الكتّاب اللبنانيون يحبون الرواية ويفضلون المترجمة

الروائية جنى الحسن  -  الصحافي الكاتب محمد الحجيري  -  الروائية بسمة الخطيب
الروائية جنى الحسن - الصحافي الكاتب محمد الحجيري - الروائية بسمة الخطيب
TT

الكتّاب اللبنانيون يحبون الرواية ويفضلون المترجمة

الروائية جنى الحسن  -  الصحافي الكاتب محمد الحجيري  -  الروائية بسمة الخطيب
الروائية جنى الحسن - الصحافي الكاتب محمد الحجيري - الروائية بسمة الخطيب

لا يزال الكتاب اللبنانيون منشغلون بقراءة الرواية والعودة إلى التاريخ، لكن الغالب هذه السنة هو عدد الكتب المترجمة التي قالوا إنهم قرأوها. وإذا كانت الكتب المترجمة، من رواية وغيرها، باتت من مفضلات القارئ العربي، فإن المثقفين ربما لا يشذون عن هذه القاعدة. وهنا آراء لأربعة كتاب لبنانيين يتحدثون عن أجمل الكتب التي قرأوها هذا العام، وبينها كتب لفيليب روث، ويمنى العيد، وأغوتا كريستوف، وأمير تاج السر، وكذلك أسامة المقدسي.
- جنى الحسن: قرأت «الوصايا» أكثر من 20 مرة
أعجبتني رواية «مستر نون»، للكاتبة اللبنانية نجوى بركات. الرواية مكتوبة بلغة آسرة، وأسلوب يجعلها تستحق أن تكون في مصاف الروايات العالمية. هي رواية تدخلك إلى عالمها لتعيش تفاصيل شخصياتها، وأيضاً تفاصيل المكان الذي هو بيروت. ورغم أنها تعالج موضوع الحرب، فإنها تتطرق أكثر إلى مرحلة ما بعدها، وكيف تطبع أثرها على الإنسان.
كذلك كتاب «بعلم الوصول»، للكاتب المصري أحمد خير الدين، وهو مجموعة رسائل قديمة مكتوبة بخط اليد جمعها الكاتب على مدى فترة طويلة في هذا الكتاب. الرسائل تظهر تحولات المجتمع المصري، ولكن أيضاً تحمل في كل رسالة حكاية وحالة إنسانية مختلفة.
وهناك ديوان «استيقظ لكي تحلم»، للشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي. وواقعية شعر مريد البرغوثي، وملامسته لتفاصيل الحياة اليومية، عوامل جاذبة بالنسبة لي. أن تختزل حكمة في سطرين بالنسبة لي هو أمر لافت ينطبع في الذاكرة.
هناك أيضاً كتاب «الوصايا»، لفادي عزام. قرأته تقريباً أكثر من 20 مرة، وأعود إليه كلما كنت بحاجة إلى تحفيز أو دعم معنوي. ومن الكتب المهمة «المخطط ضد أميركا»، للكاتب الأميركي فيليب روث. وقد قرأت مجمل أعمال فيليب روث، وهو من كتابي المفضلين، لكن هذه الرواية كانت مميزة لأنه رغم أنها مكتوبة منذ مدة، فإنها تلامس الواقع الأميركي الحالي.
- د. غادة صبيح: «لن أغادر منزلي» لسليم بطّي
أعشق بشكل أساسي قراءة الرواية، وأختار من بين ما قرأت «لن أغادر منزلي»، لسليم بطّي، بل «لن يغادرني منزلي»... هذا هو العنوان الأصح لهذه الرواية.
قرأتها مرتين متتاليتين، وما أزال أرغب في تصفحها. قوي جداً سليم بطي، بجرأة صوره وتعابيره، لدرجة تدفعك إلى مراجعة نفسك، والتأكدّ من المعنى المقصود فعلاً.
من زمنٍ، بل إنها المرة الأولى التي أرفع فيها كلمات للبحث في المعجم، وأنا أقرأ العربية وبالعربية. شعرت بالكاتب، المحاضر بالترجمة والأدب الإنجليزي، ينتقم لكل الويلات التي يعاني منها عند نقله النصوص الأدبية إلى اللغة العربية، وكأنه يقارع من سيحاول ترجمة روايته لاحقاً بالبحث عن المعنى الفصيح لمفردات يصعب علينا فهمها بالعربية، دون العودة لدلالتها بالسياق الذي أتت ضمنه.
ما هذا الهول من الصور والإيحاءات الجنسية لوصف جمادٍ كاد أن ينطق من بين أسطرك؟ قاسية جداً وعميقة لدرجة تدفعك إلى معاودة القراءة، ومعاودة الاشمئزاز من المعنى المقصود، فقط لتبيان المعنى، من عملية النحت اللغوي الذي مارسته مع حروفك وجملك. أحببت أيضاً رواية «جزء مؤلم من حكاية»، لأمير تاج السر. غريب الإحساس وأنت تقرأ هذه الرواية الغارقة بالاشمئزاز... حاولت التوقف عن القراءة، ولكن شخصية بطل الرواية «مرحلي»، بكل تفاصيل العنف والقتل التي يعيشها، أعادتني إلى عالمه. من الأسطر الأولى نوّه الكاتب بأن النص قد يبدو مؤلماً بعض الشيء... ومن الصفحات الأولى، حطّ رحاله بمدينة «أشبه بوعاء كبير على نار»، وكان في قلبه توجّس كبير، ملمحاً إلى نهاية لبطله «لا يرغب حتى بتخيلها»، وهنا كانت البداية: البحث عن هذه النهاية التي ننتظرها ونطلبها «لسارق أرواح» مثله. الملاحظة التي استوقفتني، من جهة أخرى، هي العلاقة مع الشجر، وكيف يطلق اسمها على النساء المعمرات، وبعد كل عملية قتل كانت الشجرة من يحتضنها ويبكي. أما دكّة أو ركن الإخباريين، فحدّث ولا حرج عن الربط مع الإعلام وبث الأخبار وهذا العالم الذي من عام 1750، وفق الرواية، ينسج ويساهم بخلق الأحداث والجرائم.
