أزياء السهرة والمساء تتخلى عن التكلّف

تحرير المرأة من القيود وما يعيق حركتها أكثر ما يشغل المصممين حالياً

من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»
من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»
TT

أزياء السهرة والمساء تتخلى عن التكلّف

من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»
من «إيترو» - من «ديور» - من «إيترو» - من «رالف أند روسو» - من «رالف أند روسو»

خلال عام 2019، تطرقت أغلب تقارير الموضة إلى «المعايير الإنسانية والبيئية»، التي أصبحت تقريباً المحرك الأول لغالبية الصرعات الحديثة. وأصبح النقاش بشأن ضرورة وقف القسوة تجاه الحيوانات يزاحم المساحات المخصصة للإشارة إلى فخامة الفراء الطبيعي. في تقدير خبراء، فقد «ولى عهد اقتصار صفات الترف والفخامة على قطع سخية بالتطريز أو مصممة من القماش الفاخر». في المقابل، صعدت اتجاهات أكثر عملية توفر للمرأة الأناقة والحرية والنعومة في تصميم يحقق السهل الممتنع.
كما جرت العادة بنهاية العام وحلول سنة جديدة، يتجدد الحديث عن أزياء موسم الحفلات والسهرات، ولقد بدأت النساء رحلة البحث عن فساتين الكوكتيل، والقطع المزينة بوميض الترتر، أو حبات الخرز الرنانة، ولا مانع من حذاء بتصميم مبتكر، ومجوهرات خاطفة لضمان مظهر يليق باستقبال العام الجديد بأحسن حلة.
عندما نبحث عن أزياء السهرة لهذه المناسبة، بالطبع ستكون عروض الأزياء لخريف 2019 هي مصدر الإلهام الذي يحدد ملامح الإطلالة المناسبة، وما قدمته كبريات دور الأزياء قدّم المرأة بنمط يناسب وضعها الحقيقي في المجتمع، ويعكس تفكيرها وقوتها وغموضها... انعكس ذلك من خلال الألوان الرصينة والقصات العملية التي لا تخلو من الأنوثة والنعومة، لكن بمفهوم عصري لا يقيد حركتها. ولعل دار الأزياء الفرنسية «ديور» قدمت دليلاً على ذلك، عندما طرحت مجموعة راقية ترفع شعارات نسوية، لا سيما أن قضايا المرأة هي الشغل الشاغل للمديرة الإبداعية، ماريا غراتزيا تشيوري، وشاهدنا عبرها اللون الأسود بدلالاته العميقة والبعيدة عن الصخب، وجاءت القصّات عملية تناسب سهرات وأمسيات مسائية متنوعة؟ في الوقت نفسه قدمت الدار جرعة من الأنوثة بمفهوم عصري تمثلت في التصاميم المُفصلة، والتنانير الدائرية التي تركز على شكل الخصر، كذلك، انعكست الأنوثة على الخامات الناعمة مثل الدانتيل.
أيضاً، دار «شانيل» قدمت تشكيلة هيمن عليها الطابع الثقافي الذي اعتبر تحية وتقديراً للمصمم الراحل كارل لاغرفيلد، وركزت الدار على التايورات التويد، وفساتين من المخمل مزينة بياقات عالية، وتصاميم أخرى من خامات ناعمة مثل الحرير والشيفون المتطاير، كما برزت أيضاً التنانير الدائرية التي ستظل تصميماً يحمل كثيراً من الأنوثة دون مبالغة.
لا يعني ذلك أن أزياء السهرة تقتصر هذا العام على الناعم والعملي، طالما أن مصممين، مثل إيلي صعب وزهير مراد، لهم شأن في تحديد الموضة. كالعادة، قدموا مجموعة من الأزياء الغنية بالتطريز مع بعد ثقافي من الصين والمغرب.
الاتجاهات كثيرة ومتنوعة، ترضي أذواقاً وثقافات مختلفة، فهناك الأزياء المحتشمة، وهناك المكشوفة الجريئة، فضلاً عن ألوان هادئة تنافسها درجات زاهية تعيدنا للربيع بخامات مصقولة وأخرى تتطاير من خفتها.
يقول مستشار الموضة اللبناني أحمد عبد اللطيف لـ«الشرق الأوسط»، إنه «لا شك في أن أزياء السهرات انقلبت رأساً على عقب مؤخراً، ويظهر ذلك من خلال نجمات الشرق الأوسط، ربما لأنهن كن الأبعد عن الخيارات الجديدة أو التي تحمل رسالة مجتمعية مبطنة».
حسب تقدير عبد اللطيف، فإن «عام 2019 كان أكثر جرأة واحتضاناً للأفكار العصرية والخيارات العملية، إذ نجحت النجمات، سواء بقصد أو من دون قصد، في كسر القوالب وتغيير المألوف، فشاهدنا القميص ضمن أزياء السهرة، بدلات (التوكسيدو) ذات الملامح الرجالية على السجاد الأحمر». ودلل عبد اللطيف على ذلك بظهور «الممثلة التونسية هند صبري على السجادة الحمراء لمهرجان فينيسيا الدولي بإطلالة عصرية بتوقيع علامة (إيترو)، ارتدت فيها قميصاً نسائياً مع بنطلون بخصر عال. ثم عادت للظهور بإطلالات من البدلة (التوكسيدو) إسوة بنجمات عالميات مثل إيمي بوهلر التي اختارت القطعة نفسها في حفل توزيع جوائز الأوسكار».
وشرح عبد اللطيف أن نجمات أخريات دعمّن الخيارات العملية البعيدة عن التكلف مثل الممثلة المصرية منى زكي في مهرجان الجونة في دورته الثالثة، التي اعتمدت فستاناً عصرياً مكوناً من قميص أبيض وتنورة منفوخة من «الأورغانزا الفوشيا»، بتوقيع المصممة الشابة مريم يحيي، ثم تكرر هذا المظهر على نجمات أخريات مثل شيرين رضا ومي عمر.
للمقارنة، فإن هناك حاجة للعودة إلى الحقب السابقة، التي يوضح مستشار الموضة اللبناني أن أزياء السجادة الحمراء في ثلاثينات القرن الماضي، وحتى نهاية الستينات، كانت تركز على تقديم صورة مترفة للنجمة، وكأنها من عالم آخر، عبر تفاصيل مبالغ فيها، وتصاميم محبوكة لا تأخذ في الاعتبار معايير الراحة والحرية.
يقول: «أول تغيير في أزياء السهرة كان في نهاية الستينات، 1968، حين تخلت المغنية والممثلة الأميركية باربرا سترايساند عن الفساتين الفاخرة، وقررت صعود مسرح الأوسكار بإطلالة مكونة من بنطلون وبلوزة مزدانين بحبات لامعة. حينها تعرضت النجمة لانتقادات لاذعة، واعتبرت الصحافة إطلالتها خرقاً لقوانين السجادة الحمراء.
لكن مرت عقود على هذه الحادثة، وتغيرت الموضة بشكل كبير. أحد أسباب تغير أزياء السهرات أيضاً، حسب رأي مستشار الموضة اللبناني أحمد عبد اللطيف، يتمثل في النمط الذي اعتمدته دوقة ساسيكس، ميغان ميركل، منذ دخولها القصر. يوضح: «بداية من فستان زفافها الذي حمل تفاصيل غاية في النعومة، مروراً بباقي إطلالاتها، التي حرصت فيها على أن تكون قريبة من المرأة العادية، دائماً تحمل أزياؤها رسائل إنسانية مبطنة تؤكد من خلالها أن جميع النساء يمكنهن ببساطة أن يعتمدن إطلالات تحاكي أناقة نساء القصر».
ورغم توجه الموضة نحو البساطة والعملية، ما زال أمام المرأة خيارات كثيرة تختار منها ما يناسبها للاحتفال بالعام الجديد، ويمكن القول إن أسابيع الموضة اتفقت على بعض القطع، مثل البدلات العصرية بتصاميم واسعة والألوان الصاخبة، إلى جانب التفاصيل القوية مثل الأكتاف البارزة والأكمام المنفوخة، حسب ما رصد عبد اللطيف.
الإطلالات أحادية اللون، برزت ضمن تشكيلات دور الأزياء لموسمي الخريف والشتاء، لذا، لا مانع من اعتماد لون واحد من الرأس حتى أخمص القدمين.
وعلى النقيض، قدمت الموضة نفحة من الحياة البرية من خلال نقوش الحيوانات، التي ظهرت العام الماضي، ولا تزال قوية هذا العام. ويقترح عبد اللطيف اعتماد حذاء البوت بنقشة الثعبان أو الحمار الوحشي باعتبارها الأحدث مقارنة بجلد الفهد أو النمر.
وبدلاً من الفراء الطبيعي، الذي قاطعته كبريات دور الأزياء، ظهر الريش، لكن فقط كمكمل للتصميم، عن طريق مزجه بخامات وظيفية مثل القطن وحرير الكريب والصوف. كذلك الأهداب التي تعيدنا إلى الأزياء البوهيمية بروحها النابضة بالحياة.
الأقمشة أيضاً جاءت في موضة 2019 متنوعة، تتباين بين المخمل والتويد والجاكار، بحيث يمكن لتصميم بسيط من قماش فاخر أن يحقق الأناقة بأقل مجهود ممكن.
الإكسسوارات لا تزال أساسية في أي إطلالة وأي مناسبة، وهنا ينصح عبد اللطيف باعتماد الحقائب ذات الحجم الصغير جداً، كذلك تزيين شعرهن بطوق أنيق من المخمل أو اللؤلؤ على غرار دوقة كامبريدج، كيت ميدلتون.


