انتشار ظاهرة تربية الحيوانات الأليفة في الأردن رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة

فندق ومركز خاص للاهتمام بالكلاب وتدريبها وتعديل سلوكها

TT

انتشار ظاهرة تربية الحيوانات الأليفة في الأردن رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة

قبل بضع سنوات لم تكن رؤية أردنيين يمشون مع كلابهم في شوارع عمان مشهداً اعتيادياً في بلد يشهد أوضاعاً اقتصادية صعبة، لكنّ المشهد بات اليوم عادياً يرافقه انتشار مراكز رعاية الحيوانات الأليفة، أبرزها أول فندق للكلاب.
رغم ارتفاع تكلفة المعيشة في بلد يبلغ معدل الأجور الشهرية فيه نحو 600 دولار، وتجاوز دينه العام 40 مليار دولار، لا يبخل الأردنيون بإنفاق مبالغ كبيرة لرعاية حيواناتهم المدللة. وانتشرت في السنوات الأخيرة في عمان، عشرات مراكز العناية بالحيوانات الأليفة، خصوصاً الكلاب والقطط، ومحلات تبيع مستلزمات تربيتها بعد تزايد أعداد مربيها.
يقول مروان الحاج علي مدير «بت زون»، أول فندق ومركز تدريب للكلاب، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية، إنّ المشروع نُفّذ عام 2018. بعد «نمو ملحوظ لتربية الحيوانات الأليفة خصوصاً الكلاب». وأضاف: «فكرنا بأن من يسافر يريد ترك كلبه في مكان منظّم ومخصّص لذلك، فأقمنا هذا الفندق» في منطقة الجيزة (جنوب عمان)، وهو أيضاً مركز متخصّص بتدريب الكلاب وتعديل سلوكها.
ويقدم الفندق، الذي يحتوي مساحات واسعة للّعب والتدريب وحجرات للإقامة، خدمات قص أظافر الكلاب وشعرهم واستحمامهم مع من يعتني بهم في غياب أصحابهم.
ويتاح لأصحاب تلك الكلاب متابعتها عبر الإنترنت من خلال كاميرات مثبتة في كافة الأقسام.
ولا تتجاوز تكلفة مبيت الكلب 3 دنانير (4 دولارات) في اليوم، بينما تضاف تكلفة خدمات أخرى حسب الحاجة.
ويكلف الحمام وقص الشعر للكلب أو القط في الأردن ما بين 14 إلى 28 دولاراً، وقص الأظافر مع تنظيف الأذنين 14 دولاراً.
ويقول الحاج علي مبتسماً بينما يجفّف عامل خلفه شعر كلب «جيرمن شيبيرد» ضخم أسود «لو قلت لشخص قبل 20 عاماً سأترك كلبي في فندق سيضحك عليك، لكن الآن الأمر طبيعي».
وأكد الرجل الذي يربي كلاباً منذ أكثر من 30 عاماً أنّ «هناك إقبال أكبر على تربية الكلاب في السنوات الأخيرة» رغم تكاليف قد تتعارض مع الأوضاع الاقتصادية.
وتتفق آلاء كلمات (29 عاماً) وهي موظفة حكومية مع ما قاله الحاج علي، مؤكدة تزايد عدد مربي الكلاب والقطط الذين باتوا يمشون مع كلابهم وقططهم في الشارع بعد أن «كان أمراً محرجاً» سابقاً. وتقول أثناء فحص روتيني لكلبتها البيضاء الصغيرة «لوسي» في عيادة متخصصة لطب الحيوان «فت زون» إنّ «التكلفة المادية غير مهمة، مقارنة بأهمية لوسي».
والأنواع الأكثر طلباً في الأردن للحراسة هي «جيرمان شيبرد»، و«روت وايلر»، و«هاسكي»، و«غولدن ريتريفر»، وكلاب «بوميرنيان» و«شيتزو» و«يوركشاير» الصغيرة.
ويراوح ثمن جرائها بعمر أقل من شهرين وحسب نقاء السلالة ومصدر إنتاجها بين نحو 140 دولاراً و1700 دولار، وقد يصل سعر الكلب الكبير إلى عشرات الآلاف حسب السلالة والتدريب.
