العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران

هتافات معادية لرموز طهران وأعمال حرق لقنصلياتها ومقاطعة لبضائعها

العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران
TT

العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران

العراق... احتجاجات «نريد وطناً» في وجه نفوذ إيران

يلخص شعار «نريد وطناً» الذي رفعه المتظاهرون العراقيون مطلع حراكهم، الذي انطلق مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. كل ما يتعلق برغبتهم في تغيير صورة بلادهم التي لحق بها كل ما هو «مشين» برأيهم على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وما لحق بها من أدران الفساد وسوء الإدارة والعمالة المعلنة لغالبية قواها السياسية لقوى الخارج.
وعلى رغم وجود أكبر سفارة في بغداد للدولة التي احتلت بلادهم عام 2003، وهي هنا الولايات المتحدة الأميركية، فإن حدة النقمة الشعبية عليها، لا تعادل بما لا يقارن مع تلك النقمة المتصاعدة ضد إيران لأسباب كثيرة منها على سبيل المثال لا الحصر، أن واشنطن وخلافاً لطهران، لم تجد من بين صفوف العراقيين من يسارع إلى التصريح علناً بأنه سيقف معها في أي اعتداء تتعرض له، بينما تحظى طهران بعشرات الفصائل المسلحة الموالية لها التي تعلن ليل نهار أنها ستقف معها في حال تعرضها إلى أي اعتداء. وهذا يفسر محلياً على أنه ولاء معلن وغير شرعي لدولة خارجية على حساب البلاد ومصالحها.

