حركات نسوية وتغيرات اقتصادية واجتماعية غيرت وجه الموضة إلى الأبد

العقد الذي فرضت فيه المرأة الشرقية أسلوبها والجيل الصاعد ميوله الإنسانية

قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»
قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»
TT

حركات نسوية وتغيرات اقتصادية واجتماعية غيرت وجه الموضة إلى الأبد

قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»
قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»

أحداث كثيرة شهدها عام 2019، من موت كارل لاغرفيلد إلى انضمام المغنية ريهانا إلى مجموعة «إل في إم إتش» كمصممة في بادرة غير مسبوقة، وما شابه من أمور.
لكن سنة واحدة غير كافية لتحديد مسار الموضة ونحن نحتفل بنهاية عقد وبداية آخر، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العقد الأخير شهد أحداثاً درامية غيرت وجه الموضة إلى الأبد. وهذا يعني أنه يمكن القول إن عالم الموضة، بحلول عام 2020، سيدخل عهداً جديداً تُكتب فصوله منذ عام 2010، ولا تزال نهايته غير مكتملة تماماً. فخلال هذه السنوات العشر، وُضعت أساسات مفهوم الاستدامة وحماية البيئة والمناخ واحتضان التنوع بكل أشكاله وأحجامه وألوانه، إلى جانب تغيير النظرة إلى الأناقة ككل من خلال تعاملنا معها من زاوية لا تحركها الرغبة في الاستهلاك أو التباهي بقدر ما تحركها رغبة إنسانية حقيقية تفكر في الآخر وفي مستقبل الأجيال القادمة.
- هيمنة الأسلوب «السبور»
من أهم ما شهده العقد الأخير هيمنة الأسلوب «السبور» على منصات وشوارع الموضة. فمنذ ظهوره بداية هذا العقد وهو يرفض أن يبقى سجين الملاعب والنوادي الرياضية. كانت الموضة بدورها تتوق إلى التغيير، لهذا فتحت له الأبواب على مصراعيها ليدخل منها باسم الراحة والانطلاق. ومع ظهور كيني ويست ومصممين من أمثال فيرجيل أبلو، مصمم علامة «أوف وايت»، جاء الأسلوب السبور ليكون مضاداً حيوياً للموضة التقليدية كما كنا نعرفها لعقود. المغني كيني ويست لم يقدم شيئاً ثورياً من حيث الابتكار؛ كل ما قام به أنه غير تلك العلاقة التي كانت تربط المشاهير بصناع الموضة. لم يعد النجم مجرد متلقٍ يستعرض ما تمليه عليه الموضة، بل فرض أسلوبه الخاص، رغم غرابته أو خروجه عما ألفته العين. بداية هذا العقد، ربط علاقة تعاون مع المصمم الإيطالي ريكاردو تيشي، مصمم دار «جيفنشي» آنذاك، وظهر في مجموعة جريئة من تصاميمه، مثل «تي-شيرتات» وبنطلونات جينز تباع بمئات الدولارات، إن لم نقل الآلاف. نجاح هذه العلاقة كانت إشارة إلى أن الوقت كان جاهزاً لاستقبال نوع جديد من المصممين، من أمثال فازاليا ديمنا مصمم «فيتمون»، وفيرجل أبلو مصمم «أوف وايت» الذي تعامل مع كيني ويست، ويقال إن هذا الأخير كان له فضل كبير في تعريف العالم به. تصاميمهما، أي ديمنا وأبلو، كانت صادمة في بعض الأحيان، لكنها كانت معاصرة تنبض بروح الشارع. وربما لها السبب لم يُثر تعيين دار «لويس فويتون» لفيرجل أبلو مصمماً لقسمها الرجالي كثيراً من الاستغراب، خصوصاً أنه سبق للدار أن تعاونت مع المغني كيني ويست في عهد مارك جايكوبس، بطرحها مجموعة أحذية رياضية بأسعار نارية وجدت هوى في نفوس الشباب، وأكدت أن الوقت قد آن لتغيير دفة الموضة باتجاه يعانق ثقافة الشارع، ويحقق المعادلة الصعبة بين الأنيق والمريح. وتوالت التعاونات، ومعها أحذية رياضية بأشكال وألوان متنوعة تصب كلها في الخانة والهدف نفسيهما. وتعاونت دار «ألكسندر ماكوين» مع «بوما»، والمصمم يوجي ياماموتو مع «أديداس»، وكثير من المصممين الآخرين أكدوا استعدادهم للنزول عند رغبة الشارع، فحتى من لم تكن لهم رغبة في دخول الميادين «السبور» انتبهوا إلى أن عليهم أن ينزلوا من أبراجهم العالية إلى الشارع.
انتبهوا أيضاً إلى أن القرارات لم تعد بأياديهم؛ أي أنهم لم يعودوا هم من يؤثرون على ذوق المستهلك، بل أصبح هذا الأخير هو من يفرض ذوقه عليهم. وتجدر الإشارة إلى أن حركة مماثلة ولدت في السبعينات من القرن الماضي، ومن الشارع أيضاً، ألا وهي حركة «البانكس». الفرق بينها وبين الحركة المعاصرة أن هذه الأخيرة يقودها شباب يطالبون بتبني التنوع وتقبل الآخر، بدءاً من لونه إلى ثقافته، وليس فقط التمرد على المتعارف عليه من تابوهات اجتماعية.
- المرأة العربية تفرض نفسها