مقالات ذات صلة

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

لمسات الموضة أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

استعمل «إيرديم» منذ انطلاقته في عام 2005 أساليب تقليدية في تصاميم مبتكرة تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

لعب العرض على فكرة السفر والترحال، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تفخر الدار الإيطالية التابعة حالياً لمجموعة «إل في إم إتش» الفرنسية بمهارتها في نسج أرق خيوط الصوف في العالم

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نوارة»... أناقة من التراث السيوي (الشرق الأوسط)

الموضة في رمضان... تصاميم مصرية تستلهم التراث بروح عصرية

في رمضان نحتاج إلى أزياء تمنح المرأة شعوراً بالاحتواء والطمأنينة، وتعيدها إلى جذورها دون أن تعزلها عن حاضرها.

نادية عبد الحليم (القاهرة )
لمسات الموضة قبل الأزمة صور صناع الموضة حملات رمضانية بنكهة شرقية (سافانا)

هل يفقد الشرق الأوسط مكانته مركزاً للموضة العالمية؟

قبل أسابيع قليلة فقط، كانت بيوت الأزياء العالمية تتسابق على ترسيخ أقدامها في الشرق الأوسط، وهو من أكثر أسواقها حيوية وربحية. أطلقت تشكيلات خاصة بهذه المناسبة…

«الشرق الأوسط» (لندن)

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.