الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة

بين خطر الإرهاب... وأهمية تجديد الخطاب الديني

الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة
TT

الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة

الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة

عام واحد فقط هو الفارق الزمني بين إنشاء مدينة القاهرة (عام 969 ميلادية) وتأسيس «الجامع الأزهر» بعدها، وهو ملمح ربما يبدو مُفسراً لعلاقة ظلت زهاء 1050 سنة واتسمت بالتشارك، والتلازم، والتفاعل، والتجادل في بعض الأحيان، ما بين عاصمة الحكم وسكانها من جهة والمؤسسة الدينية الأهم للمسلمين في البلاد من جهة أخرى، وقد يكون من فصولها تلك المعركة الجدلية التي شهدتها مصر، الأسبوع الماضي، حول أدوار وأفكار الجامع والجامعة، وتنوع المشاركون فيها وتباينت كذلك ساحاتها، ورغم أن أحدث فصولها كانت فكرية جرت على صفحات الجرائد بشأن «محتوى التعليم الذي تقدمه معاهد الأزهر»؛ فإنها سُبقت، قبل ذلك بقليل، بمناقشات برلمانية لا تقل صخباً بشأن «مقترح بشأن تعديلات قانون الأحوال الشخصية» تقدمت به المؤسسة.

في مصر التي تواجه منذ سنوات عمليات «إرهابية» بدأت بقوة عام 2013 عقب إزاحة حكم تنظيم «الإخوان» (تصنفه السلطات إرهابياً)، وباتت تنحصر راهناً تقريباً في شمال شبه جزيرة سيناء؛ لا صوت يعلو فوق صوت «تجديد الخطاب الديني».
تدعو لذلك مؤسسات رسمية سياسية وأخرى دينية، ومراكز أبحاث ومثقفون، ومواطنون مهتمون بالشأن العام... الجميع يريد «تجديد الخطاب» لكن ومع الاتفاق الافتراضي على الهدف، فإن الخلاف يظهر بشأن أساليب العلاج وتحديد مواطن العطب، وفي هذا الإطار جاء حوار أجراه الأكاديمي المصري والناقد الأدبي، الدكتور، صلاح فضل، مع صحيفة «المصري اليوم»، في 2 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، تحدث خلاله محملاً مناهج المعاهد الأزهرية المسؤولية عما قال إنه «إنتاج بذور للتطرف»، ودخل على الخط في الإطار نفسه، كاتب المقال الشهير في الصحيفة نفسها، والذي يوقع باسم «نيوتن»، وتبعه معلقون آخرون من الكتاب والقُراء، لكن وعلى الجانب الآخر، اشتبك أحمد الصاوي، رئيس تحرير جريدة «صوت الأزهر» التي تصدر عن المشيخة، مع تلك الأطروحات، وردّ في مقال مطول، الأسبوع الماضي، تضمن أفكاراً مختلفة، وكان من بينها تساؤل عن كيف يمكن «لرأس مؤسسة (الدكتور أحمد الطيب) تقولون إنها تقذف بالمتطرفين إلى الحياة، أن يجاور البابا (فرنسيس) بهذه الحميمية بين القامتين الكبيرتين في العالم؟».
ولم تتوقف طوال الأسبوع الماضي، مشاركات المتابعين للقضية، من جمهور القراء وكتاب الرأي في صحف مصرية عدة، الذين عبّر بعضهم عن «دعم لتطوير الخطاب»، بينما رأى «آخرون أن حملة ما ضد الأزهر وراء الأمر».

