الصراع على النفط السوري... لروسيا النصيب الأكبر والولايات المتحدة تسيطر عبر وكلاء

منذ عام 1980 أحيط القطاع النفطي بالسرية ولم تسجل كميات الإنتاج في «أوبك»

صورة من فعالية لوزارة النفط والثروة المعدنية السورية نشرت على صفحتها في «فيسبوك»
صورة من فعالية لوزارة النفط والثروة المعدنية السورية نشرت على صفحتها في «فيسبوك»
TT

الصراع على النفط السوري... لروسيا النصيب الأكبر والولايات المتحدة تسيطر عبر وكلاء

صورة من فعالية لوزارة النفط والثروة المعدنية السورية نشرت على صفحتها في «فيسبوك»
صورة من فعالية لوزارة النفط والثروة المعدنية السورية نشرت على صفحتها في «فيسبوك»

في حين يجهد غالبية السوريين في البحث عن وسائل بديلة لتأمين وسائل تدفئة وإنارة بديلة للكهرباء والغاز والمحروقات، كاستثمار الطاقة الشمسية، تتنافس الأطراف المتصارعة على الأرض السورية لوضع يدها على منابع النفط والغاز والطاقة السورية، وبينها واشنطن وموسكو، وتتجدد مقولة أن «نفط سوريا ليس للسوريين» التي أطلقتها صحافة الكتلة الوطنية السورية في الثلاثينات من القرن الماضي (جريدة القبس آب 1936) حين كانت كبريات شركات النفط العالمية الأوروبية والأميركية تتسابق على استكشاف النفط في المنطقة العربية. ولعب ذلك التنافس دوراً مهماً في تأجيج النزعات الانفصالية في شمال شرقي سوريا وفق ما كانت تكتبه الصحافة الوطنية حينذاك.
خبير اقتصادي سوري تحفظ عن الكشف عن اسمه، قال لـ«الشرق الأوسط»، إنه «منذ عام 1980 ولغاية عام 2010. كان القطاع النفطي السوري في قبضة عائلة الأسد، يحاط بالتكتم والسرية التامة، ولم تكن كميات الإنتاج تسجل بمنظمة الأوبك، كما لم يكشف للسوريين عن الأعداد الحقيقية لحقول الإنتاج النفط ما عدا بضعة حقول كبرى. وجاءت الثورة عام 2011 ضد نظام الأسد وخروج المناطق التي تتركز فيها الثروة النفطية عن سيطرة النظام، لتكشف المستور حول أعداد حقول النفط المستثمرة».
مع بدء المواجهات في سوريا بين قوات النظام وفصائل المعارضة المسلحة عام 2012، بدأ النظام السوري يفقد السيطرة على معظم حقول النفط في البلاد، حيث سيطرت فصائل الجيش الحر ومن ثم تنظيم جبهة النصرة على بعض الحقول شرق البلاد بعد مغادرة معظم الشركات لسوريا، وبدأت تلك الفصائل باستخراج النفط بشكل بدائي، إلى أن جاء تنظيم «داعش» عام 2013 لينتزع السيطرة على حقول النفط وتأمين موارد مالية، وبحلول عام 2014 سيطر على معظم حقول النفط وأهمها حقل العمَر في دير الزور.
وزارة الدفاع الأميركية قدرت عائدات «داعش» من النفط السوري 40 مليون دولار شهرياً عام 2015. لكن بعد عامين تم طرد تنظيم «داعش» من معظم المناطق الشرقية واستولت «قوات سوريا الديمقراطية» المدعومة من واشنطن على حقول النفط. غير أن هذه الحقول كانت قد تعرضت لأضرار كبيرة جراء استهدافها بغارة جوية أميركية لقطع موارد الدخل الرئيسية عن تنظيم «داعش»، الذي بدوره دمّر جانباً كبيراً من البنية التحتية النفطية قبل أن يفرّ منها. الحقول التي سيطرت عليها «قوات سوريا الديمقراطية» تشكل نحو 70 في المائة من موارد النفط السوري. أهمها حقل (العمر) وكان ينتج 80 ألف برميل يومياً قبل عام 2011 وحقل (التنك) في ريف دير الزور الشرقي وينتج 40 ألف برميل يومياً، وحقلا (السويدية) و(الرميلان)، 1322 بئراً نفطياً ونحو 25 بئر غاز، الواقعة في مناطق الشدادي والجبسة والهول، بريف محافظة الحسكة الجنوبي، ويقدر إنتاج هذين الحلقين قبل عام 2011 بـنحو 200 ألف برميل يومياً. أي نحو 50 في المائة من إنتاج سوريا النفطي.
