الأكراد يبدأون «مرحلة الهجوم» في كوباني.. والتحالف يكثف ضرباته لمواقع «داعش»

مسؤول كردي: التنظيم لم يعد يسيطر على أكثر من 15 % من المدينة

لاجئون أكراد على الحدود التركية - السورية بعد مغادرتهم بلدتهم (أ.ب)
لاجئون أكراد على الحدود التركية - السورية بعد مغادرتهم بلدتهم (أ.ب)
TT

الأكراد يبدأون «مرحلة الهجوم» في كوباني.. والتحالف يكثف ضرباته لمواقع «داعش»

لاجئون أكراد على الحدود التركية - السورية بعد مغادرتهم بلدتهم (أ.ب)
لاجئون أكراد على الحدود التركية - السورية بعد مغادرتهم بلدتهم (أ.ب)

أسهمت ضربات التحالف ضد تنظيم داعش في كوباني (عين العرب) الكردية، في الحد من تقدم مقاتليه في المدينة يوم أمس، وذلك بعد تكثيف واضح للضربات في الأيام القليلة الماضية مع ما بدا أنه مرحلة تصعيدية في الحرب ضد الإرهاب. وفي حين لم تؤكد أو تنفي وزارة الدفاع الأميركية التعاون بينها وبين الأكراد في كوباني، جدد المسؤول الكردي إدريس نعسان تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، أن التنسيق بين وحدات حماية الشعب الكردي والتحالف بدأ الأسبوع الماضي عند دخول التنظيم إلى المدينة وأدى اليوم إلى انتقال الوحدات إلى مرحلة الهجوم واستعادة مواقع عدة كان قد استولى عليها، مؤكدا أن المساحة التي لا يزال يسيطر عليها «داعش» بالكاد تبلغ 15 في المائة من المدينة.
في موازاة ذلك، أعلن المرصد السوري لحقوق الإنسان أن حصيلة القتلى الذين سقطوا منذ بدء «داعش» هجومه على كوباني في 16 سبتمبر (أيلول) الماضي ارتفع إلى 662 قتيلا، بينهم 258 من المقاتلين الأكراد و374 من عناصر التنظيم و20 مدنيا كرديا، موضحا أن هذه الحصيلة لا تشمل الذين قتلوا في غارات التحالف الدولي على المدينة.
وقالت القيادة المركزية الأميركية أمس، إن «الغارات الجوية أبطأت فيما يبدو من تقدم التنظيم المتشدد، لكن الوضع الأمني على الأرض لا يزال هشا في كوباني»، معلنة في بيان لها أن طائرات أميركية نفذت 14 غارة على أهداف التنظيم قرب كوباني الحدودية مع تركيا يومي الأربعاء والخميس.
وكانت والأمم المتحدة حذرت من احتمال وقوع مذبحة في المدينة إذا سقطت في أيدي التنظيم المتشدد الذي تمكن من السيطرة على نحو نصف مساحتها بعدما اجتاحها الأسبوع الماضي.
وأوضح بيان القيادة الأميركية أن الأهداف التي قصفت شملت 19 مبنى ومركزين للقيادة و3 مواقع قتالية و3 مواقع لقناصة، مشيرا إلى أن الهجمات الأخيرة تستهدف تعطيل جهود التعزيز والإمداد للتنظيم ومنعه من حشد القوة القتالية ضد المواقع الخاضعة لسيطرة الأكراد في كوباني.
في غضون ذلك، وفي حين كان مسؤولون أكراد قالوا إن وحدات حماية الشعب الكردية تعطي معلومات عن مواقع مقاتلي «داعش» في كوباني للتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة، رفضت وزارة الدفاع الأميركية تأكيد وجود أي تنسيق مع وحدات حماية الشعب الكردية.
وقال الأميرال جون كيربي، المتحدث الإعلامي للبنتاغون للصحافيين عند سؤاله عن هذه التقارير: «ليست لدي أي تفاصيل فيما يتعلق بالتنسيق على الأرض لأعلنها أو أتحدث عنها، مشيرا في الوقت عينه إلى أن الوضع في كوباني لم يحسم بعد لكن البنتاغون يعتقد أنه لا يزال هناك مقاتلون أكراد يتحصنون في المدينة».
من جهته، أشار المبعوث الأميركي الخاص جون ألن، المسؤول عن بناء التحالف الدولي ضد «داعش»، إلى أن واشنطن منفتحة للحصول على معلومات عن الأطراف من جميع المصادر. وقال للصحافيين في واشنطن: «من البديهي أن تأتي معلومات من جميع المصادر المختلفة مصحوبة بتقديم معلومات محلية أو معلومات عن الأهداف المحتملة. ونحن سنتلقاها كلها عندما ترد. ويجري في النهاية تقويمها لتحديد أهميتها».
في المقابل، قال نائب رئيس الهيئة الخارجية في الإدارة الذاتية الكردية، إدريس نعسان لـ«الشرق الأوسط»، إن ضربات التحالف أسهمت في اليومين الأخيرين في مساعدة وحدات حماية الشعب على الأرض محققين تقدما في الجهتين الشرقية والجنوبية الشرقية، مشيرا إلى أنها استعادت ما يعرف بـ«مقر الأسايش» وما حولها. وأوضح إدريس أن التنسيق الذي بدأ قبل نحو أسبوع مع التحالف عندما بدأت حرب الشوارع، من خلال غرفة عمليات مشتركة ساعد في التحديد الدقيق لمواقع التنظيم. وفي حين شدد على أن الأكراد لا يزالون يحتاجون إلى الدعم العسكري في المعركة غير المتكافئة، رأى أن حصولهم على السلاح اللازم من شأنه أن يحسم المعركة لصالحهم خلال أيام قليلة.
كذلك، قال بولات جان، المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردية لـ«رويترز»، إن مسؤولين في الوحدات يبلغون التحالف بمواقع أهداف التنظيم الطائرات تقصفها بعد ذلك.
وقال إن بعض مقاتلي «داعش» انسحبوا، لكنهم يعيدون تنظيم صفوفهم ويعودون من جديد، مؤكدا أن الضربات تصيب الأهداف بدقة بفضل التنسيق مع الوحدات الكردية. من دون أن يكشف جان كيف يتبادل مقاتلو الوحدات الكردية المعلومات عن المواقع مع قوات التحالف.
وأفاد المرصد أن تقدم «داعش» في كوباني السورية الحدودية توقف أمس (الخميس) بعد أن شن التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة أعنف غارات جوية حتى الآن على مقاتلي التنظيم الذين يهاجمون البلدة منذ نحو شهر. وأشار المرصد إلى أن طائرات التحالف شنت 6 ضربات جوية إلى الشرق من كوباني ليلا في موازاة استمرار الاشتباكات بين مقاتلي التنظيم ووحدات حماية الشعب الكردي، في شمال غربي المربع الحكومي الأمني بالمدينة، لافتا إلى أن أيا من الجانبين المتصارعين لم يحقق مكاسب ملموسة.
وكان «داعش» نفذ الليلة الماضية هجوما على نقاط يتمركز بها مقاتلو وحدات الحماية في الجهة الجنوبية للمدينة، بينما استهدفت وحدات حماية الشعب الكردي عناصر التنظيم في المستشفى الوطني بجنوب غربي المدينة. وقالت مصادر من داخل كوباني، إن القوات الكردية تمكنت من إجبار مقاتلي «داعش» على التقهقر في بعض مناطق جنوب وشرق كوباني التي يحاصرها التنظيم المتشدد من 3 جهات.
وقالت قائدة كردية عرفت نفسها باسم دجلة لـ«رويترز»: «استعدنا مساحات من الأراضي لا بأس بها أمس (أول من أمس). الاشتباكات مستمرة وشاهدنا أمس الكثير من جثث مقاتلي التنظيم بعضهم كان يحمل سيوفا».
وقال مسؤولون أتراك وأميركيون الأسبوع الماضي، إن «داعش» على وشك الاستيلاء على كوباني وانتزاعها من الأكراد الأقل تسليحا الذين يدافعون عنها بعد أن سيطر التنظيم المتشدد على نقاط استراتيجية في عمق البلدة.
ووصلت الغارات التي تشنها قوات التحالف إلى مرحلة تصعيدية جديدة خلال الأيام القليلة الماضية وتعرضت أهداف «داعش» حول كوباني إلى نحو 40 غارة خلال اليومين الماضيين. وأوقفت الغارات تقدم مقاتلي التنظيم المتشدد وقالت مصادر كردية، إن مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية تمكنوا من استعادة بعض الأراضي، وقال الزعماء الأكراد مرارا، إن بلدة كوباني المحاصرة لن تنجو دون وصول أسلحة وذخيرة للمدافعين عنها وهي خطوة لم تسمح بها تركيا حتى الآن.
ويسعى «داعش» للسيطرة على كوباني لتعزيز موقفه في شمال سوريا بعد أن سيطر على مساحات كبيرة من الأراضي السورية وأيضا الأراضي العراقية.
وقال رامي عبد الرحمن، مدير المرصد، إن «داعش» يحاول طرد وحدات حماية الشعب الكردية من الجنوب ليصبح أمامه المزيد من المداخل إلى البلدة، مشيرا إلى أن الاشتباكات جرت على بعد 6 كيلومترات إلى الغرب من البلدة قرب برج البث الإذاعي.
من جهة أخرى، أعلن المرصد السور لحقوق الإنسان، أن السلطات التركية تريد ترحيل نحو 150 عنصرا من الحزب الكردي الرئيس في سوريا لجأوا إلى أراضيها لاشتباهها بعلاقتهم بالمتمردين الأكراد الأتراك، على ما أعلن نائب كردي تركي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».
وأوضح إبراهيم إيهان، النائب عن الحزب الديمقراطي الشعبي (الموالي للأكراد) الذي يدافع عن قضيتهم، أن «تركيا قررت طردهم، لكنهم لا يريدون العودة إلى كوباني (عين العرب) ويحتجون على توقيفهم التعسفي».
وأتى هؤلاء الأكراد السوريون في مجموعة من 270 شخصا ينتمون إلى حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات حماية الشعب، عبر الحدود في الأسبوع الماضي من كوباني، لكن السلطات التركية أوقفتهم مباشرة معلنة أن الهدف هو التدقيق في هوياتهم.
وأفرج عن نحو 100 منهم ليل الاثنين/ الثلاثاء، عادوا إلى كوباني للانضمام إلى المقاتلين الأكراد الذين يواجهون التنظيم المتشدد، بحسب إيهان.
وبدأ الـ150 الآخرين إضرابا عن الطعام احتجاجا على توقيفهم في قاعة الرياضة في مدينة سروج الحدودية، وهم مهددون بالطرد بحسب النائب.
وأوضح إيهان أن الموقوفين «لا يريدون العودة إلى كوباني ولا إلى أي محافظة أخرى كردية في شمال شرقي سوريا».



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.