أمّا القطط فأثمان الأنواع الشائعة مثل «شانشيلا» و«شيرازي» و«الهمالايا» و«أنجورا» و«سكوتش فولد» هي بين 70 دولاراً و300 دولار.
تشكل العناية بالحيوانات الأليفة في الأردن عبئاً على كثيرين في بلد تجاوزت نسبة الفقر المعلنة رسمياً 15 في المائة ونسبة البطالة أكثر من 19 في المائة.
ويؤكد سامي جورج، مدير أحد أقسام فندق من فئة خمسة نجوم في عمان، الذي يربّي كلباً رمادياً صغيراً من فصيلة «فرينش تيرير» أنّ تربية الكلب «تشكّل عبئاً مادياً من دون أدنى شك». ويقول: «كل شيء مكلف في الأردن وهذا ينطبق على طعام الكلاب والقطط ومستلزمات تربيتها وطبعاً العناية الطبية».
وتحتاج الكلاب والقطط لعناية طبية روتينية أساسية مثل اللقاحات ضد الأمراض والفيروسات، وحبوب الديدان الداخلية، ومضاد حشرات خارجية تقارب تكلفها نحو 140 دولاراً سنوياً.
تضاف إلى ذلك عمليات إخصاء الذكور واستئصال رحم الإناث وتكلفتها بين 70 و140 دولاراً، وتكلفة الغذاء التي قد تصل إلى 70 دولاراً شهرياً.
ويقول الطبيب البيطري علاء شحادة مدير «فت زون» إنّ المربّي يعتبر حيوانه المنزلي فرداً من العائلة وبالتالي «له حق الرعاية الصحية والطعام والمسكن».
ويقول شحادة إنّ «الموضوع الطبي بالذات مكلف بسبب تكلفة الأجهزة المستخدمة فهي باهظة الثمن لأنّه قطاع لا يزال جديداً». ويوضح أنّه رغم ذلك هناك إقبال على تربية الكلاب والقطط.
ويضم مركز «فت زون» وحدة عناية مكثفة وأجهزة لتصوير الأشعة وتشخيص الرئتين، وحاضنات ومختبرات لفحص الدم.
تقول ريما أبو زهرة وهي موظفة متقاعدة: «أعتبر أنّ لدي بنتاً أو ولداً إضافياً، مهما بلغت التكلفة ستشعر بأنك مسؤول عن الحيوان الأليف وأنّ أي شيء تبذله قليل».
تربي ريما أبو زهرة ثلاثة كلاب في منزلها لاثنين منها قصتان متميزتان، فتقول وهي تحتضن «روني»، من فصيلة «فرينش تيرير» أبيض عمره 3 سنوات «اشتريته إثر رؤية صاحبه يجره بسلسلة حديد تحت المطر، أشفقت عليه من سوء المعاملة، بدا هزيلاً ويحتاج للعناية».
أمّا «بيانكا» من نوع «هاسكي» فقد تركها صاحبها أمام منزله عند رحيله من دون ماء أو طعام فأخذتها وعالجتها. وعدل الأردن عام 2016 تعليمات اقتناء الحيوانات الأليفة لتشجيع مربيها على الحصول على رخص اقتناء.
وتقول ميرفت مهيرات، مديرة دائرة الرقابة الصحية والمهنية في أمانة عمان، المسؤولة عن إصدار الرخص، إنّ تعديل التعليمات جاء لسببين «أولاً ليعرف موظفو البلديات الكلب الضّال من الكلب الأليف الذي يعتني به صاحبه».
وثانياً: «بسبب تزايد عدد مربي الحيوانات الأليفة خصوصاً الكلاب في السنوات الأخيرة، فهناك حاجة للتأكد من حصولها على الرعاية الصحية اللازمة، خصوصاً اللقاحات والعلاجات». لكن رخصة الاقتناء لا تزال أمراً اختيارياً.
وأسس أردنيون متحمسون مجموعات على موقع «فيسبوك» لتقديم النصائح للتعامل مع الحيوانات وتشجيع تبني الكلاب والقطط الضالة.
وقد أثار مقطع فيديو انتشر مطلع هذا الشهر يظهر موظفاً في بلدية جرش (شمال)، يقتل كلاباً بإطلاق النار عليها، غضباً واسعاً. إلّا أنّ البلدية أكّدت أنّ تلك كلاب ضالة تسببت بضرر للسكان.


