العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران

هتافات معادية لرموز طهران وأعمال حرق لقنصلياتها ومقاطعة لبضائعها

العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران
TT

العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران

العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران

يلخص شعار «نريد وطناً» الذي رفعه المتظاهرون العراقيون مطلع حراكهم، الذي انطلق مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. كل ما يتعلق برغبتهم في تغيير صورة بلادهم التي لحق بها كل ما هو «مشين» برأيهم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما لحق بها من أدران الفساد وسوء الإدارة والعمالة المعلنة لغالبية قواها السياسية لقوى الخارج.
وعلى رغم وجود أكبر سفارة في بغداد للدولة التي احتلت بلادهم عام 2003، وهي هنا الولايات المتحدة الأميركية، فإن حدة النقمة الشعبية عليها، لا تعادل بما لا يقارن مع تلك النقمة المتصاعدة ضد إيران لأسباب كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، أن واشنطن وخلافاً لطهران، لم تجد من بين صفوف العراقيين من يسارع إلى التصريح علناً بأنه سيقف معها في أي اعتداء تتعرض له، بينما تحظى طهران بعشرات الفصائل المسلحة الموالية لها التي تعلن ليل نهار أنها ستقف معها في حال تعرضها إلى أي اعتداء. وهذا يفسر محلياً على أنه ولاء معلن وغير شرعي لدولة خارجية على حساب البلاد ومصالحها.

