مجلدان من رسائل همنغواي التي أوصى بعدم نشرها

سيرة لعلاقاته بأفراد أسرته وكبار كتاب عصره والحروب التي شارك فيها

غلاف الجزء الثاني من الرسائل
غلاف الجزء الثاني من الرسائل
TT

مجلدان من رسائل همنغواي التي أوصى بعدم نشرها

غلاف الجزء الثاني من الرسائل
غلاف الجزء الثاني من الرسائل

انتهى الشاعر المصري عبد المقصود عبد الكريم، من ترجمة رسائل الروائي الأميركي الشهير إرنست همنغواي، وسوف تصدر قريباً في مجلدين عن دار «آفاق» المصرية، معتمداً فيها على نسخة حققها الروائي والناقد الأميركي كاروس بيكر، وصدرت سنة 1981 بعنوان «إرنست همنغواي، رسائل مختارة، 1917 - 1961». وقد اشتهر بيكر (1909 - 1987) بسيرة كتبها عن همنغواي، وأخرى عن الشاعر الإنجليزي شيلي. وتبدأ هذه المجموعة من الرسائل في أغسطس (آب) 1917 بعد إتمام همنغواي الدراسة الثانوية. وتنتهي قبل وفاته بأيام.
ولد إرنست همنغواي في 21 يوليو (تموز) 1899 في مدينة أوك بارك، بولاية إلينوي الأميركية، وعاش سنواته الأولى حتى إنهاء الدراسة في المرحلة الثانوية. وهو الابن الثاني للدكتور كليرنس إدمونز همنغواي (1871 - 1928)، كانت أمه جريس هول همنغواي (1872 - 1951)، مغنية أوبرا ومعلمة موسيقى ورسامة. عاش همنغواي حياة حافلة جاب فيها قارات العالم، ومارس أنشطة عديدة، إضافة إلى الكتابة، وتعرض لحوادث كثيرة كان يمكن أن تنهي حياته في أي لحظة، تدهورت صحته في النهاية، ودخل المستشفى عدة مرات، وكانت المرة الأخيرة في مستشفى سانت ماري، ورغم أنه بدا لأطبائه في حالة تسمح له بالخروج من المستشفى، مات بيده بعد أقل من ثلاثة أسابيع من رسالته الأخيرة في هذا الكتاب إلى فريتز (رسالة رقم 581). غادر، بصحبة زوجته ماري وهي الرابعة والأخيرة، روتشستر في 26 يونيو (حزيران) 1961 في سيارة مستأجرة يقودها صديقه القديم جورج براون من نيويورك. وصلوا مدينة كيتشوم يوم الجمعة 30 يونيو. وفي صباح اليوم التالي اصطحب براون صاحبه همنغواي إلى عيادة مولي سكوت في صن فالي للتشاور مع الدكتور جورج سافيرز، الذي أحضر ابنه فريتز في زيارة قصيرة لهمنغواي في عصر ذلك اليوم. في مساء السبت تناول همنغواي وماري وجورج براون العشاء في أحد مطاعم كيتشوم وانصرفوا مبكراً.
وفي صباح يوم الأحد استيقظ همنغواي قبل السابعة، وفتح مخزن البدروم، واختار بندقية بماسورة مزدوجة من على الرف، وحملها إلى الدور العلوي إلى الردهة الأمامية، ووضع في البندقية خرطوشتين، ثم ثبت مؤخرة البندقية على الأرض، وضغط بجبهته على الماسورتين وفجر رأسه بالكامل. كان ذلك في 2 يوليو 1961. ودفن في مقبرة كيتشوم بعد انتحاره بثلاثة أيام. وكان خبره قد انتشر في هذه الأثناء في كل أرجاء الدنيا، لتنتهي حياة أحد أكبر الكتاب في القرن العشرين. وتبقى أعماله حية وتشغل حياته صفحات أكثر كل يوم في تاريخ الأدب.
تمثل الرسائل، التي جمعها بيكر من مكتبات جامعية ومؤسسات بحثية، سيرة حية لحياة همنغواي يذكر فيها بالتفصيل، ما تواتر عليه من أحداث بين يومي 21 يوليو 1899 والثاني من الشهر نفسه بعد 62 عاماً، وقد عاش حياة حافلة، بكل معنى الكلمة. كان همنغواي، حسب ما كتبه عبد الكريم في مقدمة الترجمة التي تصدر في مجلدين عن دار «آفاق» المصرية، كاتباً متعدد الهوايات، ودائم التنقل والترحال، وأقل ما يمكن أن يوصف به أنه كان يتمتع بروح المغامرة.
ويحكي همنغواي، الذي حصل على جائزة «نوبل» عام 1954، في رسائله عن جده لأبيه وجده لأمه، وعلاقته بوالده، وسوء علاقته بوالدته، ويكتب عن أخواته الأربعة وأخيه الصغير، وعلاقة الحب التي ربطته مع ممرضته، أجنيس فون كوروفسكي، أثناء فترة علاجه في إيطاليا. ويتحدث صاحب رواية «العجوز والبحر» عن زوجاته الأربع وعلاقته بهن قبل الزواج وفي أثناء الزواج وبعد الزواج. وعن أبنائه الثلاثة، الأول من زوجته الأولى هادلي، والثاني والثالث من زوجته الثانية بولين. فضلاً عن علاقاته الاجتماعية بشخصيات تتنوع اهتماماتها بقدر تنوع اهتمامه.
وفي ترجمته، قام عبد الكريم بترقيم الرسائل لسهولة الرجوع إليها. وحاول إعادة شكل الرسائل إلى الصورة التي كتبها بها همنغواي بحذف كل ما قام محقق النسخة الإنجليزية بحشوه في المتن، لكنه استعان ببعضه في الهوامش عند الضرورة، مع إشارة إلى أنها لبيكر محقق النسخة التي اعتمد عليها في الترجمة. وقد زود الترجمة بالكثير من الهوامش، كان بعضها مشتركاً بينه وبين المحرر.