هذا بالإضافة لحقول بالقرب من منطقة مركدة وتشرين كبيبية، بريف الحسكة الغربي، إلى جانب آبار نفطية صغيرة في محافظة الرقة، وكذلك آبار حقول الورد والتيم، 50 ألف برميل يومياً. ومحطة T2 الواقعة على خط النفط العراقي السوري، والجفرة، وكونيكو، بريف دير الزور الشرقي والتي يقع بعضها بيد النظام السوري الذي أعاد سيطرته على حقل (الشاعر) بريف حمص الشرقي عام 2017، ويعتبر من أهم الحقول السورية، إذ يقدر إنتاجه من الغاز بـ3 ملايين متر مكعب يومياً. كما تسيطر قوات النظام والفيلق الخامس (تحت إشراف القوات روسية) على حقول منطقة تدمر بريف حمص وهي الهيل، وآراك، وحيان، وجحار، والمهر، وأبو رباح، إضافة إلى حقول نفطية تنتج 9 آلاف برميل يومياً.

بيع النفط السوري
الصراع على النفط السوري يمثل للسوريين قضية حياة، إذ يعتبر النفط مورداً أساسياً للدخل القومي، وتظهر بيانات موقع «بريتش بتروليوم» للنفط، أن إنتاج النفط في سوريا، بلغ 406 آلاف برميل في عام 2008. انخفض عام 2009 ليصبح 401 ألف برميل يومياً، ثم أصبح 385 ألف برميل في عام 2010، و353 ألف برميل في عام 2011. و171 ألف برميل في عام 2012. و59 ألف برميل في عام 2013. و33 ألف برميل في عام 2014. ثم 27 ألف برميل في عام 2015. و25 ألف برميل في عامي 2016 و2017، و24 ألف برميل في عام 2018.
الخبير الاقتصادي السوري، اعتبر أن احتياطي سوريا النفطي البالغ 2.5 مليار برميل «ضئيل جداً، مقارنة باحتياطي دول المنطقة الأخرى مثل المملكة العربية السعودية، الذي يبلغ احتياطيها النفطي نحو 268 مليار برميل (أكثر من 100 ضعف). كما أن النفط السوري بوضعه الحالي يعد نفطاً منخفض الجودة، قياساً إلى تكاليف استخراج البرميل من عشرين إلى خمس وعشرين دولاراً لأنه على عمق 1500: 3 آلاف متر، في حين أن تكاليف استخراجه في دول أخرى بالمنطقة تنخفض إلى وسطي 5 دولار أميركي بحسب ما قاله الخبير. وتضطر قوات سوريا الديمقراطية ومن قبلها تنظيم «داعش» إلى بيع النفط السوري للنظام السوري ليعاد تكريره في مصفاتي حمص وبانياس، لأنه الأجدى مادياً، في ظل التكاليف العالية لنقله وتكريره في دول أخرى. وتفيد معلومات أوردها موقع «أويل برايسز» (المختص في أخبار النفط والطاقة ومقره بريطانيا) أن قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، تبيع برميل النفط الخام بـ30 دولاراً، وتؤمن نحو 10 ملايين دولار شهرياً».