مقالات ذات صلة

«سفاري» في الشوارع: حيوانات تتسلّق الأشجار وتُفاجئ المارّة

يوميات الشرق حيوان بين الأشجار ودهشةٌ تولد في عيون العابرين (النحّات البريطاني مالكولم كورلي)

«سفاري» في الشوارع: حيوانات تتسلّق الأشجار وتُفاجئ المارّة

قال النحّات البريطاني مالكولم كورلي إنّ متعة عمله تكمن في عدم معرفته بما سيصنعه في الأسبوع التالي، في إشارة إلى طبيعته الإبداعية المتجدّدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في أرض قاسية... كائنٌ يعرف كيف يبقى (أ.ف.ب)

قرية في ألاسكا تُعيد إحياء سياحة الدببة القطبية... بشروط صارمة

تطمح قرية نائية للسكان الأصليين في ألاسكا إلى استعادة مكانتها وجهةً أولى لمُشاهدة الدببة القطبية، بعد تراجع هذا النشاط خلال السنوات الماضية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق دب بنّي في حديقة حيوان بمدينة سياتل الأميركية (د.ب.أ)

مقتل امرأة هاجمها دبّ في بولندا

لقيت امرأة تبلغ 58 عاماً حتفها بعدما هاجمها دبّ في جنوب شرقي بولندا.

يوميات الشرق قرود تحمل طعاماً في جبل طارق (رويترز)

دراسة: القرود تأكل التربة لتهدئة اضطرابات المعدة الناتجة عن تناول الوجبات السريعة

تشير الأبحاث إلى أن القرود في جبل طارق تعلمت أكل التربة لتهدئة معدتها بعد تناولها كميات كبيرة من الأطعمة غير الصحية كالوجبات السريعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق في المتنزه... الهدوء قد ينقلب والطبيعة تفرض كلمتها (شاترستوك)

عطلة تتحوَّل إلى كابوس... دببة تلاحق الزوار في أشهر متنزه أميركي

أغلقت إدارة المتنزهات الوطنية الأميركية أجزاء من متنزه «غريت سموكي ماونتنز» أمام الجمهور، في أعقاب سلسلة من المواجهات العنيفة مع دببة عدوانية...

«الشرق الأوسط» (كارولاينا الشمالية)

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
TT

«SRMG» تفوز بتشغيل قناة «الثقافية»

 ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)
ستشمل خطة التطوير إطلاق برامج جديدة وتعزيز جودة الإنتاج وتبني أساليب سرد عصرية مدعومة بالتقنيات الحديثة (الشرق الأوسط)

فازت المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام (SRMG) بعقد تشغيل وإدارة قناة «الثقافية» التابعة لوزارة الثقافة؛ في خطوة تواكب النهضة الثقافية التي تشهدها المملكة بدعم وقيادة وزارة الثقافة للقطاع وتعكس مكانة «المجموعة» وثقة عملائها بخبراتها الإعلامية والتحريرية.

وتمثل هذه الشراكة امتداداً للجهود السابقة في تطوير قناة «الثقافية»، وستشهد المرحلة المقبلة تطويراً في المعالجات التحريرية وتوسيع نطاق المحتوى بما يلبي اهتمامات مختلف شرائح الجمهور، إلى جانب تعزيز الحضور الرقمي للقناة.

وقالت جمانا راشد الراشد، الرئيسة التنفيذية «للمجموعة»: «نعتز بثقة وزارة الثقافة، ونعتبر هذه الترسية لقناة بأهمية القناة (الثقافية) مسؤولية لإكمال المسيرة والجهود الضخمة التي قامت بها الوزارة منذ إطلاق القناة، كما تأتي تتويجاً لجهود المجموعة في التطوير والتوسع».