وتغطي الرسائل جانباً من علاقات همنغواي بالكتاب من أبناء عصره، وصداقته معهم، وموقفه من أعمالهم. ويمثلون حشداً هائلاً من الكتاب والفنانين، منهم غرترود شتاين، وسكوت فيتزغيرالد، وأرشيبالد ماكليش، وإزرا باوند، وجيمس جويس، وبابلو بيكاسو، ودوس باسوس، وموقفه منهم في مراحل مختلفة من حياته.
ولا يغفل صاحب «وداعاً للسلاح» في رسائله الحديث عن المحررين الذين تعامل معهم، سواء محرري الصحف والمجلات أو محرري دور النشر، وأصحاب دور النشر، خصوصاً ماكسويل بركينز، محرر دار «أبناء تشارلز سكريبنر»، وتشارلز سكريبنر الأب، وتشارلز سكريبنر الابن. كما تحدث عن بعض القادة العسكريين، الذين عمل معهم، وتوطدت علاقته بهم.
ويكتب همنغواي عن اشتراكه في عدد من الحروب التي نشبت في حياته. بدأها بالاشتراك في الحرب العالمية الأولى، وهو لا يزال في التاسعة عشرة، وتعرض لحادث كاد ينهي حياته. وبعد ذلك اشترك في الحرب الإسبانية من بداياتها تقريباً حتى نهايتها. وكانت آخر تلك الحروب التي عاشها بكل وجدانه الحرب العالمية الثانية، خصوصاً في العمليات التي جرت على الأرض الفرنسية لتحريرها من الألمان.
ويستعرض كذلك تفاصيل عن حياته في إيطاليا نهاية الحرب العالمية الأولى، والسنوات التي قضاها في باريس. وجولاته في كل أرجاء أوروبا، والفترة التي قضاها في كندا، وحياته في كوبا، ورحلته إلى الصين، وجولاته في أفريقيا، وولعه بصيد السمك والطيور والحيوانات، والتزلج والملاكمة ومصارعة الثيران.
كما تحدث بالطبع عن طقوسه وطريقته في كتابة أعماله، والمراحل التي مر بها كل عمل قصصي أو روائي قدمه لقرائه.
يُشار إلى أن مشروع نشر طبعة محققة من رسائل همنغواي بدأته مطبعة «جامعة كمبردج» بدعم وتعاون من باتريك همنغواي (1928 - )، ويقدر عدد الرسائل بنحو 6 آلاف رسالة، وينتظر إصدارها في 17 مجلداً. انطلق المشروع في سنة 2011 بإصدار المجلد الأول (1907 - 1922)، أي أنه يبدأ برسائل كتبها همنغواي وهو في السابعة أو الثامنة من عمره تقريباً. وصدر المجلد الثاني (1923 - 1925) في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، والمجلد الثالث (1926 - أبريل/ نيسان 1929) في أكتوبر 2015، والمجلد الرابع (أبريل 1929 - 1931) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017. وينتظر صدور المجلد الخامس (1932 - مايو/ أيار 1934) في خريف 2019. ويقع المقر الرئيسي للمشروع في جامعة ولاية بنسلفانيا. كانت الرسائل متناثرة على نطاق واسع، ولم يكن من المعتاد أن يحتفظ همنغواي بنسخ منها، ويقول المسؤولون عن المشروع إنهم جمعوها من أكثر من 250 مصدراً داخل الولايات المتحدة وخارجها، من المكتبات والتجار وهواة جمع التحف ومراسلي همنغواي وذريتهم. وتوجد أكبر مجموعة، نحو 2500 رسالة، في مكتبة الرئيس جون ف. كيندي.
تجدر الإشارة إلى أن همنغواي نفسه أوصى بعدم نشر هذه الرسائل، وكتب في رسالة قبل وفاته بثلاث سنوات إلى القائمين على تنفيذ وصيته: «أتمنى ألا تنشر هذه الرسائل التي كتبتها في حياتي. وبناء عليه أطلب منكم عدم نشر أي من هذه الرسائل أو الموافقة على نشرها».
يذكر بيكر أن همنغواي كان لا يهتم كثيراً برسائله، وكان يعتقد أن أفضل الكُتَّاب يكتبون أسوأ الرسائل. كان يولي الاهتمام الأكبر بإنتاجه الإبداعي، وكان يقول إنه إذا كتب في أي وقت رسالة جيدة فهذا يعني أنه لا يعمل.
يستعيد عبد الكريم حديث بيكر ليشير إلى أن الشيطان يكمن فيما يذكره عن همنغواي، ورأيه فيما يكتب من رسائل، ويقول تعرفْتُ مع رسائل همنغواي، خصوصاً رسائله المبكرة، على لغة جديدة. ففيها تمثل الألقاب التي يطلقها على أصدقائه وأخواته وزوجاته وأبنائه متاهة يجب الانتباه إليها جيداً ليعرف المرء عمن يتحدث أو من يخاطب. وهناك مشكلة أخرى تتمثل في كتابة بعض الكلمات، بالإضافة إلى بعض الأخطاء التي يشير هو نفسه إليها في كتابة بعض الكلمات، خصوصاً الأسماء غير الإنجليزية، سواء كانت أسماء أشخاص أو أماكن، إضافة إلى كتابة أسماء بعض الأشخاص خطأ على سبيل السخرية منهم، وهي أمور قد تبدو بسيطة أو متوقعة في رسائل، لكنها تمثل صعوبة كبيرة في الترجمة. وأخيراً إهمال علامات الترقيم في مواضع كثيرة مما يجعل المعنى ملتبساً في كثير من الأحيان.


