عبد العزيز البابطين: الانقسام السياسي بين المثقفين يؤرقنا.. والفتن الطائفية تحدينا الأكبر

ملك المغرب يرعى دورة «أبي تمام الطائي» في حضور أكثر من 300 مثقف عربي

عبد العزيز البابطين
عبد العزيز البابطين
TT

عبد العزيز البابطين: الانقسام السياسي بين المثقفين يؤرقنا.. والفتن الطائفية تحدينا الأكبر

عبد العزيز البابطين
عبد العزيز البابطين

يرى الشاعر عبد العزيز سعود البابطين، رئيس «مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري»، أن الانقسام السياسي بين المثقفين العرب، يمثل هاجسًا يؤرق الناشطين في الحقل الثقافي ومن ضمنهم مؤسسة البابطين، التي تحتفل غدا بانعقاد دورة «أبي تمام الطائي» في مراكش المغربية، برعاية الملك محمد السادس، في حفل يحضره أكثر من 300 مفكر وأديب ومثقف عربي.
تنعقد الدورة وسط صراعات سياسية وآيديولوجية تجتاح المنطقة، ما ألقى بثقله على علاقات المثقفين. في هذا السياق، دعا البابطين المثقفين العرب إلى لعمل على التأثير في «شعوبهم وفي سياسات بلدانهم لدفعها نحو التقارب». وقال البابطين، إنه «كلما انخرط العالم في صراعات أكثر، ازدادت الحاجة للقريحة الإنسانية المتمثلة بالشعر والأدب الداعيين للسلام، فما حاجتك إلى أدب يدعو إلى السلم في أوقات السلم؟ ففي زمن الحروب تحتاج إلى الشعر الداعي إلى إطفاء لظى الكراهية بين الشعوب حين تتأجج الصراعات الدامية».
وعد البابطين أن أكبر التحديات التي يمر بها الوطن العربي «تتمثل في تأجيج جذوة الطائفية والمذهبية». وأشار إلى دور المثقف الذي يتجسّد في «نشر التوعية المتمثلة في طوق النجاة الذي اسمه الوحدة الوطنية». وقال: «لا أحد يستطيع القيام بهذا الدور تحديدًا، أكثر من المثقف».
في ما يلي نص الحوار الذي أجرته «الشرق الأوسط» مع الشاعر عبد العزيز سعود البابطين..
*تحتفل مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين للإبداع الشعري، بمرور ربع قرن على تأسيسها.. ما الذي تطمح إليه المؤسسة بعد هذا المشوار الطويل؟
- بل قل ماذا بدأ من طموحات؟ كانت انطلاقة المؤسسة عام 1989، البذرة التي انبتت الجذع فالأغصان. كانت البذرة عبارة عن تأسيس لمشروع أدبي شعري تحديدًا. ثم وجدنا أن الأغصان تتفرع في اتجاهات مختلفة يصب جميعها في خانة الأدب والفكر الإنساني وتلاقي الحضارات. وألفينا أنفسنا ننشئ مراكز متعددة، مثل «مركز البابطين لحوار الحضارات» في جامعة قرطبة، و«مركز البابطين للترجمة» في بيروت، و«مركز البابطين لتحقيق المخطوطات الشعرية» في جامعة الإسكندرية، و«مركز الكويت للدراسات العربية والإسلامية» في جامعة الإمام الشافعي بجزر القمر. وأقمنا دورات في اللغة العربية وعلم العروض، في ما يزيد على 40 جامعة في مختلف الدول العربية والإسلامية. ونؤسس اليوم لكراسي للدراسات العربية في الجامعات الأوروبية. وهذا يعني أن الطموح يتجدد كل مرة مع تجدد الحياة، ووجود معطيات جديدة تستوجب منا النهوض بمسؤولياتنا الثقافية تجاهها.
*إلى أي مدى نجحت المؤسسة في ما فشلت فيه وزارات الثقافة في العالم العربي، لجهة جمع شمل الأدباء والشعراء والمثقفين؟
