الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة

بين خطر الإرهاب... وأهمية تجديد الخطاب الديني

الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة
TT

الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة

الأزهر ساحة لمعركة فكرية جديدة

عام واحد فقط هو الفارق الزمني بين إنشاء مدينة القاهرة (عام 969 ميلادية) وتأسيس «الجامع الأزهر» بعدها، وهو ملمح ربما يبدو مُفسراً لعلاقة ظلت زهاء 1050 سنة واتسمت بالتشارك، والتلازم، والتفاعل، والتجادل في بعض الأحيان، ما بين عاصمة الحكم وسكانها من جهة والمؤسسة الدينية الأهم للمسلمين في البلاد من جهة أخرى، وقد يكون من فصولها تلك المعركة الجدلية التي شهدتها مصر، الأسبوع الماضي، حول أدوار وأفكار الجامع والجامعة، وتنوع المشاركون فيها وتباينت كذلك ساحاتها، ورغم أن أحدث فصولها كانت فكرية جرت على صفحات الجرائد بشأن «محتوى التعليم الذي تقدمه معاهد الأزهر»؛ فإنها سُبقت، قبل ذلك بقليل، بمناقشات برلمانية لا تقل صخباً بشأن «مقترح بشأن تعديلات قانون الأحوال الشخصية» تقدمت به المؤسسة.

في مصر التي تواجه منذ سنوات عمليات «إرهابية» بدأت بقوة عام 2013 عقب إزاحة حكم تنظيم «الإخوان» (تصنفه السلطات إرهابياً)، وباتت تنحصر راهناً تقريباً في شمال شبه جزيرة سيناء؛ لا صوت يعلو فوق صوت «تجديد الخطاب الديني».
تدعو لذلك مؤسسات رسمية سياسية وأخرى دينية، ومراكز أبحاث ومثقفون، ومواطنون مهتمون بالشأن العام... الجميع يريد «تجديد الخطاب» لكن ومع الاتفاق الافتراضي على الهدف، فإن الخلاف يظهر بشأن أساليب العلاج وتحديد مواطن العطب، وفي هذا الإطار جاء حوار أجراه الأكاديمي المصري والناقد الأدبي، الدكتور، صلاح فضل، مع صحيفة «المصري اليوم»، في 2 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، تحدث خلاله محملاً مناهج المعاهد الأزهرية المسؤولية عما قال إنه «إنتاج بذور للتطرف»، ودخل على الخط في الإطار نفسه، كاتب المقال الشهير في الصحيفة نفسها، والذي يوقع باسم «نيوتن»، وتبعه معلقون آخرون من الكتاب والقُراء، لكن وعلى الجانب الآخر، اشتبك أحمد الصاوي، رئيس تحرير جريدة «صوت الأزهر» التي تصدر عن المشيخة، مع تلك الأطروحات، وردّ في مقال مطول، الأسبوع الماضي، تضمن أفكاراً مختلفة، وكان من بينها تساؤل عن كيف يمكن «لرأس مؤسسة (الدكتور أحمد الطيب) تقولون إنها تقذف بالمتطرفين إلى الحياة، أن يجاور البابا (فرنسيس) بهذه الحميمية بين القامتين الكبيرتين في العالم؟».
ولم تتوقف طوال الأسبوع الماضي، مشاركات المتابعين للقضية، من جمهور القراء وكتاب الرأي في صحف مصرية عدة، الذين عبّر بعضهم عن «دعم لتطوير الخطاب»، بينما رأى «آخرون أن حملة ما ضد الأزهر وراء الأمر».