الموقف الرسمي
ويركز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ وصوله إلى سدة الحكم في عام 2014 على قضية «تجديد الخطاب الديني»، وكثيراً ما تتضمن خطاباته الرسمية ومداخلاته في المناسبات العامة حضاً لعلماء الدين على تفعيل تلك المساعي، وقال في عام 2017 إن مسألة تجديد الخطاب الديني «قضية حياة أو موت لهذا الشعب (المصري) وهذه الأمة (الإسلامية)».
وهنا يقول الدكتور صلاح فضل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «دعوتي التي أثارت كل هذه الردود، هي تربوية بالأساس، وتهدف لدمج التعليم الديني بالمدني، ووقف (الانفصام التعليمي) في المجتمع، حيث يجب أن تتضمن المناهج التي يتلقاها الطلاب في مراحل التكوين قبل الجامعي، جرعة من العلوم المعاصرة التي تحض على التفكير في المسائل بصورة أوسع»، ومعتبراً أن «الكتب التي يتم تقديم مناهجها لطلاب المعاهد الأزهرية هي بنت عصور (ما قبل العلم)».
لكن في المقابل يطرح الدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ما قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «تحدٍّ لأي شخص يهاجم مناهج الأزهر، أن يحدد بدقة ودون إلقاء اتهامات عامة، منهجاً أو كتاباً أزهرياً في أي مرحلة من المراحل يمكن أن يكون بذرة للتطرف، أو تشجيعاً على الإرهاب». ويستدرك: «إن من يحمّلون المناهج الأزهرية مسؤولية عن التشدد، لا يملكون معلومات مُحدثة أو مُوثقة عما يتم تدريسه الآن، ويرددون افتراضات لا تقوم على تقصٍ أو دراسة حقيقية».
والنجار الذي شارك مع آخرين في إعداد تطوير المناهج الأزهرية، شرح أن «الموقف الثابت والراسخ الآن للأزهر بشأن القضايا التي يستغلها المتطرفون، هي على النقيض التام من هؤلاء، فعندما حدث القتل باسم الدين تصدت المؤسسة لذلك، وبينما كانت سلطة (الإخوان) تتوسع لتفرض سلطتها على المجتمع المصري، قبل سبع سنوات جابه الأزهر مساعيها، وكان معنا الدكتور صلاح فضل الذي شارك في إعداد (وثائق الأزهر) عام 2012، وتطرقنا حينها للموقف من الحريات ودعمها، ومستقبل مصر، وإرادة الشعوب العربية، واستكمال أهداف الثورة».
ومع إقرار الدكتور فضل، بأن «وثائق الأزهر قدمت وجهاً مضيئاً للمؤسسة»، فإنه يرى أن «ما يُدرس في مناهج المعاهد الأزهرية بعيد عن الوثائق».
وللعلم، فإن أحدث إحصاء، صدر في 4 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، عن «الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء» (جهة رسمية)، أظهر «زيادة في عدد المعاهد الأزهرية (الابتدائي والإعدادي والثانوي)، حيث بلغت 65.9 ألف منشأة للعام المالي 2018 -2019، وذلك مقابل 63.9 ألف معهد خلال عام 2017 -2018، بنسبة زيادة 3.1 في المائة».

دور البرلمان
على أي حال، فإن وزير الثقافة المصري السابق الكاتب الصحافي، حلمي النمنم، كان له تقدير آخر بشأن مسألة «تجديد الخطاب»، التي لخصها في حديث لـ«الشرق الأوسط» بقوله «إن التجديد لا يبدأ من التعليم كما يعتقد البعض، ولا حتى من رجال الدين، بل إنه دور البرلمان الذي يملك سلطة التشريع، كأولوية قصوى لتجريم (تكفير المواطنين) والتي تمثل دعوة مبطنة لإراقة الدماء». وللعلم، من المقرر أن يعقد «الأزهر» مؤتمراً عالمياً لـ«تجديد الفكر الديني» في يناير (كانون الثاني) المقبل، بحضور ورعاية الرئيس المصري.
ثم هناك معركة أخرى، بخلاف المناهج، كان «الأزهر» طرفاً فيها، وتواصلت طوال أسابيع مضت، تتعلق بتعديلات على «قانون الأحوال الشخصية». إذ تقدمت المؤسسة للبرلمان بمشروع قانون يتضمن «نتاج ما توصلت له لجنة شكلتها المؤسسة لهذا الغرض»، وبموازاة ذلك كان البرلمان لديه مشروعات أخرى مقدمة من نواب ومؤسسات في الاتجاه نفسه أحليت للأزهر لاستطلاع رأيه فيها، غير أن برلمانيين ونشطاء بالمجال، اعتبروا أن ما أقدم عليه الأزهر «تدخل ديني في أمر تشريعي»، فكان بيان صادر باسم شيخها الدكتور، أحمد الطيب، مطلع الشهر الماضي، وقال فيه إن «الأزهر باشر إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة انطلاقاً من واجبه الشرعي، وحقه الذي يخصه وحده في هذا الأمر».
واستدرك الطيب: «يقولون مال الأزهر وتشريع القوانين العامة؟، ونحن نعلن ذلك: لسنا جهة تشريع ولا إقرار قوانين، ولا دخل لنا بالأمور السياسية أو البرلمانية إلى آخره، لكن حين يكون الوضع متعلقاً بقوانين مصدرها القرآن والسنة والشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية التي هي المصدر الوحيد الذي يمكن أن تنطلق منه هذه الأحكام وأعني بها الأحوال الشخصية للأسرة من زواج ومن طلاق ومن ميراث... حين يكون الأمر ذلك لا يصح أبداً ولا يُقبَل أن يترك الحديث فيها لمَن هَبَ ودَبَّ».
ووفق المادة السابعة من الدستور المصري القائم، فإن «الأزهر هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء».
وبسبب احتدام النقاش بشأن مشروع القانون، علّق الرئيس المصري، الخميس الماضي، على الجدل السائر في البلاد حول نصوصه، وقال أثناء فعاليات «منتدى أسوان للسلام والتنمية»: «البعض لديه تخوف من ألا يحقق هذا القانون الإنصاف لهم، وأنا أقول للنساء لن أوقع على قانون لا ينصفكن».

رأي الأزهر
«الأزهر قدّم رأياً مُقدراً، وليس مقدساً»، هكذا رد الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على «الرواق الأزهري»، على تعليقات برلمانيين بشأن مشروع القانون المطروح من الأزهر، موضحاً: «إن تعبير أننا لن نترك (كل من هب ودب) يتصدى لأمر يتعلق بالشرع، يعني أنه لن يُترك لغير المتخصصين التصدي لمسألة تتعلق بأمور شرعية والتي هي من صميم تخصص الأزهر، ولم يرسلها للبرلمان باعتبارها مفروضة، وذلك أيضاً وفق دوره كجهة للبيان العلمي الديني والشرعي، وليس جهة إلزام».

«الإمام السند» والحجاب
في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، أغضب غلاف لصحيفة «صوت الأزهر» الناطقة باسم المؤسسة، عدداً من «المتشددين»، وكان ذلك بسبب نشر صور في واجهة الصفحة الأولى لشخصيات عامة من السيدات وكان من بينهن «غير محجبات»، شاركن بالكتابة والتعليق في إطار تغطية صحافية عن مواجهة «التحرش».
سياق العدد حينها ارتبط بحملة أطلقتها مشيخة الأزهر بعد انتشار عدد كبير من حالات التحرش في مصر، والتي أثارت ضجة واستياءً على أصعدة شعبية ورسمية، وكان أبرز خطوات الحملة إصدار شيخ الأزهر، بياناً لافتاً، قال فيه إن «التحرش تصرف مُحرم شرعاً، وسلوك مدان بشكل مطلق ولا يجوز تبريره». كما شدد الطيب على أن «تجريم التحرش والمتحرِش يجب أن يكون مطلقاً ومجرداً من أي شرط أو سياق، فتبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة يعبر عن فهم مغلوط؛ لما في التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها».
ولقد قوبل البيان باحتفاء في أوساط حقوقية ونسوية، مصحوباً بحملة تدوين إلكترونية تحت هاشتاغ تحت شعار # الإمام_السند.
وأخيراً، دخل «المركز العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية» في جدل جديد يتعلق بقضية الحجاب، وفي مواجهة احتجاج البعض بـ«عدم فرضيته»، رد المركز، قبل أسبوعين تقريباً، وقال إنه «فرض ثبت وجوبُه بنصوص قرآنية قطعية الثبوت والدلالة لا تقبل الاجتهاد، وليس لأحد أن يخالف الأحكام الثابتة، كما أنه لا يقبل من العامة أو غير المتخصصين - مهما كانت ثقافتهم - الخوض فيها».
وجاءت فتوى المركز التابع للأزهر، عقب جدل مجتمعي صاحب إعلان الممثلة المصرية صابرين، عدم ارتداء الحجاب الذي كانت تظهر له لسنوات، ورغم أن البيان لم يسمّها أو يتطرق لقرارها، فإنه جاء مواكباً لحالة النقاش، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تضمنت آراء لمعلقين، انتقلوا من مناقشة القضية الخاصة إلى جدل مطول بين فريقين بشأن فرضية الحجاب.
ولقد أعادت فتوى الأزهر، المؤسسة إلى ساحة الجدل مرة ثالثة، ووفق ما يقول رئيس تحرير «صوت الأزهر»، أحمد الصاوي لـ«الشرق الأوسط»، فإن «هناك طرفين في المجتمع مشغولان بزي المرأة، وكلاهما يتشابه فيما يمارسه من تطرف وتنمر ووصاية على المرأة وعدم احترام حقوقها الشخصية وحرياتها الأساسية. أولهما طرف متشدد دينياً يرى غير المحجبة شراً مطلقاً، ويعتبر أن عدم الالتزام بالحجاب هو سبب تأخر المجتمع ويتنمر على غير المحجبات... وآخر متطرف علمانياً يظن أن النهضة مشروطة بخلع الحجاب باعتباره تخلفاً ورجعية، ويتنمر على المحجبات، وكلا الطرفين يتشابه في عدم احترام المرأة والتدخل في شؤونها بوصاية لم تشرع لأي منهما في دين ولا دستور ولا قانون».
وبشأن ما إذا كان بيان الأزهر، يمكن أن يستخدمه البعض للتعرض لغير المحجبات، استشهد الصاوي، بموقف الأزهر من مناهضة التحرش وعدم تبريره بزي المرأة. وقال إن «المؤسسة تقف بين الطرفين ضابطاً للمسألة دون تفريط في حكم شرعي، ودون توريط في فتنة مجتمعية، وكذلك فإنه لا توجد رخصة لأي أحد لإجبار امرأة على الحجاب؛ لكنه متروك لوازعها الديني وقناعتها ورغبتها في تحقيق ما أمرها الله به طاعة له، لا خوفاً من أحد».

الوثائق العربية... و«الأخوة الإنسانية»

> تبرز في أدبيات مؤسسة الأزهر 6 وثائق يمكن اعتبارها مركزية في مسيرته خلال العقد الحالي، وهي مقسمة على نوعين، الأولى تشمل 5 وثائق تتعلق بشؤون محلية وعربية، وصدرت متفرقة بين عامي 2011 و2012، وتحديداً في أعقاب «ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011»، وجاء في مقدمتها بعد إتمامها أنها «دعوة للحوار الحضاري بين الأمة الإسلامية وسائر أمم المعمورة، من أجل تبادل النفع، وتحقيق المصالح الإنسانية العليا».
وتطرقت أولى هذه الوثائق إلى «النظام الأساسي للدولة، وتحدد الحقوق والواجبات، وتنظم المشاركة الشعبية الديمقراطية في الحكم، وترسم صورة للدولة ترتضيها أمتنا، وانتهت المداولات الفكرية إلى أن هذه الدولة هي (الدولة الوطنية الديمقراطية، الدستورية، الحديثة)». أما الثانية، فإنها ترتبط «حماية الحريات الأساسية في المجتمع». وفي الوثيقة الثالثة جاء «دعم إرادة الشعوب العربية في سياق (ثورات الربيع العربي)»، كما رهنت «مشروعية الحاكم بعدم إراقة دماء محكوميه، طالما كانت مجابهته سلمية»، وفي سياق قريب جاءت الوثيقة الرابعة التي وقّعها شيخ الأزهر وبابا الأقباط، ورئيس الوزراء المصري، وعدد من ممثلي الأحزاب، وجاءت تحت شعار «استكمال أهداف الثورة».
وعلى نحو خاص استهدفت الوثيقة الخامسة التعريف بالمواقف المبدئية للأزهر من قضية «القدس» فأكدت «عروبة العاصمة الفلسطينية منذ ستين قرناً»، ومناشداً العالم بدعم «الحق العربي في تحرير القدس».
النوع الآخر من وثائق الأزهر لم يتعلق بشأن داخل أو حتى عربي، وتتضمن الوثيقة السادسة المعروفة بوثيقة «الأخوة الإنسانية»، ووقعها شيخ الأزهر، وبابا الفاتيكان فرنسيس، في فبراير (شباط) الماضي، بدولة الإمارات العربية المتحدة، ونصت على «تبني ثقافة الحوار درباً، والتعاون المشترك سبيلاً، والتعارف المتبادل نهجاً وطريقاً»، كما شددت على أن «الأديان لم تكن أبداً بريداً للحروب أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، أو مثيرة للعنف وإراقة الدماء، فهذه المآسي حصيلة الانحراف عن التعاليم الدينية، ونتيجة استغلال الأديان في السياسة».

الأروقة الأزهرية

> خلال تطور دور ومسؤوليات الأزهر من مرحلة الجامع إلى حقبة الجامعة، استقبل دارسين من بقاع شتى مصرية وعالمية، وتقدر أعداد الخريجين الأجانب من كليات الأزهر بنحو 40 ألف شخص سنوياً تقريباً، وفق ما أفاد المشرف على أروقة الأزهر الدكتور عبد المنعم فؤاد.
وارتبطت فكرة الأروقة بالجامع الأزهر، وباتت رمزاً لصيقاً بتاريخ التعليم فيه، وبحسب ما يورد الموقع الرسمي للمشيخة، فإن «من التقاليد الراسخة التي ظلت لصيقة بالتاريخ العلمي والاجتماعي للأزهر كجامعة، أنه أفرد لكل جنسية وأهل إقليم من طلابه الذين وفدوا إليه من شتى بقاع العالم العربي والإسلامي (رِواقاً) يقيمون فيه إقامة دائمة بالمجان طوال السنوات التي كانوا يقضونها في تحصيل العلوم في رحابه، وهي أماكن للإعاشة الكاملة بالمجان»، وكانت 16 رواقاً لغير المصريين يحمل كل واحد منها اسم أبنائه مثل الشوام، والأكراد، والهنود والمغاربة، وكذلك فإن الأزهر كان يضم 12 رواقاً لأبناء المحافظات المصرية، وأصحاب المذاهب الفقهية، ومنها مثلاً: الصعايدة (محافظات الصعيد)، والشراقوة (محافظة الشرقية)، والحنابلة والأحناف.
وكانت العلوم التي تُدرس في الجامع الأزهر تزيد على عشرين فرعاً، منها مثلاً: «الفقه وأصوله، والتفسير، والحديث رواية ودراية، والتوحيد، والحكمة الفلسفية، والتصوف، والنحو والصرف، والمنطق، والحساب والجبر والمقابلة، والفلك، والعروض»، وكانت الدراسة تبدأ بعد صلاة الفجر، وحتى صلاة العشاء. ولقد تطورت فكرة الأروقة فيما بعد وأنشأت مصر مدينة البعوث الإسلامية التي افتتحها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وشيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت، عام 1959، وضمت حينها 5 آلاف طالب وطالبة من 40 دولة. وفى أبريل (نيسان) عام 2016، دشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، المرحلة الثانية من مدينة البعوث الإسلامية المصرية الجديدة، وتستوعب أولى مراحلها 5 آلاف وافد، أما المرحلة الثانية فتشمل 35 ألف دارس أجنبي في الأزهر.


مقالات ذات صلة

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

حصاد الأسبوع نتنياهو (غيتي)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت

نظير مجلي (القدس)
حصاد الأسبوع إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام

حصاد الأسبوع السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية

إيلي يوسف ( واشنطن)
حصاد الأسبوع أوكازيو - كورتيز (أ.ف.ب/ غيتي)

ديمقراطيو 2028... أسماء كثيرة وبطاقة لم تتبلور بعد

لم تتبلور بعد بطاقة ديمقراطية للرئاسة الأميركية، والأسماء المتداولة لا تزال تحت الاختبار. فنتائج الانتخابات النصفية ستؤثر على مكانة المتنافسين وعلى السؤال الذي

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
حصاد الأسبوع مناصرو الرئيس اليساري يحتشدون في ساو باولو كبرى مدن البرازيل وعاصمتها الاقتصادية (أ.ب)

«لولا» ربح معركته الأخيرة ضد اليمين اللاتيني... لكن انتصاره مهدّد

كثيرة هي العبر التي يمكن استخلاصها من الانتخابات الرئاسية البرازيلية التي، خلافاً لمعظم التوقعات، جدّد فيها لويس إيغناسيو دا سيلفا «لولا» ولايته رغم الخسارة

شوقي الريّس (مدريد)

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