- بسمة الخطيب: إيشيغورو وأدب الأطفال
يمكنني عنونة عام قراءاتي بعام الكاتب الياباني البريطاني كازو إيشيغورو؛ قرأت 7 من رواياته، بعضها بالإنجليزية وبعضها الآخر مترجمة إلى العربية. اكتشفت أن لكل رواية تقنيتها المختلفة تماماً. وهذا ما أذهلني. صحيح أنها ليست متساوية الإتقان، وليست في مستوى جمالي واحد، وهي بهذا تخبر بوضوح مسيرة تجربة إيشيغورو غير الرتيبة والحيوية، التي رغم صعودها ونزولها لم تصل إلى مرحلة السكون أو انقطاع النبض.
روايتان هما المفضّلتان عندي، وأعتبرهما من أجمل الأعمال الروائية التي قرأتها في العقد الأخير. الأولى هي «منظر شاحب للتلال»، وهي أولى روايات إيشيغورو. ومن يريد أن يكتشف هذا الأديب أنصحه أن يبدأ بها، فهي من أقوى رواياته، ولا تشبه غيرها البتة، بل لا تشبه الكثير مما نتوقّعه في الرواية المعاصرة. أربكت هذه الرواية النقاد والقراء. حين صدرت، اعتبر البعض أن هذا الروائي المبتدئ أخطأ في مكان ما، والحقّ أنهم هم من أخطأوا فهمه حينذاك، أو استخفّوا في أن يكون عمله الأوّل إشكالياً بل وعبقرياً لهذه الدرجة. قراءة هذه الرواية ستشكل تحدياً كبيراً للقارئ. إنها من الروايات التي سنحبّ أن نقرأها مرة جديدة فور انتهاء قراءتنا الأولى.
الرواية البديعة الثانية التي لفتتني، صدرت في مرحلة متقدّمة من مسيرة إيشيغورو الأدبية، وهي الفانتازيا التاريخية «العملاق المدفون»، عن حقبة سقطت سهواً، أو عمداً ربما، من تاريخ بريطانيا، وتحكي الرواية كيف أن عملاق الفتنة بين الأعراق أو الطوائف الذي ينام، أو يُخدِّره المنتصر عصوراً طويلة لا بدّ من أن يستيقظ وينتقم، وذلك عبر زوجين عجوزين ينطلقان في رحلة البحث عن ابنهما بعدما فقدا الكثير من ذكرياتهما، وابتلاهما زمنهما بمرض النسيان كمعظم معاصريهما، بحيث تتحوّل رحلتهما إلى رحلة في ظلمة حقبة تاريخية كانت إنجلترا فيها ساحة حروب وحشية بين السكسون والبريتون.
هناك أيضاً كتابان مهمّان صدرا هذا العام، وهما الأعمال النثرية الكاملة لبوشكين، المشهور بكونه شاعر روسيا الكبير، نجح المترجم فؤاد المرعي في جمع شتاتها، بما فيها تلك التي مات بوشكين قبل إكمالها، وفي ترجمتها إلى عربية جميلة وطيِّعة، ولكنها تحتفظ بنكهة كلاسيكية تقابل كلاسيكية لغتها الأصلية وبيئة نصوصها وروح موضوعاتها.
في الشق الثاني من قراءاتي، الذي أخصصه لأدب الأطفال واليافعين، قرأت الكثير من الكتب بلغات مختلفة، أختار الحديث عن بعضها.
«The Restless Girls» لجسي بورتون ورسوم أنجيلا باريت، هو إعادة سرد القصة الشعبية الشهيرة بعنوان 12 أميرة، من وجهة نظر مختلفة، وفي رؤية معاصرة، تضع المرأة في دور البطولة، من دون انتظار الشاب المنقذ الذي سيتزوّج أجمل الأميرات في نهاية القصّة. الأميرات الاثنتا عشرة في القصة هنّ أفريقيات، لكلّ منهنّ موهبة مختلفة، بينها القراءة والعزف وقيادة السيّارة، وتجمعهنّ جميعاً هواية واحدة هي الرقص، وهو فعل التمرّد والتحدّي الذي يواجهن به صرامة والدهنّ وديكتاتورييّه. كسبت دار «بلومزبيري» حين راهنت على بورتون التي لم تُخفِ خوفها من التجربة. وهي تعترف أنه من الصعب إعادة حكاية مثل تلك الحكايات الشعبية، وإسقاطها على قضايا وأفكار إشكالية مثل حرية المرأة ونضالها ضدّ الديكتاتورية الذكورية.
وأتممت هذا العام قراءة الموسوعة المصوّرة الأكبر عن أدب الأطفال الغربي، عنوانها: «أدب الأطفال، تاريخ مصوّر»، التي حرَّرها المؤرخ والباحث بيتر هانت.

