قوى جنوبية يمنية تمهل الشماليين حتى 30 نوفمبر لـ«الجلاء»

الحوثيون يتمددون في إب وذمار ويشتبكون مع موالين لـ«القاعدة»

قوى جنوبية يمنية تمهل الشماليين حتى 30 نوفمبر لـ«الجلاء»
TT

قوى جنوبية يمنية تمهل الشماليين حتى 30 نوفمبر لـ«الجلاء»

قوى جنوبية يمنية تمهل الشماليين حتى 30 نوفمبر لـ«الجلاء»

يواصل المسلحون الحوثيون السيطرة على معظم المحافظات اليمنية الشمالية، وقالت مصادر خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين بسطوا سيطرتهم (أمس) على محافظتي إب وذمار وإنهم في طريقهم إلى محافظة البيضاء في وسط البلاد التي يسيطر عليها مسلحون من عناصر تنظيم أنصار الشريعة.
وكشف لـ«الشرق الأوسط» الدكتور حسن حرد، القيادي في أحزاب اللقاء المشترك والتنظيم الوحدوي الناصري، عن تفاصيل عملية سقوط محافظة الحديدة في أيدي الحوثيين وقال إن «دخول الحوثيين واستيلاءهم على محافظة الحديدة كان بعد التفاهم بين ممثلين لـ(أنصار الله - الحوثيين) والسلطة المحلية والأمنية، وأنه جرى التفاهم أيضا أن يجري التسليم من دون أي مقاومة».
وأضاف: «وبناء على توجيهات عليا، لا يجري التمظهر في الشوارع بمسلحين وأن يجري إلباس الميليشيات الملابس العسكرية والأمنية».
وأردف القيادي في أحزاب اللقاء المشترك والتنظيم الوحدوي الناصري: «سيطر الحوثيون على مداخل المدينة الثلاثة الشرقية والشمالية والجنوبية، كما تم السيطرة على بوابات الميناء والمطار».
ويقول الدكتور حسن حرد إنه بعد السيطرة على مداخل مدينة الحديدة «توجه الحوثيون إلى مدينة باجل، حيث قاموا بالسيطرة على معسكر تابع للواء العاشر، وأخذوا أسلحة وذخيرة من المعسكر، ومن ثم توجهت الشاحنات إلى مدينة الشرق من باجل إلى العاصمة صنعاء وهم يرتدون الزي العسكري»، مؤكدا أن الأوضاع في مدينة الحديدة هادئة وتوجد بعض الأطقم العسكرية التابعة للحوثيين تجوب الشوارع.
واندلعت مواجهات عنيفة في محافظة البيضاء (وسط البلاد) بين مسلحين من جماعة الحوثي وآخرين من قبائل قيفة موالين لـ«القاعدة»، سقط فيها أكثر من 15 قتيلا، بحسب تأكيد مصدر حكومي محلي لـ«الشرق الأوسط»، وقال المصدر الذي طلب إخفاء اسمه: «إن المواجهات اندلعت مساء الأربعاء، بعد تفجير الحوثيين منزل أحد أبناء قبيلة قيفة، وردت قبائل موالية لـ(القاعدة) بهجوم كبير على مدينة رداع استهدفت تجمعات الحوثيين، وفجروا خلاله 3 منازل في الأحياء المحاورة لقلعة العامرية التاريخية. وانتشرت المواجهات التي استخدمت فيها الأسلحة المتوسطة والقذائف الصاروخية في الشوارع المحيطة واستمرت 10 ساعات»، مشيرا إلى أن الجيش والأمن لم يتدخلا خلال هذه المواجهات وكانا «محايدين» بناء على توجيهات عليا صدرت لقادتهم، وأكد المصدر رفض زعماء قبليين من اللجان الشعبية وقيادات بالسلطة المحلية حضور لقاء مع وزير الدفاع اللواء أحمد محمد ناصر خلال زيارته الأخيرة للمحافظة قبل يومين، مبررين موقفهم «باتهام الوزير بتفتيت الجيش ومحاولة تسليم المحافظة للحوثيين»، بحسب المصدر. ويتوقع مراقبون تزايد العنف بين الحوثيين وعناصر «القاعدة» أو قبائل هذه المحافظة التي تعرف بطبيعتها الجغرافية الجبلية القاسية، وكانت قبائل قيفة التي يتزعمها مشايخ آل الذهب أعلنت قبل أسابيع، اعتزامها مواجهة الحوثيين ومنعهم من السيطرة على محافظتهم، وشكلوا حلفا قبليا يضم قبائل «مذحج» التي تنتشر في المناطق الوسطي من البلاد، وقد نفذ التنظيم أخيرا هجمات كثيرة ضد مقرات للجيش والأمن، وتمكن عام 2012 من السيطرة على مدينة رداع قبل أن يخرج منها بوساطة قبلية.
وفي محافظة شبوة (جنوب البلاد)، قتل 3 أشخاص يشتبه في أنهم من تنظيم القاعدة، بعد استهداف سيارتهم بصاروخ انطلق من طائرة من دون طيار يعتقد أنها أميركية، وذكرت مصادر محلية أن الطائرة قصفت السيارة أثناء مرورها في منطقة ريفية تدعى «قرية العساف في مديرية ميفعة».