مقالات ذات صلة

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

ثقافة وفنون «أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».


الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط
TT

الحرب بين كانط وهيغل

كانط
كانط

في زمن الحرب نحتاج إلى أن نستعيد ما قاله أولئك الطفرات من عظماء المفكرين عنها. هي ليست مجرد حدث سياسي، بل اختبار لطبيعة العقل نفسه. هل يستطيع وضع حداً للعنف، أم أنه لا يكتشف نفسه إلا في العنف؟ هنا يتقابل كانط وهيغل، لا بوصفهما موقفين أخلاقيين فحسب، بل بوصفهما تصورين مختلفين لمعنى التاريخ والدولة والإنسان، تصور يراهن على تجاوز الحرب، وآخر يرى فيها لحظة لا يمكن حذفها من بنية العالم.

كانط ينطلق من قاعدة تبدو بسيطة لكنها تقلب الموقف كله، الإنسان غاية لا وسيلة. هذه العبارة ليست أخلاقية مجردة، بل لها نتائج سياسية مباشرة. لأن الحرب، في جوهرها، تجعل الإنسان وسيلة ضمن صراع بين دول. ولهذا لا يتعامل كانط مع الحرب بوصفها واقعاً ينبغي تفسيره، بل بوصفها مشكلة ينبغي حلّها. في مشروعه «السلام الدائم»، يحاول أن ينقل السياسة من منطق القوة إلى منطق القانون. في هذا الأفق، تصبح الحرب علامة نقص في العقل السياسي.