- النجاح كان لافتًا ومتميزًا، بدليل الاستمرارية التصاعدية وليس العكس. ولا أدري ما هو الوضع بالنسبة لوزارات الثقافة، لكي أعتقد أن العمل الثقافي للهواة أنجح من العمل الثقافي للموظفين الرسميين في الوزارات، لأن هاوي الثقافة يعطيها بشغف ومحبة، ويكرس لها وقتًا وجهدًا كبيرين، ليس فقط في أوقات العمل الرسمي الذي يخصصه الموظف عادة، فالهواة يعملون طيلة النهار، وأثناء الليل أحيانا. أما الموظفون في الوزارات، فيلتزمون ساعات العمل المحددة، لذلك تتحول العلاقات الثقافية في حالة الهاوي، إلى ما يمكن اعتباره علاقة عائلية منسجمة، فالضيوف الذين يحضرون أنشطتنا يشعرون معنا بجو أسري، وكأن كل واحد فيهم أسهم في تكبير عمل المؤسسة بجهوده الأدبية والفكرية. الأمر الآخر، هو أن الوزارات مضطرة للعمل الثقافي بحكم وظيفتها، بينما في الثقافة الخاصة التي يؤسسها أفراد، لا أحد يجبرهم على ذلك، بل يقومون به بحب ورغبة حقيقية في العمل الثقافي.
*كيف تطورت المؤسسة من مجرد مانحة لجوائز للشعراء لتصل إلى حوار الحضارات؟ هل يحتمل الشعر هذا العبء الإنساني؟
- في بداية إنشاء المؤسسة، اقتصر الأمر على حفل تكريم للفائزين بجوائزها المتمثلة في أفضل قصيدة، وأفضل ديوان، وأفضل كتاب في نقد الشعر، إلى جانب جائزة تكريمية لشاعر من الرواد. ثم أصبح الأمر مصحوبًا بندوة أدبية عن شاعر له تاريخ عريق. بعد ذلك، في عام 2004، أدخلنا ندوة عن حوار الحضارات بدأناها في الأندلس مهد تعايش الحضارات والديانات السماوية إبان الحكم العربي الإسلامي. ومن ثم بدأت التوسعات الكثيرة التي ذكرتها في إجابة سابقة، وكان آخرها إنشاء المعهد العربي الأوروبي لحوار الحضارات في إيطاليا.
*نظمتم ملتقى «الشعر من أجل التعايش السلمي»، هل يمكن للشعر أن يوفّر للناس وللمبدعين خاصة، سفينة تعبر بهم عواصف الصراعات المحتدمة في العالم العربي اليوم؟
- نعم، وجوابي هنا عمليًا وليس نظريًا، من خلال الملتقى الذي أقمناه في دبي عن الشعر والتعايش السلمي بين الشعوب. فقد قدم الباحثون ندوات تؤكد حقيقة أن الشعر عنصر مهم وحيوي في التعايش بين الأمم، كونه نتاج فكرٍ إنساني متشابه ومتماثل في أذهان كل الشعوب من دون استثناء. والشعر هو المتوغل في وجدان القارئ في أي مكان. وبالتالي يمكن اعتماد الشعر كأداة إنسانية للتواصل الحضاري. كما وقف شعراء عرب وأجانب جنبًا إلى جنب في الأمسيات الشعرية، وتبين عمق الرغبة المشتركة في العيش بسلام على هذه الأرض.
*قلتم إن «الشعر والحوار هما من نبع واحد»، يمكنهما إخراج الناس «من الخنادق التي حفرت لهم، والكهوف التي حشروا فيها إلى الفضاء الإنساني العام». أليست التصورات هذه رومانسية في عصر الانفجار الدموي للكراهيات في الشرق الأوسط؟
- كلما انخرط العالم في صراعات أكثر، كلما ازدادت الحاجة للقريحة الإنسانية المتمثلة بالشعر والأدب الداعي للسلام. أصلًا، ما حاجتك إلى أدب يدعو إلى السلم في أوقات السلم؟ أنت في زمن الحروب تحتاج إلى الشعر الداعي إلى إطفاء لظى الكراهية بين الشعوب، حين تتأجج الصراعات الدامية. والأدب بشكل عام، هو الوحيد الذي لا يتأثر بالخلافات بين الشعوب. فلا أحد يمتنع عن قراءة أشعار شاعر ينتمي إلى بلد يعاديه، لأنه وليد فكر بشري خلاق نحو الإبداع وليس نتاج فكرٍ عسكري أو حربي. وإذا استطعت نشر الأدب الداعي إلى السلم بين الناس، فسوف تتشكل شرائح مناهضة للحروب وداعية للسلام.