ويحصل النظام السوري على النفط من «قسد» عبر وسطاء وشركات تأسست خلال الحرب لهذا الغرض، فالوسطاء الذين كانوا يشترون النفط من تنظيم «داعش» ويقومون بتوصيله إلى مناطق النظام، رعوا الاتفاق بين النظام و«قسد» عام 2018. ومن أبرز الوسطاء رجل الأعمال حسام القاطرجي الذي ظهر اسمه خلال الحرب كمالك لمجموعة القاطرجي، وأصبح عضواً في مجلس الشعب، وتتبع له ميليشيا متخصصة بنقل النفط إلى مناطق سيطرة النظام، كما أسس شركة أرفادا النفطية برأسمال مليار ليرة عام 2018.
ويقضي الاتفاق مع قوات سوريا الديمقراطية بمقايضة 100 برميل من النفط الخام المستخرج من حقلي العمر والتنك، بـ75 برميلاً من المازوت المكرر، إضافة إلى حصول «قسد» على الكهرباء والخدمات في مناطق سيطرتها، إلى جانب تغطية حاجتها النفطية. ويتم التنقل من حقلي العمر والتنك إلى حقل التيم جنوب دير الزور الواقع تحت سيطرة النظام ومنه إلى مصفاة حمص. فيما ينقل الغاز من حقول العمر والتنك والجفرة، إلى معمل «كونيكو» في دير الزور، ومنه إلى حقل التيم وبعدها إلى محطة «جندر» الحرارية في حمص. بواقع حصول النظام على 65 في المائة من إيرادات النفط، مقابل نسبة 35 في المائة لقوات سوريا الديمقراطية.

منافسة روسية - أميركية
جاءت عملية «نبع السلام» التركية في 9 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لتعيد خلط الأوراق في شمال شرقي سوريا. فبعد نحو أسبوعين انتهت العملية التي أدت إلى إبعاد الفصائل الكردية عن منطقة الحدود مع تركيا، وبينما كان النظام السوري مدعوماً بالحليف الروسي يتهيأ لسد الفراغ الحاصل بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية، والتمهيد لعملية استعادة السيطرة على الحقول النفطية وأكد المسؤولون الروس على ضرورة استعادة النظام السوري سيطرته على كامل حقول النفط، فاجأ الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجميع بالتصريح يوم 27 نوفمبر (تشرين الثاني) أنه يعتزم عقد صفقة مع شركة (إكسون موبيل) إحدى أكبر الشركات الأميركية للذهاب إلى سوريا والقيام بذلك «بشكل صحيح، وتوزيع الثروة النفطية». مشيراً إلى أن حماية آبار النفط «تحرم تنظيم (داعش) مِن عوائده، فيما سيستفيد منه الأكراد، ويمكن أن تستفيد الولايات المتحدة منه أيضاً»، مضيفاً أنه «يجب أن نأخذ حصتنا الآن».
وشكل تصريح ترمب صدمة، إذ جاء بعد إعلانه في السادس من نوفمبر، عزم القوات الأميركية على الانسحاب من شمال شرقي سوريا، الداعمة لـ«قسد». وعلى الضد من ذلك وصلت في نهاية نوفمبر 170 شاحنة عسكرية أميركية يرافقها 17 عربة مدرعة تحمل جنوداً أميركيين، قادمة من شمال العراق إلى القواعد الأميركية القريبة من حقول النفط والغاز في محافظتي دير الزور والحسكة شرقي البلاد. وذلك لتقوية ورقة حلفائها الأكراد، ولمنع أي سيطرة اقتصادية لروسيا وإيران على منابع النفط السورية، إمعاناً في تشديد العقوبات الاقتصادية على إيران وسوريا، وحرمانهما من استغلال مناطق شرق سوريا للتحايل على العقوبات وتأمين طرق وموارد النفط.
ومع أن إيران سارعت منذ عام 2017 إلى بسط سيطرتها على منطقة البوكمال شرق سوريا ووضعت يدها على معبر القائم، لتأمين طريق نقل بري يصل بين إيران والساحل السوري عبر العراق، وتسعى لتحصيل المزيد من العقود للاستثمار في مجال الطاقة بسوريا، إلا أنها تبدو اليوم محاصرة بالوجود الأميركي المعادي في مناطق شرق الفرات، وفي مواجهة تنافس الصديق الروسي الذي يستأثر لغاية الآن بأهم العقود النفطية في البلاد.