الدولة التي تدخل الحرب لم تبلغ بعد مستوى النضج الذي يجعلها تخضع لقانون كوني. ولهذا يربط كانط السلام بشروط محددة، قيام أنظمة جمهورية تجعل قرار الحرب خاضعاً لإرادة المواطنين، خضوع العلاقات الدولية لقانون، وقيام اتحاد بين الدول يمنع الانزلاق إلى الصراع. ليست هذه ترتيبات إجرائية فقط، بل إعادة تعريف للسيادة نفسها، بحيث لا تعود مطلقة بل مقيدة بقانون أوسع.

الأهم أن كانط لا يرى السلام حالةً طبيعيةً، بل مشروع يجب بناؤه. الطبيعة، في نظره، لا تقود إلى السلام تلقائياً، بل تدفع البشر إلى الصراع. لذلك يحتاج الإنسان إلى العقل ليضع حداً لهذه الطبيعة. بهذا المعنى، السلام ليس معطى، بل إنجاز تاريخي، لكنه إنجاز ممكن، لا مجرد أمنية.

هيغل

هيغل، من جهته، ينطلق من نقطة مختلفة جذرياً. الدولة عنده ليست أداة لحماية الأفراد، بل هي التجلي الأعلى للحياة الأخلاقية. ومن داخل هذا الفهم، لا يمكن النظر إلى الحرب كخلل فقط. إنها لحظة تظهر فيها حقيقة الدولة، لا بوصفها جهازاً إدارياً، بل بوصفها كلاً يتجاوز الأفراد.

يرى هيغل أن المجتمع، إذا طال عليه السلم، قد ينغلق داخل مصالحه الخاصة، ويتحول إلى شبكة من العلاقات النفعية. في هذه الحالة، يفقد الأفراد إحساسهم بالانتماء إلى الكل. الحرب، هنا، تعمل نوعًا من الصدمة التي تكسر هذا الانغلاق، وتعيد ربط الأفراد بالدولة. ليست قيمة أخلاقية، لكنها لحظة تكشف ما هو أعمق من الأخلاق الفردية.

من هنا أيضاً يرفض هيغل فكرة السلام الدائم. ليس لأنه يفضّل الحرب، بل لأنه يرى أن التاريخ نفسه قائم على الصراع. العلاقات بين الدول ليست علاقات قانونية خالصة، بل علاقات قوة، لأن كل دولة تمثل كلاً مستقلاً لا يعترف بسلطة أعلى منه. لذلك، حين يتعارض هذا الكل مع غيره، لا يكون هناك حكم أعلى يفصل بينهما، بل يُحسم الأمر بالصراع.

الفارق بين الفيلسوفين لا يقتصر على تقييم الحرب، بل يمتد إلى تصور العقل. عند كانط، العقل يضع حدوداً، ويؤسس قانوناً يتجاوز الدول. عند هيغل، العقل لا يقف خارج التاريخ ولا يحاكمه، بل يتحقق داخله، حتى في الصراع نفسه. ولهذا لا يمكن عنده فصل العقل عن العنف كما يفعل كانط.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال كانط في المثالية ولا هيغل في الواقعية الصلبة. كانط يدرك أن الحرب جزء من الواقع، لكنه يرفض أن يمنحها معنى يبررها. وهيغل يدرك قسوة الحرب، لكنه يرى أن تجاهل موقعها في التاريخ لا يلغيها. الفرق أن كانط يريد أن يقيس الواقع بمعيار، بينما هيغل يريد أن يفهم هذا الواقع من داخله.

إذا تأملنا العالم الحديث، نجد أن هذا التوتر لم يُحسم. المؤسسات الدولية، والقانون الدولي، وفكرة حقوق الإنسان، كلها استمرار للأفق الكانطي. لكنها، في كثير من الأحيان، تقف عاجزة أمام منطق القوة. في المقابل، تستمر الدول في التصرف وفق حسابات الصراع، وكأن العالم لم يغادر بعد أفق هيغل.

وهنا تظهر مفارقة، كلما حاولنا بناء نظام عالمي قائم على القانون، عاد الواقع ليذكّرنا بأن القانون نفسه يحتاج إلى قوة تحميه. وكلما سلّمنا بمنطق القوة، برزت الحاجة إلى معيار يقيّدها. بين هذين الحدين، يتحرك العالم دون أن يستقر.

في هذا المعنى، لا يقدم كانط وهيغل إجابتين متناقضتين فقط، بل يكشفان حدود كل إجابة. كانط يمنحنا أفقاً ضرورياً، فمن دون فكرة السلام يتحول العالم إلى صراع مفتوح بلا معنى. وهيغل يمنحنا فهماً ضرورياً، لأن من دون إدراك موقع الصراع نظل نتعامل مع الواقع بأوهام أخلاقية.

