مفارقة العيش كمثقّف جاد عند إراسموس

عمل بطولي أم أشغال صيانة معرفية لا تنتهي؟

إراسموس
إراسموس
TT

مفارقة العيش كمثقّف جاد عند إراسموس

إراسموس
إراسموس

يُنصّب كينيث سكوت لاتوريت في تأريخه للمسيحية (1953)، كما كثير من مؤرخي الثقافة الغربيّة، ديزايريوس إراسموس روترداموس (1466-1536)، الشهير بإراسموس الرّوتردامي (نسبة إلى روتردام في هولندا)، أميراً للمثقفين الإنسانويين و«مجدهم المتوّج» في فترة بدايات النهضة الأوروبيّة بنسختها الشماليّة الغربيّة نحو عام 1500. ويعده الأوروبيّون المعاصرون أوّل نموذج للمثقّف الأوروبي العابر للحدود الوطنيّة واللغات المحليّة، فهو وإن وُلد روتردامياً هولندياً، فقد تلقى دراسته الجامعيّة الأولى بباريس، وعين أستاذاً بكامبريدج، وألقى دروساً في أكسفورد، وشارك لاحقاً بتأسيس جامعة لوفين (بلجيكا)، قبل أن يتلقى شهادة الدكتوراه من جامعة تورين الإيطاليّة، ويقضي أيّامه الأخيرة لاحقاً في بازل بسويسرا. ويقول دارسو سيرته إنّه كان قبل وفاته على تواصل دائم عبر الرّسائل البريديّة مع أكثر من 500 مثقّف وأديب عبر القارة الأوروبيّة، قبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت بخمسة قرون. ولذا، فإن برامج التبادلات الثقافيّة بين الدول الأوروبيّة اليوم تحمل اسمه. وقد ترك الرجل تراثاً هائلاً من النصوص والجدل الرفيع، إلى جانب أعماله الكثيرة في ترجمة الكتب المقدّسة عبر اللّغات، لا سيّما تلك النسخة ثنائيّة اللغة لاتينية-إغريقيّة التي أصبحت بمثابة معيار لحالة اللغتين في تلك اللحظة التاريخيّة السائلة.
وبعكس صورة المثقّف الرّاهب الزّاهد التي سادت في العصور الوسطى، فإن إراسموس الطالع من أصول فقيرة وحاجة شديدة إبّان صغره بذل جهوداً معظّمة لتقديم نفسه في إطار غير مألوف عند أبناء جيله: المثقّف النّجم، صاحب الحظوة والنفوذ، الرّافل في خير عميم. وقد اجتهد في تقديم تلك الصورة المرسومة لشبكة علاقاته الواسعة بالبيوتات الحاكمة والبابوات ورجال العلم، ورفض دائماً الانخراط الكلي في وظيفة دائمة عند أحد رعاة الثقافة المحسنين، مفضلاً دائماً العمل مستقلاً على مشاريع موقوتة، يتفق عليها مفردة ثم يمضي إلى غيرها، وهو فوق ذلك أنفق ثروة معتبرة على استئجار خدمات فنانين محترفين لرسم بورتريهات له ملكيّة الطابع، لعل أشهرها تلك اللوحة التي أنجزها هانز هولبين الصغير، والتي لا تقل بهاء عمّا كان ينجز في تلك الأوقات للبابوات والملوك وعلية القوم.
