داريا فارغة من البشر وغارقة بالدمار {في انتظار تحولها مقراً لضباط إيرانيين}

«الشرق الأوسط» تستطلع أوضاع «أيقونة الثورة» بعد ثلاث سنوات من استعادة النظام السوري لها

نازحون من داريا في سبتمبر 2016 (غيتي)
نازحون من داريا في سبتمبر 2016 (غيتي)
TT

داريا فارغة من البشر وغارقة بالدمار {في انتظار تحولها مقراً لضباط إيرانيين}

نازحون من داريا في سبتمبر 2016 (غيتي)
نازحون من داريا في سبتمبر 2016 (غيتي)

بخلاف ما تروجه الحكومة السورية بالسماح بعودة الأهالي إلى مناطق مدينة داريا كافة، وعودة الحياة الطبيعية إلى المدينة، بعد استعادتها السيطرة عليها قبل أكثر من ثلاث سنوات وتهجير أهلها، لا تزال معظم أحياء المدينة شبه فارغة من البشر وحتى الشجر وغارقة بدمار هائل.
داريا الواقعة على بعد 8 كلم جنوب العاصمة، هي أكبر مدن غوطة دمشق الغربية، ويعمل معظم سكانها بالزراعة، وتبلغ مساحتها 476 هكتاراً، أي ما يعادل 4 آلاف و760 دونماً، ويطلق عليها كثيرون «مدينة العنب» لشهرتها بزراعة جميع أنواعه.
بعد أيام قليلة من اندلاع الحراك السلمي في عدد من المدن والمناطق السورية منتصف مارس (آذار) 2011، انضمت داريا إليه وسميت حينها بـ«أيقونة الثورة»، لكن عنف النظام ضد الأهالي المشاركين فيه وارتكابه المجازر بحقهم، وكان أبشعها «مجزرة داريا الكبرى» في 25 أغسطس (آب) 2012 التي سقط فيها أكثر من 650 قتيلاً، دفع فصائل الجيش الحر الذي كانت نواته قد تشكلت في المدينة حينها إلى الدفاع عن المدينة وأهلها والسيطرة عليها وطرد قوات النظام منها، ليحاصر بعد ذلك الأخير المدينة ويشن حملة عسكرية مسعورة ضدها انتهت في أغسطس 2016 بسيطرته عليها وتهجير نحو ألفي شخص من مقاتلي المعارضة المسلحة وعائلاتهم نحو الشمال السوري، في وقت بلغ عدد الضحايا الموثقين بالأسماء في المدينة، والذين قُتلوا على يد النظام والميليشيات الموالية له 2712 شخصاً، بينهم 174 تحت التعذيب، بحسب فريق التوثيق في داريا.
ومما خلق حساسية مفرطة لدى النظام من انضمام داريا البالغ عدد سكانها قبل 2011 نحو 250 ألف نسمة إلى الحراك السلمي وتسعير هجومه عليها، موقعها الاستراتيجي؛ إذ إنها على تماس مباشر من الشمال مع حي المزة الذي يسمى حي السفارات، ومع مطار المزة العسكري، ومقرات الحرس الجمهوري، والفرقة الرابعة من الشمال الغربي، بينما يحدها غرباً ضاحية معضمية الشام التي انضم جزء كبير منها إلى الحراك السلمي ومن الجنوب الغربي جديدة عرطوز، وشرقاً منطقة كفرسوسة وأوتوستراد دمشق – عمان الدولي، وجنوباً ضاحية صحنايا.
وعقب ثلاث سنوات من سيطرة النظام على المدينة، المشهد على أرض الواقع في داخلها يتناقض تماماً مع ما تروجه الحكومة منذ أغسطس العام الماضي، بعودة الحياة إلى مناطق المدينة كافة، وأن نحو مائة عائلة تدخل يومياً إلى داريا. إذ بعد الدخول من مدخلها الشمالي على أوتوستراد المتحلق الجنوبي الذي خصصه النظام لدخول السيارات والأهالي تبدو أغلبية المنازل على جانبي الطريق مدمرة ومجرف الكثير منها، بينما لا يتجاوز عدد السيارات في الطريق والمتجهة إلى وسط المدينة عدد أصابع اليد، مع رؤية بضعة أشخاص وهم ذاهبون إلى منازلهم سيراً على الأقدام وآخرين مستقلين دراجات هوائية أو نارية.
حجم الدمار يتراجع تدريجياً مع الاقتراب من مركز المدينة والوصول إلى دوار الباسل الذي نصبت عليه عناصر الجيش النظامي حاجزاً ضخماً، وتتفرع منه طرقات رئيسية تؤدي إلى أحياء عدة في المدينة، منها النكاشات والشاميات وشريدي.
