«ذي تايمز بوك ريفيو»: أفضل 10 كتب لعام 2019

غلاف «قارب ليلي إلى طنجة»  -  غلاف «النادي»
غلاف «قارب ليلي إلى طنجة» - غلاف «النادي»
TT

«ذي تايمز بوك ريفيو»: أفضل 10 كتب لعام 2019

غلاف «قارب ليلي إلى طنجة»  -  غلاف «النادي»
غلاف «قارب ليلي إلى طنجة» - غلاف «النادي»

وقع اختيار محرري «ذي تايمز بوك ريفيو» على مجموعة من الكتب بوصفها أفضل الكتب الروائية وغير الروائية وغير الخيالية لهذا العام. وفي أعداد مقبلة، سنتابع خيارات الصحف والمجلات لأفضل الكتب الصادرة هذا العام. وهي بالتأكيد تختلف من قائمة إلى أخرى، تبعاً لتقييم كل مطبوعة، وتقديرات المحررين:
- الكتاب: «الأرض المختفية»
تأليف: جوليا فيليبس
خلال الفصل الأول من الرواية التي تعدّ العمل الروائي الأول للكاتبة، ويعكس قدراً واضحاً من الثقة، تختفي فتاتان صغيرتان فجأة، لتسود حالة من الصدمة أرجاء مدينة تقع على أطراف شبه جزيرة كامشاتكا النائية. وتلي هذا الحادث مجموعة من القصص القصيرة المتداخلة حول شخصيات نسائية متنوعة تأثرت حياتهم جراء ذلك الاختفاء. وتدفع كل قصة من هذه القصص القصيرة التي تتميز بثرائها السردي زمن الرواية بأكملها قدماً لشهر آخر، وتكشف كيف تحطمت حياة نساء كامشاتكا على الأصعدة الشخصية والثقافية والعاطفية بسبب هذه الجريمة.
- الكتاب: «مدرسة توبيكا»
تأليف: بن ليرنر
تعدّ هذه الرواية الثالثة لليرنر، بعد «الرحيل عن محطة أتوتشا» و«10:04»، وتتميز بثراء لافت، وهي تتنوع بين تصوير الأبوة والأمومة، والطفولة، ومن الذكورية القاتلة؛ حتى تفاصيل دقيقة تخص المرأة، ومن «عقدة أوديب» التي طرحها فرويد؛ حتى أغنية توباك «جميع العيون عليّ».
يعود «آدم جوردون» بصفته بطل الرواية، لكن هذه المرة نجماً في إحدى المدارس الثانوية، وفي معظم أجزاء الرواية يشار إليه بضمير الغائب. وتشغل مساحات متكافئة من الرواية أصوات والديه، وزميل سابق له يعاني أوجه قصور إدراكية تقف على الطرف المقابل للمزايا التي يتمتع بها آدم.
وتستمر في هذا العمل التساؤلات التي سبق طرحها في الروايتين السابقتين حول الفن والصدق، لكن جحود «آدم» يتسع في هذه الرواية ليتحول إلى عرض من أعراض أزمة إيمان وطنية. ومثلما عودنا من قبل، تبرز موهبة ليرنر دوماً كملحن قادر على تنظيم الآلات الموسيقية بعضها مع بعض في تناغم، وقد تألقت هذه الموهبة في هذا العمل على نحو غير مسبوق.
- الكتاب: «الزفير»
تأليف: تيد شيانغ
يكشف كثير من القصص التسع الرائعة في هذه المجموعة، التداعيات المادية للسفر عبر الزمن. وتبدو تجربة قراءة هذه المجموعة أشبه بتناول العشاء برفقة صديق ينهمك في شرح نظرية علمية لك. كل واحدة من القصص التسع المحبوكة بإتقان تطرح تساؤلاً فلسفياً، في إطار محادثة تبدو بمثابة دائرة كاملة.
- الكتاب: «أرشيف الأطفال المفقودين»
تأليف: فاليريا لويزلي
تعد هذه الرواية الثالثة للكاتبة المكسيكية، والأولى لها باللغة الإنجليزية، وتتكشف أحداث الرواية على خلفية أزمة: أطفال يجتازون الحدود ويواجهون الموت، ثم يتعرضون للاحتجاز ويجري ترحيلهم دون مرافقة ذويهم. الشخصيات الرئيسية هي زوجان وطفلاهما (لم تذكر المؤلفة أسماءهم)، ينطلقون في رحلة برية من مدينة نيويورك حتى الحدود المكسيكية، في وقت تكون فيه العلاقة الزوجية بين الأب والأم على شفا الانهيار.
وينجح أسلوب لويزلي المتميز في الكتابة في استثارة مشاعر الغضب والشفقة داخل القارئ، لكن ما الذي يمكن أن يفعله المرء بعد قراءة مثل هذه الرواية؟
نظراً لحساسيتها الشديدة تجاه مثل هذه المآسي، نجحت لويزلي في تقديم كتاب رائع الصياغة.
- الكتاب: «قارب ليلي إلى طنجة»
تأليف: كيفين باري