إلى ذلك، أعلنت جماعة أنصار الشريعة، التابعة لتنظيم القاعدة، مسؤوليتها عن أ4 عمليات استهدفت قيادات عسكرية وجنودا في الجيش بمدن جنوب البلاد الثلاثاء الماضي، وأشارت الجماعة على حسابها الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إلى أنها شنت هذه الهجمات في كل من شبوة، وحضرموت وأبين، وتمكنت من قتل ضباط وجنود، بينهم قائد كتيبة. وفي العاصمة صنعاء، اغتال مسلحان مجهولان أمس (الأربعاء) ضابطا برتبة عقيد في مدينة سعوان (شرق صنعاء)، وذكر شهود عيان لـ«الشرق الأوسط» أن «المسلحين كانا يستقلان دراجة نارية وأطلقا الرصاص من سلاح كلاشنيكوف على العقيد علي زيد الذاري رئيس شعبة الإمداد بدائرة الأشغال العسكرية التابعة لوزارة الدفاع، وقتل على الفور»، وتشهد صنعاء منذ سيطرة الحوثيين عليها غياب جميع أجهزة الأمن والجيش من الشوارع ونقاط التفتيش التي انتشر فيها مسلحو الحوثي.
ودشن أنصار «الحراك الجنوبي»، أمس، اعتصاما مفتوحا في «ساحة العروض» بمديرية خور مكسر في محافظة عدن (كبرى مدن اليمن في الجنوب) للمطالبة بـ«فك الارتباط» عن الشمال الذي دخلت معه في وحدة طوعية 1990م. وكان الآلاف من أنصار «الحراك الجنوبي» توافدوا من عدة محافظات جنوبية، أول من أمس، إلى مدينة عدن لإحياء الذكرى الـ51 لثورة 14 أكتوبر ضد الاحتلال البريطاني، وذلك تلبية للدعوة التي أطلقتها فصائل في «الحراك الجنوبي»، لينصبوا الأربعاء المخيمات ويدشنوا اعتصاما مفتوحا حتى تحقيق مطالبهم التي وصفوها بالمشروعة وهي «فك الارتباط»، مستغلين الانفلات الأمني الذي يعانيه عدد من المحافظات اليمنية، بينها العاصمة صنعاء في ظل سيطرة ميليشيات الحوثي عليها.
ورفع المتظاهرون أعلام الجنوب السابقة وشعارات منددة بالوحدة مع الشمال ومطالبة بالانفصال، كما طالبت الشعارات المجتمع الدولي بمباركة ودعم مطالبهم «الانفصالية» لتأسيس ما أطلقوا عليها دولة جنوبية يسودها النظام والقانون.
وقال عدد من المعتصمين في ساحة «العروض» لـ«الشرق الأوسط» إنهم ماضون في تحقيق هدفهم الذي اعتصموا من أجله ويطالبون به منذ نحو 14 سنة، خاصة بعد أن قالوا إن الرئيس السابق علي عبد الله صالح ونظامه استغلوا الوحدة التي تحققت عام 1990م ونهبوا أراضي الجنوب وأقصوا كوادره. لكن المعتصمين أبدوا تخوفهم من الاضطرار إلى رفع الاعتصام نتيجة قلة الدعم الذي يلاقونه، حيث قالوا إن جزءا كبيرا من المعتصمين قدموا من خارج محافظة عدن وهو ما قد يكلفهم مبالغ كبيرة في حالة الاستمرار، في ظل شحة الدعم الذي يلاقونه، مطالبين رجال الأعمال الجنوبيين بدعمهم ومساندتهم لتحقيق مطالبهم.
في السياق ذاته وفي خطوة تصعيدية، حذر عدد من فصائل «الحراك الجنوبي» المواطنين والعاملين في المؤسسات العسكرية والأمنية المنتمين إلى المحافظات الشمالية من البقاء في المحافظات الجنوبية وحددت الثلاثين من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل حدا أقصى لما سمته «الجلاء» ومغادرة المحافظات الجنوبية.
ووجه بيان صادر عن «الحراك الجنوبي» الشركات التي تعمل في مجال النفط والغاز والمعادن والأسماك بالتوقف فورا عن التصدير، محذرا من أي استمرار في الإنتاج والتصدير بغير إشراف من وصفتهم بـ«المتخصصين» الذين تعينهم «قوى الثورة الجنوبية التحريرية».
وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن الجيش اليمني نفذ (أمس) سلسلة من الغارات العسكرية في محافظة مأرب ومحافظة حضرموت ومحافظة البيضاء من أجل إيقاف زحف الحوثيين إلى تلك المناطق، وتشير المعلومات إلى أن جماعة الحوثي قاب قوسين أو أدنى من السيطرة على مناطق استراتيجية في أنحاء البلاد كافة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.