ثمة أسباب عديدة وراء تصاعد مشاعر الكراهية واللا ارتياح من الدور الإيراني في العراق. وهي مشاعر اتخذت أشكالاً شتى، سليمة أحياناً وتتمثل بالانتقادات الشديد التي يوجّهها ناشطون ومثقفون وسياسيون لسياسات طهران في العراق، وعنفية تمثلت في حرق قنصلياتها التي لها منها إضافة إلى السفارة في بغداد 5 قنصليات في عموم البلاد، خلافاً لبقية دول العالم، وهذا مؤشر آخر على حجم النفوذ الإيراني في العراق.
كربلاء والنجف
مشاعر العداء ضد طهران تفجّرت، وبطريقة غير مسبوقة ربما، ظهرت في مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) التي ما زالت متواصلة. ففي الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أقدم محتجون في محافظة كربلاء التي تعد ثاني (هناك مَن يعدها الأول) أهم مركز ديني لدى الطائفة الشيعية في العالم لارتباطها بالحسين بن علي الشهيد، وأقدموا على إحراق القنصلية الإيرانية فيه. وفي يوم 27 من الشهر نفسه - نوفمبر (تشرين الثاني) - هاجم المتظاهرون القنصلية الأخرى في مدينة النجف، وأضرموا النار فيها، ثم عادوا مرتين متتاليتين وأحرقوا إجزاء من القنصلية ذاتها. بل إن بعض الناشطين شبّهوا حينها «تندّراً» قنصلية إيران في النجف بـ«أركيلة» تبغ يتسلى المحتجون في دخانها وحرقها بين حين وآخر. في عمليتي الحرق بكربلاء والنجف، دارت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن خلّفت عشرات الجرحى بين المتظاهرين. ويقول مقربون من صناعة القرار الإيراني إن «القنصليتين في النجف وكربلاء مثلث أحد أكبر الصدمات غير المتوقعة لصناع القرار في طهران، وقد جاءت بعد سنوات من النفوذ وشبكة واسعة من العلاقات والمصالح في أهم مدينتين شيعيتين».
قد تبدو عمليات حرق القنصليتين ذروة ما وصل إليه الغضب الشعبي في النجف وكربلاء خاصة والعراق عموماً ضد الهيمنة الإيرانية التي باتت لا تطاق بنظر غالبية السكان منذ سنوات، لكن ذلك لا يقلل من أهمية عوامل أخرى مماثلة قام بها المتظاهرون في بغداد وبقية المحافظات. حيث عمدوا إلى حرق الكثير من صور المرشد الإيراني علي الخامنئي وقائد فيلق «القدس» التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، وردد المتظاهرون في غالبية الساحات أهازيج وشعارات منددة بإيران. كذلك قام متظاهرون في النجف مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بتغيير اسم «شارع الإمام الخميني» وسط المدينة إلى «شارع شهداء ثورة تشرين». وشملت التصرفات الاحتجاجية المناهضة لإيران إطلاق حملة واسعة لمقاطعة بضائعها في العراق وأطلق الناشطون منذ أسابيع هاشتاغ «خلوها تخيس» بمعنى «دعوها تتعفّن».
البعد القومي
المحامي والناشط محمود الخزرجي في كربلاء يرى، أن أسباب الكره الشعبي للإيرانيين في كربلاء والنجف كثيرة «بعضها متغلل ذات طابع قومي عربي - إيراني يعود لعقود طويلة، وبعضها يعود للسنوات القليلة الماضية». وعن أسباب السنوات الماضية، يقول الخزرجي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «ثمة وعي متنامٍ لدى الأجيال الجديدة من الشباب التي باتت تدرك حجم الخطر الذي تمثله إيران على مصالحهم ومصالح البلاد بشكل عام، وباتوا يدركون حجم التغلغل الإيراني في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، وحجم النظرة الاستعلائية التي يمارسها الإيرانيون في كربلاء والنجف».
ويضيف الخزرجي: «هناك أيضاً، شعور متنامٍ لدى الشباب في كربلاء والنجف أن الحكومات المحلية في المحافظتين واقعة تحت سيطرة ونفوذ الإيرانيين، إلى جانب الكره التقليدي الذي يكنّه سكان المدن الدينية لبعض رجال الدين، ثم جاءت الهيمنة الإيرانية على طيف واسع من المعممين لتزيد نقمة الشباب وغضبهم».
ويشير الخزرجي إلى سبب آخر يرى أنه وراء أسباب النقمة ضد الإيرانيين وحرق قنصلياتهم وهو أن «كربلاء تتألف من خليط سكاني تتحدر أعداد كبيرة منه من الطبقات الفقيرة في محافظات الجنوب العربية، وهؤلاء تحديداً، ينظرون غالباً بازدراء وعدم احترام لمن يطلقون عليهم توصيف (العجم)». ويضيف: «لا ننسى الدور الذي مارسته القنوات الإعلامية المموّلة إيرانياً في تضخيم دورها على حساب التضحيات التي قدمها العراقيون في الحرب ضد «داعش»، ومثّل استهانة بأرواح شباب العراق. هذا التضخيم المتعمد للدور المزعوم أدى إلى خلق مشاعر كراهية واسعة ضد إيران».
على أن عملية حرق أخرى مماثلة قام بها المتظاهرون وطالت القنصلية الإيرانية البصرة مطلع شهر سبتمبر (أيلول) 2018، مثلت ربما الشرارة الأولى لعمليات الحرق اللاحقة، التي تشير بوضوح لا يقبل التأويل إلى حجم الغضب الشعبي العفوي في المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية ضد نفوذ إيران وهيمنتها على العراق منذ سنوات، وهذا على رغم ما تردده إيران وأتباعها من أنها عمليات مخطط لها من قبل جهات وأجندة خارجية.
المحور الإيراني الواضح
ومع ذلك، لا يمكن بأي حال النظر إلى عمليات الحرق وجميع الأفعال المناهضة لإيران التي وقعت خلال الاحتجاجات العراقية التي انطلق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بوصفها لحظة آنية مبتورة عن سياقها الممتد منذ سنوات الذي ترجح اتجاهات غير قليلة تفاعله وبروزه للعلن منذ عام 2011. الذي شهد انسحاب القوات الأميركية من العراق، ودخوله لاحقاً على المستوى السياسي الرسمي ضمن المحور الإيراني. ومعروفٌ، أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان قد أعلن دعمه لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد تماهياً مع الموقف الإيراني الرافض للانتفاضة الشعبية السورية التي تفجّرت في فبراير (شباط) 2011. ولذا نرى أنه بعد نحو 5 سنوات من ذلك التاريخ، ظهرت للعلن لأول أهزوجة «إيران بره بره... بغداد تبقى حرة» المعادية لحكم الولي الفقيه ونفوذه في العراق في هتافات المتظاهرين الذي اقتحموا مبنى البرلمان في 30 أبريل (نيسان) عام 2016.
مناهضة نفوذ إيران وغيرها في العراق، لا يقتصر على المواطنين العاديين وجماعات الحراك، إنما يتعداه إلى المرجعية الدينية في النجف وإن لم تشر إليه بشكل صريح مطلقاً، لكنها شدّدت في كثير من خطبها على سيادة العراق ورفض التدخلات الخارجية، وحول موقف مرجعية النجف وعلاقتها بنظام ولاية الفقيه في إيران يقول الباحث علاء حميد إدريس إن: «مرجعية النجف لا تتبنّى مبدأ ولاية الفقيه، رغم التشابه بين المرجعيتين، فهما يختلفان في التعامل مع السياسة والسلطة. إذ لم تكن السياسة حاضرة في ذوق مرجعية النجف طوال مراحل حضورها الاجتماعي والديني، ولا يأتي تدخّلها إلا بعد حصول أزمة أو يطلب منها التدخل».
