هل يشعل التصعيد التركي حروباً جديدة في المنطقة؟

هل يشعل التصعيد التركي حروباً جديدة في المنطقة؟

وسط تصاعد حدة تصريحات الأطراف المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في الأزمة الليبية
الأربعاء - 21 شهر ربيع الثاني 1441 هـ - 18 ديسمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14995]

ترافق التوتر المتصاعد بين الأطراف الليبية المتحاربة، مع تصاعد حدة التصريحات من الأطراف الإقليمية المنخرطة بشكل مباشر، أو غير مباشر بالأزمة الليبية، خصوصا من جانب أنقرة التي وزعت تهديداتها في غير اتجاه، وعبرت عن استعدادها لنشر قواتها من قبرص التركية إلى ليبيا.

في المقابل، فإن تركيا لم تستثن حتى الولايات المتحدة من تهديداتها، ولوحت مجددا بغلق قاعدتي «إنجرليك» و«كوريجيك» المستخدمتين من القوات الأميركية، إذا تعرضت لعقوبات من طرفها. وهو ما دفع البعض إلى توقع تحول المبارزة بين تركيا وباقي دول المنطقة إلى مواجهات مباشرة، تنذر ليس فقط بتعقيد الأزمة الليبية واستفحالها، بل بفتح أزمات وحروب جديدة في المنطقة.

ففي ملف القاعدتين، اعتبر اكتفاء وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر بالتساؤل عن مدى جدية التهديد التركي بإغلاقهما، محاولة من واشنطن لعدم رفع سقف التشنج القائم أصلا بين البلدين. وتقول أوساط أميركية إن توجيهات الرئيس دونالد ترمب حاسمة في هذا المجال. مبرزة أن قانون العقوبات الذي سيصوت عليه مجلس الشيوخ ضد تركيا، لن يحظى بغالبية الثلثين لكسر الفيتو الرئاسي، الذي ينوي ترمب استخدامه بمجرد رفعه ليوقعه.

وقالت المقدم كارلا غليسون، المتحدثة باسم البنتاغون، إن وزارة الدفاع على معرفة بالتعليقات وتتابع التصريحات التركية. مضيفة في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن وجود القوات الأميركية في القواعد التركية، بما في ذلك قاعدة إنجرليك «يتم بإذن من الحكومة التركية. ولذلك فنحن ننظر إلى وجود قواتنا في تركيا كرمز لالتزامنا المستمر منذ عقود بالعمل مع تركيا، حليفتنا في الناتو وشريكنا الاستراتيجي».

في المقابل، أوضح عدد من المحللين أن الخاسر الحقيقي من إغلاق القاعدتين «سيكون تركيا وليس الولايات المتحدة»، ذلك أن واشنطن أعلنت منذ مدة، ولو بشكل غير رسمي، توفرها على بدائل كثيرة، سواء في اليونان أو الأردن أو الكويت.

غير أن تصاعد التوتر على خلفية الأزمة الليبية، ومسارعة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بتوقيع الاتفاقات الأمنية والاقتصادية مع حكومة الوفاق الوطني، التي يرأسها فائز السراج، تعكس، بحسب مراقبين، إصرارا على محاولة تشريع تمدد تركيا في ليبيا لحماية خططها في البحر المتوسط، في مواجهة أطراف إقليمية، تضم مصر واليونان وقبرص وإسرائيل، ولاستثمار مخزون الغاز والنفط المكتشف في المنطقة.

ويبدو أن إردوغان يسعى لإثارة أكبر قدر من الغبار السياسي في المنطقة، قصد تحقيق أهداف تركيا فيها، على الرغم من تعارضها مع لاعبين آخرين، ينسق مع بعضهم في ملفات إقليمية أخرى كروسيا، التي بات واضحا أنها تتدخل بشكل مباشر في الأزمة الليبية، ولو عبر مقاتلين مرتزقة، بحسب جهات ليبية وأجنبية.

