حركات نسوية وتغيرات اقتصادية واجتماعية غيرت وجه الموضة إلى الأبد

العقد الذي فرضت فيه المرأة الشرقية أسلوبها والجيل الصاعد ميوله الإنسانية

قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»
قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»
TT

حركات نسوية وتغيرات اقتصادية واجتماعية غيرت وجه الموضة إلى الأبد

قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»
قبل ماريا غراتزيا تشيوري في دار «ديور» قام الراحل كارل لاغرفيلد بثورة نسوية عام 2015 في «لوغران باليه»

أحداث كثيرة شهدها عام 2019، من موت كارل لاغرفيلد إلى انضمام المغنية ريهانا إلى مجموعة «إل في إم إتش» كمصممة في بادرة غير مسبوقة، وما شابه من أمور.
لكن سنة واحدة غير كافية لتحديد مسار الموضة ونحن نحتفل بنهاية عقد وبداية آخر، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن العقد الأخير شهد أحداثاً درامية غيرت وجه الموضة إلى الأبد. وهذا يعني أنه يمكن القول إن عالم الموضة، بحلول عام 2020، سيدخل عهداً جديداً تُكتب فصوله منذ عام 2010، ولا تزال نهايته غير مكتملة تماماً. فخلال هذه السنوات العشر، وُضعت أساسات مفهوم الاستدامة وحماية البيئة والمناخ واحتضان التنوع بكل أشكاله وأحجامه وألوانه، إلى جانب تغيير النظرة إلى الأناقة ككل من خلال تعاملنا معها من زاوية لا تحركها الرغبة في الاستهلاك أو التباهي بقدر ما تحركها رغبة إنسانية حقيقية تفكر في الآخر وفي مستقبل الأجيال القادمة.
- هيمنة الأسلوب «السبور»
من أهم ما شهده العقد الأخير هيمنة الأسلوب «السبور» على منصات وشوارع الموضة. فمنذ ظهوره بداية هذا العقد وهو يرفض أن يبقى سجين الملاعب والنوادي الرياضية. كانت الموضة بدورها تتوق إلى التغيير، لهذا فتحت له الأبواب على مصراعيها ليدخل منها باسم الراحة والانطلاق. ومع ظهور كيني ويست ومصممين من أمثال فيرجيل أبلو، مصمم علامة «أوف وايت»، جاء الأسلوب السبور ليكون مضاداً حيوياً للموضة التقليدية كما كنا نعرفها لعقود. المغني كيني ويست لم يقدم شيئاً ثورياً من حيث الابتكار؛ كل ما قام به أنه غير تلك العلاقة التي كانت تربط المشاهير بصناع الموضة. لم يعد النجم مجرد متلقٍ يستعرض ما تمليه عليه الموضة، بل فرض أسلوبه الخاص، رغم غرابته أو خروجه عما ألفته العين. بداية هذا العقد، ربط علاقة تعاون مع المصمم الإيطالي ريكاردو تيشي، مصمم دار «جيفنشي» آنذاك، وظهر في مجموعة جريئة من تصاميمه، مثل «تي-شيرتات» وبنطلونات جينز تباع بمئات الدولارات، إن لم نقل الآلاف. نجاح هذه العلاقة كانت إشارة إلى أن الوقت كان جاهزاً لاستقبال نوع جديد من المصممين، من أمثال فازاليا ديمنا مصمم «فيتمون»، وفيرجل أبلو مصمم «أوف وايت» الذي تعامل مع كيني ويست، ويقال إن هذا الأخير كان له فضل كبير في تعريف العالم به. تصاميمهما، أي ديمنا وأبلو، كانت صادمة في بعض الأحيان، لكنها كانت معاصرة تنبض بروح الشارع. وربما لها السبب لم يُثر تعيين دار «لويس فويتون» لفيرجل أبلو مصمماً لقسمها الرجالي كثيراً من الاستغراب، خصوصاً أنه سبق للدار أن تعاونت مع المغني كيني ويست في عهد مارك جايكوبس، بطرحها مجموعة أحذية رياضية بأسعار نارية وجدت هوى في نفوس الشباب، وأكدت أن الوقت قد آن لتغيير دفة الموضة باتجاه يعانق ثقافة الشارع، ويحقق المعادلة الصعبة بين الأنيق والمريح. وتوالت التعاونات، ومعها أحذية رياضية بأشكال وألوان متنوعة تصب كلها في الخانة والهدف نفسيهما. وتعاونت دار «ألكسندر ماكوين» مع «بوما»، والمصمم يوجي ياماموتو مع «أديداس»، وكثير من المصممين الآخرين أكدوا استعدادهم للنزول عند رغبة الشارع، فحتى من لم تكن لهم رغبة في دخول الميادين «السبور» انتبهوا إلى أن عليهم أن ينزلوا من أبراجهم العالية إلى الشارع.
انتبهوا أيضاً إلى أن القرارات لم تعد بأياديهم؛ أي أنهم لم يعودوا هم من يؤثرون على ذوق المستهلك، بل أصبح هذا الأخير هو من يفرض ذوقه عليهم. وتجدر الإشارة إلى أن حركة مماثلة ولدت في السبعينات من القرن الماضي، ومن الشارع أيضاً، ألا وهي حركة «البانكس». الفرق بينها وبين الحركة المعاصرة أن هذه الأخيرة يقودها شباب يطالبون بتبني التنوع وتقبل الآخر، بدءاً من لونه إلى ثقافته، وليس فقط التمرد على المتعارف عليه من تابوهات اجتماعية.
- المرأة العربية تفرض نفسها
يمكن القول إن هذا العقد هو الذي فرضت فيه المرأة العربية نفسها على ساحة الموضة. فرغم أنها كانت من أهم زبونات «الهوت كوتير» منذ سبعينات القرن الماضي، ويُرد لها فضل كبير في الإبقاء على هذا الجانب منتعشاً حياً لسنوات، إلا أنها لم تأخذ حقها كاملاً. كانت تُعتبر مجرد مستهلكة تصرف أموالاً طائلة من دون أن يكون لها رأي أو ذوق خاص. كل هذا تغير، وبشكل واضح، من خلال ربط الموضة معها علاقة تفاعلية مبنية على الاحترام، بعد أن كانت مجرد مونولوج. دار «شانيل» عبرت عن هذا الاحترام بإقامة عرضها الخاص بـ«الكروز» عام 2015 لأول مرة في بلد عربي (دبي)، وهذا العام بإقامة دار «ديور» عرضها من الخط نفسه في مدينة مراكش المغربية، بيد أن التأثير الأكبر تجلى فيما أصبح يُعرف بـ«موديست فاشن». أسلوب يتميز بياقات عالية وأكمام طويلة وفساتين أو تنورات تتراوح بين «الميدي» و«الماكسي»، حتى الرأس أصبحت له أكسسواراته المبتكرة التي تتراوح بين إيشاربات الحرير الملفوفة بأشكال مبتكرة والعمامات العصرية.