يمكن القول إن هذا العقد هو الذي فرضت فيه المرأة العربية نفسها على ساحة الموضة. فرغم أنها كانت من أهم زبونات «الهوت كوتير» منذ سبعينات القرن الماضي، ويُرد لها فضل كبير في الإبقاء على هذا الجانب منتعشاً حياً لسنوات، إلا أنها لم تأخذ حقها كاملاً. كانت تُعتبر مجرد مستهلكة تصرف أموالاً طائلة من دون أن يكون لها رأي أو ذوق خاص. كل هذا تغير، وبشكل واضح، من خلال ربط الموضة معها علاقة تفاعلية مبنية على الاحترام، بعد أن كانت مجرد مونولوج. دار «شانيل» عبرت عن هذا الاحترام بإقامة عرضها الخاص بـ«الكروز» عام 2015 لأول مرة في بلد عربي (دبي)، وهذا العام بإقامة دار «ديور» عرضها من الخط نفسه في مدينة مراكش المغربية، بيد أن التأثير الأكبر تجلى فيما أصبح يُعرف بـ«موديست فاشن». أسلوب يتميز بياقات عالية وأكمام طويلة وفساتين أو تنورات تتراوح بين «الميدي» و«الماكسي»، حتى الرأس أصبحت له أكسسواراته المبتكرة التي تتراوح بين إيشاربات الحرير الملفوفة بأشكال مبتكرة والعمامات العصرية.
البعض يُرجع هذه الظاهرة إلى الأحداث السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة ككل، بينما يُرجعها البعض الآخر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وصور شابات من المنطقة العربية بملابسهن المحتشمة وأكسسواراتهن الغالية الثمن وهن يتجولن في شوارع لندن أو لوس أنجلوس أو باريس. لم تعد الصورة ترتبط بالجانب الديني، بل تعكس جانباً ثقافياً ظل متجاهلاً يعاني طويلاً من النمطية. لا يختلف اثنان أيضاً على أن الأزمة الاقتصادية العالمية كان لها تأثيرها. فالجيل الجديد من زبونات الشرق الأوسط عارفات ومتذوقات للموضة مثل أمهاتهن، لكن على العكس من أمهاتهن يسألن عن كل صغيرة وكبيرة، ولا يقبلن بأن يكن مجرد مستهلكات. بعبارة أخرى، أصبح لهن صوت يتوقعن أن يسمعه المصممون جيداً، وإلا فإن السوق يزخر بغيرهم. أغلب بيوت الأزياء العالمية أنصتت، وركبت موجة الاحتشام، بدءاً من «فالنتينو» و«غوتشي» إلى «شانيل» و«بيربري» و«دولتشي أند غابانا» وكارولينا هيريرا، وهلم جرا. وحتى من لم يركبها علانية، اعتمد على أسلوب الطبقات المتعددة.
فمن كان يتصور منذ عقد من الزمن أن تتصدر صور محجبات أغلفة مجلات عالمية مثل «فوغ»، أو أن تصبح حليمة آيدن، وهي فتاة مسلمة محجبة، واحدة من أهم عارضات الأزياء في العالم؟ لم تقتصر هذه الموجة على الغرب، ففي الشرق ظهرت عدة مواقع تسوق إلكترونية تستغل الإقبال العالمي على هذا الأسلوب، مثل موقع «ذي موديست دوت كوم» الذي انطلق في دبي، مُسوقاً إطلالات تلعب على جمال الطبقات المتعددة لخلق صورة مفعمة بالجمال والحشمة. واللافت أن السوق الأولى للموقع هي السوق الأميركية، حسب قول غزلان غينيز، مؤسسة الموقع، وهو ما يؤكد أن هذه الظاهرة أصبحت عالمية لا تقتصر على المرأة العربية أو المسلمة فحسب.
فرغم أن السوق الصينية لا تزال الأقوى، من حيث عدد سكانها وإمكانياتهم التسوقية، فإنه من الخطأ الاستهانة بالمنطقة العربية، بحسب تقرير الاقتصاد الإسلامي العالمي، الذي أعدته وكالة «رويترز»، بالتعاون مع «دينار ستاندرد»، وأفاد بأن المسلمين أنفقوا ما يقدر بنحو 243 مليار دولار على الأزياء في عام 2015، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 368 مليار دولار في عام 2021؛ أي بزيادة قدرها 51 في المائة عن عام 2015.
البعض قرأ هذه الدراسة بشكل حرفي، ونهل من موروثات الشرق بشكل أثار كثيراً من الجدل، مثل الثنائي الإيطالي «دولتشي أند غابانا» عندما طرحا مجموعة عباءات في عام 2015، رأى فيها البعض تودداً ميكيافيلياً مبالغاً فيه، من دون تقديم أو إضافة أي جديد. لكن على العكس من «دولتشي أند غابانا»، اكتفى مصممون آخرون، مثل فيبي فيلو مصممة دار «سيلين»، و«إرديم» و«ديور» و«شانيل» وغيرهم، بإبداع تصميمات تجمع الحشمة بالأناقة العصرية، لتصبح التيار الرئيسي المميز للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
- الحركة النسوية
تزامنت هذه الموضة «المحتشمة» مع حركة نسوية جديدة قادتها المرأة من خلال حملة «#مي تو» ضد التحرش الجنسي والتمييز في أماكن العمل. ففي ظل فترة تسودها حالة من التوتر، ورغبة المرأة في استرداد حقوقها وفرض نفسها من جديد، أصبحت التصاميم التي تخفي تفاصيل الجسد بمثابة دروع تحتمي بها. هذا إلى جانب تمردها على ثقافة تلفزيون الواقع، فكلما انتشرت صور فضح كل لحظة حميمة وكل جزء من الجسد للاستهلاك العام، جاءت ردود أفعال مضادة تطالب بالعكس. وأكثر من قاد هذه الحركة النسوية المصممة الٍإيطالية ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «ديور».
- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
لا يختلف اثنان على قوة وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العقد. فقد غيرت لغة الموضة، ومعها طريقة الشراء والاستهلاك. ما قامت به هذه الوسائل أنها فككت قوة المؤسسات الكبيرة التي كانت تعتمد على الإعلانات لفرض سطوتها على الذوق العام، كما غيرت طرق البيع والشراء تغييراً جذرياً. فبعد أن وضعت المؤسسات الكبيرة في مأزق، لم تجد هذه الأخيرة حلاً سوى تخصيص جزء لا يستهان به من إعلاناتها للمواقع الإلكترونية، وأيضاً لشراء ود وآراء المؤثرين، بعد أن كانت تقتصر على المجلات والصحف. أما بالنسبة للبيع، فقد بدأت ظاهرة الشراء مباشرة بعد العرض، عوض الانتظار 6 أشهر قبل طرحها في الأسواق. فقد كشفت وسائل التواصل الغموض الذي كان يحيط بهذه العروض سابقاً، كما فتحت الأبواب أمام محلات مثل «زارا» وغيرها لأن تستنسخ تصاميم مشابهة تطرحها بسرعة، وبأسعار زهيدة بالمقارنة. فجأة، أصبح ما يقدمه المصممون على المنصات بعد عرض كلفهم عشرات، وأحياناً مئات، الآلاف من الدولارات، وأشهراً من التحضيرات، يبدو قديماً بعد وصوله إلى المحلات. ومن جانب آخر، ساعدت هذه الوسائل مصممين شباب في الوصول إلى العالمية، من دون أن يتقيدوا بقواعد اللعبة التقليدية، لا سيما منهم من دخلوا مجال البيع الإلكتروني. انتبهوا أنهم لا يحتاجون إلى الوجود في محلات أسمنتية لكي تباع بضائعهم أو يشتهرون، فالإنستغرام أو اليوتيوب يقوم بهذه المهمة على أحسن وجه.
نتيجة لهذا، كان من البديهي أن تنتعش مواقع التسوق الإلكترونية، مثل «نيت أبورتيه» و«ماتشز فاشن»، وأن يُصبح لكل دار موقع خاص بها، عدا عن ظهور منصات تسوق ضخمة، مثل «فارفيتش».
- الثقافة الشعبوية... بين السلبي والإيجابي
سحابة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تخيم على مصممي العالم. فلندن معروفة باحتضانها كل من تتوسم فيه الموهبة، وتفتح له أحضانها، بغض النظر عن جنسياتهم. الثقافة الشعبوية التي ظهرت مؤخراً والبريكست قد يدفعان بالبعض للعودة إلى بلدانهم أو تغيير مقرات أعمالهم. الصعوبات المرتقبة بالنسبة لهؤلاء لا تتعلق بتأشيرات الدخول والخروج أو الإقامة فحسب، بل أيضاً بالضرائب الجمركية على استيراد الأقمشة وعلى المعامل. فهذه قد تكلف هذا القطاع نحو 900 مليون جنيه إسترليني تقريباً.
بيد أنه، ومن ناحية أخرى، خصوصاً بالنسبة لمن يروون دائماً أن الفنجان نصف ممتلئ، فإن حركات الشعبوية خلفت ردود فعل إيجابية من ناحية إقبال أكبر على تقبل الآخر. فعندما تصدرت عارضة الأزياء أدوت أكيش أغلفة 5 نسخ من مجلة «فوغ» في شهر واحد هذا العام، كان الأمر تتويجاً لجهود أكثر من عقد من الزمن لإلغاء التمييز العنصري، ثم جاء موقع «بيزنيس أوف فاشن» ليؤكد هذه الحقيقة، عندما تصدرت أدوت غلاف مجلته التي تصدر سنوياً متضمنة لائحة بأسماء أكثر الشخصيات تأثيراً على الموضة. أديت أكيش لمن لا يعرفها لاجئة من أصول سودانية، أي أن لون بشرتها داكن، لهذا لم يكن يخطر على البال منذ أكثر من عقد أن تتصدر غلاف مجلة «فوغ» على الإطلاق، بدليل أن العارضة ناعومي كامبل اشتكت في بداية مشوارها إلى الراحل إيف سان لوران من أن النسخة الفرنسية من المجلة رفضت أن تتصدر غلافها بسبب لونها. فقط عندما تدخل مستغلاً قوته الإعلانية، حصلت على أول غلاف لها في المجلة. نظرة سريعة حالياً على حال الموضة تؤكد أن الفرق شاسع بين ثقافة الأمس التي كانت تحتفل بالجمال الأشقر، وثقافة اليوم.
- احترام ثقافة الآخر ومشاعره
في صناعة كانت إلى عهد قريب تعتمد على النخبوية، وعلى مفاهيم جمالية تقليدية، أصبح التغيير ضرورة يُحركها جيل جديد يؤمن بأن التنوع والاختلاف واقع لا يجب تجاهله. ورغم أن العملية لا تزال في بدايتها، فإن من لا يحترم قواعدها الجديدة يدفع الثمن غالباً.
أكبر دليل على هذا ما تعرضت له كل من «غوتشي» و«برادا» و«دولتشي آند غابانا» من هجمات في نهاية العام الماضي. هذه الأخيرة عندما صورت حملة دعائية أثارت حفيظة الصينيين، كانت عبارة عن حملة إعلانية ظهرت فيها نجمة صينية في كامل أناقتها وهي تتناول السباغيتي بعيدان الأكل، وهو ما اعتبره الصينيون إهانة لتقاليدهم وانتقاصاً منهم. الشيء نفسه تعرضت له «غوتشي» عندما طرحت كنزة صوفية بياقة عالية تغطي نصف الوجه، تتخللها فتحة واسعة مرسومة على شكل شفاه مكتنزة، فسرها البعض على أنها تلميح لوجه «زنجي». فسارعت الدار الإيطالية بسحب التصميم من كل محلاتها ومواقعها الإلكترونية مباشرة. ومع ذلك، لم تسلم من الانتقادات ومن تهديدات المقاطعة إلا بعد تعيينها المصمم دابر دان، كمستشار لها لتلافي الوقوع في أخطاء مماثلة. وفي تغريدة لدابر دان، الذي كان واحداً من الذين قادوا الحملة ضد غوتشي في البداية، كتب: «لا يمكن أن يكون هناك احتضان للاختلاف من دون محاسبة». ومن جهتها، تعرضت «برادا» لهجمة مماثلة بسبب تزيينها واجهات محلها بنيويورك بتماثيل صغيرة لها شفاه مكتنزة ذكرت البعض بالصورة التي كان يرسمها العنصريون لوجوه الأفارقة في الماضي. كل هذه المطبات لم تعد تمر مرور الكرام، فالأعين بالمرصاد، وما كان يعتبر استقاء من مناهل ثقافات أخرى، أصبح يُفسر على أنه انتحال فني وأدبي يجب أن يُدفع ثمنه. المكسيك، مثلاً، اتهمت مؤخراً دار الأزياء «كارولينا هيرّيرا» بالانتحال الثقافي لاستخدامها رسوماً منسوخة من تراث الشعوب الأصلية المكسيكية ظهرت في مجموعة أزيائها الأخيرة. كما أن دار «لويس فويتون» الفرنسية سبق لها أن تعرّضت لتنبيهات وانتقادات من السلطات المكسيكية لاقتباساتها المتكررة من تراث الشعوب الأصلية في المكسيك لتصميم منتوجاتها من الحقائب الجلدية من دون أن يستفيد السكان الأصليون من أي شيء. وفي أواخر العام الماضي، قررت دار «نايكي» (Nike) سحب أحد أحذيتها من السوق، بعد أن احتجت مجموعة «Guna» للسكان الأصليين في باناما على «سرقة» تصميم الحذاء من رسوم «Mola» التي تعتبر جزءاً من تراثها الفولكلوري.
وتجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة والمنظمة العالمية للملكية الفكرية تنشطان منذ عامين في التفاوض حول اتفاقية دولية لحماية التراث الثقافي التقليدي، وتنظيم الاستفادة من محتواه لأغراض تجارية. ويعود ذلك بشكل أساسي للصحوة التي شهدتها الشعوب الأصلية في العقود الثلاثة المنصرمة، وما رافقها من وعي بأهمية تراثها وحقها في الدفاع عنه، وما نشأ عن ذلك من اتفاقات ومعاهدات دولية.
الطريف أن هذا لم يكن يخطر على بال أحد قبل 2010. فجون غاليانو قدم في عام 1997 تشكيلة مستوحاة بشكل كبير من ثقافة الهنود الحمر. ولم يرها النقاد انتحالاً لثقافتهم، حيث تركز الانتقادات على كونها مسرحية وصعب ترويضها وبيعها بسهولة. لكن شتان بين ذلك العهد وما تعاني منه بيوت أزياء كثيرة من انتقادات سلبية. ومن بين ضحايا هذه الانتقادات كل من «فكتوريا سيكريت» في عام 2012، و«جيفنشي» في عام 2015، ومارك جايكوبس في عام 2016، وحتى «ديور» في بداية هذا العام، عندما اضطرت إلى سحب حملتها الترويجية لعطر «سوفاج» التي كانت من بطولة النجم جوني ديب؛ جريمتها أنها استعملت رقصة خاصة بالهنود الحمر رآها البعض إهانة لهم.
ولا يختلف اثنان على أن الجيل الجديد من الزبائن وراء أغلب هذه الحركات. سلاحهم هو وسائل التواصل الاجتماعي التي يُتقنونها جيداً. أما دافعهم فهو تصحيح أوضاعاً يروون أنها لم تكن «أخلاقية»، لتتعالى أصواتهم مطالبة بموضة مستدامة تحترم البيئة والإنسان على حد سواء. فحتى عام 2016، كانوا يعبرون عن استيائهم وسخطهم، لكن لم يكن يصل بهم الحد إلى المقاطعة، بدليل أن الثنائي «دولتشي أند غابانا» صرحا من قبل بتصريحات مثيرة للجدل، و«فكتوريا سيكريت» كانت أيضاً تثير كثيراً من الاستياء بسبب طريقتها في تسويق المرأة، ومع ذلك لم تتأثر مبيعات أي من هذه البيوت إلا مؤخراً؛ «فكتوريا سيكريت» ألغت عرضها الأخير.
- الدور الإيجابي للإنترنت
انتعاش الإنترنت فتح الأبواب على مصراعيها أمام مصممين شباب ليست لديهم إمكانيات كبيرة لافتتاح محلات أسمنتية. بعضهم حقق نجاحاً كبيراً بتفاعله مع الزبون مباشرة، سواء تعلق الأمر بالأزياء أو الأكسسوارات أو مستحضرات التجميل. ولأن مصاريفهم أقل، كان بإمكانهم أن يوفروا منتجات جيدة بأسعار أقل من تلك التي تقدمها الأسماء الكبيرة التي لها محلات، لا سيما في ظل عزوف كثير من زبائن الجيل الجديد عن هذا المحلات، واقتصارهم على التسوق الإلكتروني. وربما يكون هذا هو العقد «الأسود» بالنسبة للمحلات ومجمعات التسوق الضخمة التي ازدهرت في ثمانينات القرن الماضي.