يقول باراك بارفي، الباحث في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى، إن «أي محاولة تركية لانتهاك الحدود المائية القبرصية، فإنه من المحتمل أن يتم مواجهتها بإدانة دولية قوية». مبرزا أن السياسات المحلية والدولية التركية «مرتبطة دائما بالمشكلات التي يواجهها إردوغان، وخصوصا الاقتصادية، ولذلك فهو مستعد دائما لتحويل انتباه الأتراك من محنتهم الكئيبة نحو قضايا خارجية».

كما أن مسارعة الجنرال خليفة حفتر لإعلان حملته العسكرية على طرابلس، اعتبر تصديا مباشرا لخطط تركيا، التي يخشى جديا من إقدامها على إرسال تعزيزات بشرية وأسلحة بشكل مباشر إلى ليبيا، في حال لم يتم ردعها بشكل كاف. غير أن هذا التصعيد يثير مخاوف من أن تتحول ليبيا إلى مكان لتصفية الحسابات الدولية والإقليمية، في ظل تضارب المصالح والدعم، الذي تتلقاه الأطراف المتناحرة من دول عدة.

ورغم أن البعض يعتبر أن التدخل الروسي قد يكون عاملا أساسيا في تغيير قواعد اللعبة في ليبيا، فإن عوامل أخرى قد تلعب دورا كبيرا في الحد حتى من الطموحات الروسية في السيطرة، أو على الأقل، ممارسة النفوذ في ليبيا ودول الجوار، خاصة في ظل موقف أميركي متذبذب وغير حاسم. فوزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، الذي طلب من روسيا الالتزام بالحل السياسي، ومن الجنرال خليفة حفتر وقف هجومه على العاصمة طرابلس، عاكسه الرئيس دونالد ترمب، الذي اتصل بحفتر، في دعم غير مباشر له.

يقول جوناثان واينر، الباحث غير المقيم في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، والذي ساعد وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري في متابعة ملف ليبيا، لـ«الشرق الأوسط» إن الموقف الأميركي كان يعمل دائما على إنتاج حل سلمي، يضمن بناء ديمقراطية لا تعيد إنتاج ديكتاتورية جديدة، موضحا أن سياسة إدارة ترمب لا تختلف كثيرا عن السياسة السابقة، رغم أن الالتزام بها يبدو أقل بكثير.

في المقابل، نقل عن أوساط عسكرية أميركية تخوفها من احتمال أن تتمكن قوات حفتر من دخول طرابلس وإسقاطها، خصوصا أن تلك القوات تعتمد تكتيكا جديدا عبر محاولتها قطع طرق الإمداد بينها وبين مدينة مصراتة، التي تلعب دورا كبيرا ولا تزال في دعم حكومة فائز السراج.

لكن إينر شكك في تمكن قوات حفتر من دخول طرابلس، قائلا إن مشكلات ليبيا «لن تحل بتلك التدخلات من قبل كل الأطراف، وإن الليبيين هم من سيدفع الثمن». مشددا على أنه «لا حل عسكريا للصراع، والحرب الأهلية قد تصبح كارثة أسوأ من التي شهدتها ولا تزال سوريا».

وما يزيد الارتباك في قراءة الموقف الأميركي هو أن مدينة مصراتة، التي تشير بعض التقديرات إلى وجود ما بين 20 و30 ألف مقاتل فيها، تلقى بعضها تدريباته على يد القوات الأميركية لمحاربة «داعش». وهذه المدينة تعتبر بوابة الدعم التركي اللوجيستي والعسكري للميليشيات التابعة للسراج.

وكان موقع «المرصد» الليبي قد نشر تقريرا في يونيو (حزيران) الماضي معززا بأدلة، عن طائرات أوكرانية تقوم برحلات جوية بين تركيا وليبيا، وعلى متنها أسلحة ومعدات من تركيا إلى حكومة فايز السراج. كما نقلت وسائل إعلام تغريدات لوسائل إعلام يونانية نشرت صورا لمدرعات تركية مدمرة، كانت أنقرة قد أرسلتها إلى طرابلس لدعم الفصائل المساندة لحكومة السراج.


ليبيا أخبار ليبيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة