هل ينجح الاقتصاد الأميركي في تخطي «درب من الأشواك»؟

هل ينجح الاقتصاد الأميركي في تخطي «درب من الأشواك»؟
TT

هل ينجح الاقتصاد الأميركي في تخطي «درب من الأشواك»؟

هل ينجح الاقتصاد الأميركي في تخطي «درب من الأشواك»؟

حافظ اقتصاد الولايات المتحدة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي نشط وسوق عمل قوية، على وتيرة معتدلة من النمو مع اقتراب عام 2019 من نهايته. وفي حين خفتت المخاوف من حدوث ركود فوري، ما زال اقتصادها يظهر علامات على التباطؤ. فمع انخفاض استثمارات الأعمال وتقلص قطاع الصناعات التحويلية، واجه تعافي اقتصاد الولايات المتحدة الكثير من العقبات خلال الأشهر القليلة الماضية. ولا يزال الدرب أمامه مليئاً بالأشواك وسط حالة عدم يقين تجارية تراوح مكانها وتباطؤ عالمي متزامن، بحسب تقرير نشرته وكالة «شينخوا» الصينية، نقلاً عن مصادر أميركية.
- صورة متباينة
توسع نمو اقتصاد الولايات المتحدة في الربع الثالث بمعدل سنوي نسبته 2.1 في المائة، وهو ما يمثل ارتفاعاً طفيفاً عن الـ2 في المائة المسجلة في الربع الثاني، وتباطؤاً حاداً عن الـ3.1 في المائة المسجلة في الربع الأول، وفقاً للبيانات الصادرة عن وزارة التجارة الأميركية.
وتوقعت لجنة من المحللين المحترفين، الذين استطلعت آراؤهم الجمعية الوطنية لاقتصادات الأعمال مؤخراً، أن يتباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة من 2.9 في المائة في عام 2018 إلى 2.3 في المائة هذا العام. وعقب اجتماع السياسات للبنك المركزي الذي عُقد في وقت سابق من هذا الشهر، وصف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي جيروم باول هذه الصورة المتباينة في تصريحاته قائلاً: «لقد كان إنفاق الأسر قوياً، مدعوماً بسوق عمل صحية، وارتفاع في الدخول، وثقة قوية من جانب المستهلك. وعلى النقيض من ذلك، ظلت استثمارات الأعمال والصادرات ضعيفة، وانخفض ناتج قطاع الصناعات التحويلية خلال العام الماضي». فقد شهد الإنفاق الاستهلاكي الشخصي، الذي يمثل نحو 70 في المائة من ناتج اقتصاد الولايات المتحدة، نمواً قوياً خلال الأرباع الثلاثة الأولى، حيث ارتفع بواقع 1.1 في المائة، و4.6 في المائة، و3.2 في المائة على التوالي، ليسهم بشكل جزئي في تهدئة المخاوف بشأن صحة أكبر اقتصاد في العالم. وسجل معدل البطالة، الذي ظل أقل من 4 في المائة منذ بداية العام، انخفاضاً طفيفاً ليبلغ 3.5 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني)، ليصل بذلك مرة أخرى إلى أدنى مستوى له منذ ما يقرب من خمسة عقود. أما متوسط المكاسب في فرص العمل، فقد بلغ 205 آلاف في الفترة من سبتمبر (أيلول) إلى نوفمبر. وعلى الرغم من الإنفاق الاستهلاكي المرن وسوق العمل القوية، فإن استثمارات الأعمال انخفضت لربعين على التوالي... حيث انخفضت بنسبة واحد في المائة في الربع الثاني، و2.3 في المائة في الربع الثالث؛ ما شكل عبئاً على الاقتصاد الكلي.
من ناحية أخرى، تقلص النشاط الاقتصادي في قطاع الصناعات التحويلية للشهر الرابع على التوالي في نوفمبر، وفقاً لما ذكره معهد إدارة الإمدادات. وبلغ مؤشر مديري المشتريات 47.8 في المائة في سبتمبر، وهو أدنى مستوى له خلال عقد من الزمان.
- عدم يقين تجاري
استشهد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وكذا الكثير من الاقتصاديين، مراراً بالتوترات التجارية باعتبارها أحد العوامل التي أثرت على الاقتصاد الأميركي.
ولدى إشارته إلى أن الاقتصاد واجه بعض «التحديات المهمة» نتيجة ضعف النمو العالمي وحالة عدم اليقين التجارية خلال العام الماضي، ذكر باول أن البنك المركزي قام بتعديل وضع السياسات النقدية لـ«حماية» الاقتصاد من هذه التطورات و«توفير بعض التأمين اللازم ضد المخاطر المصاحبة».
فقد قام مجلس الاحتياطي الفيدرالي بتخفيض أسعار الفائدة ثلاث مرات منذ يوليو (تموز) الماضي، وسط تزايد حالة عدم اليقين المنبثقة عن التوترات التجارية وضعف النمو العالمية وضغوط التضخم المكبوح. وهذه التعديلات في السياسات جعلت النطاق المستهدف لمعدل الصناديق الفيدرالية الحالي يتراوح بين 1.5 في المائة و1.75 في المائة.
وذكرت «بيزنس راوند تابل»، وهي جمعية لكبار المديرين التنفيذيين لبعض أكبر الشركات في الولايات المتحدة، أن مؤشرها للتوقعات الاقتصادية للمديرين التنفيذيين في الربع الأخير انخفض إلى 76.7 نقطة، وهو رقم لا يزال دون المتوسط التاريخي ويمثل التراجع الفصلي السابع على التوالي.