*هل يعيق الانقسام السياسي بين المثقفين العرب اليوم عملكم؟ وهل لديكم مشروع يرتفع فوق هذه الانقسامات؟
- الانقسام السياسي بين المثقفين العرب لا يعيقنا، بل يؤرقنا ويشكل بالنسبة إلينا، هاجسًا لتلافيه وردم الفجوات بين هؤلاء المثقفين، لعلهم يؤثرون في شعوبهم وفي سياسات بلدانهم لدفعها نحو التقارب لا التناحر. وكل ما نقوم به، يقع ضمن مشروعنا الداعي إلى هذا التقارب، لذلك تجد في دوراتنا وملتقياتنا وأنشطتنا بشكل عام، ضيوفًا من بلدان هي فعلًا في حالة خلاف ونزاع سياسيين، وقد تكون هذه البلدان ذات تاريخ مشترك وثقافة مشتركة، لكن الخلافات السياسية باعدت بين شعوبها. فهم يلتقون في ندواتنا ويتحاورون ويتصافحون كدلالة على أن الثقافة تسمو على الخلافات التي يتسبب بها السياسيون.
*برأيكم، ما هي التحديات التي يمرّ بها الوطن العربي؟ وهل هناك دور للمثقفين والأدباء في الحدّ منها؟
- أكبر التحديات التي يمر بها الوطن العربي يتمثل في تأجيج جذوة الطائفية والمذهبية، فهي أخطر أنواع التحديات، لأن النار التي تشتعل فيها تكون داخلية، وهي أخطر من النار التي تأتي من الخارج، التي يمكن محاصرتها بعيدًا عند الأطراف. وهنا يتجسد تمامًا، دور المثقف في نشر التوعية المتمثلة في طوق النجاة الذي اسمه «الوحدة الوطنية». لا أحد يستطيع القيام بهذا الدور تحديدًا، أكثر من المثقف، ولا حتى السلطات، لأن التوعية الوطنية هي عملية تثقيف وليست قرارات رسمية.
أصدرتم معجم البابطين للشعراء العرب المعاصرين، خلال أعوام 1995و2002 و2014، وضم في طبعته الثالثة، 2500 شاعر معاصر. كذلك معجم البابطين لشعراء العربية في القرنين التاسع عشر والعشرين، الذي ضم أكثر من 8 آلاف شاعر. هل ستواصل المؤسسة أعمالها المعجمية؟
- نعم، بين أيدينا اليوم مشروع لعمل معجم أوسع، هو معجم البابطين لعصر الدول والإمارات العربية. ويشتمل تقريبًا، على شعراء يمتدون تاريخيًا، على مدى 5 قرون (1256–1800)، ونحشد لأجله طاقات علمية غير مسبوقة.
*بالإضافة إلى اهتمامكم بخدمة الثقافة، فأنت شاعر، وقد صدرت لك مجموعتان شعريتان: «بوح البوادي»، و«مسافر في القفار». كما صدرت دراسات نقدية متعددة في أعمالك الشعرية. كيف هي علاقتك بالشعر؟
- علاقتي بالشعر هي التي أخذت بيدي إلى كل هذه المشاريع الثقافية. والشعر هو الفطرة التي وجدتها في داخلي من دون تدخل مني. هي حالة تعيشني وتُدخلني في أجوائها، وتمنحني طاقة روحية تجعلني منسجمًا مع القضايا الإنسانية والعاطفية والاجتماعية التي حولي.
*لكم جهود كللت بالنجاح في إقرار حكومة الأندلس اللغة العربية في مناهجها، هل كان ذلك ضمن برامج المؤسسة في دعم اللغة العربية في غير البلدان الناطقة بها؟
- إقرار حكومة الأندلس تدريس اللغة العربية، هو خطوة محل تقدير كبير. وقد جاءت لاحقة لأنشطة عدة أقامتها المؤسسة في إقليم الأندلس في إسبانيا، وتحديدًا بعد دورة «ابن زيدون» في قرطبة عام 2004، وبعد أن بدأنا بعمل دورات للمرشدين السياحيين لتصحيح مفاهيمهم عن الحضارة الإسلامية هناك. وأيضا تزامن ذلك مع إنشاء الكراسي المتخصصة بالدراسات العربية التي أقامتها المؤسسة في الجامعات الإسبانية. وجاء قرار حكومة الأندلس لتتويج هذه الجهود، بإقرارها تدريس اللغة العربية في مدارسها. نثمن هذه الخطوة وهي تحسب أيضا لوعي حكومة الأندلس وانفتاحها على الثقافات.