البعض يُرجع هذه الظاهرة إلى الأحداث السياسية والاجتماعية التي تشهدها المنطقة ككل، بينما يُرجعها البعض الآخر إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وصور شابات من المنطقة العربية بملابسهن المحتشمة وأكسسواراتهن الغالية الثمن وهن يتجولن في شوارع لندن أو لوس أنجلوس أو باريس. لم تعد الصورة ترتبط بالجانب الديني، بل تعكس جانباً ثقافياً ظل متجاهلاً يعاني طويلاً من النمطية. لا يختلف اثنان أيضاً على أن الأزمة الاقتصادية العالمية كان لها تأثيرها. فالجيل الجديد من زبونات الشرق الأوسط عارفات ومتذوقات للموضة مثل أمهاتهن، لكن على العكس من أمهاتهن يسألن عن كل صغيرة وكبيرة، ولا يقبلن بأن يكن مجرد مستهلكات. بعبارة أخرى، أصبح لهن صوت يتوقعن أن يسمعه المصممون جيداً، وإلا فإن السوق يزخر بغيرهم. أغلب بيوت الأزياء العالمية أنصتت، وركبت موجة الاحتشام، بدءاً من «فالنتينو» و«غوتشي» إلى «شانيل» و«بيربري» و«دولتشي أند غابانا» وكارولينا هيريرا، وهلم جرا. وحتى من لم يركبها علانية، اعتمد على أسلوب الطبقات المتعددة.
فمن كان يتصور منذ عقد من الزمن أن تتصدر صور محجبات أغلفة مجلات عالمية مثل «فوغ»، أو أن تصبح حليمة آيدن، وهي فتاة مسلمة محجبة، واحدة من أهم عارضات الأزياء في العالم؟ لم تقتصر هذه الموجة على الغرب، ففي الشرق ظهرت عدة مواقع تسوق إلكترونية تستغل الإقبال العالمي على هذا الأسلوب، مثل موقع «ذي موديست دوت كوم» الذي انطلق في دبي، مُسوقاً إطلالات تلعب على جمال الطبقات المتعددة لخلق صورة مفعمة بالجمال والحشمة. واللافت أن السوق الأولى للموقع هي السوق الأميركية، حسب قول غزلان غينيز، مؤسسة الموقع، وهو ما يؤكد أن هذه الظاهرة أصبحت عالمية لا تقتصر على المرأة العربية أو المسلمة فحسب.
فرغم أن السوق الصينية لا تزال الأقوى، من حيث عدد سكانها وإمكانياتهم التسوقية، فإنه من الخطأ الاستهانة بالمنطقة العربية، بحسب تقرير الاقتصاد الإسلامي العالمي، الذي أعدته وكالة «رويترز»، بالتعاون مع «دينار ستاندرد»، وأفاد بأن المسلمين أنفقوا ما يقدر بنحو 243 مليار دولار على الأزياء في عام 2015، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 368 مليار دولار في عام 2021؛ أي بزيادة قدرها 51 في المائة عن عام 2015.
البعض قرأ هذه الدراسة بشكل حرفي، ونهل من موروثات الشرق بشكل أثار كثيراً من الجدل، مثل الثنائي الإيطالي «دولتشي أند غابانا» عندما طرحا مجموعة عباءات في عام 2015، رأى فيها البعض تودداً ميكيافيلياً مبالغاً فيه، من دون تقديم أو إضافة أي جديد. لكن على العكس من «دولتشي أند غابانا»، اكتفى مصممون آخرون، مثل فيبي فيلو مصممة دار «سيلين»، و«إرديم» و«ديور» و«شانيل» وغيرهم، بإبداع تصميمات تجمع الحشمة بالأناقة العصرية، لتصبح التيار الرئيسي المميز للعقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.
- الحركة النسوية
تزامنت هذه الموضة «المحتشمة» مع حركة نسوية جديدة قادتها المرأة من خلال حملة «#مي تو» ضد التحرش الجنسي والتمييز في أماكن العمل. ففي ظل فترة تسودها حالة من التوتر، ورغبة المرأة في استرداد حقوقها وفرض نفسها من جديد، أصبحت التصاميم التي تخفي تفاصيل الجسد بمثابة دروع تحتمي بها. هذا إلى جانب تمردها على ثقافة تلفزيون الواقع، فكلما انتشرت صور فضح كل لحظة حميمة وكل جزء من الجسد للاستهلاك العام، جاءت ردود أفعال مضادة تطالب بالعكس. وأكثر من قاد هذه الحركة النسوية المصممة الٍإيطالية ماريا غراتزيا تشيوري، مصممة دار «ديور».
- تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
لا يختلف اثنان على قوة وسائل التواصل الاجتماعي في هذا العقد. فقد غيرت لغة الموضة، ومعها طريقة الشراء والاستهلاك. ما قامت به هذه الوسائل أنها فككت قوة المؤسسات الكبيرة التي كانت تعتمد على الإعلانات لفرض سطوتها على الذوق العام، كما غيرت طرق البيع والشراء تغييراً جذرياً. فبعد أن وضعت المؤسسات الكبيرة في مأزق، لم تجد هذه الأخيرة حلاً سوى تخصيص جزء لا يستهان به من إعلاناتها للمواقع الإلكترونية، وأيضاً لشراء ود وآراء المؤثرين، بعد أن كانت تقتصر على المجلات والصحف. أما بالنسبة للبيع، فقد بدأت ظاهرة الشراء مباشرة بعد العرض، عوض الانتظار 6 أشهر قبل طرحها في الأسواق. فقد كشفت وسائل التواصل الغموض الذي كان يحيط بهذه العروض سابقاً، كما فتحت الأبواب أمام محلات مثل «زارا» وغيرها لأن تستنسخ تصاميم مشابهة تطرحها بسرعة، وبأسعار زهيدة بالمقارنة. فجأة، أصبح ما يقدمه المصممون على المنصات بعد عرض كلفهم عشرات، وأحياناً مئات، الآلاف من الدولارات، وأشهراً من التحضيرات، يبدو قديماً بعد وصوله إلى المحلات. ومن جانب آخر، ساعدت هذه الوسائل مصممين شباب في الوصول إلى العالمية، من دون أن يتقيدوا بقواعد اللعبة التقليدية، لا سيما منهم من دخلوا مجال البيع الإلكتروني. انتبهوا أنهم لا يحتاجون إلى الوجود في محلات أسمنتية لكي تباع بضائعهم أو يشتهرون، فالإنستغرام أو اليوتيوب يقوم بهذه المهمة على أحسن وجه.
نتيجة لهذا، كان من البديهي أن تنتعش مواقع التسوق الإلكترونية، مثل «نيت أبورتيه» و«ماتشز فاشن»، وأن يُصبح لكل دار موقع خاص بها، عدا عن ظهور منصات تسوق ضخمة، مثل «فارفيتش».
- الثقافة الشعبوية... بين السلبي والإيجابي
سحابة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تخيم على مصممي العالم. فلندن معروفة باحتضانها كل من تتوسم فيه الموهبة، وتفتح له أحضانها، بغض النظر عن جنسياتهم. الثقافة الشعبوية التي ظهرت مؤخراً والبريكست قد يدفعان بالبعض للعودة إلى بلدانهم أو تغيير مقرات أعمالهم. الصعوبات المرتقبة بالنسبة لهؤلاء لا تتعلق بتأشيرات الدخول والخروج أو الإقامة فحسب، بل أيضاً بالضرائب الجمركية على استيراد الأقمشة وعلى المعامل. فهذه قد تكلف هذا القطاع نحو 900 مليون جنيه إسترليني تقريباً.