ويضيف إدريس: «تنبع مرجعية النجف المتمثلة بالمرجع الديني للسيد علي السيستاني مع أن دورها يعتمد على النصح والإرشاد فيما يتعلق بالعراق بشكل مميّز دون بقية الدول التي يوجد فيها مسلمون شيعة، على العكس من المرجعية الدينية في إيران التي يعبّر عنها المرشد الإيراني علي الخامنئي؛ والتي تعمل على إيجاد نفوذ وحضور في أغلب مناطق الإقليم ومنها العراق، ولبنان، وفلسطين، وسوريا، والبحرين، واليمن». ويرى أن «مساحات النفوذ تكشف أن كلتا المرجعيتين مختلفتان بشكل ملموس في الأسلوب والعمل؛ فمرجعية النجف تعتمد مبدأ مسافة التوجيه؛ والمقصود بها الابتعاد عن الدخول في تفاصيل قضايا الشأن العام، أما مرجعية إيران فإنها تعمل ضمن مبدأ الحضور في تفاصيل تلك القضايا انطلاقاً من مبدأ ولاية الفقيه على عموم المسلمين».
ما فعله «داعش»
الكاتب الصحافي والمحلل السياسي سرمد الطائي، يرى أن «لحظة اجتياح تنظيم داعش للعراق كانت صدمة أنتجت وعي الجيل الجديد الذي لاحظناه يستهدف رموز إيران في البصرة وجنوب العراق خريف 2018. وفي هذا إدراك أن العراق يصبح تدريجياً كبش فداء في مواجهة دولية تقوم بها إيران، ولذلك ظهر رأي عام عراقي يرفض أن تنتقل أزمة مضيق هرمز إلى بغداد».
ويقول الطائي، الذي عاش شطراً من حياته في إيران إبان معارضته لحكم الرئيس الراحل صدم حسين لـ«الشرق الأوسط» إن حرب «داعش» الطويلة أدت إلى تشجيع جيل الشباب الكاره للحرب، على إدراك أن التغيير والإصلاح ليس رغبة عابرة كمالية، بل تحوّل حاسم هو مسألة حياة أو موت، لمنع القرارات الحمقاء في السياسة والأمن والاقتصاد.
وينظر الطائي إلى جيل الاحتجاج الجديد بوصفه «جيلاً مختلفاً عن سابقه ولا يمثل أهواءً سياسية بل ينتج عن تحول اجتماعي عميق يجب أن يؤدي إلى تحول سياسي، وهكذا فإن المجتمع الذي شهد توافق 2003 لم يعد مقرراً وحاسماً في عراق 2018 وما بعده من مظاهرات البصرة ولاحقاً مظاهرات تشرين.
وهذه العوامل مجتمعة، بحسب الطائي «أنتجت ثقة وطنية كبرى على أنقاض الفشل السياسي، لم تعد تتقبل أن يصبح العراق كما يردد قادة حرس الثورة الإيرانيين، مجرد مساحة نفوذ لطهران، فكانت مهاجمة المقرات التي ترمز لنظام إيران إعلاناً بسيادة عراقية جديدة يفرضها التحول الاجتماعي لا الطبقة السياسية الخائفة أو أو الحذرة من سطوة الجنرال قاسم سليماني».
محفّزات كثيرة
ومن جانبه، يرى رئيس «مركز التفكير السياسي» الدكتور إحسان الشمري، أن ثمة محفزات كثيرة لحالة العداء ضد إيران في الشارع العراقي، منها «دعمها لمعادلة السلطة التي أنتجت حكومة عادل عبد المهدي التي شكل أغلب أطرافها قوى وفصائل وثيقة الصلة بإيران، وبعد أن صورت هذه الحكومة باعتبارها المنقذة للبلاد، وجد العراقيون أنها حكومة تمثل أجندات خارجية وتسعى إلى ترجمة الرؤى الإيرانية على حساب الداخل العراقي». ويقول الشمري لـ«الشرق الأوسط»: إن «جولات عبد المهدي الخارجية بدت وكأنها محاولات لوقف تصاعد الخلافات بين واشنطن وطهران، مما دفع كثيرين للتساؤل عن جدوى ذلك، وهناك حريق داخلي في البلاد».
ويعتقد الشمري أن العامل الاقتصادي كان من بين أهم محفزات العداء الشعبي ضد إيران، حيث إن «تعامل إيران الاقتصادي واستحواذه على السوق العراقية وبالتالي إسهام ذلك في إيقاف النمو الاقتصادي العراقي على الصعيدين الحكومي والخاص أدى إلى ما يشبه عملية استلاب تام لاقتصاد البلاد دفع الناس وحرضهم على النقمة». وتضاف عوامل أخرى كان لها الدور الحاسم في إثارة الرأي العام العراقي ودفع المتظاهرين إلى حرق القنصليات الإيرانية، ضمنها «طبيعة التصريحات الاستفزازية التي أطلقها قادة إيرانيون ومست بشكل وثيق السيادة العراقية، خاصة تلك التي تتحدث عن تابعية العراق لإيران وارتباطه بمحور ما يسمى بالمقاومة، إلى جانب التصريحات التي أطلقت ضد المتظاهرين ووصفتهم بالمشاغبين المدفوعين من قوى خارجية». ولا ننسى طبعاً، والكلام للشمري «طبيعة الشخصية العراقية التي لا تقبل بالخضوع للأجنبي مهما كان أصله وانتماؤه».
وعن توقّعاته المستقبلية للعلاقة بين العراق وإيران عقب مرحلة حرق القنصليات والمظاهرات المنددة بنفوذها في العراق، يقول: «مهمة الحكومة المقبلة صعبة ومعقدة، وعليها أن تعمل بجد لوضع العلاقة بين البلدين على أسس من المصالح المشتركة وليس على أساس التابعية، وتوقعاتي أن تكون ضمن أولويات الحكومات المقبلة القيام بعملية شاملة لإعادة تقييم العلاقة بين البلدين وما عدا ذلك فإن الغضب الشعبي ضد إيران سيتزايد بمرور الأيام».
بدوره، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي عبد الرزاق علي، أن «السلوكيات العنيفة للأشخاص أو للجماعات وللسياسات في التحليل السوسيولوجي هي ذلك الشعور بالكره والرعب واللاتسامح. وعادة ما تكون هذه السلوكيات بالاندفاع والتصرف الخارج عن السيطرة». ويقول علي لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث في مدن البصرة وبغداد والنجف خلال الاحتجاجات الماضية والحالية وما نجم عنها من إقدام المحتجين على اقتحام وحرق القنصليات في النجف والبصرة ومحاولتهم الوصول وحرق السفارة الإيرانية في بغداد ما هي إلا تعبير عن الشعور بالكراهية واللاتسامح مع السياسة الإيرانية المتعلقة بالعراق». يشير الباحث علي هنا إلى المحاولات المتكررة للمتظاهرين في بغداد للوصول إلى السفارة الإيرانية في جانب الكرخ عبر جسر السنك والخلاني المؤديين إليها، مما أدى إلى وقوع خسائر كثيرة بين صفوف المتظاهرين نتيجة للاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات الأمنية المرابطة على الجسرين.
تدخلات إيران بعد 2003
ويضيف علي أن «حقبة ما بعد 2003 شهدت تدخلات إيرانية محمومة للتدخل وصناعة جزء من المشهد السياسي العراقي وبحسب مؤشرات كثيرة دعمت السياسة الإيرانية وسعت جاهدة إلى تأسيس قوى سياسية وميليشياوية متعددة خدمة لمشروع وسياسات محددة تمثل مصالحها الاستراتيجية بغض النظر عن تقاطعها مع المصالح الوطنية العراقية». ويشير إلى أن «جيل الاحتجاج الحالي في الوسط والجنوب العراقي يمثل التعبير الجلي والواضح للشعور المتنامي لدى أغلب الشرائح الاجتماعية والتي ترفض سياسات إيران وتدخلاتها وصناعتها ودعمها لفصائل مسلحة وغير مسلحة تعمل بالضد من تطلعات المجتمع العراقي الذي ترزح غالبية أفراده في واقع غارق في الفساد والفشل والمعاناة من سياسات نهبوية تريد للعراق أن يبقى حديقة خلفية لإيران، وحاجتها لأن يكون العراق خط الصد الأول بمواجهة صراعها مع القوى الغربية».
ويتفق الباحث عبد الرزاق علي على أن «تصريحات القادة الإيرانيين ووسائل الإعلام الإيرانية المتعلقة بالعراق شكلت حالة من الاستفزاز والشعور العميق بسلب الإرادة الوطنية وربما حتى الإحساس بالمهانة والحيف والظلم في قرارة الشخصية العراقية، وتحديداً لدى جيل الشباب المحتج غير المتحدر بعقد آيديولوجية أو طائفية».

