طعمة: نعمل على تشكيل جيش وطني تكفلت دول بينها السعودية بتدريبه

رئيس حكومة المعارضة السورية لـ {الشرق الأوسط} : لست محسوبا على «الإخوان»

رئيس الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية الدكتور أحمد طعمة
رئيس الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية الدكتور أحمد طعمة
TT

طعمة: نعمل على تشكيل جيش وطني تكفلت دول بينها السعودية بتدريبه

رئيس الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية الدكتور أحمد طعمة
رئيس الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية الدكتور أحمد طعمة

كشف رئيس الحكومة المؤقتة للمعارضة السورية الدكتور أحمد طعمة عن السعي لإنشاء جيش وطني سوري لحماية المنطقة الآمنة التي قد تُنشأ في الشمال السوري، خلال 4 أشهر، مشيرا إلى وعود بتذليل الصعوبات التي حالت دون ذلك، وأهمها تلك المالية.
ونفى طعمة، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن يكون محسوبا على جماعة «الإخوان المسلمين»، مؤكدا أنه لم ينتسب لأي حزب أو جهة، طيلة حياته. ورفض بشدة تصنيفه سياسيا، وقال: «لا أقبل احتسابي على طرف دون غيره، أو اتهامي بالانحياز، لأن أدائي لا يعبر عن ذلك»، مؤكدا أنه سيحافظ على توازن علاقاته في المرحلة المقبلة، كما حاول في الفترة الماضية.
ودعا طعمة السياسيين السوريين في الائتلاف والحكومة إلى «وضع هذه الأمور كلها خلف ظهورنا الآن، ونتوحد في دعم الحكومة وتنسيق عملها مع الائتلاف بما يخدم الثورة والمواطن في سوريا، وبما يكفل إعادة البناء والانطلاق نحو سوريا المستقبل». وقال طعمة إنه يأمل أن يزول الالتباس بين دور الحكومة والائتلاف، بعد توضيح الهيئة العامة للائتلاف الوطني في دورتها الأخيرة العلاقة الناظمة بين الطرفين.
وأضاف أنه يدرك أن التكليف الجديد في هذه الظروف «يفرض عليّ وعلى الفريق الذي سيعمل معي في الحكومة الجديدة تحديات أكبر».
وفيما يلي نص الحوار:

* ماذا تعني إعادة الانتخاب بعد الإقالة، ما الذي تغير؟
- قرار الائتلاف الوطني بحجب الثقة عن حكومتي الأولى جاء بعد مداولات استغرقت يومين، عرضت خلالهما الحكومة برامجها وما حققت من إنجازات. قدمنا يومها تقارير إنجازنا كما هي، دون تجميل أو تزييف، وهو إنجاز مقبول نسبة إلى الإمكانيات التي توفرت لنا، إذ لم تحصل الحكومة من موازنتها المباشرة المفترضة التي تبلغ ملياري دولار سوى على 65 مليون دولار من الدول الصديقة المانحة، أي 3.25 في المائة فقط، وهذا جعل الإنجاز متواضعا قياسا إلى حاجات شعبنا السوري الذي تشرد نصفه، ودُمر 60 في المائة من بلده.
أعتقد أن الزملاء في الائتلاف أرادوا توجيه أكثر من رسالة بحجب الثقة يومها؛ أولها أنه لا مجال للتباطؤ في الإنجاز مهما كان السبب، وأنه لا مجال للضعف في الإدارة، وعلى الحكومة أن تبحث عن تنمية مواردها، وتسريع انتقالها إلى الداخل، وتذليل العقبات في سبيل ذلك. وفي مشاورات انتخاب رئيس جديد للحكومة، قدمت، بالتعاون مع فريقي، تصورا يأخذ في الاعتبار مخاوف الزملاء أعضاء الائتلاف، وأعتقد أن هذا كان كفيلا بالحصول على ثقتهم مجددا. وأدرك أن هذا يفرض عليّ وعلى الفريق الذي سيعمل معي في الحكومة الجديدة تحديات أكبر، فالائتلاف الوطني إنما تحرك بدافع من الغيرة على مصلحة شعبنا في الحالتين؛ حجب الثقة، وإعادة التكليف الذي هو بمثابة دعوة لإحداث تعديل وزاري يتواءم مع المرحلة وتحدياتها، وقد جرى، كما تعلمون، إنشاء وزارة للشؤون الخارجية والتعاون الدولي، وطُلب أن تكون الحكومة الجديدة أكثر كفاءة إداريا وتحقق توافقا أوسع بين الأطراف السياسية جميعا في الوقت نفسه، وهو ما نعتزم تحقيقه.
