اتفاق المرحلة الأولى التجاري... بين الترحيب والحذر

جدل متواصل حول «الفائز الأكبر»

يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)
يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)
TT

اتفاق المرحلة الأولى التجاري... بين الترحيب والحذر

يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)
يتواصل الجدل حول قيمة الاتفاق التجاري المبدئي بين الولايات المتحدة والصين في ظل الغموض (رويترز)

أشاد كبير مفاوضي التجارة في إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتفاق «المرحلة واحد» التجاري الأميركي الصيني، الذي من المتوقع أن يضاعف تقريبا الصادرات الأميركية للصين خلال العامين المقبلين، بينما ظلت الصين حذرة قبيل توقيع الاتفاق.
وخلال حديثه على شبكة «سي بي إس» مساء الأحد، قال الممثل التجاري الأميركي روبرت لايتهايزر إنه ستكون هناك بعض «التنقيحات» المعتادة على النص، لكنه «منته كليا، بلا ريب». وذلك في وقت شدد فيه المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض لاري كودلو على أن الولايات المتحدة سوف تتخذ إجراء إذا انتهكت الصين بنود الاتفاق التجاري معها، متابعا في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز: «سننتظر ونرى ما إذا كانت الصين متمسكة بالتزاماتها»، حسبما نقلت وكالة بلومبرغ. وسيقلص الاتفاق، الذي أُعلن عنه يوم الجمعة بعد مفاوضات متقطعة لأكثر من عامين ونصف بين واشنطن وبكين، بعض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الصينية، في مقابل زيادة مشتريات الصين من المنتجات الزراعية والصناعية الأميركية ومنتجات من قطاع الطاقة بنحو 200 مليار دولار على مدار العامين المقبلين.
وتعهدت الصين أيضا في الاتفاق بتحسين حماية حقوق الملكية الفكرية الأميركية والحد من النقل القسري للتكنولوجيا وفتح سوق الخدمات المالية لديها أمام الشركات الأميركية وتجنب التلاعب في عملتها.
وقال فو لينغ هوى المتحدث باسم المكتب الوطني للإحصاءات بالصين الاثنين إنه يجب على الصين والولايات المتحدة مواصلة المحادثات التجارية فيما بينهما والعمل على إزالة كل التعريفات القائمة.
من جهته، قال لايتهايزر إنه يجري تحديد موعد لتوقيع كبار المسؤولين الأميركيين والصينيين على الاتفاق رسميا. موضحا أنه من المتوقع أن تزيد المشتريات الصينية من السلع الزراعية إلى 50 مليار دولار سنويا على مدار العامين المقبلين.
وفي حين عبر وفد التجارة الصيني عن التفاؤل حيال الاتفاق، خيم الحذر على بعض مسؤولي الحكومة. وقال مصدر في بكين مطلع على الوضع إن الاتفاق «تقدم مرحلي، ولا يعني أنه تمت تسوية النزاع التجاري بشكل فوري ونهائي». وقال المصدر إن توقيع وتنفيذ الاتفاق يظل المعيار الأول للنجاح. وقال عدد من المسؤولين الصينيين لـ«رويترز» إن صياغة الاتفاق ما زالت «مسألة حساسة»، وإن الحذر ضروري لضمان ألا تجدد الصياغات المستخدمة في النص تصاعد التوترات وتعمق الخلافات.
وقال لايتهايزر إن نجاح الاتفاق سيعتمد على قرارات المسؤولين في بكين. مضيفا: «في نهاية المطاف، الذي يحدد فرص نفاذ هذا الاتفاق بالكامل هو من يتخذ القرارات في الصين، لا في الولايات المتحدة... إذا كان المتشددون هم من يتخذون القرارات، فسنحصل على نتيجة ما، وإذا كان الإصلاحيون هم من يتخذون القرارات - وهو ما نأمله - فسنحصل عندئذ على نتيجة أخرى». وأشار لايتهايزر إلى أن الاتفاق لن يحل جميع المشكلات بين الولايات المتحدة والصين لأن التكامل، بين النظام الاقتصادي الصيني الخاضع لهيمنة الدولة والنظام الأميركي الذي يقوده القطاع الخاص، سيستغرق سنوات.
ويذكر أن لايتهايزر حقق الأسبوع الماضي التزامين من أهم الأولويات الاقتصادية للرئيس دونالد ترمب بعد شهور من المناقشات المضطربة، وحقق فوزا كان بعيدا عن واشنطن بشأن قضية ذات أهمية عالمية كرس نفسه لتحقيقه.