ويلاحظ أن معظم الأبنية الطابقية في المنطقة لا تزال قائمة، لكنها أُعيدت إلى ما قبل مرحلة الإكساء (على العظم) من جراء عمليات النهب و«التعفيش» لمحتويات المنازل من أبواب ونوافذ وأدوات منزلية وصحية وأثاث، مع مشاهدة علامات على وجود شقق مسكونة في عدد من الأبنية، لكنها قليلة جداً؛ الأمر الذي دل عليه رؤية ملابس منشورة على بعض الشرفات، ومشاهدة بعض النوافذ مغطاة بنايلون لمنع دخول الغبار والحشرات إليها.
حركة المارة في شوارع المنطقة التي تمت إزالة الأنقاض من وسطها وفتحها تبدو نادرة، وتقتصر على عدد قليل من الشباب وكبار السن، وتظهر عليهم بوضوح ملامح الخوف والرعب من التحدث أو التعاطي مع أي شخص غريب، بسبب وجود حواجز عسكرية في معظم الطرقات وانتشار عناصر الأمن والجيش عليها ومراقبتهم بدقة لحركة وتصرفات المارة.
المنطقة التي كانت قبل اندلاع الأحداث مركزاً تجارياً كبيراً، تبدو الحركة التجارية فيها شبه معدومة؛ إذ تشاهد معظم المحال التجارية والسوبر ماركات وقد دمرت واجهاتها ونهبت محتوياتها، بينما القليلة الباقية منها لا تزال مغلقة، على حين أقدم ما بين 3 و5 من أصحاب المحال التجارية والسوبر ماركات في المنطقة على ترميم محالهم وإعادة افتتاحها.
«أبو عيسى» وهو اسم مستعار لأحد أصحاب تلك المحال المغلقة ويقيم خارج المدينة، يتردد عليها بين الحين والآخر، يقول لـ«الشرق الأوسط»، حول السبب في عدم عودته إلى المدينة وإعادة افتتاح محله، لطالما أن السلطات تقول إن العودة مسموحة وأن الحياة عادت إلى طبيعتها في المدينة: «هل رأيت هناك حياة؟، هل مشهد الطرقات والمنازل يوحي بذلك؟». ويوضح مع تنهيدة طويلة، أن من تم السماح لهم بالعودة إلى المنطقة هم «أعداد قليلة، ويريدون السترة فقط لأنهم متعبون جداً مادياً ولم يعد باستطاعتهم دفع إيجارات منازل»، وذلك بعد دراسات أمنية دقيقة وطويلة قامت بها السلطات للتأكد من أن أي شخص منهم لم ينخرط في الأحداث وليس له أقارب شاركوا فيها!
الرجل الذي نزح من المدينة مع بداية اندلاع الحراك، يلفت إلى أن الخدمات الأساسية (ماء، كهرباء، صرف صحي) حسب أقوال من عادوا متوفرة، لكنها بالحد الأدنى، وهناك مدرسة واحدة فقط، بينما «لا يوجد إطلاقاً شبكات هاتف أرضي ووسائل نقل من المدينة إلى خارجها وبالعكس، وأن الأهالي القاطنين حالياً يتدبرون أمرهم فمنهم يتنقل على درجات هوائية ونارية وقليل منهم يمتلك سيارات خاصة، وبعضهم يسير على الأقدام للوصول إلى الأوتوستراد»، ومن ثم الذهاب إلى وسط العاصمة.
مع التوجه إلى الشمال الغربي للمدينة، يتزايد حجم الدمار بشكل كبير وتبدو من مسافة قريبة منطقة أحياء الخليج المطلة على مطار المزة العسكري والتي كانت تشتهر بمزارعها الجميلة، وخصوصاً منها العنب، مدمرة بشكل كامل وخالية تماماً من البشر والشجر وحتى الطيور، وسط معلومات من كثير ممن كانوا يسكنون فيها، بأن السلطات تمنع منعاً باتاً الأهالي من العودة إليها، ولا حتى زيارتها للاطلاع على ما آلت إليه أوضاع منازلهم وأراضيهم الزراعية.
أحد الأهالي، النازحين من المنطقة، ويقيم حالياً في إحدى ضواحي ريف دمشق، يذكر أنه ومنذ زمن بعيد «استولى النظام على أراضٍ للأهالي في المنطقة وأقام عليها المطار، والآن دمر المنطقة ويريد الاستيلاء عليها بالكامل مرة بذريعة تنظيمها ومرة بذريعة أنها حرم للمطار»!
المشهد في المنطقة الشمالية الغربية من المدينة التي كانت منذ بداية الثورة تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة والملاصقة لضاحية معضمية الشام، لا يختلف عما هو عليه في منطقة أحياء الخليج، لناحية الدمار الكامل، ولناحية خلوها من الناس ومنع السلطات الأهالي من العودة إليها وحتى زيارتها.