* لكن هناك من يهدد بالانسحاب من الائتلاف احتجاجا على ما يسمونه «تعنت الإخوان» ووقوفهم خلفك.
- أؤكد أنني لم أنتمِ إلى حزب سياسي في حياتي، ولا علاقة خاصة بيني وبين حزب دون آخر. وسأحافظ على توازن علاقاتي في المرحلة المقبلة، كما حاولت في الفترة الماضية، من خلال فريق الحكومة المنوع والموسع في المرحلة السابقة. ولا أقبل احتسابي على طرف دون غيره، أو اتهامي بالانحياز، لأن أدائي لا يعبر عن ذلك.
من حق الإخوة الذين أغضبهم إعادة الانتخاب أن يعبروا عن غضبهم بالطرق الديمقراطية، وأعتقد أن ما جرى لا يخرج عن السياق الديمقراطي، بغض النظر عن المصوتين لي أو ضدي، فلم يشهد الائتلاف حتى الآن انسحابات، وإنما مقاطعة للتصويت على رئاسة الحكومة من قبل بعض الكتل، التي نحترم موقفها. ولكن لنتذكر أن 65 عضوا من أصل 110 في الائتلاف صوتوا في انتخاب رئيس الحكومة، الأسبوع الماضي، وحصلت على ثقة 63 منهم، أي 57 في المائة من أعضاء الائتلاف، وقاطع التصويت 40.9 في المائة من الأعضاء. بينما كان التصويت على حجب الثقة في رمضان الماضي من قبل 66 عضوا من أصل 117 عضوا يومها (قبل حدوث بعض الاستقالات) فكان القرار بحجب الثقة بنسبة 56.4 في المائة من الأصوات، مقابل مقاطعة 43.6 في المائة من الأعضاء يومها. ومع ذلك عددنا حجب الثقة ديمقراطيا، وتابعنا عملنا، كما نعد إعادة التكليف ديمقراطية.
أرجو أن نضع هذه الأمور كلها خلف ظهرنا الآن، ونتوحد في دعم الحكومة، وتنسيق عملها مع الائتلاف بما يخدم الثورة والمواطن في سوريا، وبما يكفل إعادة البناء والانطلاق نحو سوريا المستقبل
* هل صحيح أن العامل القطري كان حاسما وراء إعادة انتخابك؟
- أستغرب مثل هذه التخمينات؛ فلدي ثقة كبيرة بأن الزملاء في الائتلاف عندما يصوتون أو ينتخبون إنما ينطلقون من منطلقات وطنية، ويعملون لتحقيق ما يرونه الأفضل لصالح شعبنا. أما كثرة الحديث عن العامل الخارجي، فتجانب الصواب، لأن الدول الشقيقة والصديقة التي تدعمنا في الثورة السورية هي نفسها تؤكد دوما وقوفها على مسافة واحدة من الجميع، وعندما تُسأل عن موقفها، تؤكد عدم تدخلها في شأننا الداخلي.