وأعلن الممثل التجاري في غضون أيام عن اتفاق مع الديمقراطيين بمجلس النواب بشأن اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) التي أعيد التفاوض عليها، ووضع اللمسات الأخيرة على شروط الصفقة الجزئية مع الصين، وأوقف عملية الاستئناف في منظمة التجارة العالمية، حسبما أفادت بلومبرغ.
ورحب لايتهايزر، الذي أصبح كبير المستشارين التجاريين لترمب في 2017 بهدف الحصول على دعم ديمقراطي قوي للاتفاقيات التجارية وإعادة التوازن في العلاقة الاقتصادية بين أكبر اقتصادين في العالم، بالاتفاق مع الصين واتفاقية (نافتا) الجديدة باعتبارهما من الإنجازات التاريخية.
* جدل حول الرابح الأكبر: وفي هذا الإطار، سلطت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية الضوء على نمو الاقتصاد الأميركي بوتيرة ثابتة ومستمرة نحو عام 2020؛ بعد سلسلة من إجراءات خفض أسعار الفائدة وحسم واضح لتهديدين يتعلقان بقضايا التجارة ما أدى إلى إنهاء مخاطر الركود الاقتصادي تقريبا.
وذكرت الصحيفة أن هذا يمثل تحولا جذريا في الوضع الاقتصادي منذ أغسطس (آب) الماضي، عندما تنبأ البعض ببدء فترة من الركود الاقتصادي بنسبة 50 في المائة بحلول نهاية عام 2020، وأضافت أن الكثير من خبراء الاقتصاد ينسبون الفضل في ذلك إلى سلسلة خفض أسعار الفائدة التي أقرها مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) والتحسن الطفيف في صورة التجارة، الأمر الذي دفع سوق الأسهم إلى مستويات قياسية جديدة ودفع خبراء الاقتصاد إلى تعزيز التكهنات بشأن المدى الذي يمكن أن يواصل فيه الاقتصاد النمو وتوفير فرص العمل من دون أي اضطرابات.
وكان الرئيس ترمب قد حصل الأسبوع الماضي على موافقة الديمقراطيين على اتفاق تجاري مع كندا والمكسيك، والذي يعفي معظم السلع المتداولة بين الدول الثلاث من الرسوم الجمركية. وتوصل ترمب أيضا إلى اتفاق تجاري مبدئي مع الصين ألغى بموجبه الرسوم الجمركية الباهظة التي كان من المقرر تطبيقها يوم الأحد الماضي، مقابل موافقة الصين على شراء سلع أميركية بقيمة تقدر بنحو 200 مليار دولار إضافية خلال العامين المقبلين.
واختتمت «واشنطن بوست» تقريرها بالقول إنه «على الرغم من أن الصفقات التجارية ليست واعدة كما تعهد ترمب، فإنها خففت من حدة واحدة من أكبر العقبات التي تواجه الاقتصاد الأميركي؛ وهي حالة الشكوك والغموض التي تكتنف الوضع الاقتصادي. ففي حين أنه لا تزال هنالك رسوم جمركية كبيرة مفروضة على بعض الصناعات، وفي ضوء استمرار تغير التفاصيل النهائية بشأنها، إلا أن قادة الأعمال يقولون إنهم على الأقل يعرفون الوضع المحتمل الذي يمكن يكون عليه اقتصاد الولايات المتحدة خلال عام 2020 المقبل، ما يضفي وضوحا أكبر مما كان عليه الوضع عندما بدأت حرب ترمب التجارية منذ ما يقرب من عامين».
لكن من جهة أخرى، فإن مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية الأميركي يرى أن الاتفاق، ورغم ما قيل بأنه سيمثل بداية نهاية الحرب التجارية المريرة، فإنه لا يستحق الاحتفاء به. فلا يزال هناك غموض كبير بشأن تفاصيل الاتفاق، وليس واضحا ما إذا كانت الصراعات في العامين ونصف الماضيين كانت تستحق هذا الاتفاق، مشيرا إلى أن التكاليف مستديمة وبعيدة المدى، في حين أن المزايا ضيقة وسريعة الزوال.
ورأى تقرير المركز الأميركي أن الصين هي الفائز الواضح على المدى القصير، بتنازلات محدودة تصبح بموجبها بكين قادرة على الحفاظ على نظامها الاقتصادي ومواصلة سياستها الصناعية على حساب شركائها التجاريين والاقتصاد العالمي. ورغم أن ترمب سيستطيع التراجع وتجديد التعريفة الجمركية، فإن بكين قد «اشترت لنفسها راحة محتملة من حالة عدم اليقين اليومية لبضعة أشهر على لأقل، وربما لباقي فترة ترمب الرئاسية الحالية»، بحسب تقرير المركز.



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.