحرير قريب للعاصمة، عندما يبسط جيشنا السيطرة على طرابلس، وتعود لحضن الوطن خالية من الميليشيات والإرهاب».
في مقابل ذلك، فإن التصريحات والبيانات اليومية لعملية «بركان الغضب»، التابعة لقوات «الوفاق»، تشير في مجملها إلى انتصارات على «العدو»، وتتحدث دائماً عن تكبيده «خسائر فادحة في القوات والعتاد». كما تتهم «الوفاق» السلاح الجوي التابع للقيادة العامة باستهداف المدنيين والمناطق السكانية المكتظة، وسيارات الإسعاف، وهي الاتهامات التي ينفيها المسماري في مؤتمراته الصحافية.
صراعات القوى الكبرى
جزء من أصداء المعركة المُستعرة بالضواحي الجنوبية لطرابلس، انعكس بشكل لافت على توجهات القوى العظمى في مجلس الأمن الدولي، إذ جاءت جميع جلساته حول ليبيا محكومة بأجندات خاصة، ومصالح ذاتية، وبالتالي لم تتمكن من فرملة آلة الحرب، وبدا ذلك مبكراً في معارضة الولايات المتحدة وروسيا مشروع قرار بريطاني، يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار في طرابلس. غير أن الموقف الأميركي تغير حالياً على الأرض، وذلك في تناقض واضح لم يفسره إلاّ انزعاج واشنطن من الوجود الروسي في ليبيا، فاضطرت للإعلان عن موقف مغاير لتقطع الطريق أمام التوسع المستقبلي للنفوذ الروسي في البلد الغني بالنفط.
وعكس التلاسن المبدئي بين مسؤولين من واشنطن وموسكو حول ليبيا، جانبا من الصراع على ما هو قادم، إذ اتهمت وزارة الخارجية الأميركية روسيا بـ«استغلال النزاع في ليبيا لتحقيق مكاسب خاصة، وذلك من خلال نشر شركات عسكرية خاصة هناك»، في إشارة على ما يبدو إلى «الفاغنر» الروسية. لكن المتحدث باسم الكرملين ديميتري بيسكوف نفى ذلك بقوة، وقال بهذا الخصوص: «هذه أخبار زائفة لا أساس لها من الصحة»، وزاد من توجيه انتقادات مبطنة إلى أميركا دون تسميتها بقوله: «لا يحق للكثير من الدول من الناحية الأخلاقية الحديث عن زعزعة استقرار الوضع في ليبيا، بعد أن دمروها بأفعالهم التي تنتهك القانون الدولي».
وأعلنت قوات حكومة «الوفاق» أنها قتلت عدداً من «المرتزقة»، وأسرت آخرين من شركة روسية تعمل لصالح قوات حفتر، يعتقد أنهم يتبعون ليفغيني بريغوزين، حليف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكانوا يجهزون لعملية عسكرية ضد العاصمة طرابلس. لكن نائب وزير الخارجية الروسي سيرغي ريابكوف نفى ذلك، وقال إن بلاده «تعمل بما يخدم مصالح عملية السلام في ليبيا».
غير أن واشنطن مضت في تحذيرها على لسان ديفيد شينكر، مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، من أن روسيا تستغل الصراع على حساب الشعب الليبي، من خلال نشرها عسكريين نظاميين بأعداد لافتة هناك.
تحذير شينكر جاء بعد أيام من اجتماع وفد أميركي رفيع المستوى بحفتر في مقر إقامته بمدينة الرجمة، شرق البلاد، تناول سبل «وقف الأعمال القتالية، وإيجاد حل سياسي للصراع الليبي».
سماء ليبيا وبحرها
ومع «اقتراب الحرب على طرابلس من نهايتها»، بحسب تقدير العميد المحجوب، باتت سماء ليبيا ساحة مفتوحة للطائرات الأجنبية، وسط تخوفات من انتقال صراعات مجلس الأمن إلى سماء البلاد لمنع توسيع النفوذ، وذلك عقب الإعلان عن اختفاء طائرتين «من دون طيار» فوق ليبيا؛ وفي هذا السياق قالت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، إن الطائرة غير المسلحة «فقدت فوق طرابلس»، مبرزة أن «هناك تحقيقاً جارياً بشأن هذه الحادثة»، التي لم يتم تقديم مزيد من التفاصيل حولها.
وسبق سقوط الطائرة الأميركية، طائرة إيطالية مسيرة من طراز MQ - 9 بريداتور قرب العاصمة الليبية طرابلس، وسارعت هيئة الأركان الإيطالية إلى نفي أن تكون الطائرة المسيرة التي أسقطت فوق منطقة سوق الأحد بترهونة «هجومية»، مشددة على أنها كانت «تقوم بمهمة لدعم عملية البحر الآمن لإنقاذ المهاجرين في البحر المتوسط».