*ما حكاية إنشاء مركز البابطين للترجمة؟
- كنت أشاهد برنامجًا على قناة تلفزيونية، يتطرق إلى نسب الترجمة المتدنية في الوطن العربي قياسًا إلى دول أجنبية. كانت النسبة حينها مريعة جدًا. فتوارد إلى ذهني فكرة إنشاء مركز خاص للترجمة في عام 2004. واستطاع المركز في غضون سنوات قليلة، أن يساهم في تشجيع حركة الترجمة والتأكيد على أهميتها الحضارية للأمة العربية، سواء من حيث إصداراته أو من حيث الترويج للأهداف والأنشطة التي قام بها. ويحرص المركز حاليًا، على الاهتمام بترجمة الكتب العلمية والتكنولوجية، في ضوء حاجة المكتبة العربية إلى هذا النوع من الكتب، وللمساهمة في تعميم الثقافة العلمية لدى أوسع شرائح القراء العرب من مختلف الأعمار. فالعالم يصدر سنويا أكثر من 100 ألف كتاب مترجم، أي أكثر من 12 في المائة من مجموع الإصدارات السنوية. غير أن حصة الوطن العربي من الكتب المترجمة سنويًا، هي 330 كتابًا فقط، أي بمعدل كتاب واحد مترجم لكل مليون عربي، مقابل 519 كتابا مترجما لكل مليون شخص في دولة أوروبية متوسطة الحال مثل المجر، ومقابل 920 كتابا لكل مليون نسمة في إسبانيا (استنادا إلى تقرير التنمية البشرية العربية للعام 2003 أي السنة التي سبقت إنشاء مركز البابطين للترجمة).
*ماذا أعددتم لدورة «أبي تمام الطائي»؟
- تقام الدورة برعاية الملك محمد السادس. وقد جرى تحضير كل شيء. وستكون هناك ندوة عن الشاعر العباسي، أبي تمام الطائي، وأخرى عن احتفالية المؤسسة بمرور ربع قرن على تأسيسها. وستكون على النحو الآتي: «اللغة في شعر أبي تمام» للدكتور عبد الله التطاوي، و«بنية الصورة الفنية في شعر أبي تمام» للدكتور عبد القادر الرياعي، و«أصول التجديد الفني في شعر أبي تمام» للدكتور فوزي عيسى، و«شعر أبي تمام وأثره الفني» للدكتور إبراهيم نادن.
بالإضافة إلى محاور الندوة التي تتحدث عن دور المؤسسة الثقافي بمناسبة مرور ربع قرن على تأسيسها، بحيث يتحدث فيها كل من الدكتور محمد حسن عبد الله عن «دور المؤسسة في إحياء الحركة الثقافية العربية»، والدكتور عبد الله أحمد المهنا عن «جهود المؤسسة في إغناء حوار الحضارات»، والدكتور عبد الرحمن طنكول عن «تطلعات القادم وآفاق المستقبل».
وسوف تصدر المؤسسة أيضا ديوان أبي تمام وفيه إضافات جديدة، إلى جانب مجموعة كبيرة من الكتب بهذه المناسبة عن الشاعر المحتفى به، وأخرى عن المؤسسة وتاريخ مسيرتها، بما يغني المكتبة العربية بأفكار وطروحات جديدة، . يصاحب هذه الندوة حفل فني غنائي وأمسيتان شعريتان، أعددنا أولها بناءً على طلب عدد من الشعراء الذين نالوا جائزة المؤسسة في السنوات السابقة. وقد كتب هؤلاء قصائد احتفاءً بالتكريم الكبير الذي ناله الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، الذي منحته الأمم المتحدة لقب «قائد العمل الإنساني» تقديرًا لعطائه المتواصل في مجالات العمل الإنساني المختلفة. وهو في الحقيقة تكريم لكل مواطن عربي. وأعتقد أن هذا الإحساس هو ما دفع هؤلاء الشعراء إلى كتابة قصائدهم في تخليد هذه المناسبة.



معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً. يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.


الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة
TT

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

الرواية حين تصبح مسرحاً للجريمة

لا تنفصل الإحالة التي يحملها عنوان رواية «الحياة في الأبراج الرملية» للشاعر والروائي المصري عمرو البطا عن معمارها السردي، القائم على ثنائية البناء والهدم، بوصفها آليةً لكشف هشاشة البنيان الذي لا يفلح في حماية الإنسان من جموح أحلامه وأشباحه، فـ«البرج» لا يُستدعى هنا بوصفه حلماً فردياً فحسب، بل فانتازيا للسيطرة على عالم «رملي» مُراوغ بطبيعته.

في هذه الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «الشروق» بالقاهرة، يؤسّس الكاتب أسئلته الوجودية من خلال حبكة لجريمة جنائية غامضة، حيث يصحو سكان شارع على مشهد جثة مسجاة على الأرض، فيتورطون في سجالات ممتدة، ولعبة من الشدّ والجذب في محاولة لتتبّع لغز القتيل وسيرته، غير أن الرواية لا تكتفي بحبكة الجريمة بقدر ما تتخذها ذريعة للنفاذ إلى مستويات نفسية واجتماعية أعمق لشخصياتها المعقدة.

لا يتحوّل الشارع في الرواية إلى مجرد خلفية مكانية للأحداث، بل يغدو مسرحاً جماعياً تتقاطع فوقه مشاعر الذنب والارتياب، حيث يصبح كل ساكن في مواجهة احتمالات أن يكون شاهداً، أو متورطاً، أو شريكاً بالصمت. ومع تصاعد محاولات تفكيك لغز الجثة، تتكشف العلاقات الهشّة التي تربط الشخصيات بالمكان وببعضها البعض، ويصبح الشارع فضاءً مكثفاً للشكوك المتبادلة.

طموح خيالي

تنهض الرواية في بنيتها السردية على صوت راوٍ عليم، فيما يُفرد الكاتب لبطله الرئيسي فصولاً بضمير المتكلم، تتقاطع مع سردية الراوي العليم قبل أن يذوبا معاً في النهاية، ويبدو صوت البطل، عبر تداعي الذاكرة، كاشفاً عن تعقيدات طفولته، ومساره التعليمي في الغرب، وقصة حب متوهجة بالخيال، وصولاً إلى حلمه ببناء برجٍ في الصحراء يستعصي تحقّقه على أرض الواقع، غير أن هذا الحلم لا يبدو امتداداً رومانسياً لطموح فردي، بقدر ما يكشف عن رغبة عميقة في إخضاع الفوضى وبناء معنى جمالي، وهو ما يدفع البطل، بعناد واع، إلى المضيّ في استكماله رغم إدراكه لهشاشة الأساس، وعدم واقعية إنجازه.

وتبدو ذروة التحوّل في صوت الراوي في عبارته: «إن كاتب هذه السطور أصبح شخصاً مختلفاً عن كاتب الصفحات السابقة»، بمثابة وعي سردي يُعلن اكتمال التحوّل الذي راكمته الرواية على مستوى الصوت والذات معاً، فهنا يتقاطع مسار السرد مع مسار الذات، في تحوّل داخلي لا يقل هشاشةً وتعقيداً عن الأبراج الرملية التي يسعى البطل إلى بنائها.

عين رمادية

يتكئ الكاتب على رمز «العين الرمادية» بوصفه علامة سردية تتكرّر في مسرح الجريمة وبين مشاهدات الجيران، لتقود إلى سؤال الرؤية وحدودها، ففي مسار فانتازي يعثر أحد الجيران على عين الجثة، فيحملها إلى بيته، لتورطه في مأزق كبير، إلا أنه قبل هذا يكون قد تماهى وجدانياً مع قصة القتيل وهو يُطالع عينه تلك: «رأى ما كابده صاحب العين، هواجسه، وأحلامه، آلامه، موته، رأى كل ذلك في لمحات خاطفة لا تكشف له فكرة واضحة عن شيء، لكنها كفيلة بالتحامه وجدانياً مع صاحب العين»، حيث تتحوّل العين إلى علامة شعورية، وصوت مُختزن، يصعب تفسيره أو السيطرة عليه.

ويظل السرد يُهمِّش شفرة «اللون الرمادي» حتى نهاية الرواية، قبل أن تتكشّف مع تقدّمه دلالتان متوازيتان؛ دلالة جنائية تشير إلى هُوية القتيل، ودلالة إنسانية يستدرّها البطل بقوله: «يمكنني أن أقول بثقة إن كل البشر ذوو عيون رمادية. كلهم يولدون بهذا اللون، ثم تصبغهم الحياة بألوان أخرى»، وهكذا لا يعود الرمادي مجرّد علامة لونية، بل توصيف لحالة إنسانية مُعلّقة.

يُوّظف الكاتب الأمكنة الصغيرة والهامشية في تعميق روابط الشخصيات وألغازها، ما بين «البوتيك» و«الصيدلية» و«الشقة المهجورة» و«الدكان» و«المقابر»، لتغدو هذه الفضاءات بؤراً سردية تُراكم التوتر وتعيد وصل الشخصيات بماضيها، وعلى مستوى البناء، يعتمد السارد في كثير من الفصول على إنهائها عند نقاط ذروة، في تقنية تتسق مع بنية لغز الجريمة المُشوّق، لكنها في الوقت ذاته تعمّق البعد التأملي للرواية، حيث يتحرّك الزمن في مسار دائري يعيد الشخصيات باستمرار إلى جرح الماضي الذي لم يُحسم.