ويبدو أن الزبون نفسه الذي فرض فكرة التسوق الآني، أي «البيع بعد العرض مباشرة»، وفرض الموضة المستدامة والأخلاقية والمحتشمة، هو أيضاً من فرض فكرة أن تتحول محلات التسوق إلى أماكن تُوفر الترفيه والمتعة. لم يعد افتتاح محل ضخم وأنيق كافياً لجذبه، بل يجب أن يترافق مع فعاليات وإغراءات أخرى، مثل أن يكون هناك تفاعل أكبر وتسهيلات أكثر، إلى جانب حصوله على ذلك الإحساس بأنه مهم وله صوت مسموع.
- انتعاش منتجات التجميل
سيسجل تاريخ الموضة أنه في هذا العقد ولدت مليونيرات التجميل، مثل كايلي جينر وهدى قطان؛ الأخيرة بدأت برموش مستعارة وتوسعت إلى مستحضرات التجميل لتصبح مليارديرة. قوتها تكمن في أنها بدأت كإنفلونسر تُعلم كيفية وضع الماكياج على الإنستغرام، أتبعتها بقناة على يوتيوب خاصة بها. بدورها، حققت كايلي جينر ثروة طائلة من وراء منتجات روجت لها هي شخصياً على وسائل التواصل الاجتماعي. ولا شك أن مدوني التجميل من الإنفلونسرز، وأغلبهم من فناني التجميل، استفادوا من هذه العملية. أرقام المبيعات بدورها تؤكد أنه كان لهم مفعول السحر على بعض هذه الماركات، وهو ما لا يمكن قوله على الموضة التي لا تزال تتخبط بسبب عدم قدرتها على التمييز بين المؤثرين الحقيقيين والدخلاء. ما نجح فيه هؤلاء أنهم أخرجوا عالم التجميل من نخبويته، من خلال تقديمهم أسراراً عن كيفية وضع الماكياج كانت حكراً على النجوم. طرق سهلة تحول فتاة عادية جداً إلى فاتنة بعد كل جلسة ماكياج. ومما يُذكر في عام 2012، ظهور كيم كارداشيان في برنامجها الواقعي بوجه غريب، مخطط بألوان تتباين بين الداكن والباهت. وكانت هذه بداية انتشار أسلوب الـ«كونتورينغ» لتنحيف الوجه أو منحه التألق حسب الجزء الذي يتم التركيز عليه. بعد البرنامج، تحول إلى ظاهرة تُطبقها كل فتيات العالم. وكان لا بد أن تجعل شركات التجميل هذه الألوان المتدرجة عنصراً مهماً في كل مجموعة ماكياج تطرحها. وغني عن القول أن هذه الدروس سلطت الضوء على ماركات جديدة، وأنعشت أخرى قديمة مثل «بينيفت». بسرعة غيرت شركات التجميل وسائلها للتسويق والترويج ليتحول بعض الخبراء والإنفلونسرز إلى نجوم يوتيوب يؤثرون على مبيعات هذه الشركات، في حال اختاروا استعمال منتجاتها، طبعاً لقاء مبالغ طائلة جعلت بعضهم، خصوصا من تعدى عدد متابعيهم الـ100 ألف متابع، يتركون وظائفهم ويتفرغون للعمل كإنفلونسرز.
- الموضة المستدامة أصبحت واقعاً
قبل عام 2013، كان صناع الموضة يتكلمون على الاستدامة والموضة الأخلاقية كثيراً، لكن أفعالهم كانت تقول عكس ما يقولون، إلى أن حصلت كارثة «رانا بلازا». معمل بداكا أودى بحياة أكثر من ألف شخص كانوا يعملون لصالح شركات عالمية في ظروف صعبة جداً، وبرواتب لا تسد حاجتهم.
النيران التي اندلعت فيه كانت إيذاناً بضرورة التغيير الفعلي، فقد انكشف المستور ولم يعد بإمكان الماركات العالمية في باريس أو ميلانو أن تتغاضى عن الأمر أو تُبرره، كما تغيرت النظرة إلى الموضة الجاهزة الرخيصة التي تطرحها محلات بأسعار رخيصة. لأول مرة، بدأت النقاشات حول من يُنفذونها ويدفعون ثمن أسعارها الزهيدة من حياتهم. انشغلت وسائل التواصل، وأثيرت حفيظة الجيل الجديد من الزبائن، وبدأت مطالبهم بتغيير الوضع جذرياً، وتهديداتهم بمقاطعة أي علامة لا تحترم هذه المطالب. ولأول مرة، انتقلت النقاشات إلى قاعات أصحاب القرار من الرؤساء التنفيذيين. بات عليهم تحمل المسؤولية، وتبني طرق إنسانية جديدة. ومع مرور الوقت، توسعت هذه النقاشات لتشمل تأثيرات الموضة على البيئة والتغيرات المناخية، ومدى تأثيراتها على مستقبل الكون. في قمة المناخ عام 2015، وصلت هذه النقاشات ذروتها بعد قرار الأمم المتحدة الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وإلزام الحكومات بالعمل المناخي في قمة المناخ.
غيرت كل من «إل في إم إتش» و«كيرينغ» طرقها في التعامل مع الموضة، واعتذرت دار «بيربري» على إتلافها سنوياً فائضاً يقدر بنحو 40 مليون دولار من منتجاتها. ورغم أن البعض غير مقتنع تماماً بهذه الخطوات، على أساس أن تبني الموضة المستدامة من قبل المجموعات الكبيرة ما هو إلا عملية تسويقية جديدة، فإنها فعلاً بدأت تتحرك باتجاه صحيح، وإن بخطوات بطيئة. في عام 2017، أعلنت دار «غوتشي» توقفها عن استعمال الفرو في تصاميمها، لتليها بيوت أخرى كثيرة، مثل شانيل وبيربري، وهلم جرا.
2020 سيكون عام التحديات بالنسبة لصناع الموضة، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. والسؤال المطروح حالياً هو: كيف ستواجه هذه التحديات من دون أن تتأثر أرباحها؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