ثمة أسباب عديدة وراء تصاعد مشاعر الكراهية واللا ارتياح من الدور الإيراني في العراق. وهي مشاعر اتخذت أشكالاً شتى، سليمة أحياناً وتتمثل بالانتقادات الشديد التي يوجّهها ناشطون ومثقفون وسياسيون لسياسات طهران في العراق، وعنفية تمثلت في حرق قنصلياتها التي لها منها إضافة إلى السفارة في بغداد 5 قنصليات في عموم البلاد، خلافاً لبقية دول العالم، وهذا مؤشر آخر على حجم النفوذ الإيراني في العراق.
كربلاء والنجف
مشاعر العداء ضد طهران تفجّرت، وبطريقة غير مسبوقة ربما، ظهرت في مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) التي ما زالت متواصلة. ففي الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أقدم محتجون في محافظة كربلاء التي تعد ثاني (هناك مَن يعدها الأول) أهم مركز ديني لدى الطائفة الشيعية في العالم لارتباطها بالحسين بن علي الشهيد، وأقدموا على إحراق القنصلية الإيرانية فيه. وفي يوم 27 من الشهر نفسه - نوفمبر (تشرين الثاني) - هاجم المتظاهرون القنصلية الأخرى في مدينة النجف، وأضرموا النار فيها، ثم عادوا مرتين متتاليتين وأحرقوا إجزاء من القنصلية ذاتها. بل إن بعض الناشطين شبّهوا حينها «تندّراً» قنصلية إيران في النجف بـ«أركيلة» تبغ يتسلى المحتجون في دخانها وحرقها بين حين وآخر. في عمليتي الحرق بكربلاء والنجف، دارت مواجهات عنيفة مع قوات الأمن خلّفت عشرات الجرحى بين المتظاهرين. ويقول مقربون من صناعة القرار الإيراني إن «القنصليتين في النجف وكربلاء مثلث أحد أكبر الصدمات غير المتوقعة لصناع القرار في طهران، وقد جاءت بعد سنوات من النفوذ وشبكة واسعة من العلاقات والمصالح في أهم مدينتين شيعيتين».
قد تبدو عمليات حرق القنصليتين ذروة ما وصل إليه الغضب الشعبي في النجف وكربلاء خاصة والعراق عموماً ضد الهيمنة الإيرانية التي باتت لا تطاق بنظر غالبية السكان منذ سنوات، لكن ذلك لا يقلل من أهمية عوامل أخرى مماثلة قام بها المتظاهرون في بغداد وبقية المحافظات. حيث عمدوا إلى حرق الكثير من صور المرشد الإيراني علي الخامنئي وقائد فيلق «القدس» التابع للحرس الثوري قاسم سليماني، وردد المتظاهرون في غالبية الساحات أهازيج وشعارات منددة بإيران. كذلك قام متظاهرون في النجف مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بتغيير اسم «شارع الإمام الخميني» وسط المدينة إلى «شارع شهداء ثورة تشرين». وشملت التصرفات الاحتجاجية المناهضة لإيران إطلاق حملة واسعة لمقاطعة بضائعها في العراق وأطلق الناشطون منذ أسابيع هاشتاغ «خلوها تخيس» بمعنى «دعوها تتعفّن».
البعد القومي
المحامي والناشط محمود الخزرجي في كربلاء يرى، أن أسباب الكره الشعبي للإيرانيين في كربلاء والنجف كثيرة «بعضها متغلل ذات طابع قومي عربي - إيراني يعود لعقود طويلة، وبعضها يعود للسنوات القليلة الماضية». وعن أسباب السنوات الماضية، يقول الخزرجي لـ«الشرق الأوسط» شارحاً: «ثمة وعي متنامٍ لدى الأجيال الجديدة من الشباب التي باتت تدرك حجم الخطر الذي تمثله إيران على مصالحهم ومصالح البلاد بشكل عام، وباتوا يدركون حجم التغلغل الإيراني في جميع مفاصل الدولة والمجتمع، وحجم النظرة الاستعلائية التي يمارسها الإيرانيون في كربلاء والنجف».
ويضيف الخزرجي: «هناك أيضاً، شعور متنامٍ لدى الشباب في كربلاء والنجف أن الحكومات المحلية في المحافظتين واقعة تحت سيطرة ونفوذ الإيرانيين، إلى جانب الكره التقليدي الذي يكنّه سكان المدن الدينية لبعض رجال الدين، ثم جاءت الهيمنة الإيرانية على طيف واسع من المعممين لتزيد نقمة الشباب وغضبهم».
ويشير الخزرجي إلى سبب آخر يرى أنه وراء أسباب النقمة ضد الإيرانيين وحرق قنصلياتهم وهو أن «كربلاء تتألف من خليط سكاني تتحدر أعداد كبيرة منه من الطبقات الفقيرة في محافظات الجنوب العربية، وهؤلاء تحديداً، ينظرون غالباً بازدراء وعدم احترام لمن يطلقون عليهم توصيف (العجم)». ويضيف: «لا ننسى الدور الذي مارسته القنوات الإعلامية المموّلة إيرانياً في تضخيم دورها على حساب التضحيات التي قدمها العراقيون في الحرب ضد «داعش»، ومثّل استهانة بأرواح شباب العراق. هذا التضخيم المتعمد للدور المزعوم أدى إلى خلق مشاعر كراهية واسعة ضد إيران».