دور إيران في العراق... قبل الثورة السورية وبعدها

> يصعب النظر إلى عمليات الحرق التي طالت القنصليتين الإيرانيتين في كربلاء والنجف، بوصفهما أفعالاً تمثل لحظة ثورية أقدم عليها شباب غاضبون لا يدركون أهمية ما فعلوا، وتالياً النظر إليها كلحظة منقطعة الصلة بما قبلها من مشاعر عداء وغضب ضد إيران ونفوذها.
ذلك أنه منذ نحو عقد ونصف، ظل التساؤل حول إيران ودورها في العراق وما إذا كان مفيداً أو ضاراً يعاود الظهور بأشكال شتى وفي كل مناسبة تقريباً. وإذ نظرت قطاعات شيعية غير قليلة إلى الدور الإيراني قبل عام 2011 (العام الذي سحبت فيه الولايات المتحدة قواتها من العراق وانطلاق الثورة السورية) بنوع من القبول والتعاطف باعتباره داعماً للعهد الجديد الذي انطلق بعد 2003. فإن تلك القناعات باتت تتراجع شيئاً فشيئاً بعد ذلك التاريخ الذي انكشف فيه «الغطاء» عن الدور المهيمن لإيران، عبر سلسلة تصرفات قام بها حلفاؤها من الساسة وقادة الفصائل المسلحة، بصبر وسرية عاليين بتكريسه في العراق.
على مستوى الشارع نشط أتباع إيران بعد ذلك التاريخ في الترويج العلني للولي الفقيه عبر نشر صوره في الساحات والأزقة الشعبية في صورة لم يسبق لها مثيل، وبدأت الفصائل المسلحة تتحدث علناً عن «محور المقاومة» التي تنتمي إليه وتديره إيران.
وعلى المستوى السياسي، نشط رئيس الوزراء حينذاك نوري المالكي، بدعم إيراني واضح، في مطاردة خصومه من الساسة السنة البارزين أمثال نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي ووزير المالية رافع العيساوي.
وبعد بضعة أسابيع على انطلاق الثورة السورية في فبراير (شباط) 2011، أرسل المالكي وفداً رسمياً رفيعاً ضم أعضاء بارزين من حزب «الدعوة» لدعم حكم الرئيس بشار الأسد، الأمر الذي فهم على نطاق واسع محلياً على أنها كانت الخطوة الأولى لزج العراق فعلياً في المحور الإيراني وما تلا ذلك تداعيات وصعود «داعش» واحتلاله نحو ثلث الأراضي العراقية. ومن ثم، ما ترتب عليه من صعود واضح لجنرالات إيران مثل، قاسم سليماني وغيره في الحضور الدائم داخل الأراضي العراقية بذريعة مساعدة البلاد في حربها ضد التنظيم الإرهابي.
من هنا يمكن اعتبار عام 2011، نقطة انطلاق إيران الواسعة في العراق بعد سنوات من العمل السري من جهة، ومن جهة أخرى لحظة تصاعد التساؤلات المحلية المعترضة على ذلك الدور وطبيعته التي مهدت لاحقاً لجميع الأفعال الشعبية المناهضة لإيران.


مقالات ذات صلة

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

حصاد الأسبوع استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا

فتحية الدخاخني (القاهرة)
حصاد الأسبوع ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
حصاد الأسبوع من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف

رائد جبر (موسكو)
حصاد الأسبوع بوتين... المستفيد الأكبر (أ.ف.ب)

جولات ويتكوف... و«سيناريوهات» الحوار

قد يكون المشهد الحالي للأزمة الأوكرانية، بالإضافة إلى المواقف الأوروبية المتشددة حيال مسألة الضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بين أسباب مراجعة

حصاد الأسبوع دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
TT

مسعد بولس... «مهندس» صفقات ترمب يصارع ملفات أفريقيا الشائكة

استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب
استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة» في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب

من تجارة السيارات والمعدات الثقيلة في نيجيريا إلى دوائر القرار في البيت الأبيض، ومن استقطاب أصوات العرب الأميركيين إلى التفاوض بشأن حروب السودان وليبيا والكونغو، قطع مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للعلاقات العربية والأفريقية، مساراً سياسياً غير تقليدي. في هذا المسار، جمع رجل الأعمال اللبناني الأصل بين العلاقات العائلية وشبكات المصالح التجارية والاتصالات السياسية العابرة للقارات، لكنه اصطدم بتعقيدات أزمات القارة السمراء، التي لم تفلح معها حتى الآن سياسة دبلوماسية الصفقات.

قبل سنوات قليلة لم يكن مسعد بولس، رجل الأعمال الأميركي المتحدّر من أصل لبناني، اسماً مألوفاً في أوساط الدبلوماسية الدولية، لا سيما وأنه أمضى معظم حياته المهنية بعيداً عن واشنطن، متنقلاً بين لبنان والولايات المتحدة ونيجيريا. إلا أن زواج نجله مايكل من تيفاني، ابنة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عام 2022، فتح أمامه أبواب العائلة الرئاسية، قبل أن يتحول أحد الوجوه البارزة في حملة ترمب الانتخابية لعام 2024. وخلال أقل من سنتين، صار اسم بولس حاضراً في جهود وقف الحرب بالسودان، وتسوية الانقسام الليبي، وإنهاء النزاع بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

النشأة والمسيرةوُلد مسعد فارس بولس عام 1971، لعائلة مسيحية من الروم الأرثوذكس من أبرز عائلات بلدة كفرعقّا في قضاء الكورة بشمال لبنان. والواقع، أن السياسة لم تكن بعيدة عن عائلته، حيث شغل والده منصب رئيس بلدية كفرعقّا، كما ارتبط عدد من أفراد عائلته بالعمل السياسي والنيابي في لبنان، أبرزهم النائب والوزير فيليب بولس.

ونشأ مسعد وسط توازنات حزبية وطائفية ووجاهة سياسية؛ ما شكّل مفهومه الأول للسياسة لتغدو هذه البيئة جزءاً من شبكة علاقاته السياسية لاحقاً. وفي سن المراهقة، انتقل بولس إلى ولاية تكساس الأميركية، وحاز هناك بكالوريوس إدارة أعمال من جامعة هيوستن- داونتاون، ثم إجازة الحقوق من جامعة تكساس سوذرن، كما حصل على الجنسية الأميركية.

أيضاً، إبّان سنوات دراسة مسعد في الولايات المتحدة، بدأ اهتمامه بالسياسة الجمهورية؛ إذ تطوّع للمشاركة في حملة (الرئيس لاحقاً) جورج بوش الابن لمنصب حاكم ولاية تكساس عام 1994، ونُقل عنه قوله: «هذه أول مشاركة سياسية لي كمواطن أميركي». لكن نشاطه السياسي ظل محدوداً مقارنة بعمله التجاري الذي ارتبط بالقارة الأفريقية.

رحلة تجارة في نيجيريا

بعد إنهاء سنوات الدراسة في الولايات المتحدة، انتقل مسعد بولس إلى نيجيريا وانخرط في أعمال عائلته التجارية وأصبح المدير التنفيذي لمجموعة «سكوا نيجيريا» التي تعمل في مجال توزيع السيارات وتجميعها في غرب أفريقيا وتبلغ قيمتها مليار دولار. وهناك تزوج من سارة فضّول، وهي ابنة رجل أعمال لبناني ارتبط هو الآخر باستثمارات في القارة الأفريقية، وأنجب منها أربعة أبناء.