لمسات الموضة جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

خلال ثماني سنوات تغيَرت أمور كثيرة في حياة ميغان ماركل، إلا تعاملها مع إطلالاتها وأزيائها كرسائل مبطنة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

درجات التراب والرمل والذهب، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال وانعكاسات الضوء

جميلة حلفيشي (لندن)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هل خضعت أنجلينا لتدخلات تجميلية أم لا؟ هذا هو السؤال (خاص)

أنجلينا جولي وعيناها... هل خضعت النجمة للتجميل؟

تبلغ أنجلينا جولي اليوم 50 عاماً، وبالتالي من الطبيعي أن تتغير ملامحها، إضافة إلى ظروفها الشخصية والضغوط التي رافقت سنوات ما بعد انفصالها عن النجم براد بيت.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الفوز بالجائزة ليس مادياً فحسب بل هو مفتاح للتعرف على أسماء كبيرة في مجالات إبداعية شتى (فاشن ترست أرابيا)

خاص جوائز الموضة العربية... بوابة نجاح أم مجرد حافز مؤقت؟

تجربة الراحل إيف سان لوران خير دليل على أن الموهبة تحتاج إلى دعم. فهل كان بإمكانه أن يبلغ ما بلغه من مجد لولا مشاركته في مسابقة الصوف الدولية وتألقه فيها؟

جميلة حلفيشي (لندن)

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.


درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
TT

درجات التراب والرمل تُلوِّن خزانة الرجل هذا الموسم

من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)
من اقتراحات «هوكرتي» للرجل..تفصيل على المقاس من عقر بيتك (هوكرتي)

«لوروبيانا»، «زينيا»، «برونيلو كوتشينيلي» و«هوكرتي» وغيرها من بيوت الأزياء، اتجهت هذا الموسم نحو لوحة فنية مستوحاة من التراب والرمل والذهب، في رسالة واضحة: أناقة هادئة تحلّ محل خزانة كانت، حتى عهد قريب، أسيرة ألوان كلاسيكية داكنة.

في مجموعة «لورو بيانا» لربيع - صيف 2026، مثلاً يبرز اللون كخيطٍ يربطها بقصر تشيتيريو في ميلانو، المكان الذي اختير لتصويرها وتقديمها. لم يكن اختيار الدار الإيطالية عشوائياً؛ فإلى جانب ما يزخر به من أعمال فنية، شكَّل خلفية مناسبة للتدرجات اللونية التي سادت مجموعة مستلهَمة من بساطة فنون «المينيماليزم» و«آرت بوفيري»، وكل ما يحتفي بما هو طبيعي كقيمة جمالية. وهكذا جاءت التوليفات اللونية غنية بالدرجات الترابية والرملية الذهبية المشرقة، إلى جانب درجات باستيلية أخرى.

فدرجات التراب والرمل والذهب، كما تؤكد عروض الأزياء، لها سحر خاص، لأنها ليست لوناً واحداً، بل عشرات الاحتمالات، يتغيَّر كل واحد منها حسب النسيج والكثافة وطريقة الانسدال على الجسد، مما يُدخلها خانة السهل الممتنع. فتنسيقها مع ألوان أخرى، حتى وإن كانت صارخة، لا ينتقص من جمالها، كما يمكن اعتماد تدرّجاتها ضمن إطلالة موحدة من الرأس إلى أخمص القدم.

من اقتراحات دار «لورو بيانا» لربيع وصيف 2026 (لورو بيانا)

«برونيلو كوتشينيلي» و«زينيا» و«سان لوران» و«هوكرتي» هي الأخرى تفننت هذا الموسم في توظيف هذه الدرجات، مستهدفةً رجلاً أنيقاً يسعى للانطلاق والتحرُّر من أي قيود قد تحدّ من خياراته؛ فهدوء الألوان لم يقتصر على اللوحة البصرية فحسب، بل امتدّ إلى التصاميم أيضاً، حيث تم تنعيم الأكتاف والتخفيف من سماكة ووزن السترات، بالاستغناء أحياناً عن التبطين. وهكذا تكتسب في الصيف خفة تتنفس عبر خيوط الكتان والقطن، وفي الشتاء عمقاً ودفئاً، حين تُنسج بالصوف والكشمير.