لكّن قراءة عريضة لمجمل التراث الأدبي للرجل بعيون عصرنا تكشف أنّ هذه المظاهر الاستعراضيّة على دقّتها وجدّيتها المُفرطة لم تُخفِ بالطبع تقاطع المفارقات الكثيرة والتناقضات الأساسية التي عاشها إراسموس كمثقف صارم جاد في سعيه للموازنة بين متطلبات العمل الثقافي المرهق الذي يستهلك الوقت والصحّة والعمر، والحاجات الماديّة الإنسانيّة اللازمة لاستمرار العيش، لا سيّما تلك المعنية بالاحتفاظ ببريق الصورة العامّة التي كان يحاول تثبيتها عن جاه المثقّف الذي كانه، ملكاً للكلمة، وحاملاً لصولجان المعارف.
وتكشف سيرة القديس جيروم، التي كتبها إراسموس عام 1516، عن هذا التوتّر بجلاء عبر إغداقه المديح لمثله الأعلى أدبياً، بوصفه «يحسن استخراج الذّهب من أكوام القمامة»، بمعنى أنّه يقرأ آلاف الصفحات، ويقلّب مئات المخطوطات، بحثاً عن كنوز المعرفة، فينظمها ويشّذبها ويترجمها أحياناً لتكون متوفرة لطالبي العلم من بعده، وهو كان الأقدر على كشف تلك القيمة الاستثنائيّة لجهود القديس جيروم، لأنّه كان من النّوع ذاته تماماً: ذلك الباحث الدؤوب الذي يقلّب بدقّة عجيبة أكواماً من الكتب والمخطوطات القديمة والشذرات المملوءة بالغثّ، والنصوص المزيّفة والمنحولة والمنحطة، ليصنّف منها قطع معارف يسهل العودة إليها، مع تعليقات عين مثقفة عالمة على محتواها (كما في كتابه عن الأمثال وغيرها)، مما قد يدفع المرء للتساؤل عن تناقض هذه الصّورة لبحث مضن متعب مغبّر أشبه بأعمال تنظيف المنزل التي لا تكاد تنتهي حتى تبدأ من جديد، مع صورته التي رسمها هولبين وتظهره يجلس مزهواً مرتاحاً في ملابس وثيرة، وقد أسند يديه إلى كتاب رسائل القديس جيروم (جمع مادته وحققها ونشرها إراسموس)، وقد زُيّنت صفحاته من الجوانب بعبارة إغريقيّة تعني «أعمال هرقل»، تفخيماً وتعظيماً لجهوده في إخراج الكتاب على الوجه الثمين الذي ظهر به. فكيف تجتمع تلك الهرقليّة البطوليّة الطابع مع أعمال «التنقيب في القمامة» بحثاً عن القطع الكريمة المدفونة فيها؟ لا شكّ بأن إراسموس أدرك أكثر من غيره طبيعة العمل الثقافيّ، لكنّه في الوقت ذاته يعلم بأنّ الأثرياء والزّعماء الذين يمكنهم أن ينفقوا على الإنتاج الثقافي لا يقدّرون نوعيّة العمل الروتيني المتكرر في صيانة المعارف وتنظيمها وتحقيقها وترجمتها، ويميلون إلى الانتقاص من قيمته بتصوره أشبه بجهود خدم المنازل زهيدة التكاليف، ولذا فهو عندما تفاخر بإنجازه كتاب رسائل القديس جيروم، كما في البورتريه الدّعائي الطابع، صبغه بلون البطولة الهرقليّة (صيغة البطولة التامة في عصره).