بيد أنه، ومن ناحية أخرى، خصوصاً بالنسبة لمن يروون دائماً أن الفنجان نصف ممتلئ، فإن حركات الشعبوية خلفت ردود فعل إيجابية من ناحية إقبال أكبر على تقبل الآخر. فعندما تصدرت عارضة الأزياء أدوت أكيش أغلفة 5 نسخ من مجلة «فوغ» في شهر واحد هذا العام، كان الأمر تتويجاً لجهود أكثر من عقد من الزمن لإلغاء التمييز العنصري، ثم جاء موقع «بيزنيس أوف فاشن» ليؤكد هذه الحقيقة، عندما تصدرت أدوت غلاف مجلته التي تصدر سنوياً متضمنة لائحة بأسماء أكثر الشخصيات تأثيراً على الموضة. أديت أكيش لمن لا يعرفها لاجئة من أصول سودانية، أي أن لون بشرتها داكن، لهذا لم يكن يخطر على البال منذ أكثر من عقد أن تتصدر غلاف مجلة «فوغ» على الإطلاق، بدليل أن العارضة ناعومي كامبل اشتكت في بداية مشوارها إلى الراحل إيف سان لوران من أن النسخة الفرنسية من المجلة رفضت أن تتصدر غلافها بسبب لونها. فقط عندما تدخل مستغلاً قوته الإعلانية، حصلت على أول غلاف لها في المجلة. نظرة سريعة حالياً على حال الموضة تؤكد أن الفرق شاسع بين ثقافة الأمس التي كانت تحتفل بالجمال الأشقر، وثقافة اليوم.
- احترام ثقافة الآخر ومشاعره
في صناعة كانت إلى عهد قريب تعتمد على النخبوية، وعلى مفاهيم جمالية تقليدية، أصبح التغيير ضرورة يُحركها جيل جديد يؤمن بأن التنوع والاختلاف واقع لا يجب تجاهله. ورغم أن العملية لا تزال في بدايتها، فإن من لا يحترم قواعدها الجديدة يدفع الثمن غالباً.
أكبر دليل على هذا ما تعرضت له كل من «غوتشي» و«برادا» و«دولتشي آند غابانا» من هجمات في نهاية العام الماضي. هذه الأخيرة عندما صورت حملة دعائية أثارت حفيظة الصينيين، كانت عبارة عن حملة إعلانية ظهرت فيها نجمة صينية في كامل أناقتها وهي تتناول السباغيتي بعيدان الأكل، وهو ما اعتبره الصينيون إهانة لتقاليدهم وانتقاصاً منهم. الشيء نفسه تعرضت له «غوتشي» عندما طرحت كنزة صوفية بياقة عالية تغطي نصف الوجه، تتخللها فتحة واسعة مرسومة على شكل شفاه مكتنزة، فسرها البعض على أنها تلميح لوجه «زنجي». فسارعت الدار الإيطالية بسحب التصميم من كل محلاتها ومواقعها الإلكترونية مباشرة. ومع ذلك، لم تسلم من الانتقادات ومن تهديدات المقاطعة إلا بعد تعيينها المصمم دابر دان، كمستشار لها لتلافي الوقوع في أخطاء مماثلة. وفي تغريدة لدابر دان، الذي كان واحداً من الذين قادوا الحملة ضد غوتشي في البداية، كتب: «لا يمكن أن يكون هناك احتضان للاختلاف من دون محاسبة». ومن جهتها، تعرضت «برادا» لهجمة مماثلة بسبب تزيينها واجهات محلها بنيويورك بتماثيل صغيرة لها شفاه مكتنزة ذكرت البعض بالصورة التي كان يرسمها العنصريون لوجوه الأفارقة في الماضي. كل هذه المطبات لم تعد تمر مرور الكرام، فالأعين بالمرصاد، وما كان يعتبر استقاء من مناهل ثقافات أخرى، أصبح يُفسر على أنه انتحال فني وأدبي يجب أن يُدفع ثمنه. المكسيك، مثلاً، اتهمت مؤخراً دار الأزياء «كارولينا هيرّيرا» بالانتحال الثقافي لاستخدامها رسوماً منسوخة من تراث الشعوب الأصلية المكسيكية ظهرت في مجموعة أزيائها الأخيرة. كما أن دار «لويس فويتون» الفرنسية سبق لها أن تعرّضت لتنبيهات وانتقادات من السلطات المكسيكية لاقتباساتها المتكررة من تراث الشعوب الأصلية في المكسيك لتصميم منتوجاتها من الحقائب الجلدية من دون أن يستفيد السكان الأصليون من أي شيء. وفي أواخر العام الماضي، قررت دار «نايكي» (Nike) سحب أحد أحذيتها من السوق، بعد أن احتجت مجموعة «Guna» للسكان الأصليين في باناما على «سرقة» تصميم الحذاء من رسوم «Mola» التي تعتبر جزءاً من تراثها الفولكلوري.
وتجدر الإشارة إلى أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة والمنظمة العالمية للملكية الفكرية تنشطان منذ عامين في التفاوض حول اتفاقية دولية لحماية التراث الثقافي التقليدي، وتنظيم الاستفادة من محتواه لأغراض تجارية. ويعود ذلك بشكل أساسي للصحوة التي شهدتها الشعوب الأصلية في العقود الثلاثة المنصرمة، وما رافقها من وعي بأهمية تراثها وحقها في الدفاع عنه، وما نشأ عن ذلك من اتفاقات ومعاهدات دولية.
الطريف أن هذا لم يكن يخطر على بال أحد قبل 2010. فجون غاليانو قدم في عام 1997 تشكيلة مستوحاة بشكل كبير من ثقافة الهنود الحمر. ولم يرها النقاد انتحالاً لثقافتهم، حيث تركز الانتقادات على كونها مسرحية وصعب ترويضها وبيعها بسهولة. لكن شتان بين ذلك العهد وما تعاني منه بيوت أزياء كثيرة من انتقادات سلبية. ومن بين ضحايا هذه الانتقادات كل من «فكتوريا سيكريت» في عام 2012، و«جيفنشي» في عام 2015، ومارك جايكوبس في عام 2016، وحتى «ديور» في بداية هذا العام، عندما اضطرت إلى سحب حملتها الترويجية لعطر «سوفاج» التي كانت من بطولة النجم جوني ديب؛ جريمتها أنها استعملت رقصة خاصة بالهنود الحمر رآها البعض إهانة لهم.
ولا يختلف اثنان على أن الجيل الجديد من الزبائن وراء أغلب هذه الحركات. سلاحهم هو وسائل التواصل الاجتماعي التي يُتقنونها جيداً. أما دافعهم فهو تصحيح أوضاعاً يروون أنها لم تكن «أخلاقية»، لتتعالى أصواتهم مطالبة بموضة مستدامة تحترم البيئة والإنسان على حد سواء. فحتى عام 2016، كانوا يعبرون عن استيائهم وسخطهم، لكن لم يكن يصل بهم الحد إلى المقاطعة، بدليل أن الثنائي «دولتشي أند غابانا» صرحا من قبل بتصريحات مثيرة للجدل، و«فكتوريا سيكريت» كانت أيضاً تثير كثيراً من الاستياء بسبب طريقتها في تسويق المرأة، ومع ذلك لم تتأثر مبيعات أي من هذه البيوت إلا مؤخراً؛ «فكتوريا سيكريت» ألغت عرضها الأخير.