نحن نسمع من جميع أصدقائنا، لا سيما الإخوة في كل من السعودية وقطر والإمارات وتركيا، مواقف تدل على التأييد للثورة، وليس للأشخاص. وأنا أشكرهم جميعا. وقلت في كلمتي بعد إعادة تكليفي إنه لولا الدعم المالي القطري، والدعم اللوجيستي من الإخوة في الشقيقة الكبرى السعودية، وتركيا والإمارات، طوال الفترة الماضية، ما كان لنا أن ننجح في كثير من أعمالنا. ونحن نحافظ على علاقات جيدة مع الجميع، ونريد استمرارها. وهناك مزيد من الوعود بالدعم المالي، تحديدا من الإخوة في السعودية وقطر في المرحلة المقبلة.
* هل بدأت المشاورات لتأليف الحكومة؟
- منذ لحظة إعادة تكليفي، باشرت اتصالاتي مع المعنيين.
* متى تتوقع إنجاز تشكيلتك؟
- أعطاني الائتلاف مهلة شهر، وسأسعى لإنجازها في هذه المهلة، لكنني بالتأكيد سوف أقدم التشكيلة في أول اجتماع يعقده الائتلاف لنيل الثقة.
* كيف ستكون الحكومة الجديدة، وما الذي سيتغير في شكلها وفي دورها؟
- ستبقى الحكومة صغيرة، رشيقة، وهي أقرب إلى حكومة في حالة حرب، طالما استمر الوضع الذي نعيشه. وما استفدناه من تجربة الحكومة السابقة هو الحاجة إلى إعادة توزيع بعض الحقائب، بحيث تُدمج بعض الوزارات، وتُضاف وزارات أخرى، أبرزها وزارة الشؤون الخارجية. نسعى أيضا إلى استقطاب المزيد من الوزراء ونواب الوزراء من الكفاءات الإدارية المشهود لها، وذلك لتنفيذ توصيات المحاسبة والرقابة، وتعزيز الشفافية في عملنا.
* ما الأخطاء التي وقعتم فيها، وكيف ستصوبونها؟ وما النجاحات وكيف ستستثمرونها؟
- لا شك أن عملنا شابه القصور والعيوب، بغض النظر عما إذا كان مبررا أم لا. ونحن ندرك حاجتنا إلى أن نتطور ونستفيد من كل عون متاح في سبيل ذلك. فاستعادة بلد مخطوف أصعب بكثير من حكم بلد مستقر. ولعل أبرز ما يجب أن نعمل على تلافيه هو الاعتماد التام على الموارد الخارجية. كما أننا لم ننجح حتى الآن في حل مشكلة الوثائق للسوريين، وهي مشكلة متفاقمة ومستعصية، في ظل اختطاف النظام شرعية تمثيل سوريا في المحافل الدولية، وأرجو أن نتمكن من تحقيق تقدم في ذلك، على غرار ما قمنا به من جهد لتنظيم السجل المدني في المناطق المحررة خلال العام الأخير.
والأمر الآخر هو انتقال وزرائنا إلى الداخل. وإن كان من النجاحات التي تُسجّل لنا أن نحو 75 في المائة من موظفي الخدمة المدنية لدينا موجودون في شمال البلاد وجنوبها، حيث يخاطر رجالنا ونساؤنا الشجعان بحياتهم كل يوم في خدمة السوريين المحتاجين إلى الخدمات الأساسية في مناطق كثيرة، وقدموا الكثير منها عبر المجالس المحلية، ذراع الحكومة المعتمدة لتقديم الخدمات المحلية للمواطنين.
كما نجحنا في توظيف بعض أفضل الكوادر الشابة الحيوية والمتخصصة المتاحة رغم ضعف الأجور، وكذلك في توظيف بعض موظفي الخدمة المدنية السابقين، أو المسؤولين السابقين في الدولة. وأفخر بأننا نوظف الرجال والنساء على السواء في حكومتنا دون تمييز.
وفي سبيل تحقيق هدفنا، وهو بناء سوريا المدنية الديمقراطية التعددية، التي تتمتع بالشفافية، ويسودها حكم القانون، فإن علينا البناء على ما حدث، وتلافي التقصير.