وبينما منحته سنوات عمله في نيجيريا فرصة تكوين علاقات في أوساط الأعمال الأفريقية، وهي علاقات سيحاول توظيفها لاحقاً في مهامه الدبلوماسية، أثارت انتقادات إعلامية، لا سيما مع نشر صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية تقريراً نهاية عام 2024 شكّكت فيه بحجم ثروته، مدعيةً إنه يمتلك حصة صغيرة جداً من شركة «سكوا نيجيريا»، التي يسيطر عليها والد زوجته.

وفي مواجهة هذه التقارير، دافع فريق ترمب عن سجلّ بولس التجاري، مؤكداً أنه شغل مناصب تنفيذية في شركات عائلية بغرب أفريقيا لأكثر من 27 عاماً. كما أوضح بولس للـ«نيويورك تايمز» أن حديثه عن قيمة تتجاوز مليار دولار كان يقصد به مجموعة شركات عائلة زوجته، وليس الشركة التي يديرها وحدها.

ومن ناحية ثانية، أثار وصف ترمب له بأنه «محامٍ بارز» تساؤلات عدة، لا سيما مع ظهور تقارير صحافية ذكرت أنه لا يحمل رخصة مزاولة مهنة المحاماة في تكساس، مع أن هذا لا ينفي حصوله على حصوله على شهادة في القانون.

في أي حال، رغم إقامة مسعد بولس لسنوات في الولايات المتحدة أو العمل في نيجيريا، فإنه بقي مرتبطاً بمسقط رأسه، ومحافظاً على علاقاته مع عائلته في لبنان، حيث كان يتردد على بلدته كفرعقّا باستمرار. ونقلت وسائل إعلام عن مصادر مقرّبة من عائلة بولس قولها إنها «أسرة متواضعة، وأصيلة، وودودة، لا تشبه في سلوكها الأغنياء الجُدد، أبواب أهله كانت دائماً مفتوحة للجميع، ولهم مكانة عالية في قلوب جيرانهم ومحيطهم». كما يوصف بولس نفسه بأنه «ابن رضي لوالديه». وإلى جانب العائلة، ارتبط بولس بعلاقات واسعة مع أطراف لبنانية متعارضة؛ ما عدّه مراقبون إشارة على قدرته على بناء علاقات وتحالفات تتجاوز الانقسامات التقليدية. وبفضل قوة علاقاته هذه، وتنوّعها، تردّد في أوساط إعلامية أنه كان مرشحاً في إحدى الانتخابات البرلمانية في لبنان، وهو ما نفاه بولس في تصريحات صحافية في ما بعد.

زواج غيّر مساره

إلا أن التحوّل الأكبر في مسيرة مسعد بولس جاء من خارج باحة السياسة التقليدية، ومن خارج لبنان أيضاً. ففي عام 2018، بدأت علاقة ابنه مايكل بتيفاني ترمب، التي تعرف إليها خلال عطلة في جزيرة ميكونوس اليونانية، قبل أن يُعلنا خطوبتهما خلال يناير (كانون الثاني) 2021، ويتم الزواج في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وبذا دخل بولس الدائرة العائلية المحيطة بترمب.

وفق تقرير نشرته وكالة الـ«أسوشييتد برس» في يونيو (حزيران) 2024، كان بولس قد شارك بالفعل في أنشطة سياسية داعمة لترمب، لكن دوره توسّع بصورة كبيرة بعد زواج نجله. وحين بدأت حملة الانتخابات الرئاسية لعام 2024، وجد ترمب في قريبه اللبناني - الأميركي شخصية مناسبة للتواصل مع الجاليات العربية والمسلمة، لا سيما في ولاية ميشيغان المتأرجحة.

وبالفعل، استثمر بولس حالة الغضب من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل خلال «حرب غزة»، في حثّ الجاليات العربية والمسلمة على التصويت لترمب بحجة أن ترمب قادر على وقف الحرب في الشرق الأوسط.

لم تكن تلك المهمة سهلة؛ إذ واجه بولس اعتراضات على سياسات ترمب نفسها تجاه المسلمين والفلسطينيين، لكنه استطاع في الوقت نفسه اجتذاب بعض التأييد للرئيس الأميركي. وحسب مراقبين، ربما كان هذا الدور هو السبب في قرار ترمب خلال ديسمبر (كانون الأول) 2024، تعيين بولس كبيراً لمستشاريه للشؤون العربية والشرق أوسطية، ووصفه إياه بأنه «رجل أعمال يتمتع بخبرة دولية وقدرة على بناء تحالفات انتخابية مع الأميركيين العرب».

وبعدها، يوم 1 أبريل (نيسان) 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية تعيين بولس كبيراً لمستشاري الشؤون الأفريقية، ليبدأ بولس أولى مهامه الرسمية في أفريقيا بزيارة الكونغو الديمقراطية ورواندا وكينيا وأوغندا؛ بهدف دعم جهود السلام في شرق الكونغو وتشجيع استثمارات القطاع الخاص الأميركي.

«دبلوماسية الصفقات» ... في أفريقيا

بدأ بولس يتبنى نهجاً يتلاءم مع فلسفة ترمب القائمة على ربط التسويات السياسية بالصفقات الاقتصادية. وقال في أحد لقاءاته الصحافية، إن سياسة الإدارة الأميركية تجاه القارة ترتكز على ثلاثة مبادئ، هي: السلام والشراكات والازدهار. وظهر هذا التوجه واضحاً في ملف الكونغو الديمقراطية ورواندا، حيث قاد بولس اتصالات مع رئيسَي البلدين بشأن اتفاق لوقف الصراع في شرق الكونغو، وهي منطقة غنية بالمعادن الاستراتيجية، بينها الكوبالت والنحاس والليثيوم.

ويوم 27 يونيو 2025، وقّع البلدان «اتفاق سلام» برعاية أميركية في واشنطن، تضمّن «ترتيبات أمنية» وأسساً لتوسيع التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

والواقع، أن الإدارة الأميركية لم تخفِ اهتمامها بالموارد المعدنية؛ بل تكلّم ترمب صراحةً عن «المكاسب» التي يمكن أن تحققها الولايات المتحدة من الوصول إلى معادن الكونغو. لكن ذلك الاتفاق لم ينهِ الصراع فعلياً؛ إذ استمرت المواجهات في شرق الكونغو، وظل تنفيذ التفاهمات موضع شكوك.