على أن عملية حرق أخرى مماثلة قام بها المتظاهرون وطالت القنصلية الإيرانية البصرة مطلع شهر سبتمبر (أيلول) 2018، مثلت ربما الشرارة الأولى لعمليات الحرق اللاحقة، التي تشير بوضوح لا يقبل التأويل إلى حجم الغضب الشعبي العفوي في المحافظات العراقية ذات الأغلبية الشيعية ضد نفوذ إيران وهيمنتها على العراق منذ سنوات، وهذا على رغم ما تردده إيران وأتباعها من أنها عمليات مخطط لها من قبل جهات وأجندة خارجية.
المحور الإيراني الواضح
ومع ذلك، لا يمكن بأي حال النظر إلى عمليات الحرق وجميع الأفعال المناهضة لإيران التي وقعت خلال الاحتجاجات العراقية التي انطلق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بوصفها لحظة آنية مبتورة عن سياقها الممتد منذ سنوات الذي ترجح اتجاهات غير قليلة تفاعله وبروزه للعلن منذ عام 2011. الذي شهد انسحاب القوات الأميركية من العراق، ودخوله لاحقاً على المستوى السياسي الرسمي ضمن المحور الإيراني. ومعروفٌ، أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي كان قد أعلن دعمه لحكومة الرئيس السوري بشار الأسد تماهياً مع الموقف الإيراني الرافض للانتفاضة الشعبية السورية التي تفجّرت في فبراير (شباط) 2011. ولذا نرى أنه بعد نحو 5 سنوات من ذلك التاريخ، ظهرت للعلن لأول أهزوجة «إيران بره بره... بغداد تبقى حرة» المعادية لحكم الولي الفقيه ونفوذه في العراق في هتافات المتظاهرين الذي اقتحموا مبنى البرلمان في 30 أبريل (نيسان) عام 2016.
مناهضة نفوذ إيران وغيرها في العراق، لا يقتصر على المواطنين العاديين وجماعات الحراك، إنما يتعداه إلى المرجعية الدينية في النجف وإن لم تشر إليه بشكل صريح مطلقاً، لكنها شدّدت في كثير من خطبها على سيادة العراق ورفض التدخلات الخارجية، وحول موقف مرجعية النجف وعلاقتها بنظام ولاية الفقيه في إيران يقول الباحث علاء حميد إدريس إن: «مرجعية النجف لا تتبنّى مبدأ ولاية الفقيه، رغم التشابه بين المرجعيتين، فهما يختلفان في التعامل مع السياسة والسلطة. إذ لم تكن السياسة حاضرة في ذوق مرجعية النجف طوال مراحل حضورها الاجتماعي والديني، ولا يأتي تدخّلها إلا بعد حصول أزمة أو يطلب منها التدخل».
ويضيف إدريس: «تنبع مرجعية النجف المتمثلة بالمرجع الديني للسيد علي السيستاني مع أن دورها يعتمد على النصح والإرشاد فيما يتعلق بالعراق بشكل مميّز دون بقية الدول التي يوجد فيها مسلمون شيعة، على العكس من المرجعية الدينية في إيران التي يعبّر عنها المرشد الإيراني علي الخامنئي؛ والتي تعمل على إيجاد نفوذ وحضور في أغلب مناطق الإقليم ومنها العراق، ولبنان، وفلسطين، وسوريا، والبحرين، واليمن». ويرى أن «مساحات النفوذ تكشف أن كلتا المرجعيتين مختلفتان بشكل ملموس في الأسلوب والعمل؛ فمرجعية النجف تعتمد مبدأ مسافة التوجيه؛ والمقصود بها الابتعاد عن الدخول في تفاصيل قضايا الشأن العام، أما مرجعية إيران فإنها تعمل ضمن مبدأ الحضور في تفاصيل تلك القضايا انطلاقاً من مبدأ ولاية الفقيه على عموم المسلمين».
ما فعله «داعش»
الكاتب الصحافي والمحلل السياسي سرمد الطائي، يرى أن «لحظة اجتياح تنظيم داعش للعراق كانت صدمة أنتجت وعي الجيل الجديد الذي لاحظناه يستهدف رموز إيران في البصرة وجنوب العراق خريف 2018. وفي هذا إدراك أن العراق يصبح تدريجياً كبش فداء في مواجهة دولية تقوم بها إيران، ولذلك ظهر رأي عام عراقي يرفض أن تنتقل أزمة مضيق هرمز إلى بغداد».
ويقول الطائي، الذي عاش شطراً من حياته في إيران إبان معارضته لحكم الرئيس الراحل صدم حسين لـ«الشرق الأوسط» إن حرب «داعش» الطويلة أدت إلى تشجيع جيل الشباب الكاره للحرب، على إدراك أن التغيير والإصلاح ليس رغبة عابرة كمالية، بل تحوّل حاسم هو مسألة حياة أو موت، لمنع القرارات الحمقاء في السياسة والأمن والاقتصاد.
وينظر الطائي إلى جيل الاحتجاج الجديد بوصفه «جيلاً مختلفاً عن سابقه ولا يمثل أهواءً سياسية بل ينتج عن تحول اجتماعي عميق يجب أن يؤدي إلى تحول سياسي، وهكذا فإن المجتمع الذي شهد توافق 2003 لم يعد مقرراً وحاسماً في عراق 2018 وما بعده من مظاهرات البصرة ولاحقاً مظاهرات تشرين.
وهذه العوامل مجتمعة، بحسب الطائي «أنتجت ثقة وطنية كبرى على أنقاض الفشل السياسي، لم تعد تتقبل أن يصبح العراق كما يردد قادة حرس الثورة الإيرانيين، مجرد مساحة نفوذ لطهران، فكانت مهاجمة المقرات التي ترمز لنظام إيران إعلاناً بسيادة عراقية جديدة يفرضها التحول الاجتماعي لا الطبقة السياسية الخائفة أو أو الحذرة من سطوة الجنرال قاسم سليماني».
محفّزات كثيرة
ومن جانبه، يرى رئيس «مركز التفكير السياسي» الدكتور إحسان الشمري، أن ثمة محفزات كثيرة لحالة العداء ضد إيران في الشارع العراقي، منها «دعمها لمعادلة السلطة التي أنتجت حكومة عادل عبد المهدي التي شكل أغلب أطرافها قوى وفصائل وثيقة الصلة بإيران، وبعد أن صورت هذه الحكومة باعتبارها المنقذة للبلاد، وجد العراقيون أنها حكومة تمثل أجندات خارجية وتسعى إلى ترجمة الرؤى الإيرانية على حساب الداخل العراقي». ويقول الشمري لـ«الشرق الأوسط»: إن «جولات عبد المهدي الخارجية بدت وكأنها محاولات لوقف تصاعد الخلافات بين واشنطن وطهران، مما دفع كثيرين للتساؤل عن جدوى ذلك، وهناك حريق داخلي في البلاد».
ويعتقد الشمري أن العامل الاقتصادي كان من بين أهم محفزات العداء الشعبي ضد إيران، حيث إن «تعامل إيران الاقتصادي واستحواذه على السوق العراقية وبالتالي إسهام ذلك في إيقاف النمو الاقتصادي العراقي على الصعيدين الحكومي والخاص أدى إلى ما يشبه عملية استلاب تام لاقتصاد البلاد دفع الناس وحرضهم على النقمة». وتضاف عوامل أخرى كان لها الدور الحاسم في إثارة الرأي العام العراقي ودفع المتظاهرين إلى حرق القنصليات الإيرانية، ضمنها «طبيعة التصريحات الاستفزازية التي أطلقها قادة إيرانيون ومست بشكل وثيق السيادة العراقية، خاصة تلك التي تتحدث عن تابعية العراق لإيران وارتباطه بمحور ما يسمى بالمقاومة، إلى جانب التصريحات التي أطلقت ضد المتظاهرين ووصفتهم بالمشاغبين المدفوعين من قوى خارجية». ولا ننسى طبعاً، والكلام للشمري «طبيعة الشخصية العراقية التي لا تقبل بالخضوع للأجنبي مهما كان أصله وانتماؤه».
وعن توقّعاته المستقبلية للعلاقة بين العراق وإيران عقب مرحلة حرق القنصليات والمظاهرات المنددة بنفوذها في العراق، يقول: «مهمة الحكومة المقبلة صعبة ومعقدة، وعليها أن تعمل بجد لوضع العلاقة بين البلدين على أسس من المصالح المشتركة وليس على أساس التابعية، وتوقعاتي أن تكون ضمن أولويات الحكومات المقبلة القيام بعملية شاملة لإعادة تقييم العلاقة بين البلدين وما عدا ذلك فإن الغضب الشعبي ضد إيران سيتزايد بمرور الأيام».
بدوره، يرى الباحث في علم الاجتماع السياسي عبد الرزاق علي، أن «السلوكيات العنيفة للأشخاص أو للجماعات وللسياسات في التحليل السوسيولوجي هي ذلك الشعور بالكره والرعب واللاتسامح. وعادة ما تكون هذه السلوكيات بالاندفاع والتصرف الخارج عن السيطرة». ويقول علي لـ«الشرق الأوسط» إن «ما حدث في مدن البصرة وبغداد والنجف خلال الاحتجاجات الماضية والحالية وما نجم عنها من إقدام المحتجين على اقتحام وحرق القنصليات في النجف والبصرة ومحاولتهم الوصول وحرق السفارة الإيرانية في بغداد ما هي إلا تعبير عن الشعور بالكراهية واللاتسامح مع السياسة الإيرانية المتعلقة بالعراق». يشير الباحث علي هنا إلى المحاولات المتكررة للمتظاهرين في بغداد للوصول إلى السفارة الإيرانية في جانب الكرخ عبر جسر السنك والخلاني المؤديين إليها، مما أدى إلى وقوع خسائر كثيرة بين صفوف المتظاهرين نتيجة للاستخدام المفرط للقوة من قبل القوات الأمنية المرابطة على الجسرين.
تدخلات إيران بعد 2003
ويضيف علي أن «حقبة ما بعد 2003 شهدت تدخلات إيرانية محمومة للتدخل وصناعة جزء من المشهد السياسي العراقي وبحسب مؤشرات كثيرة دعمت السياسة الإيرانية وسعت جاهدة إلى تأسيس قوى سياسية وميليشياوية متعددة خدمة لمشروع وسياسات محددة تمثل مصالحها الاستراتيجية بغض النظر عن تقاطعها مع المصالح الوطنية العراقية». ويشير إلى أن «جيل الاحتجاج الحالي في الوسط والجنوب العراقي يمثل التعبير الجلي والواضح للشعور المتنامي لدى أغلب الشرائح الاجتماعية والتي ترفض سياسات إيران وتدخلاتها وصناعتها ودعمها لفصائل مسلحة وغير مسلحة تعمل بالضد من تطلعات المجتمع العراقي الذي ترزح غالبية أفراده في واقع غارق في الفساد والفشل والمعاناة من سياسات نهبوية تريد للعراق أن يبقى حديقة خلفية لإيران، وحاجتها لأن يكون العراق خط الصد الأول بمواجهة صراعها مع القوى الغربية».
ويتفق الباحث عبد الرزاق علي على أن «تصريحات القادة الإيرانيين ووسائل الإعلام الإيرانية المتعلقة بالعراق شكلت حالة من الاستفزاز والشعور العميق بسلب الإرادة الوطنية وربما حتى الإحساس بالمهانة والحيف والظلم في قرارة الشخصية العراقية، وتحديداً لدى جيل الشباب المحتج غير المتحدر بعقد آيديولوجية أو طائفية».

دور إيران في العراق... قبل الثورة السورية وبعدها

> يصعب النظر إلى عمليات الحرق التي طالت القنصليتين الإيرانيتين في كربلاء والنجف، بوصفهما أفعالاً تمثل لحظة ثورية أقدم عليها شباب غاضبون لا يدركون أهمية ما فعلوا، وتالياً النظر إليها كلحظة منقطعة الصلة بما قبلها من مشاعر عداء وغضب ضد إيران ونفوذها.
ذلك أنه منذ نحو عقد ونصف، ظل التساؤل حول إيران ودورها في العراق وما إذا كان مفيداً أو ضاراً يعاود الظهور بأشكال شتى وفي كل مناسبة تقريباً. وإذ نظرت قطاعات شيعية غير قليلة إلى الدور الإيراني قبل عام 2011 (العام الذي سحبت فيه الولايات المتحدة قواتها من العراق وانطلاق الثورة السورية) بنوع من القبول والتعاطف باعتباره داعماً للعهد الجديد الذي انطلق بعد 2003. فإن تلك القناعات باتت تتراجع شيئاً فشيئاً بعد ذلك التاريخ الذي انكشف فيه «الغطاء» عن الدور المهيمن لإيران، عبر سلسلة تصرفات قام بها حلفاؤها من الساسة وقادة الفصائل المسلحة، بصبر وسرية عاليين بتكريسه في العراق.
على مستوى الشارع نشط أتباع إيران بعد ذلك التاريخ في الترويج العلني للولي الفقيه عبر نشر صوره في الساحات والأزقة الشعبية في صورة لم يسبق لها مثيل، وبدأت الفصائل المسلحة تتحدث علناً عن «محور المقاومة» التي تنتمي إليه وتديره إيران.
وعلى المستوى السياسي، نشط رئيس الوزراء حينذاك نوري المالكي، بدعم إيراني واضح، في مطاردة خصومه من الساسة السنة البارزين أمثال نائب الرئيس السابق طارق الهاشمي ووزير المالية رافع العيساوي.
وبعد بضعة أسابيع على انطلاق الثورة السورية في فبراير (شباط) 2011، أرسل المالكي وفداً رسمياً رفيعاً ضم أعضاء بارزين من حزب «الدعوة» لدعم حكم الرئيس بشار الأسد، الأمر الذي فهم على نطاق واسع محلياً على أنها كانت الخطوة الأولى لزج العراق فعلياً في المحور الإيراني وما تلا ذلك تداعيات وصعود «داعش» واحتلاله نحو ثلث الأراضي العراقية. ومن ثم، ما ترتب عليه من صعود واضح لجنرالات إيران مثل، قاسم سليماني وغيره في الحضور الدائم داخل الأراضي العراقية بذريعة مساعدة البلاد في حربها ضد التنظيم الإرهابي.
من هنا يمكن اعتبار عام 2011، نقطة انطلاق إيران الواسعة في العراق بعد سنوات من العمل السري من جهة، ومن جهة أخرى لحظة تصاعد التساؤلات المحلية المعترضة على ذلك الدور وطبيعته التي مهدت لاحقاً لجميع الأفعال الشعبية المناهضة لإيران.


مقالات ذات صلة

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

حصاد الأسبوع صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري

علاء حموده (القاهرة)
حصاد الأسبوع  FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)

سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

شكّلت السنة الأولى من عمر عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون محطة مفصلية وأساسية في مسار استعادة الدولة. وفي بلد مثقل بالأزمات لم تكن السنة الأولى مرحلة إنجازات

كارولين عاكوم (بيروت)
حصاد الأسبوع الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً

رائد جبر (موسكو)

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.

عاجل السنغال تحرز لقب كأس أمم أفريقيا لكرة القدم بفوزها 1-صفر على المغرب