بداية التسلل

من الصعب تحديد الموسم الذي اقتحمت فيه الألوان الترابية والحيادية خزانة الرجل، لأن الأمر لم يكن انقلاباً مفاجئاً، بقدر ما كان تسللاً تدريجياً. لكن يمكن تعقُبه إلى السبعينات، وتحديداً بعد فيلم «ذي أميركان جيغولو» الذي تألق فيه النجم ريتشارد غير بتصاميم الراحل من جيورجيو أرماني. كان هذا بداية التغيُّر الواضح. ولا يزال أرماني يُعدّ أكثر مصمم منح هذه الدرجات شعبيتها، وأدخلها خزانة الرجل لتُصبح مع الوقت منافساً قوياً للألوان التقليدية، مثل الكُحلي والرمادي والأسود والأزرق. هذا لا يعني أن هذه الدرجات اختفت تماماً؛ فقد كانت ولا تزال بالنسبة لدار «جيورجيو أرماني»، كما لشريحة كبيرة من الرجال، عنواناً للأناقة الجدية وترمز للانضباط في أماكن العمل والمناسبات المهمة.

من اقتراحات دار «سان لوران» لربيع وصيف 2026 (سان لوران)

كل ما في الأمر أن العالم الذي روَّج لتلك الألوان لم يعد قائماً بالكامل؛ فمنذ جائحة «كورونا»، تلاشت الحدود بين العمل والحياة، وبين الرسمي واليومي، وبدأت علاقة جديدة بين الرجل ومظهره تراجعت فيها الألوان القاتمة لصالح درجات الرملي والزيتوني والوردي المطفي والأصفر المستردي وما شابه من ألوان باستيلية وجدت صدى طيباً في أوساط الشباب من متابعي الموضة، لا سيما أن بيوت أزياء مهمة، مثل «سان لوران» و«جيورجيو أرماني» قدمتها بأشكال أنيقة وجذابة.

الألوان ترابية والقصات إيطالية

بيد أنها لدى بعض بيوت الأزياء تبدو أقوى من ناحية الاستمرارية والكثافة. مجموعات «لورو بيانا» أكبر دليل على هذا؛ إذ تبدو فيها هذه الدرجات أكثر حضوراً ومصداقية، كونها جزءاً من هوية الدار الإيطالية، تعود إليها في كل موسم على أساس أنها امتداد للطبيعة، كونها غالباً ما تكون مستمَدّة من الصوف غير المدبوغ، ومن الحجر والجدران والصنوبر والضوء.

أسلوب الطبقات والأقمشة المبتكرة كان لها حضور قوي في هذه التشكيلة إلى جانب الألوان الترابية والرملية(زينيا)

بيد أن سحر هذه الألوان مسّ معظم بيوت الأزياء التي تُعتبر وجهة الرجل الذي يتوخى أناقة تشي بالوجاهة والتفرد، مثل «زينيا». مجموعتها الأخيرة لربيع وصيف 2026 تتمتع ببُعد حيوي استُخدِمت فيه هذه الألوان كخيار جمالي وسردي لتحكي قصتها التاريخية مع الفخامة الهادئة من جهة، ومع تقنيات تطوير الأقمشة التي لا تتوقف عن البحث من جهة أخرى. في سعيها لمنح الرجل حرية وخفة، اعتمدت على تفكيك كل قطعة من تفاصيلها الكلاسيكية وإعادة صياغتها بأسلوب يجمع الكاجوال بالكلاسيكي؛ إذ خفّف مديرها الإبداعي، أليساندرو سارتوري، من سُمك ووزن الأقمشة، وجعل الخطوط أكثر انسيابية، كما جعل الأكتاف أقل صرامة تنسدل قليلاً عن الخط المرسوم لها تقليدياً، والجيوب واضحة وكبيرة. الجلود أيضاً اكتسبت خفة غير مسبوقة توازي خفة الحرير. أما الحرير فتجسَّد في بدلة متكاملة بوزن لا يتجاوز 300 غرام.

في دبي حيث عُرِضت هذه المجموعة، أكّد المصمم سارتوري أن هذه الألوان ليست جديدة على الدار أو وليدة موسم بعينه «بل شكَلت دائماً جزءاً أصيلاً من هويتها»، مستشهداً بتشكيلات سابقة. وأضاف أن الجديد في هذه المجموعة يكمن في التصاميم والتفاصيل التي أضفت عليها بُعداً أكثر تحرراً وانطلاقاً.

من مجموعة «برونيلو كوتشنيللي» ربيع وصيف 2026 (برونيلو كوتشينلي)

منتعشة صيفاً... دافئة شتاء

هذه الخفة، إلى جانب الخطوط الانسيابية والابتعاد عن التكلُّف، كانت أيضاً سمة من سمات مجموعة «برونيلو كوتشينلي»، كما يشير عنوانها: «ملامح الضوء». ركَّزت في تصاميمها على التباين والانسجام بين القطع، حيث جاءت سترات «بلايزر» بقصات أطول بقليل من المعتاد، والسراويل منسدلة بنعومة بفضل طيات خفيفة تحت منطقة الحزام. للمساء، اقترحت سترات بياقات تأخذ شكل شال، نسقتها مع كنزات دُمج فيها الحرير بالقطن. غني عن القول إن الألوان جاءت بدرجات ترابية تنبض بصمت. حتى درجات البرتقالي والمشمشي والأزرق الملكي والمرجاني اكتسبت هدوءاً مهيباً، في حضرة الأبيض والدرجات الحيادية الأخرى.

من تصاميم «هوكرتي»..يختار الرجل كل التفاصيل بنفسه من ألوان القماش إلى نوعية الأزرار وشكل الجيوب والياقات (هوكرتي)

لم تخرج علامة «هوكرتي» عن السرب، واعتمدت بدورها على الألوان الهادئة، مؤكدة أن ألوان الطبيعة لا تتعارض مع حياة الرجل في المدن الصاخبة. في مجموعتها الأخيرة، اختارت لها «إيرث أند باستيل» أي الأرض والباستيل، عنواناً، للدلالة على تلك العلاقة الحميمة بين الرجل عموماً والأرض.