«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
TT

«ضاع شادي»... حين تصبح الخشبة ملاذاً لمحو ندوب الحرب

يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)
يتناول الهبر في «ضاع شادي» مدى تأثير الحرب على شخصيته (شادي الهبر)

في عمل مسرحي مونودرامي، ينهل شادي الهبر من ذاكرته المثقلة بالحرب الأهلية اللبنانية، فيقدّم «ضاع شادي» في حكاية تتجاوز فردية العنوان، وتلامس وجعاً جماعياً لم يندمل بعد. يقف وحده على الخشبة بوصفه كاتباً للنص وممثلاً ومخرجاً، يستعيد الأحداث في سردية مليئة بالجروح، ويتناول تأثيرها عليه مع عائلته التي تحضر فرضياً على شاشة عملاقة كخلفية بصرية. ومع أفراد من أهله وأعمامه يقيم حوارات جريئة، فتتحول إلى ما يشبه العلاج الشافي من ندوب الحرب.

يروي شادي الهبر حكايته الحقيقية منذ ولادته إلى حين بلوغه سن المراهقة، ويعدّها مرحلة أدت إلى تكوين شخصيته التي تطبعه اليوم. ويمر على حقبات الحرب منذ أيام التهجير من الجبل إلى حين إقامته في العاصمة. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»: «إنه بمثابة عمل مسرحي أوثِّق فيه مرحلة مهمة من حياتي، وأتطرّق خلاله إلى موضوعات مختلفة. منها الذكورية، والعنف الأسري، والعلاقات العائلية».

يتحوَّل المسرح في «ضاع شادي» إلى مساحة مواجهة صادقة مع الذاكرة، في تجربة شخصية وجريئة يخوضها شادي الهبر على أكثر من مستوى. فهو يقف للمرة الأولى على الخشبة جامعاً بين أدوار الممثل، والكاتب، والمخرج، ليقدِّم في مسرح «شغل بيت» الذي أسَّسه عام 2015 حكايته الخاصة بكل ما تحمله من صدق ووجع.

يقول: «إنها سيرتي الذاتية، محمَّلة بمشاعر، وأحاسيس عشتها وواجهتها وحيداً. هذه المرحلة شكَّلت تكويني الحقيقي وبداياتي مع المسرح». ويوضح أن العمل يتكئ على عناصر بصرية وسمعية، تاركاً للصمت حيّزاً تعبيرياً أساسياً، مبتعداً عن النمط الوثائقي التقليدي، يتنقَّل بين محطات زمنية مختلفة من طفولته إلى المراهقة. ويضيف: «كانت الخشبة ملاذي، ومنها تعلَّمت كيف أعبِّر عن مكنوناتي بعدما كنت أخشى مواجهتها علناً».

يستعيد فترة زمنية تمتد من 1976 إلى 1990 (شادي الهبر)

على مدى 3 سنوات، عمل الهبر على بلورة هذا المشروع، ليقدِّمه في عرض لا يتجاوز 55 دقيقة، يختصر فيه رحلة طويلة من التجربة والنضج. ويشير: «أرى هذا العمل تتويجاً لمسيرتي بعد 26 عاماً في المهنة. وتقديمه في (شغل بيت) بحد ذاته إنجاز». ويؤكد أن تفاعل الجمهور فاجأه، إذ لمس أن كثيرين يشبهونه في صمتهم ومعاناتهم، مضيفاً: «خاطبتهم بلسان حالهم، وهذا ما انعكس عليهم إيجاباً».

ومنذ تأسيسه مسرح «شغل بيت» ساهم الهبر في تدريب مئات الهواة على التمثيل، من خلال ورش عمل أثمرت عن أكثر من 60 عرضاً مسرحياً. ويقول: «أعددت نحو 400 شخص اعتلوا الخشبة، وراكمت خبرة كبيرة، لتأتي (ضاع شادي) محطة مفصلية في مسيرتي».

ويؤكد أن الحرب كانت تحضر دائماً في الأعمال التي قدّمها: «بسبب تأثيرها الكبير عليَّ تناولتها في معظم مسرحياتي. وكما في (نرسيس)، و(قفير النحل)، كذلك في (رحيل الفراشات)، و(دفاتر لميا)، جميعها حضر فيها جزء من الحرب وأحياناً سادت أحداث العمل برمّته. ولكن في (ضاع شادي) أخرجت كل ما سبق وكتمته في قلبي من تداعيات ومصير مجهول، تسببت به الحرب».

ولا يخفي الهبر البعد العلاجي الذي يحمله العمل، موضحاً: «خضعت لجلسات علاج نفسي طويلة حتى تصالحت مع نفسي وأهلي. دخلت الفن متأخراً لأنني كنت أبحث عن وسيلة للتخلّص من ندوب كثيرة. ربما كانت (ضاع شادي) مساحة (فشّة خلق) منحتني سلاماً داخلياً».

ويقرّ بأن مصارحة الذات ليست أمراً سهلاً، لكنه اختار المواجهة بلا أقنعة. ويتابع: «في هذا العمل اكتشفت أحاسيس لم أختبرها من قبل، وشعرت بأنني اكتملت فنياً وإنسانياً، إذ اجتمع داخلي المخرج والكاتب والممثل للمرة الأولى».

تعرض مسرحية «ضاع شادي» على مسرح «شغل بيت» في فرن الشباك. ومن المقرر أن يمدد عرضها في مايو (أيار) المقبل.

أما على مستوى السينوغرافيا، فقد اختار عناصر بصرية مستوحاة من الحرب، من متاريس رملية، وأقمشة ممزقة، طغى عليها اللونان الأحمر والأبيض، في إشارة إلى شظايا الانفجارات. وتتكامل هذه العناصر مع إضاءة صمَّمها توفيق صفدي، لتخلق جواً متقلباً بين الضوء والعتمة، والحرّ والبرد، في محاكاة حسّية لذاكرة الحرب.


«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
TT

«حنّة»: مسرحية كوميدية تُوازن بين الخفّة والمعنى

ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)
ضحكٌ يمرّ مثل هواء بين جدارين (مسرح المونو)

يفتح الكاتب والمخرج إيلي كمال في مسرحيته «حنّة» باباً للضحك من حيث لا يبدو هذا الضحك ممكناً أصلاً، على خشبة «مسرح المونو»، في لحظة لبنانية خارجة للتوّ من اشتعال الحرب وثقل الجنائز. يريد مسرحيته مساحةً لالتقاط النَفَس، بعيداً عن الهروب الساذج من الواقع، فيسعى إلى تخفيف حدّته، لربما تمنح الخشبة المُتفرّج فرصة أن يضحك على ما يؤلمه.

النصّ خفيف، لكنه لا يقع في الخفّة السطحية. يذهب إلى الكوميديا عبر اللعب على الكلمات وسوء الفهم والمواقف المُتلاحقة، من دون أن يتخلَّى عن طبقة أعمق تتّصل بالدولة والاستشفاء وشركات التأمين، ومصير الإنسان حين يكبر أو يمرض أو يتركه أبناؤه للهجرة البعيدة.

ما يبدو بسيطاً... ليس كذلك تماماً (مسرح المونو)

تبدأ الحكاية مع «حنّة» التي تؤدّيها ندى أبو فرحات. امرأة تدخل المستشفى بعد حادث بهوية مجهولة، ويظنّ الجميع أنها فقدت عقلها أو ذاكرتها. إنما اللعبة تتكشَّف تدريجياً فيتراجع الفارق بين مَن يُفترض أنهم واعون ومَن يُنظَر إليهم على أنهم في غفلة. تبدو «حنّة» أحياناً خارج ما يجري، ثم تظهر واعية تماماً بما تريده، مُمسِكةً بالخيوط من سريرها، بينما يظنّ الآخرون أنهم يديرون المشهد.

ندى أبو فرحات تبني هذا الازدواج بحضور متوازن بين جسد مستسلم للغفلة، وعين تراقب، وصوت يحمل معرفة غير مُصرَّح بها. شخصيتها لا تُضحِك لأنها مُضحكة فقط، إنما لأنها تكشف اختلالات مَن حولها. ومع الوقت، تصبح «حنّة» نموذجاً يتقاطع فيه الجميع. فكلّ شخصية مثلها، تحمل هروباً ما، من يومياتها، ومن خيبتها، ومن الخريطة القاسية التي وُلدت داخلها.

ما يُخفى أكثر مما يُقال (مسرح المونو)

سلمى الشلبي، بدور «الأخت إيزابيل»، أكثر الشخصيات حضوراً في العمل. الراهبة عنصر كوميدي فاعل داخل البنية، يتحوّل إلى محرّك أساسي للمشهد. جسدها هو الحامل الأول للمعنى، قبل أن يتدخَّل الكلام لتفسيره. فانحناءة الظهر امتداد لثقل داخلي، وخطوتها المُتباطئة تفرض إيقاعاً خاصاً على الخشبة، فيما يمنح تقوُّس القدمين حضورها بُعداً شبه طَقْسي، كأنّ الشخصية تسير داخل نظام منضبط لا تسمح لنفسها بالخروج عنه. الوجه الخالي من الليونة، والنبرة المقفلة على ذاتها، يوحيان بتاريخ طويل من كبح الانفعال، ومن إقصاء كلّ ما يمكن أن يفتح مجالاً للانفلات أو المرح.

كلّ شيء في مكانه... إلا ما في الداخل (مسرح المونو)

من هذه الصرامة تولد الكوميديا. فكلّ خروج صغير عن القاعدة، وكلّ انزلاق في الرصانة، يصنع مُفارقة مسرحية. هنا يعرف التمثيل كيف يمنح الشخصيات حقّها في التجسُّد عبر دقّة التفاصيل، ضمن رؤية إخراجية لإيلي كمال تُمهّد الطريق لهذه الانكسارات الدقيقة كي تتشكَّل، وتحوّلها إلى جزء أساسي من حركة العرض وبنائه.

ويضيف كريم شبلي في دور المحقّق «خالد»، إلى المشهد، نبرة مرحة مُقنعة تُخفّف من ثقل خطّ التحقيق وتفتحه على تفاعل أكثر سلاسة. يدخل في مسار التقرُّب من الممرضة «سمر»، التي تؤدّيها جويس أبو جودة بقدرة على اختيار اللحظة المناسبة لإلقاء الجملة والاستجابة لما يدور حولها. وإنما تفصيل بصري بقي خارج انسجام هذا الخطّ، تمثَّل في محبس بإصبع يده، رغم أنّ مساره الدرامي يتّجه نحو استمالة الممرضة. قد يكون الأمر سهواً، لكنه يبقى تفصيلاً أمكن تداركه على خشبة تُقرأ فيها أدقّ العلامات.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

أما جويس أبو جودة فتمنح «سمر» حضوراً لافتاً لا يقوم فقط على الإلقاء، إنما على حركة الجسد وسرعة التقاط الموقف. شخصيتها تُسهم في تثبيت الكوميديا داخل المستشفى، وتجعل المكان أقل برودة وأكثر قابلية لانفجار المفارقات الصغيرة.

المسرحية تجربة متماسكة تنطلق من إمكانات محدودة وتعرف كيف توظّفها من دون افتعال. الديكور يكتفي بإشارات مضحكة إلى فضاء المستشفى، تاركاً للممثلين حرّية الحركة، وللإخراج مَهمّة تنظيم الفراغ وتحويله إلى مساحة دينامية. هنا يظهر دور إيلي كمال في ضبط حركة الشخصيات داخل المشهد وتوزيعها بحيث لا يطغى حضور على آخر، ممّا يمنح المواقف الكوميدية قوّتها من ذاتها.

خيطٌ رفيع بين ما نرى وما نفهم (مسرح المونو)

تتجلّى اللمسة الإخراجية أيضاً في انتقال «حنّة» من حالة إلى أخرى من دون قَطْع حاد، كأنّ التحوّل يحدث أمام العين تدريجياً، وفي وقوف «الأخت إيزابيل» لحظةً خارج مسار الحركة، ثابتة وسط اندفاع الآخرين، ممّا يُضاعف أثر حضورها، وفي المشهد الجماعي داخل المستشفى، حيث تتقاطع المسارات وتبدو الفوضى مُنظَّمة، فيبقى المشهد مقروءاً رغم تقاطُع خطوطه.

لا يفصل العرض الضحك عن سياقه، ولا يُحمِّل مضمونه ما يفوق احتماله، ويعمل على إيجاد مساحة متوازنة بينهما. «حنّة» مسرحية تُدرك حدودها وتُحسن توظيفها، فتُقدّم تجربة متوازنة تلامس الواقع من دون إثقال.