- محمد الحجيري: العودة إلى الصراعات الدينية
أعجبني كتاب «مدفعية السماء»، لمؤلفه أسامة المقدسي، وهو من ترجمة ريما العيسى، وصادر عن «دار الآداب». ويروي قصة لقاء مؤسس بين أميركيين وعرب، بحيث تقتفي القصة أثر وصول الإرساليات الأميركية البروتستانتية الأولى إلى المقاطعات العربية من الدول العثمانية، وما تلاها من اضطهاد وقتل لأحد المتحولين على يديها. إن ما يستدعي رواية هذا التاريخ هو كونها تضيء بدايات علاقة معقدة ومتطورة بين أميركا والعالم العربي، تعود إلى زمنٍ «أبعدَ مما يظنّ أكثرُنا أو يتوهم»، وقبل «الحرب الباردة» بين المعسكر الاشتراكي السوفياتي والمعسكر الرأسمالي، وقبل شعارات «الموت لأميركا» الخمينية.
والمتحول الذي يتحدَّث عنه أسامة مقدسي هو أسعد الشدياق (شقيق اللغوي والرحالة أحمد فارس الشدياق)، أولُ عربي (لبناني) تحوَل إلى البروتستانتيَة الأميركيَة، قبل أن يذهب إلى موته الفاجع. وفي استقراء سيرته يمكن استقراء تحوّل الطوائف في لبنان وبروزها الحديث، بل يمكن استقراء أنماط انتشار البروتستانتية في المشرق، سواء في منطقة رأس بيروت أو جبل لبنان.
النافل أن الشدياق ألّف رسالة ضدّ عبادة الأيقونات، داعياً إلى التفسير المباشر للكتاب المقدّس من قبل المؤمنين أنفسهم. وفي عام 1820، شنَ البطريرك الماروني يوسف حبيش حملته على «الهرطقة البروتستانتية»، بناء على أمر من روما، وحرم أي تعاطٍ مع البروتستانت. بناء على ذلك، اعتُقل الشدياق، وأُودع السجن في المقرّ البطريركي في قنوبين، حيث توفي بسبب المعاملة الهمجية عام 1830. وعلى أثر اعتقاله، غادر معظم المرسلين البروتستانتيين المنطقة، ولم يعودوا إلا في ظلّ الحكم المصري على سوريا، حيث فتحوا مدرسة للصبيان في بيروت 1835، تلتها مدرسة للبنات.
الكتاب الثاني هو «هندية الصوفية الآثمة 1720-1798، أزمة دينية»، مؤلفه برنار هيبرجي، وترجمه جان هاشم، وصادر عن «دار النهار». يفتح هذا الكتاب «قضية» هنديّة عجيمي (1720-1798)، الصوفيّة الآثمة، التي كبَتَتْها الذاكرة الجماعية منذ قرنين من الزمن، ولا يمكن فصل المسار الذي ذهبت فيه الأحداث في قضية الراهبة هندية عن الصراع بين الكنيستين الغربية والشرقية، وعن التداخل بين السلطات الدينية والسياسية والتبعيات المحلية في لبنان.