ويمكن إضافة بُعد آخر للفارق بينهما، يتعلق بتصور الإنسان نفسه. عند كانط، الإنسان كائن عاقل قبل أن يكون سياسياً، ولذلك تُقاس السياسة على الأخلاق. أما عند هيغل، فالإنسان لا يُفهم إلا داخل الدولة والتاريخ، ولذلك تُفهم الأخلاق من داخل السياسة. هذا القلب في العلاقة هو ما يجعل الحرب عند كانط انحرافاً، وعند هيغل لحظة من لحظات المعنى. كما أن كانط يفترض إمكانية قيام قانون فوق الدول، بينما يشكك هيغل في إمكان قيام سلطة حقيقية تعلو على الدولة. هذا الشك ليس تقنياً، بل فلسفي، لأن الدولة عنده هي أعلى تجلٍ للروح، فلا يمكن أن تخضع لسلطة خارجها. ومن هنا يتضح لماذا يظل السلام عند كانط مشروعاً، وعند هيغل أفقاً غير قابل للتحقق النهائي.

في ضوء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، يبدو أن الواقع يميل إلى منطق هيغل، حيث تُحسم العلاقات عبر توازن القوة والصراع، بينما يُحيل أفق كانط إلى قانون دولي يمنع الانزلاق إلى الحرب، وسيبقى حاضراً كمعيار يُستدعى لكنه لا يتحقق.

* كاتب سعودي


«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر
TT

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

«أحجيات الوحدة»... غواية البحر

في مجموعته القصصية «أحجيات الوحدة» لا يطرح الكاتب المصري محمد الرزاز الوحدة بوصفها مُعادلاً للألم بقدر ما يقدمها كبنية مراوغة، تُواجه المرء في يومياته، وتستدرج من داخله مستويات متفاوتة من التأمل والتعاطف، وصولاً إلى التهميش والانسحاب، وهو ما يتغاضى الكاتب عن مقدماته أو مسبباته، في مقابل تتبعه لبواطن اللغة وإيماءاتها التي تُعادل الأحجيات.

صدرت المجموعة أخيراً عن دار الكتب خان بالقاهرة، وفي أجوائها يستعيد الكاتب مشاعر الوحدة على نحو متقطع، عبر نصوص تكشف نزوعاً واضحاً لتفكيكها إلى تمثيلات متعددة، تعكس ورطة التعايش معها ومحاولة تقاسمها مع الآخر.

يظهر البحر في المجموعة ككيان موازٍ للذات الوحيدة، يحمل تقلباتها ويعيد تشكيلها. فمنذ البداية، يلتفت أحد الأبطال إلى طبيعته المتحوّلة قائلاً: «بحر الليل لا يُشبه بحر النهار في شيء»، ليغدو البحر فضاءً متعدد الأوجه، وصولاً إلى أحشائه، حيث يتكثف السرد، وتصبح غواية الاستسلام له موازية لغواية الحياة، يقول بطل «أن تنتظر»: «لم أمتلك أبداً الجرأة لتنفيذ قراري بالخوض في بطن البحر».

في هذه القصة، يسعى البطل إلى أن ينفض عن نفسه «غبار الوحدة»، متلمّساً بحسّ انفعالي في نسمات الريح ونجمات السماء إمكانية للصحبة، بينما تتسم علاقته بالغرباء بقدر من التعقيد، لا يخلو من تعاطف يصل إلى حد جارف.

في المقابل، يجد أبطال آخرون أنفسهم مدفوعين إلى خلق سيناريوهات حذرة للتعامل مع الغرباء، والدفاع عن حدود وحدتهم ومكتسباتها، حتى لو كان ذلك في صورة «مقعد على البحر»، يظل الصياد العجوز، بطل قصة «أن ترحل»، متشبثاً به، «سيخبرهما أن هذا المقعد يحتل رقعة تمكنه من متابعة زوارق الصيد في الأفق، والتواصل عبر الأثير مع زملائه الصيادين الذين طالما غادروا المرفأ معاً بحثاً عن أسماك فضية بلون الحلم، بيضاء بلون الزّبد».

تتحرك قصص المجموعة عبر مستويات «طوبوغرافية» تتلمس جماليات المكان وطبقاته؛ من اليابس بسطحه وضوضائه، إلى تخوم الماء، ويمتد هذا الأفق ليأخذ بعداً أسطورياً، حيث يستعيد الأبطال علاقة قديمة مع البحر بوصفه كائناً حياً، أو قوة عليا تُخاطب وتُسترضى، فأحد الأبطال يقطع عهداً لـ«إله البحر» أن يعود إليه في الغد، متوسلاً إلى أعماقه العجائبية، ليغدو البحر منبع الأسطورة ومنتهاها أيضاً.