ويذكر معاصرون له أنّه رغم عشقه التام للتنقيب في المخطوطات والكتب، فإنه بعدما تحسنّت أحواله الماديّة، كان يعيّن مساعدين من الطلبة والمتعلمين يدفع إليهم كفاف عيشهم ليقوموا عنه بالعمل الثقافي المتعب المنهك للبصر، كما ترتيب المكتبة والفهارس وتنظيف المنزل وقضاء الحوائج من الأسواق، بينما يتولى هو مرحلة الصيّاغة النهائيّة واكتساب الصيت، على نحو يسمح له بقضاء مزيد من الوقت يبنى نجوميته في بلاطات الأمراء، أو يخوض النقاشات السفسطائية مع كبار المثقفين، أو يلقى بفلسفته على مريديه في الجامعات، أو يقرأ ويدبّج الرّسائل الطويلة المتبادلة مع رفقاء المهنة والناشرين عبر القارة.
لا تبدو حياة المشتغلين بالعمل الثقافي هذي الأيام قد اختلفت عن طبيعتها كثيراً في زمن إراسموس. فما زالت النّظرة الدونيّة لقيمة العمل الثقافي سائدة بين علية القوم وعامتهم، فيتلقى الباحث أو المفكر أو الكاتب نقوداً معدودة مقابل نصوص تتطلب اطلاعاً وحنكة ومعرفة وقدرات لغويّة لا تتوفر لغالب الناس، وهم -في أغلبيتهم الساحقة- مضطرون لنشر كتبهم مجاناً أو مقابل مشاركة ماديّة في تكاليف الطباعة، دون توقع عائد يذكر، ويصرفون جزءاً كبيراً من دخلهم على شراء الكتب واشتراكات المجلات وحضور المناسبات الثقافيّة المختلفة والمؤتمرات واقتناء أدوات الكتابة، وهم في الوقت ذاته مطالبون بتقديم أنفسهم أمام جمهورهم كشخصيات لها حضورها المميّز، تعيش سلاماً داخلياً ولديها من سعة البال ما يكفى للانخراط في أنشطة عامة ونقاشات متخصصة، يكون أغلبها دون مقابل، مع توفير وجود مستمر أيضاً على منصات التواصل الاجتماعي المختلفة كي يبقى ذكرهم سائداً بين العالمين. وهذا كلّه بينما تتضاعف تكاليف الحياة الماديّة، وتتضخم فواتير الخدمات العامّة، وتزداد الحاجة للأطباء والأدوية والنّظارات مع تقدّم الأيّام، ويتهالك الجسد ويسقط متعباً من آونة لأخرى، ناهيك بالطبع من الحاجات الاجتماعية والنفسيّة التي تُستحق عند الاحتفاظ بعلاقات إنسانيّة دائمة مع قرين - قرينة وأطفال.
تبدو هذه الدّائرة المفرغة المفزعة معاً قدراً لا فكاك منه للمتخصصين في العمل الثقافي أيّام عصر الرأسماليّة المتأخرة الذي نعيش، تماماً كما كانت عند إراسموس عام 1500: نوعاً من طبيعة الأشياء التي لا يمكن تغييرها، وقدراً ينبغي تقبله، والاكتفاء بمحاولة تجميل آثاره القاسية. ولذا، فعندما ترى مثقفاً نجماً يتنقل بين الموائد والشاشات متأنقاً متفلسفاً فهو واحد من اثنين لا ثالث لهما، إلا من رحِمَ ربي، إما وريث ثروة طائلة يتعاطى الثّقافة ترفاً ودفعاً للملل، أو هو إراسموس معاصرنا، مدّع جاه لا يملكه، بينما يقضي حياته - رغم تنطّعه في الآراء والمواقف أمام العموم - يوماً بيوم، بانتظار الرّاتب الهزيل، أو تلك الدّفعة المتأخرة دوماً من الجريدة أو دار النشر، أو ربما تَفَضُّل أحد المحسنين عليه تأليفاً للقلوب وتلويناً للضمير.



مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
TT

مشكلات تقنية تحول دول إطلاق «أرتيميس 2» إلى القمر في مارس

صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)
صاروخ «أرتيميس 2» التابع لوكالة «ناسا» موجود بمركز كينيدي للفضاء في فلوريدا (أ.ف.ب)

أعلن رئيس وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» جاريد آيزكمان، السبت، أن إطلاق مهمة «أرتيميس 2» لن يكون ممكناً في مارس (آذار)، بسبب مشكلات تقنية في الصاروخ الذي سينقل رواداً في رحلة حول القمر للمرة الأولى منذ أكثر من 50 عاماً.

وأوضح آيزكمان أن فرق «ناسا» رصدت هذه المشكلات ليلاً، وهي عبارة عن خلل في تدفق الهيليوم في إحدى طبقات الصاروخ.

وأشار في منشور عبر منصة «إكس» إلى أن الأعطال التي تسببت في ذلك، «أيّاً كانت»، ستجبر الوكالة على إعادة الصاروخ إلى مبنى التجميع «ما سيجعل نافذة الإطلاق المقررة في مارس مستبعدة».

وسبق للوكالة أن أعلنت أنها تخطط لإطلاق المهمة اعتباراً من 6 مارس، بعدما أجرت للصاروخ اختباراً شاملاً في ظروف حقيقية بدا للوهلة الأولى ناجحاً.

شعار وكالة الفضاء الأميركية «ناسا» (رويترز)

لكنّ إدارة الوكالة أوضحت أن المهندسين سيحتاجون إلى أيام عدة لتحليل البيانات المتعلقة بهذا الاختبار، وأن من الضروري إجراء مناورات أخرى وعمليات تَحقُّق.

وستكون هذه المهمة التي تنطلق من قاعدة كاب كانافيرال في ولاية فلوريدا وتستمر نحو عشرة أيام أول رحلة مأهولة حول القمر منذ أكثر من 50 عاماً.

وكانت «ناسا» حددت خمس نوافذ إطلاق ممكنة في مارس، وأعلنت أيضاً ست فترات محتملة أخرى للإطلاق في أبريل.


اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
TT

اتهامات التحرش تقود لحذف اسم مؤلف «فخر الدلتا» من شارة العمل

مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)
مشهد من المسلسل (صفحة أحمد رمزي على «فيسبوك»)

بعد يومين من الجدل المصاحب لنشر شهادات نسائية عبر حسابات موثّقة على «فيسبوك» ضد مؤلف مسلسل «فخر الدلتا»، قررت الشركة المنتجة للمسلسل حذف اسم المؤلف «مؤقتاً» من شارة العمل.

ومنذ بدء عرض المسلسل، الذي يقوم ببطولته «اليوتيوبر» أحمد رمزي في تجربته الدرامية الأولى، تحدثت فتاة عن تعرضها للتحرش من المؤلف خلال عملهما معاً قبل سنوات عدة، مشيرة إلى أنه حاول لاحقاً الاعتذار عما بدر منه، لكنها لم تقبل اعتذاره.

ورافق هذه الشهادة عدد من التدوينات الأخرى كتبتها فتيات عملن مع المؤلف الشاب في أماكن عمل سابقة، غير أن أيّاً منهن لم تعلن لجوءها إلى القضاء أو تقديم بلاغات رسمية ضده. كما تضمنت الشهادات تعليقات من فتيات أخريات تحدثن عن تعرضهن لوقائع مماثلة، في حين التزم المؤلف الصمت، وأغلق حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأصدرت الشركة المنتجة للمسلسل بياناً، الجمعة، أكدت فيه اطلاعها على التدوينات المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أنها، مع أخذ الاتهامات على محمل الجد، قررت إزالة اسمه من شارة العمل «مؤقتاً» لحين التحقق من صحة ما يُتداول، واتخاذ الإجراءات المناسبة بناءً على ما تسفر عنه نتائج التحقيق.

فريق عمل المسلسل (الملصق الترويجي للعمل - الشركة المنتجة)

المسلسل، الذي يشارك في بطولته انتصار وكمال أبو رية، إلى جانب أحمد عصام السيد، ويخرجه هادي بسيوني، تدور أحداثه في إطار اجتماعي حول شاب يعيش في دلتا مصر، وينتقل إلى القاهرة لتحقيق حلمه بالعمل في مجال الإعلانات. ويتكوّن العمل من 30 حلقة، ولا يزال تصويره جارياً.

وعدّ الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين قرار الشركة المنتجة «مخالفاً لقاعدة أساسية في القانون، وهي أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، معتبراً أن الإجراء جاء استباقياً قبل التحقيق في الوقائع المذكورة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «رد الفعل اتخذ طابع الاستجابة الإعلامية لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي بهدف تجنب دعوات مقاطعة مشاهدة العمل».

وتابع أن «حذف اسم المؤلف من شارة العمل لا يعد الإجراء المناسب في مثل هذه الحالات لعدة أسباب، في مقدمتها أن العمل من تأليفه، وحقه الأدبي يقتضي نسبته إليه. أما الاتهامات التي يواجهها، ففي حال ثبوتها يجب أن تتم محاسبته قانونياً عبر تحقيقات رسمية، وليس عبر إصدار أحكام مسبقة من مواقع التواصل دون جهات تحقيق مستقلة».

ويرى الناقد الفني خالد محمود الرأي نفسه؛ إذ أكد لـ«الشرق الأوسط» أن «بيان الشركة يعكس استجابة لضغوط مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصاً أن المسلسل يمثل التجربة الدرامية الأولى لبطله، وبالتالي هناك مساعٍ لتجنب أي عثرات قد تؤثر في متابعة العمل، الذي تكلف مالياً، ولا يزال يُعرض في بداية السباق الرمضاني».

ووصف مسألة حذف الاسم بأنها «تصرف غير مبرر» و«لا يتناسب مع طبيعة الاتهامات التي يواجهها، والتي يُفترض أن تكون محل نظر أقسام الشرطة وتحقيقات النيابة»، على حد تعبيره، مستبعداً عدول الشركة عن قرارها أو الإعلان عن نتائج التحقيقات قريباً، في ظل أن جهة الإنتاج ليست مسؤولة أساساً عن التحقيق في وقائع حدثت قبل التعاقد مع المؤلف، ومع أشخاص لا تربطها بهم أي صلة.


دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
TT

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)
صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ، مشيرة إلى أن الفكرة راودتها منذ أكثر من خمسة أعوام، لكنها اعتادت أن تكتب أكثر من سيناريو في الوقت نفسه، ثم تترك لكل مشروع فرصته في النضج، إلى أن تتوافر ظروف إنتاجية مناسبة.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أنها في البداية كانت تتصور أن الفيلم سيُنفَّذ سريعاً، إلا أن مسألة التمويل لم تكن سهلة، فتأجل المشروع أكثر من مرة، وتغير المنتجون، وتداخلت انشغالاتها بين التلفزيون والسينما، مشيرة إلى أنها قدمت خلال تلك الفترة أعمالاً مختلفة، من بينها مشاريع تلفزيونية بميزانيات كبيرة، لكنها لم تتخلَّ عن حلم إنجاز هذا الفيلم، الذي ظل بالنسبة إليها مشروعاً شخصياً وإنسانياً في المقام الأول.

عرض الفيلم في افتتاح برنامج البانوراما بالمهرجان (إدارة برلين السينمائي)

وعرض الفيلم للمرة الأولى في افتتاح برنامج «البانوراما» ضمن فعاليات النسخة 76 من مهرجان «برلين السينمائي الدولي» في دورته الـ76 وهو من بطولة الفنانة الفلسطينية هيام عباس والممثل السوداني أمين بن رشيد، وتدور أحداثه حول قصة حب تجمع بين أرملة فلسطينية وشاب سوداني يجتمعان في بيروت، ويواجهان مشاكل كثيرة في حياتهما.

ميزانية ضعيفة

تقول المخرجة اللبنانية إن «التحول الحقيقي لخروج الفيلم للنور حدث عندما عُرض عليها تنفيذ الفيلم بميزانية متواضعة لا تتجاوز 600 أو 700 ألف يورو، وهو رقم ضئيل بمعايير الإنتاج الأوروبي»، مشيرة إلى أن «البعض ربما يرى في ذلك عائقاً، لكنها رأت فيه فرصة للحرية، لأن ضعف الميزانية يعني غياب الضغط التجاري، وعدم الخضوع لمنطق شباك التذاكر، فالسينما، بالنسبة إليها، ليست سباق أرقام، بل مساحة بحث وتجريب، بجانب خبرتها السابقة في إنجاز أعمال بميزانية ضخمة وأخرى بميزانيات محدودة».

وأوضحت أن ميلها إلى التجريب يعود إلى اشتغالها في مجال «الفيديو آرت»، حيث اعتادت التفكير بالصورة بوصفها مادة قابلة لإعادة الاكتشاف، مشيرة إلى أن ما كان يشغلها في «لمن يجرؤ» لم يكن الموضوع وحده، بل الطريقة التي يمكن أن تُروى بها الحكاية، وكيف يمكن تحويل الظروف الصعبة إلى خيار جمالي مختلف.