مقالات ذات صلة

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

كتب «البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق

رشا أحمد ( القاهرة)
كتب «فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم،

«الشرق الأوسط» (الرياض)
ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص
TT

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

«البرنسيسة والأفندي»... دراما الحب والرصاص

في مايو (أيار) من عام 1950، وفي مدينة سان فرانسيسكو، كبرى مدن الغرب الأميركي، أعلنت الأميرة أو «البرنسيسة» فتحية ابنة الملك فؤاد وصغرى شقيقات الملك فاروق زواجها من رياض غالي الذي لا يحمل إلا لقباً متواضعاً يمتلكه عامة الناس ويمنحه الناس بعضهم البعض على سبيل المجاملة وهو لقب «الأفندي».

كما أن الزوج فضلاً عن ذلك قبطي ينتمي إلى الكنيسة الأرثوذكسية، وكان طبيعياً أن يثير إعلان زواج أميرة مسلمة من شاب قبطي حملة صحافية شهرّت بالسلوك الاجتماعي للأسرة المالكة في مصر، وأن يفجر أزمة سياسية بدأت بأمر ملكي يقضي بتجريد «صاحبة السمو الملكي» الأميرة فتحية ووالدتها «صاحبة الجلالة» الملكة نازلي من ألقابهما الملكية لتصبحا فتحية هانم فؤاد ونازلي هانم صبري، وانتهت بالقضاء على النظام الملكي بعد ذلك بأعوام قليلة. تلك هى اللحظة الدرامية المتفجرة بالأسئلة والمشحونة بحقائق تشبه الخيال، التي يعيد كتابتها من كل أوجهها السياسية والاجتماعية والثقافية المؤرخ المصري الراحل صلاح عيسى في كتابه الشهير «البرنسيسة والأفندي»، الذي صدرت منه طبعةٌ جديدةٌ في جزأين عن «دار الكرمة» بالقاهرة.

يتميز الكتاب بجمال الطرح الأدبي وعمق تفكيك الحدث وبراعة قراءة دلالاته، لا سيما أنه بعده بسنوات عديدة أطلق الأفندي رياض غالي خمس رصاصات على رأس زوجته البرنسيسة فتحية ثم أطلق الرصاصة السادسة والأخيرة على رأسه. وذلك عقب مغادرة البرنسيسة الصغيرة جناحها المزين باللونين الأبيض والأخضر، اللذين كانا يتألف منهما العلم المصري آنذاك، في فندق «فيرمونت» بالولايات المتحدة لتظهر بعد قليل في مدخل البهو حتى تدافع الصحافيون ليحتشدوا حولها يطلبون في أصوات متداخلة تعليقها على البيان الرسمي الذي أذاعه الديوان الملكي في القاهرة بإحالة قضيتها إلى مجلس البلاط، فردت بصوت لم يخل من توتر خفيف: «إن كثيرات من صديقاتي الأميركيات لا يرين فيما فعلت شيئاً يدعو للعجب فلماذا كل هذه الضجة التي تثور في مصر؟».

ويعود السبب الرئيسي لإطلاق رياض النار على حبيبته وزوجته هو رغبتها القاطعة في الانفصال عنه نهائياً والعودة إلى مصر، وذلك بعد أن ساءت حالتهما المادية وأعلنا الإفلاس نتيجة خسارتها كل أموالها وأموال والدتها الملكة نازلي في مضاربات البورصة والاستثمارات الفاشلة. وظل رياض غالي بجانب الجثة لعدة ساعات، ثم وجه المسدس إلى رأسه، وأطلق النار محاولاً الانتحار، غير أن الرصاصة لم تقتله، بل أصابته بتهتك في خلايا المخ أدى إلى إصابته بالشلل التام والعمى لاحقاً حيث قضى نحبه داخل السجن.

فيما رأى البعض الأمر وكأنه عقاب على ما فعلته البرنسيسة حفيدة الخديو إسماعيل، التي تزوجت من شاب من أواسط الناس وليس بين أصول شجرة عائلته من حمل يوماً لقباً من ألقاب التشريف.

كان هذا «الأفندي» موظفاً حكومياً في الدرجة الخامسة بالكادر الفني العالي في وزارة الخارجية إلا أنه كان قد استقال من عمله قبل إتمام زواجه من «البرنسيسة» بشهور حين أصدرت الوزارة قراراً بنقله من وظيفته كسكرتير ثالث بالقنصلية المصرية بمرسيليا في محاولة لإبعاده عن الأميرة الصغيرة، فأصبح بذلك لا يستحق على الأكثر إلا لقب «أفندي سابق».

ولأن البرنسيسة الصغيرة الجميلة والأفندي القبطي كانا يسيران طيلة السنوات الأربع السابقة على ذلك التاريخ فوق خريطة القارتين الأميركية والأوروبية بصحبة الملكة الوالدة نازلي إلى أن استقرا أخيراً في سان فرانسيسكو، فإن الضجة العلنية التي ثارت في القاهرة كانت خاتمة شهور من المباحثات السرية بين العاصمة المصرية وعدد من المدن الأميركية عبر اتصالات شخصية وتليفونية وبرقية سريعة ومكثفة غاضبة ومهددة وراجية ومستعطفة على كل مستوى وعلى أعلى مستوى تحاول منع هذا الزواج.

ولكن البرنسيسة الصغيرة الرقيقة تمسكت بغرامها العنيف للأفندي، وأعلنت لكل الوسطاء تصميمها على الزواج، حتى بدا لهؤلاء الوسطاء أنها تقمصت دور البطولة في فيلم سينمائي أميركي من النوع الذي ينتهي عادة بزواج الفتاة الجميلة ابنة المليونير من فارس الأحلام الوسيم متواضع الأصل والثروة.

وكان لافتاً مساندة الملكة نازلي للأميرة، فدفعتها بذلك إلى العناد، وحين أشهرت القاهرة في وجه الملكة الأم سيف التهديد بتجريدها من لقبها الملكي قالت بحزم: «لن أكسر قلب ابنتي الصغيرة من أجل لقب تافه هو صاحبة الجلالة».

ويرى صلاح عيسى أن قصة زواج البرنسيسة فتحية من رياض أفندي غالي عام 1950 تعيد طرح الأسئلة ذاتها التي طرحتها الدعوى التي رفعها عام 1904 عبد الخالق السادات أمام محكمة مصر الشرعية العليا يطلب فيها التفرقة بين ابنته صفية السادات وبين زوجها الشيخ علي يوسف، أشهر الصحافيين العرب المسلمين في عصره، لعدم التكافؤ بينهما في النسب وفي المهنة. وقالت الدعوى إن الزوجة تنتمي إلى أسرة من الأشراف بينما الزوج فلاح بسيط بلا أصل معروف، والد الزوجة - لا الزوجة نفسها - يعمل بمهنة شريفة هي مشيخة السادة، بينما يعمل الشيخ علي يوسف في أخس المهن وأدناها، وهي مهنة الصحافة، بحسب ما قيل آنذاك.

وخلال نصف القرن الذي فصل بين القضيتين، شُغل المجتمع المصري بعشرات من القضايا كان موضوعها هو الزواج بين «أولاد وبنات الذوات» من ناحية وبين «أولاد وبنات الشعب» من ناحية أخرى، من أشهرها زواج السيدة صفية السادات نفسها بعد وفاة الشيخ علي يوسف من المطرب زكي عكاشة، وزواج الوجيه محمد بك شعراوي من المطربة فاطمة سرس، وزواج أكثر من أمير وأميرة من العائلة المالكة من أجنبيات وأجانب.

ويتوقف صلاح عيسى عند مفارقة صارخة على مستوى الوعي الثقافي في هذا السياق، حيث كانت الثورات القومية العربية تتقدم خلال تلك العقود وهي ترفع أعلام الحرية والإخاء والمساواة في حقوق المواطنة، وتحظر التفرقة بين المواطنين بسبب اللون أو الجنس أو الدين أو المعتقد، وتجعل صيانة الحريات العامة أو الشخصية أحد أهم حقوق المواطنة التي يكفلها الدستور كعقد اجتماعي بين المحكومين والحاكمين للجميع دون تمييز.

كما كانت الجماهير العربية تخرج في مظاهرات عارمة غضباً لانتهاك تلك الدساتير، وتستبسل دفاعاً عنها إلى درجة الاستشهاد أحياناً، كما أن كثيرين من الكتاب والمفكرين والزعماء السياسيين من منظري وقادة العصر الليبرالي العربي كانوا يتحمسون نظرياً للدفاع عن هذه المبادئ، إلا أن هذا النمط من الزيجات المختلطة بين أولاد الأصول و«من لا أصل لهم» كان ينفجر كالقنابل تحت أقدام الجميع فيخل باتزانهم ويكشف عن التناقض بين ما يذيعونه من آراء وما يتخذونه من مواقف عملية، فإذا بحشود الجماهير التي تفتح صدرها للرصاص ببسالة دفاعاً عن الدستور تندفع بالدرجة نفسها من البسالة للتظاهر دفاعاً عن نقاء الدم واحتجاجاً على تهجين البذور!


«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي
TT

«فلسفتي» لخالد الغنامي

«فلسفتي» لخالد الغنامي

صدر عن «مؤسسة الانتشار العربي» كتابُ «فلسفتي» للكاتب السعودي الزميل خالد الغنامي. جاء الكتاب في 360 صفحة، وهو عبارة عن مقالات كثيرة متوسطة الحجم، قُسّمت إلى أربعة أبواب: «الفلسفة والقلق والمعرفة» و«التصوف» و«الفن بوصفه تجربة ومعرفة» و«الأخلاق والحياة».

جاء في تقديم الكتاب:

لم تتشكل هذه الصفحات وفق خطة مسبقة، ولا انطلقت من تصور كتابي واضح. ما حدث أقرب إلى تراكم بطيء لأفكار متفرقة، ثم إلى لحظة شعرتُ فيها بأن هذا التراكم لم يعد محتملاً في صمته، وأنه يطلب شكلاً ما، لا لأنه نضج أو اكتمل، بل لأنه صار يضغط عليّ بوصفه تجربة فكرية عشتها أكثر مما كتبتها.

كثير مما يرد هنا لم يصدر عن رغبة في بناء موقف، ولا عن ثقة بامتلاك رؤية مميزة، بل عن احتكاك مباشر بما تطرحه الحياة من أسئلة صغيرة ومزعجة، وعن شعور متكرر بأن الإجابات الجاهزة، مهما بدت مطمئنة، تُغفل توترات أساسية، أو تؤجل التفكير فيها بدل مواجهتها. من هنا جاءت الكتابة بوصفها محاولة للفهم قبل أي شيء، ومحاولة للإصغاء للتجربة وهي تتشكل، لا لتقنينها أو إغلاقها.


تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص
TT

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً مركزياً حول إمكانية «النجاة» في عالم يتعرض فيه كل شيء للهدم والاقتلاع القسري.

صدرت الرواية أخيراً عن «دار الكرمة» للنشر بالقاهرة، وتبدأ من لحظة ذروة؛ من خبر منشور عن استشهاد الطبيب المصري «عمر المهدي» في أثناء قيامه بجراحة لطفل بالمستشفى المعمداني في «غزة»، وهي اللحظة التي تُصيب البطلة «إيمان» بصدمة عنيفة، لتفتح السرد على مسارين متوازيين؛ الأول يعود بها إلى سنوات الجامعة وبدايات علاقتها العاطفية بـ«عمر»، بينما يتتبع المسار الثاني حياتها المعاصرة بعد أن أصبحت زوجة لمهندس زراعي طموح، اختارته امتثالاً لضغوط أسرتها للابتعاد عن حبيب سنواتها الجامعية، وزواجها ممن «تنطبق عليه شروط عائلتها الميسورة»، ليصبح اقتلاع الحب من منابته الأولى أحد الاختبارات المبكرة التي ستترك أصداءها العميقة في حياة البطلين لاحقاً.

منذ تلك اللحظة المبكرة، لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم، واكتشاف لهوية دفنتها البطلة طويلاً تحت حياة أكثر امتثالاً واستقراراً ظاهرياً، قبل أن يُعيد استشهاد «عمر» استدعاء نبوءة «السماء الثامنة» التي أخبرها بها ذات يوم، تحت ظلال أشجار عتيقة، حين تبادلا الحديث عن الحب وسماواته السبع وهما في سنوات الجامعة، وهي السماء التي ستدرك إيمان معناها بعد أن صار الوصول إليها مستحيلاً.

دين قديم

يطل السرد على سنوات الجامعة، وتشكّل حب «إيمان» و«عمر» داخل فضاء مُشبّع برومانسية البدايات وجسارة الأحلام، وتبدو نزهات الحبيبين وثيقة الصلة بالأماكن التي يعبرانها معاً، كاشفةً عن وعيهما بامتدادها التاريخي؛ لا سيما في حديقة الحيوان، بأشجارها العتيقة الممتدة منذ عصر الخديو إسماعيل.

وعبر جولات تتقاطع فيها الثقافة بالفن والتاريخ، تظهر المدينة كذاكرة حيّة مُهددة، خاصة مع الإشارات المتكررة في الرواية إلى هدم الفيلات ذات الطُرز المعمارية التاريخية، وتحويل البيوت القديمة إلى أبراج سكنية، وكأن الرواية تضع مصير العلاقات الإنسانية ومصير المدينة داخل المسار نفسه؛ فكما يُنتزع العاشقان من حلمهما القديم، تُنتزع الأمكنة بدورها من ذاكرتها، لتتحول القاهرة تدريجياً من فضاء حميمي للتجوال والحب، إلى مدينة تفقد ملامحها القديمة تدريجياً.

يعتني السرد برسم شخصية «عمر» بوصفه نموذجاً متسقاً مع الحب والقضية معاً؛ فهو طالب كلية الطب الحالِم الذي يقود مظاهرات منذ كان طالباً ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين حتى يستشهد بعد سنوات وهو يمارس مهنته متطوعاً في غزة، يتحدث عن «السماوات السبع للعشق»، حيث تمثل المرتبة السابعة «الهُيام»، قبل أن يلمّح إلى معنى آخر للحب يتجاوز المشاعر الفردية: «لا تقتصر السماء الثامنة على المشاعر التي تجمع العاشقين، إنما تسمو بهما معاً إلى مرحلة التضحية في سبيل القضايا الكبرى».

إلا أن حلم «عمر» بالوصول مع حبيبته إلى «السماء الثامنة» لا يكاد يتجاوز عتبة الحلم، بعد أن تخضع «إيمان» لضغوط أسرتها وتبتعد عنه، لتتحوّل تلك السماء تدريجياً إلى ما يشبه النبوءة الروحية التي تظل الرواية تستدعيها باستمرار.

ولا تدرك «إيمان» المعنى الحقيقي لهذه النبوءة إلا متأخرة، عبر الفقد والذنب، حين يتحوّل خبر استشهاد «عمر» من مجرد صدمة عاطفية إلى لحظة تعيد فيها تقييم حياتها التي تكتشف زيفها، فتغدو رحلتها إلى «رفح» محاولة متأخرة لإنقاذ ما تبقّى من ذاتها القديمة، وسداد دين قديم تجاه رجل عجزت يوماً عن التمسك باختياره له: «اعذرني يا عمر، تأخرت في اتخاذ قراري ولكني اتخذته أخيراً، وهأنذا قد جئتك بكامل إرادتي».

