نزاع الانتخابات المرير يرسل أفغانستان إلى حافة الهاوية

عبد الله عبد الله المنافس لثلاث مرات يصرّ على عدم التراجع

عبد الله عبد الله الرئيس التنفيذي لأفغانستان (نيويورك تايمز)
عبد الله عبد الله الرئيس التنفيذي لأفغانستان (نيويورك تايمز)
TT

نزاع الانتخابات المرير يرسل أفغانستان إلى حافة الهاوية

عبد الله عبد الله الرئيس التنفيذي لأفغانستان (نيويورك تايمز)
عبد الله عبد الله الرئيس التنفيذي لأفغانستان (نيويورك تايمز)

بعد مرور 3 أشهر على الانتخابات الرئاسية في أفغانستان، توقفت العملية الانتخابية بأكملها إثر النزاع الجديد الذي يقول المسؤولون الأفغان والغربيون إنه يمكن أن يشكل تهديداً كبيراً للاستقرار أكبر من الأزمة الأخيرة التي وقعت قبل 5 سنوات في البلاد.
وقام أنصار مرشحي تيارات المعارضة بمحاصرة مكاتب الانتخابات الرئاسية في أرجاء البلاد كافة لأسابيع عدة، معلنين عن استعدادهم للقتال بدلاً من قبول الحل الوسط الأميركي مثل ذلك الذي أسفر عن تسوية النزاع السابق في عام 2014. ويساور المسؤولون الأمنيون الأفغان قلق شديد من أن خطوة واحدة خاطئة في أي اتجاه قد تحول الاحتجاجات الراهنة إلى حمامات من الدماء. في حين يقول مسؤولو الانتخابات إن عملية التحقق من الهويات التي كان من المفترض أن تحول دون تزوير أسماء الناخبين، ربما تكون قد تعرضت لخطأ بشري.
ويقف في خضم الأحداث المتتالية؛ ومرة أخرى، السيد عبد الله عبد الله، في محاولته الثالثة على التوالي لكي يصبح رئيساً لأفغانستان، ويقع للمرة الثالثة في مواجهة مريرة للغاية مع مسؤولي الانتخابات الرئاسية في البلاد.
ومن المرجح ألا تكون هذه المرة مماثلة لسابقتيها. فمع الدبلوماسية الأميركية التي ينصب اهتمامها راهناً على مفاوضات السلام لإنهاء حالة الحرب طويلة الأمد مع حركة «طالبان»، يقول المسؤولون الغربيون إن الولايات المتحدة قد أعربت عن موقفها بكل وضوح؛ إذ أعلنت عدم تدخلها نهائياً في الانتخابات الأفغانية الحالية كما فعلت قبل 5 سنوات. وكان السيد جون كيري وزير الخارجية الأميركي وقتذاك قد تفاوض بشأن اتفاق لتقاسم السلطة بين السيد عبد الله عبد الله الرئيس التنفيذي الحالي لأفغانستان، والسيد أشرف غني الرئيس الحالي للبلاد، والذي وصفه السيد كيري بقوله إنه جنّب البلاد ويلات الحرب الأهلية.
وحيث إن السيد عبد الله وأنصاره قد دفعوا بالتدخل الأميركي في الانتخابات الرئاسية السابقة في عام 2014، إلا إنه حاول إظهار صورة للوحدة الأفغانية الموهومة، من خلال الاضطلاع بدوره في حكومة تقاسم السلطة التي مارس فيها السيد أشرف غني كل ما يمكنه من ضغوط للاحتفاظ بالسلطات الفعلية بين يديه.
بيد أن أنصار السيد عبد الله صاروا أكثر حذراً من الرئيس هذه المرة، رغم أنهم يقولون إنهم صارمون للغاية فيما يتعلق بما يعدّونه عملية تزوير واحتيال واضحة لإبقاء السيد أشرف غني في منصبه.
وحتى مع إصرار السيد عبد الله على أنه لن يذعن أو يتراجع هذه المرة، فإن الرجال الأقوياء الذين تجمعوا حوله في هذه الجولة يستشعرون قدراً من القلق، وفقاً للمقابلات الشخصية التي أجريت مع المستشارين والوسطاء السياسيين مؤخراً. ولقد أعربوا، على نحو منفرد، عن مخاوفهم مراراً وتكراراً بشأن السيد عبد الله نفسه، متسائلين في حيرة: هل من شأن ذلك الرجل الذي خاض بنفسه غمار الانتخابات الرئاسية المريرة مرتين متتاليتين أن يتمسك بموقفه حتى النهاية هذه المرة، أم لعله يقبل بالوساطة السياسية ويدخل في صفقة جديدة أخرى؟
وقال السيد عبد الله خلال مقابلة صحافية مع صحيفة «نيويورك تايمز»: «إن صمود المرء سياسياً، إن كان ذلك هو غاية أحدهم؛ فإنه إما مخادع مضلل، أو ضحية للتضليل»، مقراً بمخاوف حلفائه، وقائلاً إنه «عاقد العزم على القتال حتى النهاية».
وأردف السيد عبد الله قائلاً: «إن وجود أشرف غني يشكل تحدياً لأفغانستان بأسرها وليس لشخصي. وتكمن المشكلة في كيفية استبداله ضمن الظروف التي لا تضيع فيها البلاد».
والحقيقة الواقعة أن تحالف الزعماء السياسيين حول السيد عبد الله ليس أمامهم من خيار آخر: فلقد جاءوا في اللحظات الأخيرة إلى السيد عبد الله، الذي يقول إنه كان يفكر ملياً في تجاهل السباق الانتخابي هذه المرة، ذلك لأنهم لم يتمكنوا من التوافق على مرشح رئاسي غيره.
وبالنسبة إلى كثير من أمراء الحرب والقادة السابقين، فإن الانتخابات الرئاسية تعدّ من قبيل المعارك الحاسمة. ولقد عانوا من تهميش السيد أشرف غني لهم إلى حد الإهانات المتكررة، ولقد تعهد بأن يواصل القيام بذلك إن هو نجح في الفوز بفترة ولاية جديدة.
ومن بين أولئك الذين يقاتلون من أجل موقفهم وأهميتهم الجنرال عبد الرشيد دوستم، القائد الأوزبكي الجانح، الذي عينه الرئيس أشرف غني نائباً له في عام 2014 لكسب دعم دائرته الانتخابية، ثم جرده بعد ذلك من قدر كبير من سلطاته.
وقبع الجنرال دوستم في معقله الشمالي دعماً للسيد عبد الله، ومحذراً من حمام دماء إن استخدم الجنود الحكوميون القوة ضد المحتجين. وفي اجتماعات الغرف المغلقة في الدائرة السياسية للسيد عبد الله، عرض قائد شمالي كبير آخر احتلال بعض المقاطعات الأفغانية، وطرد المحافظين وقادة الشرطة منها ليبعث برسالة مفهومة إلى الحكومة في كابل.
ويقول المسؤولون الأفغان إن السيد عبد الله يواصل عقد الاجتماعات مع السفراء والجنرالات الغربيين في محاولة منه للاستفادة القصوى من احتجاجات الشوارع. حيث يُنظر إلى موقف الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي على أنه حاسم للغاية، على اعتبار اعتماد أفغانستان الكبير على مساعدتهما ودعمهما.
وبعد ظهور الرئيس أشرف غني برفقة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في زيارته إلى القوات الأميركية في مناسبة عيد الشكر، استشاط مستشارو الرئيس الأفغاني غضباً وأصابهم الارتباك، مطالبين بتفسير يوضح لهم سبب تزلف مرشحهم المختار إلى الولايات المتحدة في خضم النزاع الانتخابي الراهن. وقال المسؤولون الأفغان إن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو اتصل هاتفياً بالسيد عبد الله بعد ذلك فيما بدت محاولة من جانبه لاسترضائه.
ويقع في قلب النزاع الانتخابي الأفغاني 300 ألف صوت مشكوك في صحتها. ويقول أنصار السيد عبد الله إن سلطات الانتخابات قامت بحساب الأصوات من دون نزاهة ولا شفافية، الأمر الذي قد يصب في صالح السيد أشرف غني على حساب منافسه. وأشار نظام التحقق من الاقتراع الأفغاني إلى أن هناك نحو 100 ألف صوت من هذه الأصوات جرى الإدلاء بها خارج أوقات التصويت الرسمية.
وتعزو لجنة الانتخابات الرئاسية الأفغانية الأمر إلى الأخطاء البشرية في تحديد الوقت على الأجهزة المعنية بجمع بيانات الهوية الحيوية (البيومترية) للناخبين، وتسجيل توقيت تصويتهم بعناية. ويوجه فريق السيد عبد الله الاتهامات إلى مسؤولي اللجنة الانتخابية بمحاولة تغيير قواعد العمل المتبعة في الأوقات الأخيرة كي تصب النتيجة النهائية في صالح السيد أشرف غني.
* خدمة «نيويورك تايمز»



مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
TT

مقتل غواص بهجوم قرش قبالة سواحل غرب أستراليا

رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)
رجل يمارس رياضة ركوب الأمواج في مياه شاطئ بوندي بسيدني (أ.ف.ب)

قُتل غواص إثر تعرضه لهجوم من سمكة قرش قبالة سواحل غرب أستراليا السبت، وفق ما أعلنته الشرطة المحلية، في رابع حادث من نوعه يسفر عن قتلى في البلاد هذا العام.

وأفادت أجهزة الإسعاف وحكومة غرب أستراليا بأنّ الرجل الثلاثيني تعرّض لهجوم من سمكة قرش طولها 4 أمتار ونصف متر قبالة جزيرة مايكلماس جنوب شرقي مدينة بيرث.

وأوضحت الجهتان أنّ الهجوم وقع نحو الساعة 11:25 بالتوقيت المحلي (03:25 بتوقيت غرينيتش).

وقالت الشرطة إن الرجل كان يمارس صيد الأسماك بالرمح عندما هاجمه القرش. ونُقل إلى الشاطئ حيث «لم يتمكن المسعفون من إنقاذ حياته».

وحضت وزارة الصناعات الأولية والتنمية الإقليمية في الولاية، السكان، على توخي الحذر الشديد في المنطقة ومتابعة بلاغات رصد أسماك القرش.

ويأتي هذا الهجوم بعد أسبوعين فقط من مقتل رجل آخر بهجوم من سمكة قرش في شمال ولاية كوينزلاند.

ويرى علماء أستراليون أن ازدياد الأنشطة في المياه وارتفاع درجة حرارة المحيطات يُغيّران أنماط هجرة أسماك القرش، مما قد يُسهم في ارتفاع عدد الهجمات، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».


العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العالم يبحث عن «نظامه» الجديد في ظل الثورة الصناعية الرابعة

من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)
من سيحرّك قطع الأحجية في «اللعبة» العاليمة الجديدة؟ (أرشيفية - أ.ف.ب)

لا يبدو أن العالم منشغل اليوم بمسألة أكثر إلحاحاً من مسألة النظام العالمي الجديد. وهذا ما تعكسه عناوين المؤتمرات الدولية المتخصصة؛ ومنها المؤتمر السنوي للجغرافيا السياسية والشؤون الدولية الذي يُعقد في كيوتو اليابانية تحت عنوان «عصر القلق: التبعية والاستقلال الذاتي والغموض الاستراتيجي» من 18 سبتمبر (أيلول) المقبل إلى 20 منه.

وانطلق المؤتمر عام 2020، وحملت دورة العام الماضي عنوان «إعادة التفكير في النظام العالمي». ويبدو المؤتمر المقبل الذي يُعقد في حرم جامعة ريوكوكو استكمالاً لسابقه، وسيكون بين محاور البحث: الغموض الاستراتيجي، والتحالفات المتغيرة، والتعددية القطبية، إلى جانب الأعراف السياسية، والقانون الدولي، وديناميكيات الدبلوماسية.

* النظام العالمي

يندرج كل ما سبق تحت «قبة» ما يُصطلح على تسميته النظام العالمي الذي قد يختلف تعريفه بين جهة وأخرى، وفقاً للرؤى والمصالح. إلا أنه يحضر كلما تحدثنا عن طبيعة العلاقات بين الدول وغيرها من الفاعلين الدوليين (منظمات، وشركات، ومؤسسات...) في الساحة العالمية.

ويجب، هنا، أن نفرق بين النظام العالمي والنظام الدولي؛ فالثاني يعني العلاقات بين الدول والحكومات حصراً. لذا يمكن وصف المصطلح الأول بأنه مفهوم فضفاض، يتناول توزيع القوة بين الأمم في كل زمن ومحطة. ومن يدرك ديناميكيات هذا المفهوم يستطيع أن يفهم أسباب هيمنة بعض الدول على القرارات العالمية، وأسباب تشكل التحالفات وتفككها، ولماذا لا تتوقف خريطة العالم عن التبدل.

الذكاء الاصطناعي في صلب النظام العالمي الجديد (رويترز)

الواضح أن النظام العالمي يعرف تحوّلات كبيرة منذ العقد الأخير من القرن العشرين، فما كان قائماً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو انقسام رأسمالي - اشتراكي، أو غربي - شرقي، سبّب حرباً باردة انتهت مع تفكك الاتحاد السوفياتي وانهيار الأنظمة الدائرة في فلكه. وأدّت الأمم المتحدة في ظل ذلك النظام العالمي دور الإطفائي، وإن بفاعلية محدودة. أما اليوم فنرى أن النظام العالمي يتبدّل بسرعة، ويمكن رصد ملامحه مما يقال في المنتديات الكبرى وعلى ألسنة بعض القادة والمسؤولين.

وفي خضم النقاش الواسع حول شكل النظام العالمي المقبل، تبرز مقاربتان متعارضتان إلى حد بعيد.

* الثورة الصناعية الرابعة

يرسم الألماني كلاوس شواب، مؤسس «منتدى دافوس» الاقتصادي، صورة طموحة ومثيرة للجدل للعالم، ولكن يجب التوقف عندها نظراً إلى مكانة الرجل وعلاقاته المتشعبة وتأثيره في دوائر صانعي القرار العالمي. ويمكن تلخيص هذه الرؤية على النحو الآتي:

تقوم رؤية كلاوس شواب للنظام العالمي الجديد على إعادة هيكلة شاملة للاقتصاد والسياسة والمجتمع، والانتقال إلى ما يسميه «العصر الذكي». وهو يرى أن العالم يمر بمنعطف تاريخي يتطلب تجاوز الرأسمالية التقليدية القائمة على الربح المحض، وتبني «رأسمالية أصحاب المصلحة»، حيث تلتزم الشركات بخدمة المجتمع، والموظفين، وحماية البيئة...، بالتوازي مع تحقيق الأرباح.

وتعتمد هذه الرؤية بشكل جذري على تقنيات الثورة الصناعية الرابعة؛ مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، وإنترنت الأشياء. ولا ينظر شواب إلى هذه التكنولوجيات بوصفها أدوات تكميلية؛ بل «شركاء أساسيون» يعيدون تشكيل ملامح الحضارة الإنسانية. ومن خلال دعوته الشهيرة «لإعادة الضبط الكبرى»، يطالب بتعزيز التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، بوصف ذلك آلية وحيدة لمواجهة الأزمات العابرة للحدود كالتغير المناخي والأوبئة.

كلاوس شواب في منتدى دافوس... نظام الثورة الصناعية الرابعة (رويترز)

في المقابل، يواجه هذا المنظور انتقادات حادة وهواجس واسعة. ويرى معارضوه أن التركيز المفرط على دمج التكنولوجيا بحوكمة البيانات يمهد الطريق لنظام رقابة عالمي صارم تقوده النخب الاقتصادية. وتثير أفكاره حول الهويات الرقمية والتحكم في البيانات مخاوف حقيقية تتعلق بانتهاك الخصوصية وتقويض الحريات الفردية، مما جعل رؤيته محوراً لجدل عميق بين من يراها خطة لإنقاذ المستقبل، ومن يعتقد أنها محاولة لفرض وصاية عالمية.