عربيد تقول إن العنصرية باتت ظاهرة عالمية (إدارة مهرجان برلين)

وأضافت أن «الفيلم كان من المقرر تصويره في لبنان، لكن التصعيد العسكري واندلاع الحرب غيّرا كل الخطط، وجعلها تشعر بخوف حقيقي على البلد، وعلى العائلة والأصدقاء، لكنها في الوقت نفسه أحست بمسؤولية تجاه المكان»، لافتة إلى أن «الفكرة لم تعد مجرد إنجاز فيلم، بل توثيق صورة لبنان قبل أن تتغير أو تختفي، ولذلك رفضت اقتراحات تصوير العمل في فرنسا بديكورات تحاكي بيروت.

وأوضحت أنها قررت إرسال فريق تصوير إلى لبنان لتوثيق الشوارع والبيوت خالية من الناس، ثم أعادت تركيب هذه الصور داخل استوديو قرب باريس باستخدام تقنية الإسقاط الخلفي، مع جعل الممثلين يؤدون أدوارهم أمام هذه الصور، في مساحة محدودة لا تتجاوز بضعة أمتار، بينما توحي الصورة بأنهم يتحركون في شوارع بيروت أو داخل منازلها، مؤكدة أن هذا الحل لم يكن مجرد بديل تقني، بل أصبح جزءاً من هوية الفيلم، ومن إحساسه بالتوتر والانتظار.

تألق هيام عباس

وتوقفت عربيد عند علاقتها ببطلة العمل الممثلة الفلسطينية هيام عباس، مشيرة إلى أن تعاونهما يعود إلى أواخر التسعينات في فيلمها القصير الأول، قبل أن تتباعد مساراتهما المهنية، مؤكدة أن فكرة العمل مجدداً مع عباس ظلت تراودها، لأنها ترى فيها ممثلة ذات حساسية عالية وقدرة كبيرة على التعبير بالصمت بقدر التعبير بالكلمات.

وأضافت أن شخصية «سوزان» في الفيلم احتاجت إلى ممثلة تستطيع نقل المشاعر عبر نظرة أو ارتجافة بسيطة في الوجه، وهو ما وجدته في هيام عباس، لافتة إلى «أن العلاقة بين بطلي الفيلم تقوم على تناقض واضح، سواء في الخلفية الاجتماعية أو الثقافية، لكنها رأت في هذا التناقض جوهر الحكاية».

المخرجة اللبنانية دانيال عربيد (إدارة مهرجان برلين)

وأوضحت أن الفكرة مستوحاة جزئياً من أعمال سينمائية قديمة تناولت علاقة بين شخصين مختلفين جذرياً، لكنها أعادت صياغتها في سياق معاصر، بحيث يصبح التباين مدخلاً لفهم إنساني أعمق.

وعن اختيار أمين بن الرشيد، قالت إنها تعرّفت إليه عبر اختبارات أداء قبل سنوات، ورأت فيه صدقاً وحضوراً يناسبان الدور وأجرت بروفات مكثفة جمعته مع هيام عباس، لاختبار الكيمياء بينهما، لأن الثقة التي نشأت داخل فريق العمل كانت عنصراً أساسياً في نجاح التجربة، خصوصاً أن التصوير تم في ظروف غير تقليدية.

وأكدت عربيد أن الفيلم، وإن بدا للبعض نقداً للمجتمع اللبناني، فإنه في جوهره يتناول مسألة أوسع تتعلق بالعنصرية والخوف من الآخر، بالإضافة إلى أن العنصرية ليست حكراً على بلد بعينه، بل هي ظاهرة عالمية، مشيرة إلى أنها تعيش بين لبنان وفرنسا، وهذه الحركة بين البلدين تمنحها مسافة تأمل تسمح لها بطرح الأسئلة من دون الانحياز الكامل إلى جهة واحدة.