الموقف الرسمي
ويركز الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي منذ وصوله إلى سدة الحكم في عام 2014 على قضية «تجديد الخطاب الديني»، وكثيراً ما تتضمن خطاباته الرسمية ومداخلاته في المناسبات العامة حضاً لعلماء الدين على تفعيل تلك المساعي، وقال في عام 2017 إن مسألة تجديد الخطاب الديني «قضية حياة أو موت لهذا الشعب (المصري) وهذه الأمة (الإسلامية)».
وهنا يقول الدكتور صلاح فضل، لـ«الشرق الأوسط»، إن «دعوتي التي أثارت كل هذه الردود، هي تربوية بالأساس، وتهدف لدمج التعليم الديني بالمدني، ووقف (الانفصام التعليمي) في المجتمع، حيث يجب أن تتضمن المناهج التي يتلقاها الطلاب في مراحل التكوين قبل الجامعي، جرعة من العلوم المعاصرة التي تحض على التفكير في المسائل بصورة أوسع»، ومعتبراً أن «الكتب التي يتم تقديم مناهجها لطلاب المعاهد الأزهرية هي بنت عصور (ما قبل العلم)».
لكن في المقابل يطرح الدكتور عبد الله النجار، عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر، ما قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «تحدٍّ لأي شخص يهاجم مناهج الأزهر، أن يحدد بدقة ودون إلقاء اتهامات عامة، منهجاً أو كتاباً أزهرياً في أي مرحلة من المراحل يمكن أن يكون بذرة للتطرف، أو تشجيعاً على الإرهاب». ويستدرك: «إن من يحمّلون المناهج الأزهرية مسؤولية عن التشدد، لا يملكون معلومات مُحدثة أو مُوثقة عما يتم تدريسه الآن، ويرددون افتراضات لا تقوم على تقصٍ أو دراسة حقيقية».
والنجار الذي شارك مع آخرين في إعداد تطوير المناهج الأزهرية، شرح أن «الموقف الثابت والراسخ الآن للأزهر بشأن القضايا التي يستغلها المتطرفون، هي على النقيض التام من هؤلاء، فعندما حدث القتل باسم الدين تصدت المؤسسة لذلك، وبينما كانت سلطة (الإخوان) تتوسع لتفرض سلطتها على المجتمع المصري، قبل سبع سنوات جابه الأزهر مساعيها، وكان معنا الدكتور صلاح فضل الذي شارك في إعداد (وثائق الأزهر) عام 2012، وتطرقنا حينها للموقف من الحريات ودعمها، ومستقبل مصر، وإرادة الشعوب العربية، واستكمال أهداف الثورة».
ومع إقرار الدكتور فضل، بأن «وثائق الأزهر قدمت وجهاً مضيئاً للمؤسسة»، فإنه يرى أن «ما يُدرس في مناهج المعاهد الأزهرية بعيد عن الوثائق».
وللعلم، فإن أحدث إحصاء، صدر في 4 من ديسمبر (كانون الأول) الحالي، عن «الجهاز المركز للتعبئة العامة والإحصاء» (جهة رسمية)، أظهر «زيادة في عدد المعاهد الأزهرية (الابتدائي والإعدادي والثانوي)، حيث بلغت 65.9 ألف منشأة للعام المالي 2018 -2019، وذلك مقابل 63.9 ألف معهد خلال عام 2017 -2018، بنسبة زيادة 3.1 في المائة».

دور البرلمان
على أي حال، فإن وزير الثقافة المصري السابق الكاتب الصحافي، حلمي النمنم، كان له تقدير آخر بشأن مسألة «تجديد الخطاب»، التي لخصها في حديث لـ«الشرق الأوسط» بقوله «إن التجديد لا يبدأ من التعليم كما يعتقد البعض، ولا حتى من رجال الدين، بل إنه دور البرلمان الذي يملك سلطة التشريع، كأولوية قصوى لتجريم (تكفير المواطنين) والتي تمثل دعوة مبطنة لإراقة الدماء». وللعلم، من المقرر أن يعقد «الأزهر» مؤتمراً عالمياً لـ«تجديد الفكر الديني» في يناير (كانون الثاني) المقبل، بحضور ورعاية الرئيس المصري.
ثم هناك معركة أخرى، بخلاف المناهج، كان «الأزهر» طرفاً فيها، وتواصلت طوال أسابيع مضت، تتعلق بتعديلات على «قانون الأحوال الشخصية». إذ تقدمت المؤسسة للبرلمان بمشروع قانون يتضمن «نتاج ما توصلت له لجنة شكلتها المؤسسة لهذا الغرض»، وبموازاة ذلك كان البرلمان لديه مشروعات أخرى مقدمة من نواب ومؤسسات في الاتجاه نفسه أحليت للأزهر لاستطلاع رأيه فيها، غير أن برلمانيين ونشطاء بالمجال، اعتبروا أن ما أقدم عليه الأزهر «تدخل ديني في أمر تشريعي»، فكان بيان صادر باسم شيخها الدكتور، أحمد الطيب، مطلع الشهر الماضي، وقال فيه إن «الأزهر باشر إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية للأسرة انطلاقاً من واجبه الشرعي، وحقه الذي يخصه وحده في هذا الأمر».
واستدرك الطيب: «يقولون مال الأزهر وتشريع القوانين العامة؟، ونحن نعلن ذلك: لسنا جهة تشريع ولا إقرار قوانين، ولا دخل لنا بالأمور السياسية أو البرلمانية إلى آخره، لكن حين يكون الوضع متعلقاً بقوانين مصدرها القرآن والسنة والشريعة الإسلامية، والشريعة الإسلامية التي هي المصدر الوحيد الذي يمكن أن تنطلق منه هذه الأحكام وأعني بها الأحوال الشخصية للأسرة من زواج ومن طلاق ومن ميراث... حين يكون الأمر ذلك لا يصح أبداً ولا يُقبَل أن يترك الحديث فيها لمَن هَبَ ودَبَّ».
ووفق المادة السابعة من الدستور المصري القائم، فإن «الأزهر هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم، وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء».
وبسبب احتدام النقاش بشأن مشروع القانون، علّق الرئيس المصري، الخميس الماضي، على الجدل السائر في البلاد حول نصوصه، وقال أثناء فعاليات «منتدى أسوان للسلام والتنمية»: «البعض لديه تخوف من ألا يحقق هذا القانون الإنصاف لهم، وأنا أقول للنساء لن أوقع على قانون لا ينصفكن».

رأي الأزهر
«الأزهر قدّم رأياً مُقدراً، وليس مقدساً»، هكذا رد الدكتور عبد المنعم فؤاد، المشرف العام على «الرواق الأزهري»، على تعليقات برلمانيين بشأن مشروع القانون المطروح من الأزهر، موضحاً: «إن تعبير أننا لن نترك (كل من هب ودب) يتصدى لأمر يتعلق بالشرع، يعني أنه لن يُترك لغير المتخصصين التصدي لمسألة تتعلق بأمور شرعية والتي هي من صميم تخصص الأزهر، ولم يرسلها للبرلمان باعتبارها مفروضة، وذلك أيضاً وفق دوره كجهة للبيان العلمي الديني والشرعي، وليس جهة إلزام».

«الإمام السند» والحجاب
في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، أغضب غلاف لصحيفة «صوت الأزهر» الناطقة باسم المؤسسة، عدداً من «المتشددين»، وكان ذلك بسبب نشر صور في واجهة الصفحة الأولى لشخصيات عامة من السيدات وكان من بينهن «غير محجبات»، شاركن بالكتابة والتعليق في إطار تغطية صحافية عن مواجهة «التحرش».
سياق العدد حينها ارتبط بحملة أطلقتها مشيخة الأزهر بعد انتشار عدد كبير من حالات التحرش في مصر، والتي أثارت ضجة واستياءً على أصعدة شعبية ورسمية، وكان أبرز خطوات الحملة إصدار شيخ الأزهر، بياناً لافتاً، قال فيه إن «التحرش تصرف مُحرم شرعاً، وسلوك مدان بشكل مطلق ولا يجوز تبريره». كما شدد الطيب على أن «تجريم التحرش والمتحرِش يجب أن يكون مطلقاً ومجرداً من أي شرط أو سياق، فتبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة يعبر عن فهم مغلوط؛ لما في التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها».
ولقد قوبل البيان باحتفاء في أوساط حقوقية ونسوية، مصحوباً بحملة تدوين إلكترونية تحت هاشتاغ تحت شعار # الإمام_السند.
وأخيراً، دخل «المركز العالمي للرصد والفتوى الإلكترونية» في جدل جديد يتعلق بقضية الحجاب، وفي مواجهة احتجاج البعض بـ«عدم فرضيته»، رد المركز، قبل أسبوعين تقريباً، وقال إنه «فرض ثبت وجوبُه بنصوص قرآنية قطعية الثبوت والدلالة لا تقبل الاجتهاد، وليس لأحد أن يخالف الأحكام الثابتة، كما أنه لا يقبل من العامة أو غير المتخصصين - مهما كانت ثقافتهم - الخوض فيها».
وجاءت فتوى المركز التابع للأزهر، عقب جدل مجتمعي صاحب إعلان الممثلة المصرية صابرين، عدم ارتداء الحجاب الذي كانت تظهر له لسنوات، ورغم أن البيان لم يسمّها أو يتطرق لقرارها، فإنه جاء مواكباً لحالة النقاش، خصوصاً على مواقع التواصل الاجتماعي، والتي تضمنت آراء لمعلقين، انتقلوا من مناقشة القضية الخاصة إلى جدل مطول بين فريقين بشأن فرضية الحجاب.
ولقد أعادت فتوى الأزهر، المؤسسة إلى ساحة الجدل مرة ثالثة، ووفق ما يقول رئيس تحرير «صوت الأزهر»، أحمد الصاوي لـ«الشرق الأوسط»، فإن «هناك طرفين في المجتمع مشغولان بزي المرأة، وكلاهما يتشابه فيما يمارسه من تطرف وتنمر ووصاية على المرأة وعدم احترام حقوقها الشخصية وحرياتها الأساسية. أولهما طرف متشدد دينياً يرى غير المحجبة شراً مطلقاً، ويعتبر أن عدم الالتزام بالحجاب هو سبب تأخر المجتمع ويتنمر على غير المحجبات... وآخر متطرف علمانياً يظن أن النهضة مشروطة بخلع الحجاب باعتباره تخلفاً ورجعية، ويتنمر على المحجبات، وكلا الطرفين يتشابه في عدم احترام المرأة والتدخل في شؤونها بوصاية لم تشرع لأي منهما في دين ولا دستور ولا قانون».
وبشأن ما إذا كان بيان الأزهر، يمكن أن يستخدمه البعض للتعرض لغير المحجبات، استشهد الصاوي، بموقف الأزهر من مناهضة التحرش وعدم تبريره بزي المرأة. وقال إن «المؤسسة تقف بين الطرفين ضابطاً للمسألة دون تفريط في حكم شرعي، ودون توريط في فتنة مجتمعية، وكذلك فإنه لا توجد رخصة لأي أحد لإجبار امرأة على الحجاب؛ لكنه متروك لوازعها الديني وقناعتها ورغبتها في تحقيق ما أمرها الله به طاعة له، لا خوفاً من أحد».

الوثائق العربية... و«الأخوة الإنسانية»

> تبرز في أدبيات مؤسسة الأزهر 6 وثائق يمكن اعتبارها مركزية في مسيرته خلال العقد الحالي، وهي مقسمة على نوعين، الأولى تشمل 5 وثائق تتعلق بشؤون محلية وعربية، وصدرت متفرقة بين عامي 2011 و2012، وتحديداً في أعقاب «ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011»، وجاء في مقدمتها بعد إتمامها أنها «دعوة للحوار الحضاري بين الأمة الإسلامية وسائر أمم المعمورة، من أجل تبادل النفع، وتحقيق المصالح الإنسانية العليا».
وتطرقت أولى هذه الوثائق إلى «النظام الأساسي للدولة، وتحدد الحقوق والواجبات، وتنظم المشاركة الشعبية الديمقراطية في الحكم، وترسم صورة للدولة ترتضيها أمتنا، وانتهت المداولات الفكرية إلى أن هذه الدولة هي (الدولة الوطنية الديمقراطية، الدستورية، الحديثة)». أما الثانية، فإنها ترتبط «حماية الحريات الأساسية في المجتمع». وفي الوثيقة الثالثة جاء «دعم إرادة الشعوب العربية في سياق (ثورات الربيع العربي)»، كما رهنت «مشروعية الحاكم بعدم إراقة دماء محكوميه، طالما كانت مجابهته سلمية»، وفي سياق قريب جاءت الوثيقة الرابعة التي وقّعها شيخ الأزهر وبابا الأقباط، ورئيس الوزراء المصري، وعدد من ممثلي الأحزاب، وجاءت تحت شعار «استكمال أهداف الثورة».
وعلى نحو خاص استهدفت الوثيقة الخامسة التعريف بالمواقف المبدئية للأزهر من قضية «القدس» فأكدت «عروبة العاصمة الفلسطينية منذ ستين قرناً»، ومناشداً العالم بدعم «الحق العربي في تحرير القدس».
النوع الآخر من وثائق الأزهر لم يتعلق بشأن داخل أو حتى عربي، وتتضمن الوثيقة السادسة المعروفة بوثيقة «الأخوة الإنسانية»، ووقعها شيخ الأزهر، وبابا الفاتيكان فرنسيس، في فبراير (شباط) الماضي، بدولة الإمارات العربية المتحدة، ونصت على «تبني ثقافة الحوار درباً، والتعاون المشترك سبيلاً، والتعارف المتبادل نهجاً وطريقاً»، كما شددت على أن «الأديان لم تكن أبداً بريداً للحروب أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، أو مثيرة للعنف وإراقة الدماء، فهذه المآسي حصيلة الانحراف عن التعاليم الدينية، ونتيجة استغلال الأديان في السياسة».

الأروقة الأزهرية

> خلال تطور دور ومسؤوليات الأزهر من مرحلة الجامع إلى حقبة الجامعة، استقبل دارسين من بقاع شتى مصرية وعالمية، وتقدر أعداد الخريجين الأجانب من كليات الأزهر بنحو 40 ألف شخص سنوياً تقريباً، وفق ما أفاد المشرف على أروقة الأزهر الدكتور عبد المنعم فؤاد.
وارتبطت فكرة الأروقة بالجامع الأزهر، وباتت رمزاً لصيقاً بتاريخ التعليم فيه، وبحسب ما يورد الموقع الرسمي للمشيخة، فإن «من التقاليد الراسخة التي ظلت لصيقة بالتاريخ العلمي والاجتماعي للأزهر كجامعة، أنه أفرد لكل جنسية وأهل إقليم من طلابه الذين وفدوا إليه من شتى بقاع العالم العربي والإسلامي (رِواقاً) يقيمون فيه إقامة دائمة بالمجان طوال السنوات التي كانوا يقضونها في تحصيل العلوم في رحابه، وهي أماكن للإعاشة الكاملة بالمجان»، وكانت 16 رواقاً لغير المصريين يحمل كل واحد منها اسم أبنائه مثل الشوام، والأكراد، والهنود والمغاربة، وكذلك فإن الأزهر كان يضم 12 رواقاً لأبناء المحافظات المصرية، وأصحاب المذاهب الفقهية، ومنها مثلاً: الصعايدة (محافظات الصعيد)، والشراقوة (محافظة الشرقية)، والحنابلة والأحناف.
وكانت العلوم التي تُدرس في الجامع الأزهر تزيد على عشرين فرعاً، منها مثلاً: «الفقه وأصوله، والتفسير، والحديث رواية ودراية، والتوحيد، والحكمة الفلسفية، والتصوف، والنحو والصرف، والمنطق، والحساب والجبر والمقابلة، والفلك، والعروض»، وكانت الدراسة تبدأ بعد صلاة الفجر، وحتى صلاة العشاء. ولقد تطورت فكرة الأروقة فيما بعد وأنشأت مصر مدينة البعوث الإسلامية التي افتتحها الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر، وشيخ الأزهر الراحل محمود شلتوت، عام 1959، وضمت حينها 5 آلاف طالب وطالبة من 40 دولة. وفى أبريل (نيسان) عام 2016، دشن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، المرحلة الثانية من مدينة البعوث الإسلامية المصرية الجديدة، وتستوعب أولى مراحلها 5 آلاف وافد، أما المرحلة الثانية فتشمل 35 ألف دارس أجنبي في الأزهر.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.