ما تجدر الإشارة إليه أن «هوكرتي» ليست كباقي بيوت الأزياء التي تقترح في كل موسم ملابس جاهزة؛ فهي أقرب إلى خياطي «سافيل رو» اللندني، لكن بروح وأدوات عصرية وأسعار مقدور عليها؛ فكل قطعة تقترحها يمكن تفصيلها على المقاس، ولا يحتاج صاحبها سوى إلى إدخال معلومات بسيطة على موقعها الإلكتروني، واتباع تعليمات سهلة وبسيطة، تبدأ باختيار القماش ونوعية الأزرار وألوان الخيوط وعدد الجيوب وشكل الياقة وما شابه من تفاصيل، قبل إدخال مقاساته. وهكذا يتحكم صاحبها في كل غرزة وتفصيلة من دون أن يخرج من بيته. بعد أسبوعين أو ثلاثة، تصل إليه القطعة وقد فُصِّلت خصيصاً له على يد خياط بمهارة خياط من خياطي شارع النخبة، «سافيل رو».


سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
TT

سوق الجمال في الشرق الأوسط... تبتسم في وجه التحديات الاقتصادية والسياسية

لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)
لم تعد السوق السعودية تكتفي بدور المستهلك والمتفرج بل دخلت إلى العالمية على يد مؤسسات لعلامات تجميل مهمة (أستيري)

اختُتمت فعاليات معرض كوزموبروف وورلدوايد بولونيا 2026، مؤكدة أن صناعة الجمال ستظل صامدة ومُشرقة حتى في أكلح أيام الركود. فالحاجة إلى طمأنة النفس والرفع من معنوياتها، تُصبح أكثر إلحاحاً في أوقات الانكماش الاقتصادي وعدم اليقين السياسي، بحيث قد لا تحتاج سوى لأحمر شفاه أو قصة شعر مختلفة. المصمم الراحل إيف سان لوران كان له أيضاً رأي في هذا الصدد حين قال: «أجمل ماكياج للمرأة هو الحب، لكن الحصول على مستحضرات تجميل أسهل بكثير».

حضور مكثف هذا العام في المعرض (كوزموبروف)

نسخة هذا العام من المعرض اجتهدت في ترسيخ هذا الأمر بوصفه حقيقة، بالأرقام والدلائل، التي أثبتت أن قطاع الجمال والتجميل، واحد من أكثر القطاعات ديناميكية في صناعة الترف. كل التوقعات تشير إلى أنه يشهد نمواً يُثلج الصدر على المستوى العالمي، من 635.2 مليار دولار في 2025 إلى 678.3 مليار دولار في 2026، على أن يصل إلى 826.1 مليار دولار بحلول 2029.

دور الشرق الأوسط

قطاع الجمال والتجميل أثبت صموده في وجه الأزمات (أستيري)

ولم تنس الفعالية أن تُبرز مكانة الشرق الأوسط باعتباره قوة دخلت هذه الصناعة بكل قوتها، وكيف أنه تجاوز دوره كونه سوقاً استهلاكية إلى منتج فعال. فهو يبرز حالياً بوصفه مركزاً يسهم في توجيه استراتيجيات التوزيع وتطوير المنتجات وصياغة توجهات المستهلكين على المستوى العالمي. هذا عدا عن ظهور علامات ناجحة لمؤسسات سعوديات مثل سارة الراشد، مؤسسة علامة «أستيري» ويارا النملة مؤسسة علامة «مون غلايز»، إضافة إلى مبدعات وسيدات أعمال أخريات مثل هدى قطان وشقيقتها منى قطان وغيرها من العلامات التي تخطت الحدود العربية للعالمية.

علامات سعودية مثل «أستيري» لمؤسستها سارة الراشد تُطوِر نفسها ومنتجاتها دون توقف (أستيري)

من هذا المنظور، ليس غريباً أن يُسجل المعرض هذا العام ارتفاعاً بنسبة 23 في المائة في مستويات الاهتمام من المنطقة، تجسّدت في مشاركة 33 جناحاً وطنياً، من بينها مشاركات جديدة تقودها المملكة العربية السعودية، في مؤشر يعكس مكانتها المتصاعدة ضمن مشهد الجمال العالمي.

هذا التنامي، جعل النقاشات في هذه الدورة، تُخصص حيِزاً كبيراً للأسواق الإقليمية عموماً، والشرق الأوسط خصوصاً، لتسليط الضوء على دورها في التأثير، وكيف ساهمت في تطوير علامات تجارية وتموضعها وتوسعها عالمياً.

هناك تزايد وإقبال كبير على مستحضرات العناية بالبشرة (أستيري)

منتجات العناية بالبشرة تتصدر المشهد العالمي باعتبارها أكبر فئة، مع توقعات بتجاوز 198 مليار دولار بحلول 2028، فيما تُعد العطور من أسرع الفئات نمواً بنسبة 9.2 في المائة بين 2025 و2026، تليها مستحضرات الماكياج بنسبة 6.8 في المائة، ومنتجات الوقاية من الشمس بنسبة 7.8 في المائة. كذلك يتوقع أن تتجاوز سوق العناية بالشعر 116 مليار دولار بحلول 2028 بمعدل نمو 6.6 في المائة، فيما ينمو قطاع العناية الرجالية بنسبة 7.1 في المائة.