*دونالد ترمب وعالمه

يقول باحثون في «معهد بروكينغز» (واشنطن) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، يرى أن فكرة «النظام العالمي» بحد ذاتها ليست سوى «تجريد مثالي منفصل عن الواقع». ولا يتمثل مشروعه في السياسة الخارجية في إعادة تشكيل البنية العالمية؛ بل في تثبيت واقع أن الولايات المتحدة يجب ألا تكون مقيّدة في ممارستها لقوتها الاقتصادية والعسكرية، انطلاقاً من أن هذا هو ما تقتضيه النظرة «الواقعية والصريحة» إلى السياسة الدولية.

أما النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، والذي تعدّه إدارة ترمب وهماً نظرياً فارغاً، فقد وُلد عقب حربين عالميتين أودتا بعشرات الملايين. وكان الهدف من هذا النظام منع تكرار المآسي والدمار.

ولتحقيق ذلك، جرى الاتفاق على الحدّ من استخدام الأدوات الاقتصادية؛ مثل الرسوم الجمركية، التي تحقق مكاسب لدولة ما عبر الإضرار بدول أخرى. كما ثُبّت مبدأ عدم السماح للدول القوية عسكرياً بالاعتقاد بأنها تستطيع مهاجمة الدول الأضعف من دون خوف أو تردد. وتُرجمت هذه المبادئ عملياً من خلال ترتيبات التجارة الحرة، والعضوية الواسعة في الأمم المتحدة، والتحالفات الدفاعية العسكرية مثل حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 1945 و2024، كانت الولايات المتحدة من أبرز المدافعين عن هذه المبادئ، وإن بدرجات متفاوتة وبصورة لم تخلُ من النواقص والتناقضات. أما اليوم، فإن ترمب يهاجم هذه الأسس عبر العقوبات التجارية، وتقليل أهمية تحالفات الولايات المتحدة، وتكرار التهديد باللجوء إلى العمل العسكري.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ذو رؤية لا تؤمن بنظام ما بعد الحرب العالمية الثانية (إ.ب.أ)

وتنطلق رؤيته للنظام العالمي من مبدأ «أميركا أولاً»، وتعارض بشكل مباشر العولمة والمؤسسات متعددة الأطراف، مفضلة العلاقات الثنائية والسيادة الوطنية الكاملة.

*التعارض والبحث عن الطريق

يمثل التعارض بين دونالد ترمب وكلاوس شواب صراعاً فكرياً بين القومية الحمائية والعولمة المؤسسية. وتنطلق رؤية ترمب من السيادة الوطنية والحدود، وعقد الصفقات الثنائية المباشرة من دولة لدولة بدلاً من الانصياع للمنظمات الدولية. واقتصادياً، يتبنى الرئيس الجمهوري نهجاً يعتمد على الحمائية والتنافس الجيوسياسي الشرس، مؤمناً بأن التكنولوجيا أداة لفرض النفوذ والتفوق.

في المقابل، يمثل شواب الوجه الآخر لـ«العملة» بدعوته إلى «إعادة الضبط الكبرى». ويرى أن التحديات الراهنة تتطلب حوكمة عالمية عابرة للحدود، تذوب فيها السيادات الفردية لمصلحة تعاون وثيق بين الحكومات والشركات العملاقة والمجتمع المدني. ويسعى من خلال «رأسمالية أصحاب المصلحة»، إلى بناء اقتصاد عالمي مترابط ومفتوح، تقوده النخب الذكية عبر دمج تقنيات الثورة الصناعية الرابعة في عمق المجتمعات البشرية.

وبتعبير آخر، يرى ترمب العالم ساحة صراع وتنافس تجاري بين دول مستقلة تبحث عن مصالحها الذاتية، فيما يراه شواب شبكة موحدة لا بدّ من إدارتها مركزياً بالاعتماد على أنظمة ذكية متكاملة.

ولا شك في أن هذا التناقض الجذري، الذي يتجاوز الرجلين إلى رؤيتين متعارضتين للعالم، يضع صانعي القرار أمام خيارين: إما الانكفاء نحو الهوية والقومية الاقتصادية، أو الانخراط في عولمة رقمية شاملة.

النفط الفنزويلي كان هدفاً للسياسة الأميركية المستجدة (رويترز)

وليس عصياً على الاستنتاج أن الخيار الأول قد يؤدي إلى زيادة التوترات والصراعات، فيما يثير الخيار الثاني مخاوف تتعلق بخصوصية الإنسان وفرادة المجتمعات.

وغنيُّ عن القول أن هناك مقاربات أخرى لهذه المسألة؛ فالاتحاد الأوروبي متمسك بدور المنظمة الأممية بكل فروعها، ويلتقي في الدعوة إلى تعدد الأقطاب مع الصين التي ترى أن العدالة الاقتصادية غائبة، وأن دول الجنوب تحتاج إلى تنمية شاملة.

وفي النهاية ينبغي القول إن العالم يحتاج إلى نظام عالمي يوازن بين التعاون الدولي وسيادة الدول. وفي ظل الضغوط غير المسبوقة التي يواجهها النظام التقليدي القائم على القواعد والأعراف بقيادة الولايات المتحدة، فإن بناء مستقبل مستدام يتطلب نموذجاً تعددياً يرتكز على التعاون ومساندة القويّ للضعيف والغنيّ للفقير، في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً.


ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
TT

ألمانيا ليست من ضمنها... انتخاب 5 دول لعضوية مجلس الأمن

اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)
اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لانتخاب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن (أ.ف.ب)

انتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء، كلاً من النمسا وقيرغيزستان والبرتغال وترينيداد وتوباغو وزيمبابوي لعضوية مجلس الأمن الدولي المكون من 15 عضواً لفترة مدتها سنتان تبدأ في أول يناير (كانون الثاني) 2027.

وجاءت ألمانيا، التي بذلت جهوداً حثيثة للحصول على مقعد، في المرتبة الثالثة في المنافسة على المقعدين المخصصين لمجموعة أوروبا الغربية ودول أخرى، إذ حصلت على 104 أصوات، مقابل 134 صوتاً للبرتغال و131 صوتاً للنمسا.

الوفد النمساوي يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (د.ب.أ)

وامتدت المنافسة بين الفلبين وقيرغيزستان على مقعد مجموعة آسيا والمحيط الهادئ إلى أربع جولات من التصويت، إذ ضمنت قيرغيزستان في النهاية الأغلبية المطلوبة البالغة الثلثين، لتفوز بأول مقعد لها على الإطلاق في مجلس الأمن بحصولها على 142 صوتاً مقابل 49، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ومجلس الأمن هو الهيئة الوحيدة في الأمم المتحدة التي يمكنها اتخاذ قرارات ملزمة قانوناً مثل فرض العقوبات والإذن باستخدام القوة. ويضم المجلس خمسة أعضاء دائمين يتمتعون بحق النقض (الفيتو) وهم بريطانيا والصين وفرنسا وروسيا والولايات المتحدة.

وفد قيرغيزستان يحتفل بانتخاب بلاده عضواً في مجلس الأمن (رويترز)

أما الأعضاء العشرة الباقون فيتم انتخابهم، إذ ينضم خمسة أعضاء جدد كل عام. وهذا العام، يأتي عضو واحد من مجموعة أفريقيا، وعضو واحد من مجموعة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وعضو واحد من مجموعة آسيا والمحيط الهادئ، وعضوان من مجموعة غرب أوروبا ودول أخرى.

وستحل زيمبابوي محل الصومال، وترينيداد وتوباغو محل بنما، بينما ستحل البرتغال والنمسا محل الدنمارك واليونان. وستحل قيرغيزستان محل باكستان.

وستستمر البحرين وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية ولاتفيا وليبيريا في شغل مناصب الأعضاء غير الدائمين في مجلس الأمن حتى نهاية عام 2027.

وانتخبت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الثلاثاء، وزير خارجية بنغلاديش خليل الرحمن رئيساً للجمعية المكونة من 193 عضواً لدورتها الحادية والثمانين، التي تبدأ في سبتمبر (أيلول).