وروسيا التي تسيّر اليوم دوريات عسكرية في بعض مناطق النفط بالتنسيق مع تركيا، تبدو اللاعب الأقوى على الساحة السورية، في مواجهة اللاعب الأميركي، إذ بات تحديد ملامح أي حل سياسي مقبل رهناً بالعلاقات بينهما. علماً بأن روسيا منذ تدخلت عسكرياً في ساحة الصراع السوري إلى جانب النظام، عام 2015، للاستحواذ على القسم الأكبر من عقود النفط والغاز في سوريا. وبينما تفرض الولايات المتحدة الأميركية هيمنتها عبر حلفائها على أغلب حقول النفط السورية، تستحوذ روسيا على عقود استكشاف الغاز الطبيعي السوري في البحر المتوسط، حيث توجد أكبر قاعدة عسكرية لها في الشرق الأوسط في طرطوس. وقد وقعت شركة «سويوز نفتا غاز» الروسية أول عقد مع النظام السوري عام 2013، للتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية. وشمل عمليات تنقيب في مساحة 2190 كلم مربع لمدة 25 عاماً. تبعتها شركة «ستروي ترانس غاز» عام 2017 بعقود التنقيب عن الغاز والنفط في شواطئ طرطوس وبانياس، بالإضافة إلى حقل قارة بريف حمص، فضلاً عن حق استخراج الفوسفات من مناجم الشرقية في تدمر. كما حصلت الشركات الروسية (زاروبيج نفط، زاروبيج جيولوجيا، أس تي غه إنجينيرينغ، تيخنوبروم أكسبورت وفيلادا أوليك كيريلوف، ميركوري وديمتري غرين كييف) على عقود للتنقيب وإعادة تأهيل حقول نفط وغاز وصيانة مصافي نفط متضررة في سوريا. وقدرت وزارة النفط السورية عام 2017، احتياطي سوريا البحري من الغاز بـ250 مليار متر مكعب.
وإذا صحت هذه الأرقام فإن روسيا تستحوذ على القسم الأكبر من الكعكة السورية، وهي صاحبة المصلحة الأولى في الوصول إلى حل سياسي يحسم الصراع وبما يمكنها من تفعيل استثماراتها السياسية والاقتصادية في سوريا. في المقابل ما يزال الطرف الأميركي يبدي تراخياً في إدارة الصراع، إذ لا يشكل نصيبه من الكعكة السورية إغراءً له إلا بقدر ما يتيحه من أوراق تصلح للمناورة في مواجهة إيران وروسيا. من خلال فتح ساحة جديدة للصراع شرق سوريا الذي يكتسب أهميته ليس فقط من تركز حقول النفط، وإنما كونه عقدة مواصلات تربط بين كل من تركيا والمنطقة العربية وإقليم كردستان العراق الغني بالنفط وإيران بالغرب. مؤهلة لتكون عقدة تحكم بالطريق الرئيسي لمرور النفط والغاز باتجاه أوروبا. ما يحيلنا إلى الثلث الأول من القرن العشرين ومقولة نفط سوريا ليس للسوريين، وهي مقولة مرشحة في حال استمر أمد الصراع لأن تصبح «أرض سوريا ليس للسوريين».

في قبضة البعث
تفيد المعلومات التاريخية لدى وزارة النفط السورية بأن أعمال البحث والتنقيب عن النفط بدأت في سوريا عام 1933. وذلك عندما اكتشفت شركة النفط العراقية I.B.C حقول النفط في كركوك العراق التي يتصل امتدادها إلى شرق سوريا في دير الزور. إلا أن عقود التنقيب عن النفط السوري تحكمت بها سلطة الانتداب الفرنسي، بينما كانت الحكومة الوطنية المشكلة تحت الانتداب تكافح لتوقيع معاهدة مع فرنسا تعترف بالسيادة السورية.