ويتجلّى هذا المنحى في اختيار بعض عناوين الفصول، مثل «أوديب» و«قابيل»، في مساحة فنية تتناص مع تعقيد علاقة البطل بوالده، وتستدعي فكرة الصراع الأبدي والجريمة الأولى بوصفها أصلاً مؤسساً للعنف والذنب، ويتكثف هذا التناص في مشهد يتقمص فيه البطل صورة والدهً: «وجدتني أحلّ في جسد أبي وهو يدلف عبر الباب ويوصده بقوة ثم يسعل ويجلس واضعاً حقائبه فوق المنضدة. وجدتني أمرر يديه الخشنتين على وجهه المبلل بالعرق. كان وجهه عابساً، غارقاً في التفكير».

هنا لا يكتفي السرد بتفكيك صورة الأب بوصفه سلطةً قاسيةً، بل ينتقل إلى مستوى أعمق من التقمّص والتعاطف، حيث تذوب المسافة بين الابن والأب، لتغدو عقدة الجريمة في جوهرها عقدةً نفسيةً بالدرجة الأولى.

وتتكثف ثيمة «البصيرة» داخل الرواية عبر شخصيات ترى ما لا يراه الآخرون، لتأخذنا تدريجياً من منطقة الرؤية إلى منطقة «التعامي»، فشخصية «أم مطيعة» تمتلك قدرةً على الرؤية تتجاوز الظاهر، لكنها تُواجَه بالاستخفاف والإقصاء، كنموذج لمن يُهمشون لأنهم يرون أكثر مما يحتمل الواقع، وعلى الضفة الأخرى، يقف «شحاتة» بوصفه عيناً تراقب الشاردة والواردة أمام دكانه الشاغر.

في المقابل، تمثل «الأم» و«العمة» نماذج متواطئة بفعل القهر، لا لأنهما لا تبصران، بل لأنهما تختاران «التعامي» بوصفه آلية للبقاء، فيصبح العمى استراتيجية دفاعية، في عالم لا يُكافئ من يرى، بل يحمّله تكلفة إضافية.

أما البطل، فيبدو ضحية ملكاته الخيالية الجامحة، تلك التي تمنحه قدرة مضاعفة على الرؤية، لكنها تضعه في مواجهة مباشرة مع الخوف، وفي رحلة تصالحه معه، يصل إلى لحظة إدراك فارقة: «عندما غادرني الخوف لم أعد أكره أحداً حتى من أساءوا إليّ».


«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات
TT

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

«ميثاق النساء» ورواية الأقليات

من دواعي السرور عندي أن أقرأ رواية صادرة عن قلم ينتمي لإحدى الأقليات الكثيرة التي يحفل بها العالم العربي، ولكنها في أغلب الأحيان تغيب عن التمثيل السياسي والثقافي وعن الوعي العام للأغلبية الدينية أو العرقية أو اللونية المحيطة بها. لذلك أبتهج حين يبرز كاتب أو كاتبة من داخل إحدى الأقليات فيثري الوجدان العام بمقاربة الوضع الإنساني من داخل النسيج الحياتي اليومي لتلك الأقلية المغيّبة عادة من الشأن العام. هناك كتّاب من الأقليات ينضوون اختياراً في الثقافة الحياتية للأغلبية المجتمعية حين يجلسون للكتابة، فلا ترى فيما يكتبون انعكاساً للنسيج اليومي لحياتهم في اختلافه عن النسيج العام. أذكر أني مرة سألت الكاتب المسرحي الألمع الفريد فرج: لماذا لا نجد في مسرحه شخصيات قبطية أو انعكاساً من أي لون لكونه مصرياً مسيحياً؟ فلم يحر جواباً فيما عدا أنه قال إنه ثقافياً ينتمي إلى الحضارة العربية الإسلامية.

