هل تهزم المواقع الرقمية الصحف الورقية؟

مؤتمر إنقاذ الصحف الورقية في فرجينيا

هل تهزم المواقع الرقمية الصحف الورقية؟
TT

هل تهزم المواقع الرقمية الصحف الورقية؟

هل تهزم المواقع الرقمية الصحف الورقية؟

في الأسبوع الماضي انعقد في شارلوتفيل (ولاية فرجينيا، حيث جامعة فرجينيا، واحدة من أهم 10 جامعات أميركية، وحيث أسس توماس جفرسون، الرئيس الثالث، واحدة من أوائل الصحف الأميركية، الورقية) المؤتمر السنوي لاتحاد ناشري الصحف في الولايات الجنوبية (فرجينيا واحدة منها). وكانت أهم من تحدث في الاجتماع بنيلوب إبرناثي، أستاذة الصحافة والإعلام الرقمي في كلية الصحافة في جامعة نورث كارولينا. وصفتها صحيفة «رتشموند تايمز دسباتش»، صحيفة رتشموند، عاصمة ولاية فرجينيا، وأكبر صحيفة في الولاية، بأنها «برنت ميديا هوب» (أمل الإعلام الورقي).
حقيقة، ليست إبرناثي فقط أستاذة جامعية. قبل ذلك كانت مديرة تنفيذية في صحيفة «وول ستريت جورنال». وقبل ذلك مديرة تنفيذية في صحيفة «نيويورك تايمز».
كان الموضوع الرئيس في المؤتمر هو مستقبل الصحف الورقية. وربما كانت إبرناثي أكثر من في المؤتمر تأهيلا للحديث في هذا الموضوع. وذلك لأنها نشرت، مؤخرا كتاب «سيفنغ كوميونتي جورناليزم» (إنقاذ الصحف المحلية).
بعد نهاية المؤتمر، كتب توم سلفستري، ناشر صحيفة «رتشموند تايمز دسباتش»: «تعرف أن الصحيفة الورقية اليومية التي تقرأها كل يوم قد تحولت إلى صحيفة إلكترونية عندما تخفض عدد الأيام التي تصدر فيها. مثل أن تغيب خلال عطلة نهاية الأسبوع. هذا صحيح بالفعل لمجموعة متنوعة من صحف المدن الكبيرة، التي انقلبت إلى النشر الإلكتروني (الرقمي). لكن عددا من صحف أخرى، بما في ذلك صحيفتك «ريتشموند تايمز ديسباتش»، تظل صحيفة 7 أيام، مع تطوير الجانب الرقمي لزيادة القراء، وجذب مزيد من الإيرادات». ربما قصد هذا الناشر أن يشجع نفسه، أو قراء صحيفته، أو زملاءه الناشرين الذين حضروا المؤتمر (كانوا 150 ناشرا).
لكن، كانت تحذيرات إبرناثي (وأيضا، اقتراحاتها) واضحة. قالت إنها مسألة وقت. قبل أن يواجه الناشرون في مختلف أنحاء البلاد الأمر الواقع: «التحول الكبير قادم، بسبب الظروف التي تواصل عرقلة ما كان يعتقد أنه دائم إلى الأبد» (تقصد الصحف الورقية). أشارت إلى كتابها، وقالت إن فيه 3 اقتراحات لإنقاذ الصحف الورقية:
أولا: الاعتراف بالأمر الواقع: «التحول الكبير قادم..».
ثانيا: ثم وضع استراتيجية جديدة للتأقلم مع الأمر الواقع.
ثالثا: ثم الاستعداد لنوع جديد من الصحف.
وقالت، وكأنها تلاحظ علامات عدم الراحة، أو عدم الرضا، على وجوه 150 ناشرا في المؤتمر: «لن يعود دخل الإعلانات في الصحف الورقية إلى ما كان عليه في الماضي البعيد، أو الماضي القريب».
وبعد التخويف، قدمت حلولا:
أولا: تخفيض تكاليف طباعة الصحيفة. مثلا: صحيفة «ديلي بريس» في نيوبورت نيوز (ولاية فرجينيا) أغلقت مطبعتها. ووفرت أموالا كثيرة عن طريق التعاقد مع شركة «هانوفر» التي تطبع صحيفة «رتشموند تايمز ديسباتش».
ثانيا: تأسيس «مجتمعات إلكترونية»، عن طريق وسائل مثل شبكات الاتصالات الاجتماعية، مثل «فيسبوك» و«تويتر». وتعزيز المحتوى في كل من الطبعتين الورقية والرقمية. وربط الصحافيين مع القراء، وربط القراء مع بعضهم البعض.
ثالثا: السعي بقوة للحصول على مزيد من الدخل، بعد انخفاض الإعلانات الورقية. يجب ألا تقل نسبة مصادر الدخل الأخرى عن 6 في المائة سنويا. وبعد 5 سنوات، يجب أن تكون نسبة 20 في المائة، على الأقل، من عائدات الإعلانات من مصادر جديدة. وفي نهاية محاضرتها، سألت إبرناثي الناشرين: هل يعلم قراء الصحف الورقية أن صحفهم تواجه قرار الحياة أو الموت؟ وأجابت على السؤال: «أعتقد أنهم لا يعلمون».
ثم سألت: هل يعلم قراء الصحف الورقية أن صحفهم يمكن أن تموت؟ وأجابت على السؤال، في عبارة قوية: «لن تموت الصحف الورقية. فقط ستكون المصدر الثاني للأخبار بعد الصحف الرقمية».
قبل شهور قليلة من مؤتمر ناشري الصحف في شارلتوفيل، كان هناك نقاش عن مستقبل الصحف الورقية. وذلك على ضوء محاولة ملياردير الإعلام الأسترالي الأميركي روبرت مردوخ، صاحب مؤسسة «فوكس القرن الـ21» العملاقة، شراء مؤسسة «تايم وورنر» العملاقة المنافسة. لم تنجح المحاولة. لكنها كشفت حقيقة مستقبل الصحف الورقية. وذلك لأن كلا من «فوكس» و«تايم وورنر» كانتا تعملان على التخلص، أو تخفيض، صحفهما الورقية. كان هذا من المفارقات. وذلك لأن المؤسستين بدأتا بالنشر الورقي: صحيفة «أستراليان» في أستراليا. ومجلة «تايم» في أميركا. بل كتب مردوخ نفسه أنه، فيما تبقى له من عمر (عمره الآن 83 عاما) يعمل تدريجيا لتحل صحف ومجلات وكتب في الإنترنت محل صحف ومجلات وكتب الشركة الورقية.
نفس الشيء بالنسبة لمؤسسة «تايم وورنر»: أعلنت أن مجلة «تايم» ستنتقل من المبنى العملاق الذي ظلت فيه منذ أكثر من نصف قرن إلى مبنى آخر. ستترك مبنى «تايم لايف»، إشارة إلى المجلتين رائدتي المجلات الأميركية المصورة في النصف الأول من القرن الماضي. وكانت «لايف» توقفت قبل أكثر من 20 عاما، وفعلت «فوكس» الشيء نفسه تقريبا. لم تطرد صحفا أو مجلات ورقية، لكنها فصلت الشركات الورقية عن الشركات التلفزيونية والإذاعية والرقمية.
لهذا، كتب ديفيد كار، محرر الشؤون الإعلامية في صحيفة «نيويورك تايمز»: «يبدو أن الإعلام الورقي لا مستقبل له». وأضاف: «ليس هذا موضوعا مفاجئا، أو غريبا، أو معقدا. أنت وأنا لم نعد نقرأ الصحف والمجلات والكتب الورقية كما كنا نفعل، حتى قبل 10 سنوات».
وكان باحثون في جامعة فيكتوريا، في ولينغتون، في نيوزيلندا، نشروا دراسة بأن الخبر المفصل والمركز والقيم يظل في الصحف الورقية. وليس في الإنترنت. وقالوا إن الذين يستعملون الإنترنت، ويتابعون الأخبار فيه، لا يهمهم الفهم الكامل للخبر.
وكتب كار: «يحاول الناس أن يتذكروا الأخبار التي يقرأونها، ليقدروا على متابعتها. لهذا، صار صاحب الذاكرة القوية أكثر حظا. لكن، يسأل الذين يتابعون الأخبار في الإنترنت: لماذا نكلف أنفسنا أن نتذكر بينما كل شيء موجود في الإنترنت؟».
ما مستقبل الصحف الورقية؟
حسب تقرير نشرته مؤخرا جمعية ناشري الصحف، يظل ملياران ونصف المليار من البشر يقرأون الصحف الورقية كل صباح. خاصة في دول العالم الثالث، وفي الصين والهند. لكن، طبعا، كلما ظهرت صحيفة أو موقع إلكتروني، كلما قل الإقبال على صحيفة ورقية.
ظهرت هذه الحقيقة بصورة واضحة مع نهاية تسعينات القرن الماضي. بحلول قنوات تلفزيونية فضائية تعمل 24 ساعة في اليوم، وبانتشار الكومبيوتر الشخصي،
صار الإنترنت يشكل تحديا مستمرا لمعظم الصحف الورقية، خاصة في أوروبا وأميركا الشمالية. انخفض التوزيع مدفوع القيمة. وقل دخل الإعلانات التي، عادة، تشكل الجزء الأكبر من إيرادات معظم الصحف. مما أدى إلى انخفاض عام في الأرباح. وأطلقت كثير من الصحف حول العالم طبعات في الإنترنت، في محاولة لمتابعة التحول العظيم، وللمحافظة على قرائها.
لكن، تظل، في بقية العالم، الطباعة أرخص، والتوزيع أرخص. وتظل زيادة الإلمام بالقراءة والكتابة. وتظل الطبقات الوسطى في كثير من الدول النامية تزيد.
في عام 1995، كانت صحيفة «أميركان ريبورتر» أول صحيفة يومية، بصحافيين متفرغين، ومحتوى أصلي، تبدأ في الإنترنت. اليوم، توجد أكثر من 10 آلاف صحيفة رئيسة يومية في الإنترنت. ويزيد العدد بمعدل مائة كل يوم.
وتظل الصحف الورقية تواجه ارتفاع أسعار ورق الصحف، وتراجع مبيعات الإعلانات، وفقدان كثير من الإعلانات المبوبة.
لهذا، في الولايات المتحدة، خلال الأعوام الأخيرة، ارتفع عدد من الصحف المقررة للإغلاق، أو الإفلاس، أو التخفيض الحاد في التوزيع. وفقدت الصحف الورقية 20 في المائة من صحافييها منذ عام 2001.
ولهذا، حذرت «أمل الصحف الورقية»، بنلوب إبرناثي، ناشري الصحف الأميركية، في مؤتمرهم السنوي، في الأسبوع الماضي، في شارلتوفيل (ولاية فرجينيا، حيث نشر توماس جفرسون، الرئيس الثالث، واحدة من أوائل الصحف الأميركية، الورقية).



تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».