- الدور الإيجابي للإنترنت
انتعاش الإنترنت فتح الأبواب على مصراعيها أمام مصممين شباب ليست لديهم إمكانيات كبيرة لافتتاح محلات أسمنتية. بعضهم حقق نجاحاً كبيراً بتفاعله مع الزبون مباشرة، سواء تعلق الأمر بالأزياء أو الأكسسوارات أو مستحضرات التجميل. ولأن مصاريفهم أقل، كان بإمكانهم أن يوفروا منتجات جيدة بأسعار أقل من تلك التي تقدمها الأسماء الكبيرة التي لها محلات، لا سيما في ظل عزوف كثير من زبائن الجيل الجديد عن هذا المحلات، واقتصارهم على التسوق الإلكتروني. وربما يكون هذا هو العقد «الأسود» بالنسبة للمحلات ومجمعات التسوق الضخمة التي ازدهرت في ثمانينات القرن الماضي.
ويبدو أن الزبون نفسه الذي فرض فكرة التسوق الآني، أي «البيع بعد العرض مباشرة»، وفرض الموضة المستدامة والأخلاقية والمحتشمة، هو أيضاً من فرض فكرة أن تتحول محلات التسوق إلى أماكن تُوفر الترفيه والمتعة. لم يعد افتتاح محل ضخم وأنيق كافياً لجذبه، بل يجب أن يترافق مع فعاليات وإغراءات أخرى، مثل أن يكون هناك تفاعل أكبر وتسهيلات أكثر، إلى جانب حصوله على ذلك الإحساس بأنه مهم وله صوت مسموع.
- انتعاش منتجات التجميل
سيسجل تاريخ الموضة أنه في هذا العقد ولدت مليونيرات التجميل، مثل كايلي جينر وهدى قطان؛ الأخيرة بدأت برموش مستعارة وتوسعت إلى مستحضرات التجميل لتصبح مليارديرة. قوتها تكمن في أنها بدأت كإنفلونسر تُعلم كيفية وضع الماكياج على الإنستغرام، أتبعتها بقناة على يوتيوب خاصة بها. بدورها، حققت كايلي جينر ثروة طائلة من وراء منتجات روجت لها هي شخصياً على وسائل التواصل الاجتماعي. ولا شك أن مدوني التجميل من الإنفلونسرز، وأغلبهم من فناني التجميل، استفادوا من هذه العملية. أرقام المبيعات بدورها تؤكد أنه كان لهم مفعول السحر على بعض هذه الماركات، وهو ما لا يمكن قوله على الموضة التي لا تزال تتخبط بسبب عدم قدرتها على التمييز بين المؤثرين الحقيقيين والدخلاء. ما نجح فيه هؤلاء أنهم أخرجوا عالم التجميل من نخبويته، من خلال تقديمهم أسراراً عن كيفية وضع الماكياج كانت حكراً على النجوم. طرق سهلة تحول فتاة عادية جداً إلى فاتنة بعد كل جلسة ماكياج. ومما يُذكر في عام 2012، ظهور كيم كارداشيان في برنامجها الواقعي بوجه غريب، مخطط بألوان تتباين بين الداكن والباهت. وكانت هذه بداية انتشار أسلوب الـ«كونتورينغ» لتنحيف الوجه أو منحه التألق حسب الجزء الذي يتم التركيز عليه. بعد البرنامج، تحول إلى ظاهرة تُطبقها كل فتيات العالم. وكان لا بد أن تجعل شركات التجميل هذه الألوان المتدرجة عنصراً مهماً في كل مجموعة ماكياج تطرحها. وغني عن القول أن هذه الدروس سلطت الضوء على ماركات جديدة، وأنعشت أخرى قديمة مثل «بينيفت». بسرعة غيرت شركات التجميل وسائلها للتسويق والترويج ليتحول بعض الخبراء والإنفلونسرز إلى نجوم يوتيوب يؤثرون على مبيعات هذه الشركات، في حال اختاروا استعمال منتجاتها، طبعاً لقاء مبالغ طائلة جعلت بعضهم، خصوصا من تعدى عدد متابعيهم الـ100 ألف متابع، يتركون وظائفهم ويتفرغون للعمل كإنفلونسرز.
- الموضة المستدامة أصبحت واقعاً
قبل عام 2013، كان صناع الموضة يتكلمون على الاستدامة والموضة الأخلاقية كثيراً، لكن أفعالهم كانت تقول عكس ما يقولون، إلى أن حصلت كارثة «رانا بلازا». معمل بداكا أودى بحياة أكثر من ألف شخص كانوا يعملون لصالح شركات عالمية في ظروف صعبة جداً، وبرواتب لا تسد حاجتهم.
النيران التي اندلعت فيه كانت إيذاناً بضرورة التغيير الفعلي، فقد انكشف المستور ولم يعد بإمكان الماركات العالمية في باريس أو ميلانو أن تتغاضى عن الأمر أو تُبرره، كما تغيرت النظرة إلى الموضة الجاهزة الرخيصة التي تطرحها محلات بأسعار رخيصة. لأول مرة، بدأت النقاشات حول من يُنفذونها ويدفعون ثمن أسعارها الزهيدة من حياتهم. انشغلت وسائل التواصل، وأثيرت حفيظة الجيل الجديد من الزبائن، وبدأت مطالبهم بتغيير الوضع جذرياً، وتهديداتهم بمقاطعة أي علامة لا تحترم هذه المطالب. ولأول مرة، انتقلت النقاشات إلى قاعات أصحاب القرار من الرؤساء التنفيذيين. بات عليهم تحمل المسؤولية، وتبني طرق إنسانية جديدة. ومع مرور الوقت، توسعت هذه النقاشات لتشمل تأثيرات الموضة على البيئة والتغيرات المناخية، ومدى تأثيراتها على مستقبل الكون. في قمة المناخ عام 2015، وصلت هذه النقاشات ذروتها بعد قرار الأمم المتحدة الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري، وإلزام الحكومات بالعمل المناخي في قمة المناخ.
غيرت كل من «إل في إم إتش» و«كيرينغ» طرقها في التعامل مع الموضة، واعتذرت دار «بيربري» على إتلافها سنوياً فائضاً يقدر بنحو 40 مليون دولار من منتجاتها. ورغم أن البعض غير مقتنع تماماً بهذه الخطوات، على أساس أن تبني الموضة المستدامة من قبل المجموعات الكبيرة ما هو إلا عملية تسويقية جديدة، فإنها فعلاً بدأت تتحرك باتجاه صحيح، وإن بخطوات بطيئة. في عام 2017، أعلنت دار «غوتشي» توقفها عن استعمال الفرو في تصاميمها، لتليها بيوت أخرى كثيرة، مثل شانيل وبيربري، وهلم جرا.
2020 سيكون عام التحديات بالنسبة لصناع الموضة، لا سيما في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة. والسؤال المطروح حالياً هو: كيف ستواجه هذه التحديات من دون أن تتأثر أرباحها؟ هذا ما ستجيب عنه السنوات المقبلة.