لا غبار على هذا عندي؛ فالحضارة العربية الإسلامية شيء أوسع من الدين الإسلامي ومن الممكن الانتماء إليها من دون أن يكون المرء مسلماً، إلا أن هذا لا يمنع من الخصوصية المسيحية داخل الانتماء الحضاري الأوسع. إلا أني أعتقد أن الثقافات المهيمنة، دينية كانت أو عرقية، في بلادنا العربية لا تفسح المجال التعبيري أمام الثقافات الأخرى، تماماً كما أنها لا تفسح المجال أمامها سياسياً. هناك دائماً رفض سافر أو مُقنَّع للاختلاف. هناك رغبة لم أفهمها أبداً في احتواء الآخر. هناك عجز عن إدراك أن الاختلاف ثروة وأن التماثل والتشابه والاصطفاف هو أجدر بالآلات والروبوتات، لا بالوجود البشري الخلّاق، المتغير، المولِّد للأفكار على مدى تاريخه من آلاف السنين. لذلك أفرح بالروايات التي تؤكد في نسيجها خصوصيةً ما، عرقية أو دينية أو لغوية أو غيره، في الوقت ذاته الذي تؤكد التماثل الأكبر: التماثل البشري العابر للخصوصيات المتمايزة. هذه هي الأخلاقية الكبرى في الفن والأدب: التأكيد على التماثل رغم الاختلاف. أما أكبر الشرور اجتماعياً فهو الرغبة في احتواء الآخر في الذات وقصره على التماثل معها، ومحو خصوصيته ليتطابق مع ذات الغالبية. لذلك أفرح إذا ما قرأت رواية تكشف لي عن الخصوصية الكردية أو الخصوصية الطوارقية أو اليزيدية أو الشيعية أو المسيحية أو البهائية أو النوبية. أو كما في رواية حنين الصايغ «ميثاق النساء» (دار الآداب، 2023)، الخصوصية الدرزية.

من يريد أن يعرف شيئاً عن تاريخ الدروز ومذهبهم العقيدي منذ نشأته في القرن الحادي عشر حتى اليوم فلن تنقصه المصادر والمراجع. لكن الدروز ليسوا مادة تاريخية وإنما هم أفراد وأسر وجماعات لا يزيد عددهم حول العالم على المليون إلا بقليل ويعيش أغلبهم في سوريا ولبنان. تصف الموسوعات الدروز بأنهم جماعة مغلقة، باطنية، سرية، إلخ. فمن كان لا يكفيه ما يُستقى من كتب التاريخ والمذاهب، من كان يريد أن يتعرف على إنسانية الدروز كبشر يعيشون في الشارع المجاور أو في القرية المجاورة في الوطن نفسه يتكلمون اللغة نفسها ولكن لهم معتقدات مخالفة للشائع الغالب وفي نسيج حياتهم اليومية وعاداتهم خيوط من لون مختلف وإن كانوا فيما عدا ذلك يشبهوننا في كل شيء – من كان يريد ذلك فليس عليه إلا أن يقرأ رواية مثل «ميثاق النساء» لحنين الصايغ؛ فهي حقيقةٌ أن تكون خير دليل لنا في رحلة الاختلاف المفضي إلى التماثل تلك، فهي درزية، تعرف تلك الحياة «السرية» معرفة المعايشة اللصيقة من لحظة الميلاد. وهي كفيلة بفتح المغلق وكشف السري لنكتشف أن لا سرية هناك وإنما بشر عاديون مثلنا تماماً. هذا الاكتشاف لن تتيحه لك كتب التاريخ والعقائد، وإنما المُؤهَّل لكشفه لنا هو فن الرواية، ذلك الفن المنسوج من تفاصيل الحياة اليومية بعاداتها وطقوسها، بأكلها وشربها، بعلاقاتها الأسرية، وبمعتقداتها الدينية وكيف تؤثر تلك في حيوات أفرادها ومصائرهم.

هل تصدَّت حنين الصايغ إذن لكتابة رواية تصور لنا حياة الدروز وعقائدهم الإيمانية في «ميثاق النساء»؟ كلا بالتأكيد. إنما كانت الكاتبة، مثلها مثل أي روائي من أي مذهب أو خلفية، مشغولةً بقضايا وأفكار عن الفرد والمجتمع والحياة والموت وما بعد الموت إلى آخر ما يشغلنا نحن البشر ونحن الكتّاب الذين نضطلع بالتعبير عما يؤرق البشر من أفكار وأوضاع. كانت مشغولة بهذا كله واختارت أن تعبر عنه من داخل السياق الاجتماعي الذي تعرفه خير معرفة وهو سياق حياة الدروز في المجتمع اللبناني. ولعلي كنتُ غير دقيق حين كتبتُ «اختارت» فلا خيار عند الكاتب إلا يكتب لنا من داخل السياق الذي يعرفه معرفة حميمية، وإلا جاءت كتابته مصطنعة، خالية من نبض الحياة.

أما الهاجس الرئيسي لدى الكاتبة، فيوحي به على الفور عنوان الرواية، «ميثاق النساء».

يمكن أن نحزر من قبل القراءة أننا أمام رواية عن قضية المرأة في مجتمع عربي تقليدي، حريتها، علاقتها بالرجل في مجتمع ذكوري، علاقتها بالأب في مجتمع بطركي، ثقل التقاليد، العوائق أمام حرية الدراسة والعمل والكسب والاستقلال الاقتصادي، بل وإن شئنا أيضاً موقف قسم من رجال الدين منها والفهم المجتمعي له، وكيف أنهم يستخدمون الدين من حرية المرأة وتكريس السيطرة الذكورية عليها. كل هذا يمكن أن نتوقعه مع فرصة غير ضئيلة أن يصدق توقعنا من رواية بهذا العنوان، وخاصة أن كاتبتها امرأة. لكن من لم يكن درزياً أو غير مطلع على خصائص العقيدة الدرزية، فلن يدرك المغزى الكامل لكلمة «ميثاق» في العنوان إلا بعد أن يقطع شوطاً في القراءة. فميثاق النساء الذي يمكن أن نفهمه فهماً عاماً باعتباره ميثاق السلوكيات الذي يفرضه مجتمع بطركي على المرأة هو في الواقع أشد من ذلك؛ لأنه في الحقيقة نص عقيدي يحدد ضمن النصوص العقيدية للديانة الدرزية وضعية المرأة في المجتمع الدرزي.

نص كتبه رجل بطبيعة الحال وقام على تكريسه أجيال من الذكور ومن النساء اللاتي تشربن بالقيم الذكورية المفروضة عليهن عبر القرون. والمجتمع الدرزي كما نعرف من الرواية ومن خارج الرواية هو مجتمع «مغلق»؛ لأنه يحرّم على الدروز الزواج من غير الدروز كما أن الدعوة الدرزية انغلقت على نفسها وكفّت عن التبشير في خلال فترة لا تتجاوز العقود الثلاثة من نشأتها في القرن الحادي عشر. كل هذا ساعد على تماسك المجتمع وتقارب أفراده القليلين نسبياً وزاد في حرصهم على عاداتهم وتقاليدهم. بل يزيد من هذا كله أن الدروز يؤمنون بتناسخ الأرواح وأن الروح الدرزية لا تعود إلا في جسد وليد درزي، وكأن المجتمع يعيد تدوير ذاته لا يتجدد فيه شيء إلى الأبد.

هذه هي الخلفية التاريخية والعقيدية والمجتمعية لحياة بطلة روايتنا، أمل بونمر التي نعاصرها على امتداد ما يقرب من أربعمائة صفحة من الطفولة إلى المراهقة والزواج المبكر والجسد المنتهك والأمومة المتعثرة والطموح المكبوت للمعرفة والدراسة. هي تواجه قدراً مرسوماً لها من المهد إلى اللحد وما وراء اللحد ثم العودة من جديد. لكنه قدر لا تستسلم له، بل تصارعه هي الضعيفة المقهورة المعتمدة اقتصادياً المُراقَبة أسرياً واجتماعياً. قدر يكاد أن يقهرها، لكنها تفلت منه بعد نضال مرير وخسائر وتضحيات ليس هنا مجال بسطها.

هذه رواية نسوية إذن، بمعنى أنها قصة تحرر امرأة، ولأنها تتعامل مع المعطيات الحتمية التي نجدها في مثل هذه الروايات لأنها موجودة في المجتمعات القائمة وراءها.

ولكنها فيما عدا ذلك قصة تحرر وحسب. قصة تحرر إنساني. قصة مساءلة للمعتقدات والمقدسات والتقاليد الموروثة. قصة صراع الفرد للنهوض من تحت الثقل الباهظ للتاريخ والغيب والجماعة والأسرة، ذلك الثقل الذي ينسحق تحته الأغلبية في انصياع غير مُدرِك. وفوق كل هذا فالرواية بسياقها الدرزي غير المألوف لغير الدروز تمنحنا هبة أخرى ضمن توسيع مداركنا الإنسانية الذي نتوقعه من كل عمل أدبي يستحق الاسم. هي تعلمنا التماثل البشري الجوهري وراء كل اختلاف عرضي. فقصة أمل بونمر هي قصة الغالبية العظمى من النساء العربيات على اختلاف أديانهن وأوطانهن في الرقعة العريضة للعالم العربي. ليس هذا فقط وإنما واقع الأمر أن المجتمع الدرزي الصغير المتشبث بموروثاته بأي ثمن، والذي نتعرف عليه عن قرب في هذا الحكي الشائق ليس إلا نموذجاً مصغراً مع اختلاف التفاصيل لحال المجتمعات العربية التي ما زالت من الخليج إلى المحيط تعاني فصام الدين والعقل، والموروث والمستحدث على كل صعيد معاشي.