رغم غلبة القضية الفلسطينية على عالم الرواية، فإن حضورها لا يأتي بوصفه مساراً منفصلاً عن الحياة الشخصية للأبطال، بل يتسلل تدريجياً داخل نسيجهم العاطفي والإنساني، بحيث تبدو التحوّلات السياسية جزءاً من تكوين الوعي نفسه، لا مجرد خلفية للأحداث، فمنذ الإحالة إلى الحرب الأخيرة على غزة، تفتح الرواية طبقات متعددة من الذاكرة السياسية المصرية، عبر استدعاء مظاهرات الطلبة ضد الاحتلال الإسرائيلي في زمن الرئيس السادات، وما ارتبط بها من لحظات استقطاب سياسي، في إشارة إلى التشققات التي أصابت المجال العام مبكراً، وإلى هشاشة فكرة التضامن نفسها تحت ضغط الانقسامات السياسية.

في هذا السياق، لا تظهر جماعات «الإسلام السياسي» في الرواية كعنصر منفصل عن المشهد، بل كقوة تتغلغل تدريجياً داخل النسيج الوطني، مستفيدة من مساحات سمحت بها الدولة ذاتها في لحظات معينة، قبل أن تتحوّل إلى بنية تعمل في الخفاء وتعيد تشكيل المجال الاجتماعي والسياسي من الداخل، غير أن الرواية لا تتوقف طويلاً عند التحليل المباشر، بقدر ما تترك هذه التحوّلات تنعكس على مصائر الشخصيات.

لا تبدو الحرب على «غزة» مجرد خلفية سياسية للرواية، بل تتحوّل إلى لحظة استرداد لوعي قديم

إحالات فنية

ومع انتقال السرد إلى غزة، يقترب النص من الجانب الأكثر قسوة في الحرب، خاصة عبر تفاصيل العمل داخل مستشفياتها، حيث يصبح الجسد الفلسطيني نفسه مساحة يومية للعنف والحصار، ليقترب السرد مع نهاية الرواية من المشهد الذي يضطر فيه «عمر» إلى إجراء عملية بتر لمصاب من دون استخدام «مُخدر»، بعدما منع الاحتلال الإسرائيلي دخول الإمدادات الطبية، هنا لا تكتفي الرواية بإدانة الحرب من بعيد، بل تقترب من أثرها المادي المباشر على الجسد الإنساني، كاشفة كيف يتحوّل الطب نفسه من فعل إنقاذ إلى مواجهة شبه مستحيلة مع الألم.

تمتلئ الرواية بإحالات فنية وأدبية بوصفها امتداداً شعورياً للشخصيات نفسها، فعندما تُزيّن «إيمان» شعر «عمر» بزهور البنفسج، يحيلنا السرد إلى صورة الإله «باخوس» في لوحة «كارافاجيو» الشهيرة، وحين تعثر البطلة لاحقاً بين أشيائها القديمة على الرواية الفرنسية «الأميرة دي كليف» تجد نفسها متقاطعة مصيرياً مع بطلتها؛ امرأة ممزقة بين حب حقيقي وحياة اختارتها تحت ضغط، قبل أن يفيض بها الذنب هي الأخرى، وتستدعي الرواية تحديداً قرار «الأميرة دي كليف» في نهايتها «باللجوء إلى الخدمة العامة للتكفير عن ذنبها»، وهو ما ينعكس بدوره على رحلة «إيمان» إلى رفح، بوصفها محاولة متأخرة للخلاص، أو لسداد دين عاطفي وأخلاقي قديم، ليصبح توظيف الفنون في الرواية أقرب إلى انعكاسات مرآوية شجية.

ولا تبدو هذه الإحالات الفنية والأدبية منفصلة عن التكوين النفسي للأبطال، بقدر ما تكشف عن الطريقة التي يرى بها «عمر» و«إيمان» العالم؛ فالحب عندهما لا يتشكل في فراغ، بل عبر الفن، والموسيقى، والكتب، والمدينة القديمة بكل طبقاتها الثقافية والرمزية لذلك تأتي استعادة اللوحات والروايات والأماكن التاريخية بوصفها محاولة لمقاومة القبح والعنف المحيطين بهما، وكأن الشخصيتين تحاولان الاحتماء بالجمال من عالم يتآكل تدريجياً تحت وطأة الحرب والهدم والخسارات المتتالية.

من ثم، في موازاة رثاء الحب، تبدو «السماء الثامنة» في أحد مستوياتها رثاءً لأبرياء الحرب، ومحاولة للتمسك بما تبقى من الحب والحقوق والذاكرة، في عالم يتآكل فيه البشر والمدن معاً.