* لماذا كل هذه الخلافات في الجسم السوري المعارض، ألا ترى أن خلافاتكم هذه نوع من الترف الذي لا يمكن للشعب السوري احتماله حاليا؟
- هي خلافات طبيعية في حياة سياسية تُولَد من العدم، بعدما قضى عليها نظام الفساد والاستبداد طوال نصف قرن. السياسيون في المعارضة يتعرفون على بعضهم عن قرب على أرض واقع صعب، يقعون فيه جميعا تحت ضغط تقديم شيء للتخفيف عن شعبنا، وتحقيق أهدافه. وما يحصل خلافات في الاجتهاد حول الطريقة المثلى للوصول إلى ذلك.
لكنني أتفق معك في أن استمرار الاختلافات وتعمقها، أو تطاولها في الزمان، إنما يجعلها من الترف الذي لا يمكن للشعب السوري احتماله. لذا أذكّر نفسي وأدعو إخوتي وأخواتي جميعا في الائتلاف الوطني إلى التكاتف والتعاون، ويدنا ممدودة للتعاون، ونرجو أن تكون أيدي الجميع كذلك.
* أين ستعملون على الأرض، خصوصا في ظل تمدد تنظيمات مثل «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما؟
- نخوض منذ فترة حوارات ونقاشات مع كتائب الجيش الحر، بشأن ضرورة تكامل العمل الخدماتي الذي تقوم به الحكومة في الداخل، والعمل المدني الذي تقوم به المجالس المحلية، مع العمل الميداني الذي تنفذه الكتائب المدافعة عن شعبنا في وجه بربرية النظام، وإرهاب «داعش». وهناك تصور لتحول الكتائب إلى نواة للجيش الوطني الذي سيتبع وزارة الدفاع. وآمل أن نتوصل قريبا إلى صيغة تتيح انتقال الوزارات إلى الداخل، كما حصل في حالة بعضها التي أنشأت إدارات محلية في المناطق المحررة، وأما تهديد الإرهاب، فهو قائم، وعلينا مواجهته.
* هل من تصور معين لديكم لـ«الجيش الوطني»، وهل من مخططات فعلية؟
- بعد إنشاء المنطقة العازلة، لا بد من أن تُدار هذه المنطقة من قبل الحكومة السورية المؤقتة، وهذا ما نطمح إليه. وأعتقد أن إنشاء جيش وطني أكثر من ضروري لحماية الثورة. الفكرة ليست جديدة، لكننا واجهنا بعض الصعوبات في تحقيقها، أبرزها مسألة التمويل. ونأمل أن نستطيع تجاوز هذه المشكلة، خصوصا أن ثمة وعودا في هذا الصدد.
* كيف هي علاقتكم مع تنظيم الجبهة الإسلامية؟
- نقدر جهود جميع الكتائب التي تنتمي إلى الجيش الحر أو لا تنتمي إليه في مقاومة النظام، ولكن علاقتنا بالجميع محكومة بضرورة العمل من أجل إقامة سوريا حرة مدنية ديمقراطية، ولا نقبل بأهداف أخرى لثورتنا. ولذا دعونا الجميع إلى التخلي عن اللافتات المختلفة، والانخراط في الجيش الوطني السوري، الذي سيكون عماد جيش سوريا المقبل، وهو الذي تكفلت دول، مثل المملكة العربية السعودية، مشكورة بتدريبه وتأهيله، والذي ستكون مرجعيته وزارة الدفاع في الحكومة المؤقتة.
* هل تعتقد أن بإمكانكم الانتقال إلى الداخل السوري قريبا؟ وهل المنطقة العازلة هي الحل؟
- وضعنا نصب أعيننا هدف الانتقال إلى الداخل السوري في غضون 4 أشهر، ونعمل بجدية لتحقيق ذلك. أما المنطقة العازلة، فهي مطلب لشعبنا منذ 3 أعوام، في ظل استباحة النظام أجواءنا المحررة، واستمراره في إطلاق الصواريخ وإلقاء القنابل والبراميل المتفجرة بأنواعها. ونحن نعمل على إقناع حلفائنا وأصدقائنا بمساعدتنا في إيجاد المنطقة العازلة لحماية أهلنا ومؤسساتنا. ونأمل أن يجري ذلك خلال الأشهر الـ4 المقبلة.