وبموازاة الحادثين، أعلنت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» فرض حظر جوي فوق منطقة العمليات العسكرية بطرابلس وحولها، وأرجعت ذلك إلى «تطور العمليات العسكرية، وتقدم قواتنا نحو العاصمة».
وحذر المسماري الناطق باسم الجيش الوطني مصلحة الطيران المدني الليبية، وكافة شركات خطوط النقل الجوي، وكل مستخدمي المجال الجوي الليبي من خرق الحظر، ودخول المنطقة المحددة دون تنسيق مسبق مع القيادة العامة، والحصول على إذن من القائد العام، حتى لا يتعرضوا لأي خطر أو أي أضرار»، وهي منطقة المايا ومصنع القماس، والكلية العسكرية بنات، ومزرعة النعام وغرب منطقة القربولي، ومنحى الطريق ومفترق الطرق.
دخول تركيا على خط الأزمة
أمام تضييق الجيش الخناق على قوات «الوفاق» والميليشيات المسلحة، اتجه السراج لتعزيز صلته بأنقرة، حيث وقع اتفاقات بحرية وأمنية مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وهو ما منح تركيا، ولو شكلياً، نفوذاً في البحر المتوسط، فيما رآه البعض مقايضة عسكرية من جانب الأخيرة لحكومة «الوفاق»، مقابل الإذعان والتوقيع على الاتفاقية البحرية، التي كانت تحضر لها منذ سنوات.
وقال حاتم العريبي، الناطق باسم الحكومة المؤقتة في مدينة البيضاء، إن هناك «تلاعباً بالمصطلحات في الاتفاقية التي أبرمت بين تركيا وحكومة السراج، بين أن تكون اتفاقية أو مذكرة تفاهم، وذهب في تصريحات صحافية إلى أن «الاتفاقية غير قانونية، وتمس السيادة الليبية».
وعلى أثر ذلك توجه «مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة»، الذي يترأسه سفير ليبيا السابق في دولة الإمارات، عارف النايض، برسالة عاجلة إلى المبعوث الأممي، وطالب البعثة بـ«التدخل ووقف هذا العمل لكون المجلس الرئاسي غير منتخب، ولم يختره جسم منتخب، وبالتالي فإنه لا يمثل إرادة الشعب الليبي»، وذكر بـ«فشله في نيل ثقة مجلس النواب مرتين».
كما اتهم عضو مجلس النواب علي التكبالي المجلس الرئاسي بأنه «أصبح ألعوبة في يد تركيا»، وقال في تصريح صحافي إن «الغرض من وراء توقيع تركيا اتفاقية مع السراج، هو إثبات أنها موجودة ومهمة، ولن تسمح لأي دولة بالاستحواذ على الثروات في ليبيا دون حسابها».
ما بعد «محطة» برلين
وفي وقت يجمع العام أوراقه استعداداً للرحيل، كانت القوى الدولية لا تزال تجمّع هي الأخرى صفوفها بعد قرابة 9 أشهر من الحرب الطاحنة، للالتقاء ثانية على طاولة مباحثات، في محاولة جديدة لإيجاد صيغة توافق على الأقل في مجلس الأمن. في حين هناك سياسيون ونواب، ومنهم محمد الفيرس، يرون صعوبة التئام مؤتمر برلين، باعتبار أن «الدول الداعمة لـ(الجيش الوطني) تدرك قرب سيطرته على العاصمة، وبالتالي ستختلق الأعذار لإفشاله، من جهة، وستقر مع ذلك إبعاد إيطاليا وتركيا وقطر من المشهد الليبي من جهة ثانية».
وينظر سياسيون ليبيون إلى قرار عدم تمثيل بلادهم في مؤتمر برلين بأنه «نوع من الوصاية الدولية المرفوضة»، علما بأن سلامة صرح بأن المؤتمر يستهدف «ترميم موقف الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن من الأزمة»، مبرزا أن المدنيين في ليبيا «ضحايا عقم مجلس الأمن، وتضارب المصالح بين الدول الدائمة العضوية فيه».
ووعد سلامة بأنه «بناء على ما يتم التوصل إليه في مؤتمر برلين، فإنه سيتم العمل على عقد مصالحة بين الليبيين أنفسهم، وقد يشمل ذلك عقد مؤتمر ليبي... لكن الأهم حالياً هو توحيد الموقف الدولي».


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.