وكما تأخر الجلاء لغاية 1946. تأخر أول تدفق تجاري من النفط إلى عام 1956، وكان ما يزال النشاط الاستكشافي محصوراً بالشركات الغربية، إلى أن أحدثت (الهيئة العامة لشؤون البترول) 1958، لتتولى القيام بأعمال التنقيب والإنتاج، إضافة إلى مهام أخرى في مجال التكرير والنقل وشراء المشتقات النفطية.
وبعد استيلاء حزب البعث على السلطة في سوريا بانقلاب 8 مارس (آذار) 1963، صدر المرسوم التشريعي رقم 132 لعام 1964 الذي حظر منح ترخيص للتنقيب والاستثمار للشركات الأجنبية وحصرها بحق الدولة. أما الإنتاج الفعلي للنفط فقد بدأ في مايو (أيار) عام 1968 بوصول أول برميل إلى ميناء طرطوس. من محطة ضخ في تل عدس شمال شرقي سوريا عبر مصفاة حمص.
في عام 1974 أحدثت الشركة السورية للنفط، وإلى جانبها عدة شركات أخرى متخصصة في التكرير والنقل، وترتبط جميعها بوزارة النفط والثروة المعدنية. وقامت الشركة منذ تاريخ تأسيسها بالمشاركة والإشراف على وضع الخارطة الجيولوجية للبلاد بموجب عقد التعاون مع الاتحاد السوفياتي.
تولت الشركة السورية للنفط كافة الأعمال المتعلقة بصناعة استخراج النفط والغاز وشكلت أكثر من 50 في المائة من الدخل القومي. وفي عام 1980 تم تأسيس شركة الفرات للنفط، لتقوم بأعمال التنقيب واستثمار حقول النفط في سوريا، وتوزعت حصصها بواقع 65 في المائة للدولة السورية، و35 في المائة لمجموعة شركات أجنبية ترأستها شركة (شل) الهولندية، التي تولى وكالتها محمد مخلوف شقيق زوجة الرئيس الراحل حافظ الأسد وخال الرئيس بشار الأسد. كما أسس صهر مخلوف الموظف في شركة النفط السورية غسان مهنا، ورجل الأعمال نزار الأسعد شركة (ليدز) في العام ذاته، وراحت هذه الشركة تستحوذ على العقود النفطية لصالح شركة بترو كندا ووكيلها الحصري في سوريا رامي مخلوف ابن محمد مخلوف.
وشهدت تلك الفترة سحب عقد من شركة «توتال» الفرنسية التي بدأت عملها في سوريا بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، الأمر الذي أدى إلى تأزم العلاقات السياسية السورية - الفرنسية، لتعود وتشهد انفراجاً عام 2007. حيث بقيت «توتال» تعمل في سوريا في مجال استكشاف وإنتاج النفط لغاية عام 2011، إلى جانب عدد من الشركات الغربية منها شركة (شل) الهولندية. في حين كان وجود الشركات الأميركية قد شهد تراجعاً منذ الثمانينات لدى تراجع اهتمام شركة مارتوان بالنفط والغاز السوري والانتقال إلى للاستثمار في أفريقيا. وذلك على خلفية التعقيدات الإدارية التي كانت تضعها الحكومة السورية على طرق تسديد نفقات الاستكشاف والإنتاج وتقاسم العائدات، وذلك في الوقت الذي كان فيه إنتاج النفط في سوريا يزداد. وتظهر أرقام نشرة (إكونوميست إنتاليجانس يونت)، إلى أن إنتاج النفط في سوريا زاد بين عامي 1995 و2004 ليبلغ 600 ألف برميل يومياً. وحسب المعلومات الرائجة أن تلك الكميات كانت تصرف في السوق السوداء بأسعار مخفضة عن السعر العالمي مقابل تقاضي قيمتها «كاش» بالقطع الأجنبي، وهو ما يبرر عدم وضوح ما إذا كانت كامل عائدات النفط تدخل ميزانية الدولة، إذ كان من المحظورات تناول هذا الموضوع في سوريا.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended