أكثرية برلمانية مريحة تعطي جونسون اعتماد «بريكست»

بروكسل متخوفة من خطر أن تصبح لندن سنغافورة على نهر التيمز

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يلقي كلمة أمام مقر رئاسة الحكومة في لندن أمس غداة الفوز الذي حققه حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية التي هيمنت عليها قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يلقي كلمة أمام مقر رئاسة الحكومة في لندن أمس غداة الفوز الذي حققه حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية التي هيمنت عليها قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)
TT

أكثرية برلمانية مريحة تعطي جونسون اعتماد «بريكست»

رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يلقي كلمة أمام مقر رئاسة الحكومة في لندن أمس غداة الفوز الذي حققه حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية التي هيمنت عليها قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)
رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون يلقي كلمة أمام مقر رئاسة الحكومة في لندن أمس غداة الفوز الذي حققه حزب المحافظين في الانتخابات البرلمانية التي هيمنت عليها قضية الخروج من الاتحاد الأوروبي (بريكست)

صرح جاسبر غولر المحلل في مجموعة «لندن كابيتال غروب» بأن «المستثمرين قد يحصلون على هديتين في عيد الميلاد؛ اتفاق تجاري بين الصين والولايات المتحدة وإنجاز بريكست»، الذي وعد به رئيس وزراء بريطانيا المحافظ بوريس جونسون، الذي حقق نتائج قياسية في الانتخابات العامة الخميس/ الجمعة، أعطته هامشاً واسعاً لاختيار أفضل نوع من «بريكست» يريد تحقيقه، «صعب» أم «لين»، دون الاعتماد على مجموعات ضغط متشددة في العلاقة مع أوروبا داخل حزبه.

وقال جونسون أمس (الجمعة)، إن حكومته حصلت فيما يبدو على تفويض جديد وقوي لإنجاز انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال جونسون: «في هذه المرحلة يبدو أن هذه الحكومة المحافظة نالت تفويضاً جديداً وقوياً، ليس لإنجاز بريكست فحسب، لكن لتوحيد البلاد والنهوض بها». وأضاف: «أعتقد أن هذه ستصبح انتخابات تاريخية ستمنحنا الآن، في هذه الحكومة الجديدة، فرصة احترام الإرادة الديمقراطية للشعب البريطاني... لتغيير هذه البلاد للأفضل ولإطلاق إمكانات شعب هذا بالبلد بأكمله».
ولهذا، فقد بات جونسون مطلق اليدين لتحديد شكل «بريكست» الذي يريده، سواء فضل البقاء قريباً من الاتحاد الأوروبي أو الابتعاد عنه، كما لاحظ كثير من المراقبين أمس (الجمعة)، بعدما اتضحت نتيجة الانتخابات العامة البريطانية التي أعطته أكثرية برلمانية مريحة تخوله بسهولة تمرير اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في موعده المحدد، كما اتفق مع بروكسل سابقاً، أي في 31 يناير (كانون الثاني) المقبل، إضافة إلى شكل العلاقة مع بروكسل. وقالت كاتي أدلر مراسلة هيئة البث البريطاني (بي بي سي) إن جونسون «أصبح قادراً على أن يتوصل مع بروكسل إلى (بريكست لين) يلاقي ترحاباً أوسع».
وعلى ضوء حجم انتصار جونسون، قالت أدلر إنه «لن يكون مديناً لمؤيدي بريكست المتشددين في مجموعة البحث الأوروبية التي تمتعت بنفوذ أكبر بكثير لو لم يحصل سوى على غالبية ضئيلة. وسيترتب على جونسون أن يقرر إن كان يود المواءمة مع تنظيمات الاتحاد الأوروبي، أو الابتعاد عنها بشكل واضح».
وأعطى رئيس الوزراء بعض المؤشرات إلى نواياه هذا الأسبوع خلال الحملة الانتخابية، إذ أكد أن «الاتفاق المبرم مع بروكسل يعني أننا نخرج من الاتحاد الأوروبي مع الحفاظ على علاقتنا بلا مساس، من دون رسوم جمركية ومن دون حصص». وقال إن «الاتفاق يحمي سلسلة مورّدينا (...) ويضمن امتلاكنا معادلات كاملة على صعيد المعايير وحاجات الصناعة»، موحياً أنه يؤيد المواءمة مع الاتحاد الأوروبي. لكنه في المقابل لم يتوقف عن امتداح الاتفاق التجاري الكبير الذي يسعى لإبرامه مع «صديقه» الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
ورأى سام لو من «سنتر فور يوروبيان ريفورم» أن انتصاره «يزيد من فرص اتفاق تجاري سريع مع الولايات المتحدة، ويسمح له بتقديم التنازلات التي تطالب بها واشنطن حتى لو أنها تثير استياء عدد كبير من النواب». وكتب مدير مركز الدراسات بـ«سنتر فور يوروبيان ريفورم» تشارلز غرانت على «تويتر»: «مع امتلاكه غالبية واسعة، بإمكان بوريس جونسون تجاهل مجموعة البحث الأوروبي»، الجناح الأكثر تشدداً ضد أوروبا في حزبه المحافظ، «واختيار بريكست أكثر ليونة إن شاء». وأوضح الأستاذ في معهد للندن للعلوم السياسية والاقتصاد توني ترافرز لوكالة الصحافة الفرنسية، أن «كون الحزب المحافظ يمتلك الآن مقاعد في شمال إنجلترا وميدلاندز التي لا تزال تضم عدداً كبيراً من الصناعات التحويلية وبعض الزراعة، وهي مجالات ستتضرر بشدة في حال حصول بريكست متشدد أو عدم التوصل إلى اتفاق حول بريكست، فإن ذلك يجعل من الأصعب على بوريس جونسون اعتماد أي خيار غير بريكست ليّن». حملته الانتخابية تمحورت بشكل أساسي حول «بريكست»، مردداً شعار «أنجزوا بريكست»، مع الحرص على عدم توضيح خياره بهذا الصدد.
فهل يود المنتصر جونسون طلاقاً أن يبقي على علاقات وطيدة مع الاتحاد الأوروبي، الشريك الاقتصادي الأول لبلاده، أو يفضل انفصالاً مع الابتعاد عن المعايير المشتركة حتى الآن بين الطرفين، لا سيما على الصعيدين الاجتماعي والبيئي؟ وأشار كثير من القادة الأوروبيين لا سيما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى خطر قيام منطقة أشبه بسنغافورة على نهر التيمز، تكون بمثابة جنة ضريبية تعتمد نظاماً مالياً متفلتاً من أي ضوابط وتنافس الاتحاد الأوروبي عند أبوابه. ويعتمد قادة الاتحاد الأوروبي استئصال مثل هذا المشروع قبل ولادته خلال المفاوضات حول العلاقة المستقبلية البريطانية - الأوروبية التي تبدأ في الأول من فبراير (شباط)، أي بعد موعد «بريكست». والهدف من هذه المحادثات التوصل إلى اتفاق تجاري بحلول نهاية ديسمبر (كانون الأول) 2020 عند انتهاء الفترة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاق الخروج المبرم بين لندن وبروكسل، التي يمكن تمديدها لمدة تصل إلى سنتين.
وهنأ رئيس وزراء آيرلندا ليو فارادكار أمس (الجمعة)، جونسون على فوزه «الكبير»، معبراً عن أمله في التفاوض على «شراكة اقتصادية جديدة ضخمة» مع بريطانيا. وكتب فارادكار في رسالته قائلاً إن فوز المحافظين الساحق هو «انتصار هائل لجونسون على المستوى الشخصي. لدينا الآن بوضوح أغلبية في مجلس العموم للتصديق على اتفاق الخروج من الاتحاد الأوروبي». وتابع رئيس وزراء الآيرلندي قائلاً: «سننتقل إلى المرحلة التالية من خروج بريطانيا من التكتل الأوروبي التي ستشهد التفاوض على شراكة اقتصادية مستقبلية جديدة قوية بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة... وأعتقد أنه يمكن القيام بذلك». ومع ذلك، قال فارادكار إنه يطمح للغاية في اختتام المفاوضات التجارية بحلول نهاية عام 2020.
ورحّبت أسواق المال العالمية الجمعة بالفوز الكبير الذي حققه المحافظون. وقال مايكل هيوسن المحلل في مجموعة «سي إم سي ماركيتس»، إنه «بعد 3 أعوام من التأخير والتقلبات والمعارك الشرسة، بدأ ضباب بريكست يتبدد مع الفوز الواسع للحكومة المحافظة الحالية». لكن الخبيرة الاقتصادية المستقلة فيرونيك ريش فلوريس رأت أن «التقلبات لم تنتهِ وفي الواقع ملحمة بريكست بدأت الآن بعد 3 سنوات على الاستفتاء»، مشيرة إلى أن «فترة طويلة من المفاوضات حول الاتفاق التجاري الذي سيحدد العلاقات المستقبلية مع الاتحاد الأوروبي» ستبدأ الآن. وانعكس الارتياح بعد فوز المحافظين في الانتخابات في السوق البريطانية على سعر الجنيه الإسترليني الذي سجل ارتفاعاً.
وهنأ رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال اليوم (الجمعة) جونسون على فوزه، ودعا إلى التصديق بشكل سريع على اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي توصل إليه جونسون مع التكتل. وقال ميشال: «نتوقع في أقرب وقت ممكن تصويت البرلمان البريطاني على اتفاق الخروج. من المهم أن تتضح الأمور في أقرب وقت ممكن». وأكد رئيس المجلس الأوروبي أهمية الحفاظ على تكافؤ الفرص في العلاقة التجارية المستقبلية بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي. وقد رفض ميشال التعليق على ما إذا كانت هناك إمكانية للتفاوض على اتفاق تجاري مع بريطانيا في غضون عام، أم لا.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.