مقالات ذات صلة

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

لمسات الموضة تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بقطعة فريدة مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعرها الأصلي، ما يزيد من متعة البحث والتسوق

جوسلين إيليا (لندن)
لمسات الموضة الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

قطعة واحدة مصوغة بشكل لافت وحجم كبير يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة تخاطب هذه الإكسسوارات كل المناسبات من النهار إلى المساء (زهير مراد x ألدو)

زهير مراد و«ألدو»... إكسسوارات بلمسات راقية

العمل مع زهير مراد يمثل محطة مهمة لعلامة «ألدو»، نظراً إلى تأثيره في عالم الأزياء الراقية، وقطاع الموضة الفاخرة عموماً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة هاري كين يتسلم الجائزة الذهبية بكل أناقة (أ.ب)

الكرة الذهبية 2026... أناقة تنافس الألقاب

لم تكن الأناقة بعيدة عن المنافسة الرياضية في الحفل، بل شكَّلت امتداداً لها خارج الملاعب، في مشهد يجمع الأناقة الكلاسيكية واللمسات العصرية الجريئة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
TT

حين تصبح الملابس المستعملة خياراً عصرياً

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)
تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

من متاجر الجمعيات الخيرية والأسواق الشعبية، إلى منصات إعادة البيع على الإنترنت، يغيّر جيل زد علاقته بالموضة والاستهلاك. فالقطعة المستعملة لم تعد علامة على التوفير، بل أصبحت أحياناً أكثر جاذبية من الجديدة، والعثور على حقيبة فاخرة أو معطف نادر بسعر زهيد قد يكون إنجازاً يستحق الاحتفال به على وسائل التواصل الاجتماعي.

كان شعار الموضة، لعقود طويلة، واضحاً: كلما ارتفع السعر، ارتفعت القيمة. وكانت أسماء دُور الأزياء العالمية وشعاراتها الكبيرة كافية لمنح صاحبها شعوراً بالتميز والمكانة.

أصبح اقتناء قطعة فريدة من محلات الملابس المستعملة أمراً يدعو للتفاخر (غيتي)

فبالنسبة إلى شريحة واسعة من أبناء «جيل زد» والأجيال الأصغر سناً، لم تعد الأناقة مرتبطة بالضرورة بشراء الجديد أو دفع مبالغ كبيرة مقابل قطعة تحمل اسماً شهيراً، بل أصبح البحث عن قطعة مميزة، بسعر معقول، وربما مستعملة، جزءاً من ثقافة جديدة في التسوق تعرف باسم Thrifting أو التسوق من متاجر الملابس المستعملة.

ففي عالم تنتشر فيه الملابس نفسها بآلاف المتاجر، يبحث الشباب عن شيء مختلف؛ قطعة لا يرتديها الجميع، أو سترة قديمة لم تعد تُنتَج، أو حقيبة تحمل طابعاً من زمن آخر.

لهذا أصبحت متاجر الملابس المستعملة والأسواق الشعبية ومتاجر الجمعيات الخيرية وجهاتٍ يقصدها الشباب بحثاً عن «الكنوز المخفية».

هناك من يفضل المتاجر الخيرية التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة (غيتي)

قد يدخل المتسوق متجراً لا يعرف ماذا سيجد فيه، ثم يخرج منه بمعطف مميز أو حذاء من علامة معروفة أو حقيبة عتيقة، وكل ذلك مقابل مبلغ قد لا يتجاوز جزءاً بسيطاً من سعر القطعة الجديدة. وهنا تكمن متعة الـThrifting ليست المتعة في الشراء وحده، بل في الاكتشاف.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

لو بقي تسوق المستعمل محصوراً في المتاجر والأسواق، لربما لم يكن ليصل إلى المكانة التي يحتلها اليوم.

لكن وسائل التواصل الاجتماعي قلبت المعادلة.

على منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب»، أصبح الشباب يصورون جولاتهم داخل متاجر الملابس المستعملة، ويعرضون ما عثروا عليه، ويكشفون عن الأسعار، ويشرحون كيفية تنسيق القِطع القديمة مع الملابس الحديثة.

انتشرت مقاطع ما يُعرف بـThrift Hauls، حيث يستعرض المستخدمون مجموعة من مشترياتهم، كما تحولت فكرة العثور على قطعة فاخرة بسعر منخفض إلى نوع من المحتوى الذي يثير الفضول والإعجاب.

وأصبح السؤال ليس: «لماذا تشتري ملابس مستعملة؟»، وإنما: «ماذا استطعت أن تجد؟»،

وهكذا نجحت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل ما كان يُنظَر إليه بوصفه وسيلة لتوفير المال إلى ثقافة وموضة لها جمهورها ولغتها ومؤثروها.

وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في قلب المعادلة ونشر هذه الظاهرة (غيتي)

تختلف تجربة التسوق من شخص إلى آخر، فهناك من يستمتع بالتجول في الأسواق الشعبية وأسواق الشوارع، حيث تختلط الملابس القديمة بالأحذية والحقائب والإكسسوارات.

وهناك من يُفضل المتاجر الخيرية، التي توفر الملابس المستعملة بأسعار منخفضة، بينما تذهب عائدات المبيعات إلى دعم الأعمال الخيرية. وآخرون يبحثون عن متاجر متخصصة في القطع القديمة أو منصات إلكترونية تجمع البائعين والمشترين في سوق واسعة للمنتجات المستعملة. وفي جميع الحالات، أصبحت عملية البحث نفسها جزءاً من التجربة.

اكتسب متجر ليفتيز «Lefties» الذي نشأ لتصريف فائض ملابس «زارا» بأسعار مخفضة جماهيرية لدى الشباب (موقع ليفتيز)

المفارقة أن الاهتمام بالملابس المستعملة، أو من موسم مضى، لم يلغِ اهتمام الشباب بالعلامات الفاخرة، بل على العكس، هناك سوق متنامية للمنتجات الفاخرة المستعملة.

فالحقيبة التي تبدو بعيدة المنال عندما تكون جديدة، يمكن أن تصبح أكثر قابلية للشراء عندما تكون مستعملة. والمعطف الذي يبلغ سعره آلافاً عند طرحه للمرة الأولى، قد يصبح في متناول شاب يبحث عنه بعد سنوات.

وأحياناً تكون القطعة القديمة أكثر جاذبية من الجديدة، خصوصاً إذا كانت نادرة أو من مجموعة لم تعد متوفرة.

ولم يتوقف الأمر عند الاستهلاك، فقد تحولت الملابس المستعملة لدى بعض الشباب إلى مشروع تجاري صغير.

فهُم يبحثون عن القطع المميزة في المتاجر الخيرية والأسواق الشعبية، ويعرفون العلامات التي تحظى بطلب مرتفع، ثم يشترونها بأسعار منخفضة ويعيدون بيعها عبر الإنترنت. قد تكون حقيبة فاخرة، أو سترة من علامة معروفة، أو حذاءً نادراً. وبعد العثور على القطعة، تبدأ مرحلة أخرى: تنظيفها، وتصويرها، وكتابة وصف جيد لها، ثم عرضها للبيع على إحدى منصات إعادة البيع.

تختلف تجربة التسوق من شخص لآخر هناك من يستمتع بالتجول في متاجر الملابس القديمة بحثاً عن أزياء أو إكسسوارات فينتاج (غيتي)

وبذلك يمكن أن تتحول هواية البحث عن الملابس المستعملة إلى مصدر دخل إضافي.

بل إن بعض الشباب طوّروا معرفة واسعة بالعلامات التجارية والأسعار واتجاهات السوق، فأصبحوا يتعاملون مع القطع المستعملة ليس بوصفها ملابس فحسب، وإنما بوصفها سلعاً قابلة لإعادة البيع والاستثمار.

القديم مستدام

هناك سبب آخر وراء شعبية هذه الظاهرة؛ وهو الاهتمام المتزايد بالاستدامة.

فبدلاً من شراء الملابس الجديدة باستمرار، والتخلص منها بعد فترة قصيرة، يمنح شراء الملابس المستعملة القطعة عمراً أطول، ويقلل الحاجة لإنتاج قطعة جديدة، لكن اختزال ظاهرة الـThrifting في الاستدامة وحدها سيكون تبسيطاً لها.

فالشاب قد يشتري مستعملاً لأنه أرخص، أو لأنه يريد قطعة لا يملكها أحد من أصدقائه، أو لأنه يبحث عن تصميم قديم، أو لأنه يريد إعادة بيعها وتحقيق ربح منها، والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: هل انتهى عصر الماركات؟

الجواب: لا ليس بالضرورة، فجيل زد لا يدير ظهره تماماً للعلامات التجارية الفاخرة، لكنه يبدو أكثر استعداداً لإعادة تعريف العلاقة بها وتغيير تسميتها.

قد يرتدي شاب سترة اشتراها من متجر خيري ببضعة جنيهات، إلى جانب حذاء مستعمل من علامة فاخرة وساعة قديمة وحقيبة عثر عليها في سوق شعبية. بالنسبة إليه، لا تكمن قيمة الإطلالة في أن تكون جميع القطع جديدة أو باهظة الثمن، بل في الطريقة التي جرى بها جمعها وتنسيقها.


الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
TT

الإكسسوارات الضخمة سيدة منصات الأزياء

بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)
بأحجامها وألوانها يمكن أن تحول الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية أو العكس (فالنتينو)

«من بين أكثر ما لفت الانتباه في أسابيع الموضة الأخيرة، عودة الإكسسوارات إلى الواجهة. ليس كمجرد تفصيل يضاف إلى الإطلالة في الأخير، بل كعنصر أساسي في الإطلالة». هذا ما قاله جاستن دوغترز، المدير العام لدى «بيرغانزا»، المتخصصة في المجوهرات العتيقة «الأنتيكات» والقِطع النادرة، لـ«الشرق الأوسط».

تعليقه تؤكده صور العارضات في عروض كثيرة؛ من بينها «بالنسياغا» و«شانيل» و«غوتشي» و«فالنتينو» وآخرون، وهُن يتخايلن على المنصات بأقراط متدلية تمتد حتى الكتفين وما بعدهما، وقلادات تغطي كل العنق أحياناً، بعضها مُستوحى من الفنون الباروكية، وبعضها من لوحات كلاسيكية تحتاج إلى ثقة لارتدائها. ما يُحسب لها أنها يمكن أن تُغير شخصية أي زي، مهما كان بسيطاً، وتعد خياراً آخر لموضة رص الإكسسوارات فوق بعضها البعض، التي تنتشر منذ سنوات.