من جانبه، قال غوشوا بولتين، رئيس مجلس إدارة والرئيس التنفيذي لجمعية «بيزنس راوند تابل»، إن «الرؤساء التنفيذيين لديهم ما يبرر حذرهم بشأن حالة اقتصاد الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي حققنا فيه بيئة ضريبية تنافسية، فإن حالة عدم اليقين التي تكتنف السياسات التجارية وتباطؤ النمو العالمي يخلقان رياحاً معاكسة أمام الأعمال التجارية».
ولفت استطلاع أجرته الجمعية الوطنية لاقتصادات الأعمال وصدرت نتائجه في وقت سابق من هذا الشهر، إلى أن السياسات التجارية لا تزال أكثر مخاطر الهبوط المهيمنة «توارداً على الألسنة» التي تواجه الاقتصاد الأميركي حتى عام 2020، حيث أشار نصف المستطلعة آراؤهم إليها باعتبارها تمثل «أكبر» مخاطر الهبوط.
فقد أثرت التوترات التجارية، التي كانت الولايات المتحدة هي البادئة بها، سلباً على الاقتصاد العالمي، حيث ذكرت منظمة التجارة العالمية مؤخراً أنه من المتوقع ارتفاع أحجام تجارة السلع العالمية بنسبة 1.2 في المائة فقط في عام 2019، وهي أبطأ بكثير من توقعات بنموها بنسبة 2.6 في المائة صدرت في أبريل (نيسان) الماضي. وفي أحدث تقرير له حول الآفاق الاقتصادية العالمية صدر في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خفض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي لعام 2019 إلى 3 في المائة، محذراً من أن النمو لا يزال ضعيفاً بسبب ارتفاع الحواجز التجارية وتزايد التوترات الجيوسياسية.
- أشواك على الدرب
من المتوقع أن يتجه اقتصاد الولايات المتحدة نحو مزيد من التباطؤ في العام المقبل على خلفية حالة عدم يقين مستمرة بشأن السياسات التجارية، وسوق عمل قد تفقد زخمها، وكذا آفاق اقتصادية عالمية هشة.
فقد أظهرت البيانات الرسمية أن متوسط المكاسب في فرص العمل بلغ 180 ألف شهرياً حتى الآن في عام 2019، مقارنة بمتوسط مكاسب بلغ 223 ألف شهرياً في عام 2018؛ ما يشير إلى أن المستوى العام للتوظيف شهد تباطؤاً خلال الشهر القليلة الماضية. وفي الوقت ذاته، ظلت وتيرة نمو الرواتب ضعيفة.
وذكر استطلاع أجراه مجلس المديرين الماليين العالمي التابع لشبكة «سي إن بي سي»، أن 60 في المائة من كبار المسؤولين الماليين يتوقعون انخفاض عدد رؤساء شركاتهم على مدار الـ12 شهراً المقبلة.
ويعتقد المشاركون في استطلاع الجمعية الوطنية لاقتصادات الأعمال، أن الاقتصاد الأميركي سوف يتباطأ إلى 1.8 في المائة في عام 2020. و«تجمع التوقعات على حدوث انتعاش في الإسكان، لكن نمواً أبطأ في استثمارات الأعمال والإنفاق الاستهلاكي، إلى جانب عجز أكبر في التجارة والميزانية الفيدرالية»، حسبما ذكر رئيس الجمعية كونستانس هنتز، وهو كبير الاقتصاديين في مؤسسة «كيه بي إم جي».
وأثار عجز الموازنة الفيدرالية، الذي ارتفع بسرعة خلال إدارة ترمب، قلق الكثيرين. وأكد باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مؤخراً على مدى إلحاحية أن يعمل الكونغرس الأميركي على معالجة هذه القضية، وإلا - كما أشار - ستكون هناك مساحة مالية أقل لدعم الاقتصاد حال حدوث ركود.
وعلى الصعيد الاقتصادي، كانت حالة عدم اليقين هي الشيء اليقيني الوحيد. فرغم التقدم الذي أحرز مع كندا والمكسيك والصين، فإن الولايات المتحدة فرضت تعريفات جمركية على منتجات فرنسية انتقاماً من ضريبة الخدمة الرقمية، كما أن نزاعها مع الاتحاد الأوروبي بشأن دعم الطائرات بين شركتي «بوينغ» و«إيرباص» يتصاعد.
وفي تحليل لها، كتبت ديان سونك، كبيرة الاقتصاديين في «غرانت ثورنتون»، وهي شركة محاسبة كبرى، تقول إن «السياسات التجارية التي تنتهجها الإدارة الأميركية لم تترك مجالاً كبيراً للمناورة».
وأكدت سونك «إما أن يتخلى الرئيس عن وعود حملته الانتخابية ويكبح فرض التعريفات الجمركية وتباطؤ الاقتصاد... وإما أن يخاطر بحدوث ركود نتيجة مضاعفة الحروب التجارية وزيادة حالة عدم اليقين».


مقالات ذات صلة

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

الاقتصاد متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد Saudi Minister of Finance speaks at a dialogue session at the Miami Summit (Asharq Al-Awsat)

الاقتصاد السعودي أثبت كفاءته في إدارة الأزمات

أكد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن الاقتصاد السعودي أثبت كفاءة استثنائية في إدارة الأزمات وقدرة فائقة على امتصاص الصدمات بمرونة عالية، وحذر في الوقت.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

«وول ستريت» تتراجع وسط تقييم المستثمرين لفرص التهدئة

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، الخميس، بعد مكاسب حققتها في الجلسة السابقة، وسط حذر المستثمرين بشأن التطورات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.