* هل أزلتم الالتباس بين دور الحكومة ودور مؤسسات الائتلاف؟
- للمرة الأولى قامت الهيئة العامة للائتلاف في دورتها الأخيرة بتوضيح العلاقة الناظمة بين الائتلاف والحكومة، وهو أمر طالما نادى به الطرفان، وأرجو أن يزيل الالتباس الذي كان حاصلا في الفترة الماضية. ولعل من المهم الإشارة إلى أن الحكومة التي ما زال تكليفها من الائتلاف، إنما تنفذ السياسة التي يقرها، ومن ذلك مثلا دور وزارة الشؤون الخارجية التي ستنفذ سياسة الائتلاف في العلاقات الخارجية، ولن تكون منفصلة عنها، ولكن وجودها ضرورة للحصول على مقعد سوريا في الجامعة العربية، على سبيل المثال. والأمر ينطبق على باقي الحكومة.
* كيف ستكون العلاقة مع الائتلاف مستقبلا؟
- علاقة تعاون وتفاهم، وسيكون علينا أن نتكاتف لتحقيق مصلحة شعبنا، فنحن في النهاية موجودون جميعا في خدمة هذا الشعب، ومهمتنا الأولى والأخيرة تحقيق تطلعاته.
* هل من بصيص أمل للسوريين بحل أزمتهم مع اقتراب السنة الرابعة للثورة؟
- نعم، بكل تأكيد؛ هناك أمل كبير. أدرك كم هي المعاناة عظيمة، وتطاول الأزمة جعل من المأساة فوق الاحتمال. لكن من عادتي التفاؤل، والنظر إلى نصف الكأس المملوء. يكفي أن أشير إلى أن (الرئيس السوري) بشار الأسد لن يعود إلى موقعه بعدما صُنف مجرم حرب، ولن يكون رئيسا لسوريا التي دمرها، وخسر السيطرة على ثلثيها. بل إن النظام نفسه اضمحلت نواته الصلبة، وبقي منها 20 في المائة فقط خلال أقل من 4 سنوات من الثورة، وفقد التأييد، حتى فيما كان يعده قاعدته الشعبية.
ومع ذلك، أدرك أن من مهامنا في هذه المرحلة إعادة الروح إلى الإعلام لنفض ما تراكم من إحباطات في الرأي العام. لكن ما يطمئنني أن الشعب السوري مهما بدا متعبا أو جريحا، هو شعب مبدع وصلب، يحمل في داخله روح محارب لا يريح ولا يستريح حتى يبلغ مبتغاه في الحرية والكرامة.
* كيف ستحلون مشكلة وثائق السفر؟ هناك العديد من الشخصيات السورية المعارضة التي تستعمل جوازات سفر أجنبية لتلافيها، لكن هذا غير ممكن لبقية السوريين.
- الحل النهائي لهذه المشكلة من خلال الاعتراف القانوني بالائتلاف الوطني والحكومة المؤقتة، وهذا يتيح لنا مباشرة إصدار وثائق السفر. وإذا لم يحصل هذا، فالمشكلات والصعوبات سوف تبقى.
* هل ستسعون إلى المساهمة في حل مشاكل اللاجئين السوريين في لبنان، مع تخفيض الأمم المتحدة مساعداتها؟
- هذه واحدة من أهم النقاط التي نسعى لمعالجتها؛ فهؤلاء هم أبناؤنا وأهلنا، ولا نريد أن نثقل على الإخوة في لبنان، فلديهم ما يكفيهم من المشاكل والمصاعب الاجتماعية والاقتصادية. الشعب اللبناني لم يقصر، ونحن نريد أن نخفف على اللبنانيين. وإذا ما أنشئت المنطقة الآمنة فسنسعى لنقل قسم من اللاجئين من لبنان إليها.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.