التأثير الباروكي في عرض «فالنتينو» (فالنتينو)

ويرى جاستن أن هذا التحول على منصات العرض يظهر أولاً في الثقة التي تتعامل بها دُور الأزياء حالياً مع الإكسسوارات عموماً، والحنين إلى التصميمات التاريخية خصوصاً، الأمر الذي يفسر جرأة ألوانها ووضوح أحجامها. في «فالنتينو» مثلاً، جاءت العقود الذهبية بطابع باروكي إلى جانب أقراط لؤلؤية لا تخفى عن العين. الأمر نفسه ينطبق على بيوت أزياء أخرى، مثل «زيمرمان» و«غوتشي» وغيرهما، في حين أخذ كل من «ديور» و«دريس فان نوتن» اتجاهاً مختلفاً اعتمدتا فيه على أقراط ضخمة وغير متطابقة، وأحياناً منفردة.

في عرض «ديور» كانت الإكسسوارات لافتة بنعومتها وعدم تناسقها (ديور)

أما ما يجمع كل هذه الاقتراحات على اختلافها، فهو صبغتها الاحتفالية، وفي الوقت نفسه نكهتها الحداثية التي تستمدّها من الأزياء والطريقة التي نُسّقت بها. فالكورسيهات والدانتيل والألوان القوية تجعلها تعكس اللحظة الراهنة.

هذا «التباين المتناغم»، برأي دوغترز، هو درس يتجاوز منصة العرض؛ نظراً لقدرته على تحقيق تغيير كامل «فقطعة واحدة مصوغة بشكل لافت يمكن أن تمنح الإطلالة شخصية أقوى بكثير من عدة قطع صغيرة وناعمة تتنافس جميعاً على جلب الانتباه».

ويشير دوغترز إلى أن هذا الكم الهائل من الإكسسوارات ليس جديداً، فهذه التصميمات كانت دائماً حاضرة كإضافات مهمة للزينة، لكن الجديد هنا أن المصممين باتوا يتعاملون معها كجزء من تكوين الأزياء نفسها.

من عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

فالعقد بأشكاله الحالية، بغضّ النظر عن خامته، قد يُغيّر شكل الياقة أو طريقة تنسيقها مع باقي القطع، كما يمكن أن يُغير الإطلالة من كلاسيكية إلى بوهيمية، أو العكس، والقرط الواحد يمكن أن يُبدل تناظر الوجه، كل هذا يسهم في إضفاء صورة بصرية لا تستمدّ بريقها من الأحجار الكريمة، وإنما من الحجم والشكل واللون والمادة، وهو ما يؤكده دوغترز مستشهداً بعرض «فالنتينو» قائلاً إنه «يُذكّرنا بأن مجوهرات المنصة لا تحتاج إلى الألماس كي تُعبر عن الفخامة، فالتصميم له دور مهم». ويضيف: «العقود ذات الطابع الباروكي التي ظهرت في العرض مثلاً تحمل إحساساً بالوزن والثراء، بغضّ النظر عن قيمتها المادية».

الأقراط غير المتناظرة كما ظهرت في عرض ديور (ديور)

ما ينطبق على العقود ينطبق على الأقراط، فهي، برأيه، واحدة من أكثر عناصر المجوهرات ارتباطاً بفكرة التناظر: قرط على اليمين، وآخر على اليسار، ما يخلق التوازن، لكن عندما يُكسر هذا التوازن بأقراط غير متطابقة، يتغير حضور الإطلالة فوراً، «ربما لأن العين تضطر لبذل جهد أكبر لفهم ما تراه»، وهو ما حدث في عرض «ديور»، الذي قُدمت فيه أقراط متدلية بشكل مُبالغ فيه على شكل أزهار وأشرطة، وأحياناً كأقراط منفردة. «كلوي» أيضاً اعتمدت أقراطاً منفردة في عرضها.

لكن عدم التطابق وحده لا يكفي لجذب الانتباه والإعجاب، وفق جاستن، «فثمة فرق بين قرطين لا يتطابقان وقرطين يتحاور أحدهما مع الآخر، فلا بد أن تكون هناك علاقة بينهما، سواء من خلال الحجم أم الخامة أم اللون أم الحركة».

الإكسسوارات الأنيقة عوضت أي مجوهرات ثمينة في عرض «زيمرمان» (زيمرمان)

ويضيف أنه في سوق المجوهرات العتيقة قد لا تصل الأقراط القديمة إلى الحاضر في أزواج مكتملة أحياناً، حيث قد يُفقد أحد القرطين أو ينفصل عن الآخر. كان الأمر معقداً في الماضي، وربما غير مقبول، لكنه، اليوم، مرحَّب به، الأمر الذي يمنح الأقراط المنفردة وغير المتطابقة حياة جديدة، «إذ يمكن لقرط متدلٍّ من العصر الجيورجي أو الفيكتوري أن يبدو خياراً مقصوداً، لا قطعة غير مكتملة»، وفق قوله.

ويختتم اللقاء معبراً عن تحفظه على اختزال الأمر في عبارة «موضة الإكسسوارات الضخمة عادت»؛ لأن ما حصل في عروض ربيع وصيف 2027 كان تفضيلاً لتصميماتها التي تمتلك وجهة نظر واضحة وشخصية قوية تقوم بدور وظيفي.


«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
TT

«فاشن تراست أرابيا» تكشف عن القائمة النهائية لجوائز 2026

لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)
لائحة تضم أسماء من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تحلم بالجائزة الكبرى (فاشن تراست أرابيا)

يتجدد موعد جوائز «فاشن تراست أرابيا» من جديد في دورتها لعام 2026، حاملة معها أسماء جديدة وآمالاً كبيرة من مواهب تسعى إلى ترسيخ حضورها على خريطة الموضة والأزياء العالمية. كالعادة، واستباقاً لحفل توزيع الجوائز في آخر الشهر، كشفت المؤسسة عن القائمة النهائية للمرشحين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كلهم يتنافسون على سبع جوائز قيمة، «مادياً ومعنوياً ولوجستياً» يُعلن عنها في الدوحة في 28 من الشهر الحالي.

21 مصمماً يحلمون بالجائزة بكل ما تحمله من دعم مادي ولوجستي (فاشن تراست أرابيا)

ويأتي اختيار المرشحين عموماً، عقب عملية تقييم تتولاها اللجنة الاستشارية التي تضم أسماء عالمية مؤثرة على ساحة الموضة، من رؤساء تنفيذيين في بيوت أزياء كبيرة ومصممين عالميين إلى مشترين وغيرهم. ومن المقرر أن يلتقي المرشحين لجنة التحكيم لتقديم أعمالهم ومشروعاتهم، قبل الإعلان عن أسماء الفائزين السبعة خلال الحفل الختامي الذي سيقام مساء 28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي بحضور نجوم سيحطّون الرحال في الدوحة من كل أنحاء العالم.

6 فئات تحتفي بتنوع التصميم

تتوزع القائمة النهائية للمرشحين على ست فئات، تعكس تنوع مجالات التصميم واتساع مساحات الإبداع في صناعة الأزياء.

ففي فئة الأزياء الجاهزة، تضم القائمة ريانة هيمسكر، من الجزائر، وسارة ماني بوروتش من الأردن، وأحمد حسن من السعودية.

سارة ماني بوروتش من الأردن المرشحة عن فئة الأزياء الجاهزة (فاشن تراست أرابيا)

أما فئة أزياء السهرة والمساء، فيتنافس عليها كل من سيندي أبي شالا من علامة «CIN»، وحيدر كريم من علامة «أوسكار كراي»، وكلاهما من لبنان، إلى جانب دانا رياض من علامتها «دانا رياض» من فلسطين.

وفي فئة الإكسسوارات، وصلت إلى المرحلة النهائية علياء زكي من لبنان، ومريم المالكي من قطر، وصفاء بودخانة من تونس.

دانا رياض من من فلسطين المرشحة عن فئة أزياء السهرة (فاشن تراست أرابيا)

وتضم فئة المجوهرات فاروج فارتان كازانجيان من علامة «هاري في» من مصر، ليال السلطان من علامة «إلورا» من الكويت، وجويل خراط من لبنان.

أما جائزة فرانكا سوزاني، الخاصة بالمواهب الواعدة، فتتنافس عليها ليلى الطوايا من فلسطين والأردن، ويوسف زغيب من لبنان، وزينة عيسى من سوريا.

وفي فئة تكنولوجيا الأزياء، تشمل القائمة شيماء وفاطمة العلاة من مصر، وسيرين قبيسي من لبنان وآمنة حسين من تونس.

جويل خراط من لبنان المرشحة عن فئة المجوهرات (فاشن تراست أرابيا)

وكعادة «فاشن تراست أرابيا» في استضافة مصممين من بلد بعيد وتخصيص جائزة سابعة مستقلة للمصممين المشاركين منها، تشمل الجائزة هذا العام المكسيك، لتكون الدولة الضيفة.

ويخضع المرشحون المكسيكيون لآلية التحكيم نفسها المعتمدة لبقية المتنافسين، في خطة تعكس توجهاً نحو توسيع آفاق التواصل بين المواهب الإبداعية في أسواق مختلفة، وتعزيز فرص التعاون وتبادل الخبرات على المستوى الدولي. ويأتي هذا التعاون بدعم من «فوغ» المكسيك وأميركا اللاتينية، انطلاقاً من أهمية بناء شبكات مهنية عابرة للحدود، وتوفير بيئات داعمة للمصممين الشباب تساعدهم على تطوير أعمالهم وتوسيع حضورهم. وتضمن قائمة المرشحين عن المكسيك، باتريسيو كامبيلو عن علامة «كامبيلو» والثنائي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» وكاميلا بانز عن علامة «بانزو».

الثنائي المكسيكي نيثان وأنغا رويز عن علامة «نيثان هيربرت» (فاشن تراست أرابيا)

المنح المالية والإرشاد المهني:

ولا تقف أوجه الدعم التي توفرها المؤسسة عند حدود التكريم؛ إذ تشكل المنح المالية وبرامج الإرشاد المهني جانباً أساسياً من منظومة عملها. ويحصل الفائزون على منح تتراوح قيمتها بين 100 ألف و200 ألف دولار، حسب حجم النشاط التجاري لكل مصمم، في حين تبلغ قيمة المنحة المخصصة للفائز بجائزة «فرانكا سوتساني» للمواهب الواعدة 50 ألف دولار.

في فئة تكنولوجيا الأزياء تشارك كل من شيماء وفاطمة العلاوي من مصر (فاشن تراست أرابيا)

وفي امتداد للدعم التجاري، الذي يعدّ من أهم العناصر التي يحتاج إليها أي مصمم شاب، تعرض مجموعات الفائزين في فئات الأزياء الجاهزة وأزياء السهرة والإكسسوارات والمجوهرات لدى الشريكين التجاريين للمؤسسة، «هارودز» و«أوناس» على مدى موسم، بما يتيح للمصممين فرصة الوصول إلى أسواق أوسع وجمهور دولي.

كما تشمل برامج الدعم عاماً كاملاً من الإرشاد المهني المصمم وفق احتياجات كل فائز بالتعاون مع «براند X سوسايتي». ويشارك المصممون الفائزون أيضاً في برنامج إرشادي خاص يمتد يومين في لندن، تنظمه المؤسسة مع «ذي بيستر كوليكشن» والمجلس البريطاني للأزياء و«براند Xسوسايتي».

وتعكس هذه البرامج توجهاً يتجاوز منح الجوائز المالية إلى مواكبة المصممين في مراحل تطورهم المهني، ومساعدتهم على التعامل مع متطلبات الصناعة، من بناء العلامة التجارية إلى التوسع التجاري والانفتاح على الأسواق العالمية.

من الاكتشاف إلى حضورها العالمي

تأسست «فاشن تراست أرابيا» عام 2018 مستلهمة تجربة «فاشن تراست يو كي» أي البريطانية، وهي مؤسسة غير ربحية تقوم رؤيتها على توفير فرص عملية للمصممين الذين بلغوا مرحلة الاستعداد لدخول الأسواق العالمية، لكن يفتقدون إلى الدعم المالي والتوجيه الاستراتيجي وبرامج الإرشاد، وهو ما تقدمه المؤسسة بالتعاون مع خبراء وشخصيات ذات خبرة واسعة في صناعة الأزياء. فغايتها منذ تأسيسها لا تقتصر على الاحتفاء بالأسماء الجديدة، بل تمتد إلى تهيئة الظروف التي تمكّن هذه المواهب من بناء مسارات مهنية مستقرة، وتطوير علامات تجارية قادرة على المنافسة خارج حدود المنطقة