مرفأ مهجور للقوارب على أحد السواحل الإسبانية ليس المكان الذي يتوقع فيه المرء أن يلتقي قطعة أدبية ساحرة أو عمل فلسفي حزين، لكن بفضل الشخصيتين الآيرلنديتين المحوريتين في رواية باري، نجد وفرة من الأمرين، بجانب أسلوب سرد ممتع واستدعاء كثيف لذكريات مؤلمة. وتتسم حياة الرجلين بقدر هائل من التداخل لدرجة أن السيدة التي ينتظران وصولها يمكن وصفها بأنها قريبة لكل واحد منهما... لكن هل ستحضر السيدة؟ وهل يهتمان بهذا الأمر حقاً؟ في الواقع، يطرح أسلوبهما المرح وتبادلهما النكات تناولاً جديداً وذكياً لمسرحية «في انتظار غودو»، لصموئيل بيكيت.
- الكتاب: «لا تقل شيئاً»
تأليف: باتريك رادين
في عام 1972، أقدم أشخاص ملثمون على اقتحام منزل جان مكونفيل، وجروا الأرملة، البالغة 38 عاماً والأم لـ10 أطفال، إلى خارج منزلها في بلفاست. في إطار هذا العمل الذي يتميز بدقة بالغة في السرد ووتيرة أقرب إلى الروايات، يستخدم المؤلف قضية قتل مكونفيل منظوراً يطرح من خلاله تاريخ الاضطرابات في آيرلندا الشمالية عبر عقد مقابلات مع أشخاص من كلا طرفي الصراع. وبذلك نجح في كتابه في تحويل الأضرار المأساوية التي شهدتها هذه الحقبة إلى ملحمة أخاذة ومثيرة.
- الكتاب: «النادي»
تأليف: ليو دامروش
لم يرغب الرسام الإنجليزي جوشوا رينولدز سوى في إدخال البهجة على نفس صديقه صامويل جونسون الذي غلبت عليه حالة مزاجية سوداوية. لكن جلسات الثرثرة التي اقترح عقدها ليلة الجمعة في «تركس هيد تافرن» ستنتهي بها الحال إلى اجتذاب جميع الشخصيات اللامعة في بريطانيا أواخر القرن الـ18. ونجح دامروش في جمع هذه الشخصيات الرفيعة معاً داخل النادي، وإعادتها إلى الحياة. لقد صور المؤلف جونسون ورينولدز وإدموند بيرك وآدم سميث والممثل ديفيد غاريك والمؤرخ إدوارد غيبون، وبطبيعة الحال المؤرخ المناصر لجونسون، جيمس بوسويل، بشكل رائع. وباختصار، جمع الكاتب «كوكبة من المواهب التي نادراً ما أنجب العالم مثيلاً لها».
- الكتاب: «المنزل الأصفر»
تأليف: سارة إ. بروم
في بداية استثنائية لها في الكتابة الأدبية، تجاوزت بروم التوقعات الأساسية المرتبطة بكتابة السير الذاتية لتخلق عملاً يجمع في ثناياه مجموعة مبتكرة من الأساليب الأدبية، فالكتاب في جزء منه يطرح تاريخاً شفهياً، وفي جزء آخر تاريخاً حضرياً، وفي جزء آخر يبدو احتفاءً بأسلوب حياة ولّى ومضى. بصورة عامة، يعج «المنزل الأصفر» بإدانة كاملة لرذائل الجشع والتمييز واللامبالاة والتخطيط الرديء للمدن الذي أسفر في نهاية الأمر عن محو منزل أسرتها من على الخريطة. وعبر ثنايا الكتاب، تقتفي الكاتبة آثار منزل واحد في منطقة نيو أورليانز إيست (منطقة تبلغ مساحتها 50 ضعف فرنش كورتر، ومع هذا لا وجود لها في أغلبية الخرائط السياحية)، من ستينات القرن الماضي حتى إعصار كاترينا. وفي جوهره، يتفحص هذا الكتاب الممتع الماضي والحاضر والمستقبل المحتمل لمدينة نيو أورليانز.
- الكتاب: «الكدمات»
تأليف: راشيل لويز سنايدر
في ثنايا هذا الكتاب الشيق الشامل، تستعرض سنايدر ما وصفتها منظمة الصحة العالمية بأنها «مشكلة صحية عالمية بحجم الوباء». في أميركا وحدها، أكثر من نصف جميع النساء المقتولات تعرضن للقتل على يد الشريك الحالي أو السابق. واللافت أن العنف الأسري مستشر عبر مختلف الطبقات والأديان والأعراق... لقد تناولت المؤلفة على نحو مؤثر حياة (وموت) نساء تعرضن للظلم، وهي لا تطرح في كتابها حلولاً سهلة، وإنما تقدم ثروة من المعلومات.
- الكتاب: «منتصف الليل في تشرنوبل»
تأليف: آدم هيغينبوثام
يطرح هيغينبوثام سرداً رائعاً لكارثة انفجار مفاعل تشرنوبل في أبريل (نيسان) 1986، في واحد من الكتب العلمية النادرة الذي يبدو أسلوبه أقرب إلى رواية تعج بالإثارة. ويأتي الكتاب مكدساً بتفاصيل دقيقة وشخصيات مثيرة للاهتمام، ينقلنا من خلالها إلى معرفة الأسباب الكامنة وراء هذه الكارثة، والحسابات الخاطئة التي قادت في النهاية إلى الكارثة المحتومة التي بدّلت وجه التاريخ.


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).