ويبدو أهل البحر في المجموعة أكثر التصاقاً بأسراره التي لا تخلو من طابع سِحري، إذ «الكل هنا يعرف أن تلك النوارس هي أرواح لبحارة غرقى قضوا في عرض البحر» في هذا العالم، يغلب الجمالي على التأويل، فلا تكون النوارس مجرد طيور، ولا البرق مجرد ضوء، بينما تتحول زوارق الصيد إلى «ألعاب أطفال تطفو في حوض ماء هائل».

مِخيال مفتوح

تتكرّس هذه الرؤية عبر ما يمكن تسميته بـ«اللغة البحرية»، حيث تتحوّل عناصر الطبيعة إلى أدوات قراءة؛ فالسحاب يُقرأ، والنوارس تحمل توتر المشهد، والرياح تمارس ألاعيبها، والنوّات نبوءات يتقصّاها حكماء البحر. وتظل الكائنات البحرية، التي لم يرها أحد سوى الصيادين، جزءاً من هذا المِخيال المفتوح، حتى تكاد التفاصيل الإنسانية تذوب داخله؛ كما في اللحظة التي يعجز فيها أحد الأبطال عن التمييز بين «ملح البحر» و«مُرّ الدمع»، أو حين يخشى آخر أن يلقى مصير «سمكة بقيت وحيدة تتلوى على الشاطئ بعد أن تركها الجزر مغدورة لتلفظ أنفاسها الأخيرة»، في صورة تختزل قسوة العزلة بوصفها انكشافاً كاملاً.

يبدو للبحر هنا معجم دلالي، تتقاطع فيه الحواس مع الأسطورة؛ فالجسد يُشبه في لحظة حب «محارة مرتبكة»، ويُختزل الحضور الأنثوي في «حبة لؤلؤ»، أو يتجلى في صورة «أفروديت» كما تراها عين رسّام، لتتجاور مفردات البحر مع إرث الأسطورة الإغريقية، وتعيد صياغة الجسد والرغبة في لغة تتأرجح بين البراءة والإغواء.

في هذا السياق، يمنح الكاتب صوته لكائن بحري في قصة «أن تجنح»، حيث يتقمص السرد صوت «حوت» يخرج طوعاً إلى اليابسة ليلفظ أنفاسه الأخيرة، متحدثاً بضمير المتكلم، ما يكشف عن هاجس وجودي يتجاوز منطق الإنسان، يقول: «لن يفهم بنو الإنسان مطلقاً معنى أن تموت طوعاً عند امتلاء نفسك من الحياة، فهم لا يعرفون الاكتفاء، ولا يحرّك الامتلاء لديهم سوى الرغبة في المزيد».

ويواصل الرزاز تفكيك الوحدة عبر بناء ثنائيات متقابلة تتبادل فيها المواقع وتكشف عن تماثلات كامنة وراء الاختلاف، ففي قصة «أن تهرب» تتجلى هذه المفارقة من خلال تكليف فنان برسم أيقونة للعذراء بوجه غانية تزور مرسمه، ليجد نفسه ممزقاً بين إغراء المال الذي يتقاضاه نظير هذا العمل، وتأنيب داخلي يتكثّف ليبلغ ذروته في مفارقة أخلاقية: «هل باستطاعة المال أن يجعل من الغانية قديسة؟».

تتخذ هذه الثنائيات بعداً سردياً أكثر تعقيداً في قصة «أن تُفتن»، حيث يمنح الكاتب بطليه صوت الراوي، فتتشكل حكايتهما عبر زاويتي نظر متقابلتين لا تلغي إحداهما الأخرى، بل تتكاملان في بناء أقرب إلى موزاييك لا يكتمل إلا بتجاور شظاياه.

فهكذا، يضع الكاتب أبطاله على مسافة واحدة من فعل التواصل ذاته؛ رسّامين أو مرسومين، صيادين أو كائنات بحرية، مُرسلي رسائل أو مُتلقيها، حيث تتبدل المواقع باستمرار دون أن يحتفظ أحد بسيادة حقيقية، فيغدو الجميع واقعين في شِباك الفعل نفسه، ولا يعفيهم ذلك من وطأة الوحدة.