وبعد ذلك، في أكتوبر (تشرين الأول) 2026، برز تطوّر جديد مع إعلان الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا قيادة تحالف متمرد جديد يضم حركة «إم 23»؛ ما عكس استمرار تعقيدات الأزمة.

السودان وليبيا... أصعب الاختبارات

ولكن، إذا كان ملف الكونغو قد منح مسعد بولس فرصة لتقديم نفسه وسيطاً دولياً، فإن السودان وليبيا وضعاه أمام اختبارات أكثر تعقيداً.

في السودان، انخرط بولس في جهود «الآلية الرباعية» الدولية التي تضم الولايات المتحدة، ومصر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ لدفع الجيش السوداني وميليشيا «قوات الدعم السريع» نحو هدنة إنسانية تمهد لتسوية سياسية. وطرح بولس خطة لوقف إطلاق النار لمدة 90 يوماً، تعقبها مفاوضات أوسع لإنهاء الحرب والعودة إلى مسار الحكم المدني، غير أن مقترحه واجه اعتراضات من أطراف مرتبطة بالجيش السوداني، وحتى الآن لا يزال مسار الحل السياسي بعيداً.

أما في ليبيا، فقد دعم بولس مباحثات لتوحيد المؤسسات المنقسمة بين الشرق والغرب، وبناء شراكات تسمح بتوحيد المؤسسات والانتقال للانتخابات، لكن تعقيدات الصراع أعاقت حتى الآن الحلول السلمية.

الخلاصة، أن بولس لا يبدو دبلوماسياً أميركياً من الطراز التقليدي؛ فهو لم يأت من وزارة الخارجية، ولا من المؤسسة الأمنية أو البحثية، بل جاء من عالم الأعمال والسياسة العائلية، معتمداً على علاقات شخصية مباشرة مع الرئيس الأميركي وخبرة تجارية في القارة الأفريقية ومعرفة بالتوازنات السياسية اللبنانية، والقدرة على التواصل مع شخصيات لا تجمعها بالضرورة مواقف سياسية مشتركة. وبالتالي، مصادر قوته تمثل أيضاً نقاط ضعف تثير التساؤلات بشأنه، كما أن قدرته على الوصول إلى القادة وإطلاق المبادرات، لا تضمن وحدها نجاح تلك المبادرات أو تنفيذ ما ينتج منها من اتفاقات.


أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
TT

أفريقيا... ثروات ضخمة وأزمات معقدة

ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)
ثروات أفريقيا... في مهب حروبها ونزاعاتها (أ.ف.ب)

صراعات معقّدة وثروات هائلة...

عبارة تصف بصدق القارة الأفريقية، التي تمتلك وفق بعض التقديرات نحو 30 في المائة من الاحتياطيات المعدنية العالمية، إضافة إلى ثروات هائلة من النفط والذهب والأراضي الزراعية، لكن الصراعات المعقدة والانقسامات السياسية والحروب الأهلية تحول دون استثمارها.

والواقع أنه يعيش نحو 44 في المائة من سكان «القارة السمراء»، خاصة، جنوب الصحراء الكبرى في فقر مدقع. وبينما تتفاقم الصراعات الأفريقية الداخلية، تتزايد الأطماع الخارجية وتشتد حدة التنافس العالمي بين القوى الكبرى على استغلال موارد القارة وثرواتها.

تقديرات «لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا»، تشير إلى أنه على الرغم من امتلاك أفريقيا نحو 30 في المائة من احتياطيات المعادن العالمية، فإنها لا تحصل إلا على حصة محدودة من عوائد هذه الثروة نتيجة للاعتماد على تصدير المواد الخام وضعف التصنيع المحلي.

أيضاً، في أفريقيا نحو 65 في المائة من الأراضي الصالحة للزراعة عالمياً، بحسب التقارير الدولية. ووفق بيانات الأمم المتحدة فإن ثروات القارة تشمل نحو 7.5 في المائة من احتياطيات النفط، و8 في المائة من احتياطيات الغاز الطبيعي، و40 في المائة من احتياطيات الذهب العالمية، بجانب حصص كبيرة من الكروم والبلاتين، ويقدر رأس المال الطبيعي للقارة بنحو 7.6 تريليون دولار، وفق تقديرات البنك الأفريقي.

إلا أن كل هذه الأرقام لا تنعكس بحبوحة على سكان القارة. إذ تشير أرقام البنك الدولي لعام 2025، إلى أن نحو 584 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء يعيشون في فقر مدقع، ما يمثل نحو 44.1 في المائة من السكان. وكأمثلة، تتجاوز نسبة الفقر المدقع 80 في المائة في الكونغو الديمقراطية وموزمبيق، وتبلغ نحو 60.5 في المائة في النيجر، ويعيش 7 من كل 10 فقراء في العالم في قارة أفريقيا.

ومن ناحية ثانية، لا تنفصل الأوضاع الاقتصادية عن النزاعات المسلحة التي تضرب مناطق واسعة من أفريقيا، وتبرز الكونغو واحدةً من أبرز نماذج الصراع في أفريقيا، فالدولة الغنية بالكوبالت والنحاس والذهب والكولتان، تعد من أفقر دول القارة، وتعد النزاعات المحلية على الأرض من أزمتها. ولا يختلف الوضع كثيراً في السودان، الذي يعاني صراعاً ممتداً منذ أبريل (نيسان) 2023، بين الجيش وميليشيا «الدعم السريع»، أدى إلى نزوح وتشريد عدد كبير من السكان. أما بالنسبة لليبيا، فهي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في أفريقيا، تقدر بنحو 48 مليار برميل، لكن الانقسام السياسي والمؤسسي منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حال دون استثمار هذه الثروة بصورة مستقرة.

أيضاً، لا يختلف الوضع في منطقة الساحل، حيث تواجه مالي وبوركينا فاسو والنيجر تصاعداً في هجمات الجماعات المتشددة، ما يعوق التنمية والاستفادة من ثرواتها المعدنية الكبيرة من الذهب واليورانيوم. وفي القرن الأفريقي حيث تتعاظم التحديات من حرب أهلية في إثيوبيا، ونزاعات مسلحة في الصومال، وهشاشة في الأوضاع السياسية والأمنية في مختلف أنحاء «القارة السمراء».


شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
TT

شطب زيلينسكي من المعادلة يبدو صعباً... والتسوية المرتقبة ليست قريبة

من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)
من لقاء زيلينسكي وويتكوف في أوسلو بحضور رئيس فنلندا ستب ووزير خارجية النرويج غار ستوره (أ.ف.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن «صفقة الديزل» مع روسيا، بدا أن الحرب الروسية - الأوكرانية دخلت منعطفاً جديداً عنوانه إعادة النظر في أولويات الأطراف الرئيسة المنخرطة فيها، بشكل مباشر أو غير مباشر، وذلك على ضوء إعلاء المصلحة الانتخابية الداخلية في الولايات المتحدة، واستعداد الإدارة الأميركية لانتهاج سياسة مختلفة عن سياسة حلفائها، وممارسة ضغط أكبر على الأوكرانيين خلال المرحلة المقبلة.

أثارت «صفقة الديزل» المُزمعة بين الولايات المتحدة وروسيا جدلاً صاخباً داخل أروقة السياسة الأميركية، واستدعت ردود فعل غاضبة في أوروبا وفي الداخل الأوكراني. لكن كان مُلاحظاً أن الكرملين لم يتسرّع في إعلان مواقف رسمية حيالها، بل اكتفى بتوجيه صامت للإدارات المعنية في البلاد بالعمل على توفير الظروف الملائمة لإنجاحها، كونها تقوّض واحداً من الأركان الأساسية للعقوبات المفروضة على قطاع النفط في روسيا.

هذا الأمر دفع وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك إلى الإعلان عن رفع الحظر المفروض على تصدير الديزل، مع محاولة طمأنة السوق الداخلية بأن الصفقة «لن تضرّ باحتياجات المستهلكين المحليين». وهذا مع الإشارة إلى أن روسيا تواجه داخلياً نقصاً كبيراً في إمدادات الوقود والديزل.

وبينما سارت موسكو خطوة ثانية نحو ترسيخ مكسبها، عبر اشتراطها رفع القيود المفروضة على شركات روسية لتنفيذ بنود الصفقة، كان هناك بُعد أهم. وتمثّل هذا البُعد في الانعكاس السياسي للصفقة، وكذلك عودة الكلام الأميركي عن «ضرورة إجراء انتخابات رئاسية لاختيار رئيس جديد لأوكرانيا». وهذا ما حدث بعد رد الفعل الغاضب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي رأى أن صفقة الديزل «استثمار في الحرب»، وبالتالي، تعهّد بمواصلة استهداف منشآت الطاقة الروسية ما دامت موسكو تواصل استهداف البنى التحتية للطاقة في بلاده.

التأثيرات الميدانية

لقد كان متوقّعاً ألّا تصمد طويلاً «هدنة الطاقة» التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنجاح الصفقة، من دون تنسيق مع الطرفين الروسي والأوكراني.

وبعد توقف مؤقّت عن استهداف منشآت الطاقة الروسية، أعلن زيلينسكي أن الضربات على مصافي النفط ستُستأنف بسبب عدم التزام موسكو التي واصلت قصف البنى التحتية الأوكرانية. وفي المقابل، تجاهلت موسكو الهدنة، واكتفت بإشارات إلى أنها «تبحث شروطها مع الجانب الأميركي». وهكذا بدا أن الجهد الأميركي في هذا المجال يواجه اختباراً جدّياً لمدى قدرة ترمب على فرض تصوّره لآليات تنفيذ الصفقة.

المثير أن ترمب اختار الطريق الأقصر لذلك، عبر تقليص الدعم الاستخباراتي لأوكرانيا، وتجميد التعاون عبر شبكة «ستارلينك» و«ستارشيلد»، وهي النسخة العسكرية للشبكة التي كانت تتولّى توجيه التحذيرات المُسبقة للجانب الأوكراني عندما يُصار إلى إطلاق موجات صاروخية نحوه. وهو ما جعل الدفاعات الجوية الأوكرانية عمياء لعدة أيام، ومن ثم، زاد من حجم الضغوط على زيلينسكي. وفي هذا المجال، أكدت موسكو عملياً أنها تستعد للاستفادة إلى أبعد درجة مُمكنة من التدهور الحاد في علاقات القيادة الأوكرانية مع واشنطن.

القطيعة مع زيلينسكي

لقد طرح التطوّر معضلة جديدة أمام كل الأطراف الداعمة لأوكرانيا. فالقطيعة بين إدارة ترمب وزيلينسكي، الذي حمّله الرئيس الأميركي المسؤولية عن محاولة تعطيل الصفقة و«الإضرار بإمدادات الطاقة عالمياً»، دفعت نحو إطلاق واشنطن فكرة استبدال القيادة الأوكرانية.

بيد أن التطبيق العملي لهذه الفكرة يبدو احتمالاً بعيداً جداً، في ظروف الوضع الأوكراني الداخلي، وتعذّر فرص إجراء انتخابات، والموقف الأوروبي المعارض لتصعيد الضغوط على كييف و«منح موسكو جوائز»... كما علق أكثر من مسؤول أوروبي.

الانتخابات الرئاسية الأوكرانية، المؤجلة منذ سنتين، لا يُمكن إجراؤها، كما يقول الأوكرانيون، تحت النار، ولا بد من إعلان هدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل لإنجاح الاستحقاق، وفقاً لمطلب زيلينسكي.

ولكن هذا أمر يبدو مستبعداً للغاية في الظروف الحالية، لا سيما أن واشنطن فشلت حتى في فرض هدنة مؤقتة في قطاع الطاقة، فكيف ستنجح في حمل الكرملين على القبول بهدنة شاملة لمدة شهرين على الأقل؟

لا تبدو موسكو اليوم متحمسة كثيراً

«للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي

على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه

المزاج الشعبي الأوكراني

من جانب آخر، اللافت أنه خلافاً للموقف المتشدّد للرئيس الأميركي حيال العلاقة مع زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً؛ إذ بدا لافتاً في تأكيده له أنه «مهما بلغت الرغبات» تظلّ مناقشة أي تسوية سياسية من دون القيادة الحالية لأوكرانيا «أمراً مستحيلاً».

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن موسكو التي شكّكت طويلاً بـ«شرعية» زيلينسكي، ورأت «صعوبة» في إبرام اتفاق سلام مع رجل انتهت ولايته الرئاسية منذ سنتين، ولم يعمل على تنظيم انتخابات رئاسية تجدّد الثقة به وبسياساته وتمنحه تفويضاً للتكلّم باسم الشعب الأوكراني، وجدت نفسها الآن أمام استحقاق جديد مع بلوغ الأزمة بين زيلينسكي وترمب حد القطيعة النهائية.

لكن موقف الكرملين لا يبدو، في أي حال، معزولاً عن سياقات المعركة الجارية والمزاج العام في أوروبا وفي الداخل الأوكراني.

إذ إن موسكو لا تبدو راهناً متحمسة كثيراً «للانقلاب الأميركي الكامل» على زيلينسكي، على الرغم من الاعتراضات الروسية الكثيرة على سلوكه، ومع أن موسكو نفسها ساهمت في تعميق أزمته مع ترمب، واستثمرت في توسيع الهوة لضمان قطع المساعدات الاستخباراتية الأميركية عن أوكرانيا، وتقليص الدعم العسكري إلى أدنى درجة.

بناءً عليه، يبدو الموقف الروسي ملتبساً بعض الشيء، لكن هذا الالتباس يُخفي فهماً روسيا أعمق، وأكثر دقّة، من الفهم الأميركي للصعوبات التي تواجه التسوية السياسية. وهنا تدخل «ضرورات» التعامل مع زيلينسكي، بالنسبة إلى موسكو على الرغم من كل الاعتراضات السابقة عليه.

وفي هذا السياق، كتب معلّق روسي بارز أن «زيلينسكي الضعيف والمشكوك بشرعيته والمُحاط بالضغوط يظل (بالنسبة لموسكو) أفضل من زيلينسكي الواقف على صخرة قوية من الدعم الأوروبي، والمستند إلى دعم واضح في المجتمع الأوكراني».

وفي هذا الإطار، لا تبدو الأرقام والإحصائيات للمزاج العام في أوكرانيا مشجعة لدعم عملية انتخابية في الوقت الحالي؛ إذ يكفي إيراد بعض النتائج وفقاً لاستطلاعات الرأي الاجتماعي الحديثة في أوكرانيا (سبتمبر «أيلول» - أكتوبر «تشرين الأول» 2026).

أولاً: الرغبة في مواصلة الحرب: وفقاً لاستطلاع أجراه «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع (KIIS)»، فإن 62 في المائة من الأوكرانيين مستعدون لتحمّل الحرب ما دام الأمر لازماً. واللافت أنه في مقابل غالبية جاهزة لمواصلة تحمّل تبعات الحرب لسنوات، يقول 23 في المائة إنهم مع منح الفرصة للعسكريين لسنة إضافية أو نصف سنة. أي أنهم لا يعارضون وقف الحرب حالياً لكنهم يريدون سقفاً زمنياً محدداً لإنهاء القتال.

ثانياً: التنازلات الإقليمية: وفقاً لدراسة أجرتها مجموعة «ريتينغ» في أكتوبر 2026، فإن نحو 56 في المائة من المواطنين يقبلون، إلى حد ما، إمكانية تقديم تنازلات إقليمية مقابل تحقيق سلام طويل الأمد. لكن هؤلاء يربطون القبول بأي تنازلات بالحصول على ضمانات أمنية كاملة وموثوقة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ويرون أن الثمن يجب أن يكون قبول أوكرانيا التي تسعى للتكامل مع المنظومة الأوروبية، في مقابل وقف القتال عند خطوط التماس الحالية. واللافت هنا أن هذه الفئات لا تطالب القيادة الأوكرانية الحالية أو الجديدة - إذا أجريت الانتخابات - بإعلان «شرعية» السيادة الروسية على الأراضي، بل تبدي استعداداً للتعامل مع «أمر واقع» مفروض على الأرض.

ثالثاً: الثقة بالحكومة: تشير استطلاعات «معهد كييف الدولي لعلم الاجتماع» إلى أن مستوى الثقة بالرئيس فولوديمير زيلينسكي لا يزال عند نحو 54 في المائة.

والملاحظ في كل هذه النتائج أن الأرقام لم تتغير كثيراً عن نتائج استطلاعات أجريت قبل شهرين وكذلك نتائج العام الماضي.

وعلى وجه الخصوص، لم تنخفض النسبة بين سكان العاصمة كييف الذين شملهم الاستطلاع - 72 في المائة من المستجيبين مستعدّون لتحمل الحرب مهما طال الأمر (في أواخر يوليو «تموز» وأوائل أغسطس «آب»، كانت هذه النسبة 69 في المائة، وهو فرق ضمن هامش الخطأ).

الملاحظ أيضاً أن «معهد كييف الدولي للدراسات الاستراتيجية» أشار إلى أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار أن هذا الاستطلاع أُجري بعد تصعيد الهجمات الروسية النشطة على المرافق الحيوية باستخدام الطائرات المسيّرة. ووفقاً لدراسة المعهد، فإن «هذا يعني أن هذه البيانات، على الأقل حتى الفترة من 12 إلى 21 سبتمبر، لم تُؤدِّ إلى تراجع معنويات السكان. وفي الوقت نفسه، أُنجز الاستطلاع قبل بدء الهجمات على الجسور عبر نهر الدنيبر».

غير أن كل هذا لا يعني أن الأوكرانيين يعارضون مبدأ التفاوض؛ إذ أظهرت الدراسات ذاتها أن 75 في المائة مع مبدأ التفاوض، لكن 56 في المائة كما ورد سابقاً يرفضون التنازلات الإقليمية من دون ضمانات واضحة وموثّقة لأوكرانيا. بينما يوافق 3 في المائة فقط على التنازلات دون أي شروط مسبقة.

ولدى العودة إلى مسألة الثقة بزيلينسكي، دلّت الدراسات الحديثة كلها أنه سيكون من الصعب جداً شطبه من المعادلة السياسية في البلاد.

وبالفعل، لا يزال زيلينسكي، بالإضافة فاليري زالوجني (قائد الجيش السابق) وكيريل بودانوف (رئيس مجلس الأمن) وميخائيل فيدوروف (سياسي بارز ورائد في مجال التقنيات الرقمية) يتصدّرون استطلاعات الرأي ونسب التأييد الانتخابي.

والمعنى هنا أن الانتخابات، لو أجريت الآن أو بعد وقت، فإن زيلينسكي سيكون المرشح الأوفر حظاً بالفوز... أو حتى قد تميل الكفة إلى الجناح الأكثر تشدداً منه مثل زالوجني أو بودانوف.