لكن الوضع في المنطقة الجنوبية التي كانت تحت سيطرة فصائل المعارضة المسلحة أيضاً يختلف نوعاً ما عما هو عليه في المنطقتين السابقتين، خصوصاً المناطق القريبة من مركز المدينة، حيث لا تزال هناك أبنية قائمة ويمكن ترميم المنازل فيها، ولوحظ وجود عدد بسيط من الأهالي يتفقدون منازلهم، لكن مع التعمق جنوباً باتجاه الحدود الإدارية لداريا مع ضاحية صحنايا تزداد نسبة الدمار لتصبح شبه كاملة، وتخلو المنطقة من الناس.
في المنطقة الشرقية من المدينة، والممتدة من أوتوستراد دمشق - عمان الدولية حتى دوار الباسل غرباً في وسط المدينة، والتي سيطر عليها النظام منذ 2012، تبدو حركة السيارات والمارة في بداية الطريق المتفرعة عن الأوتوستراد والمؤدية إلى وسط المدينة أفضل مما هي عليه في الطريق التي افتتحتها السلطات في شمال المدينة من أوتوستراد المتحلق الجنوبي.
هذه الطريق التي يصل طولها ما بين 3 و4 كيلومترات وتتموضع عليها حواجز عدة للجيش والقوى الأمنية، تشاهد في المنطقة الممتدة من أوتوستراد دمشق - عمان وحتى منتصفها تقريباً معظم المحال التجارية على جانبي الطريق وقد عاودت نشاطها، مع وجود حركة نشطة للمارة، كما يلاحظ أن معظم الأبنية سليمة ومأهولة، على حين طال الدمار عدد قليل منها.
لكن اللافت، أن مزارع العنب والفواكه الأخرى والكثير من المتنزهات التي كانت موجودة على جانبي الطريق خلف المحال التجارية والأبنية، طالها دمار كامل، ويقتصر مشهد الخَضار على بقع صغيرة للغاية مزروعة ببعض الخضراوات، بعد أن كانت المنطقة يضرب بها المثل كمنطقة للتنزه على خلفية جمال مزارعها ومتنزهاتها ويؤمها الآلاف، خصوصاً في أيام العطل الرسمية بهدف التنزه والترويح عن النفس.
مع تجاوز منتصف الطريق والدخول في النصف الآخر والاقتراب من وسط المدينة تتزايد نسبة الدمار وتتراجع حركة المارة إلى درجة انعدامها نهائياً وتصبح المنطقة مغلقة تماماً من قبل عناصر الجيش والأمن مع الوصول إلى مشارف المنطقة المقام فيها ما يسمى مقام السيدة سكينة الشيعي والذي لم يكن موجوداً قبل عام 2003!، وفق تأكيدات الكثير من أهالي المدينة.
وأعلن النظام في أبريل (نيسان) 2018 عن مخطط تنظيمي لمدينة داريا وفق القانون رقم 10. وتم تقسيم المناطق التي ستتم إعادة تنظيمها إلى أربع: المنطقة الجنوبية بمساحة 61 هكتاراً، والمنطقة الجنوبية الغربية بمساحة 47 هكتاراً، والمنطقة الشمالية (أحياء الخليج) 65 هكتاراً، ومنطقة مركز المدينة التي تبلغ مساحتها 33 هكتاراً التي ستتم معالجتها بتأمين أبراج سكنية مختلطة الاستعمال.
ويتحدث متعاملون وتجار عقارات، أن مسؤولين إيرانيين أبرموا عقداً مع الحكومة السورية يقضي بإعمار 30 ألف وحدة سكنية في مدينة داريا، بينما تعيد مصادر واسعة الاطلاع التذكير باتفاق «تطوير التعاون الدفاعي والتقني» الذي أبرمه وزير الدفاع الإيراني العميد أمير حاتمي مع دمشق خلال زيارته إليها في أغسطس 2018 وتصريح الملحق العسكري الإيراني في دمشق العميد عبد القاسم علي نجاد حينها بأن «استمرار وجود مستشارين إيرانيين في سوريا هو أحد بنود الاتفاقية»، وترجح أن يكون الاتفاق نص على «إسكان الضباط الإيرانيين في مربع أمني بمدينة داريا؛ نظراً لقربها من مفاصل مواقع النفوذ الإيراني»؛ إذ تقع المدينة جنوب السفارة الإيرانية، ولا تبعد عنها أكثر من 5 كيلومترات.



مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)
تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)
TT

مصدر: أوكرانيا ستتخذ إجراء ضد إسرائيل إذا رست في حيفا سفينة فيها بضائع «مسروقة»

تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)
تعدّ روسيا وأوكرانيا من أكبر مصدّري الحبوب في العالم (أرشيفية - رويترز)

قال مصدر دبلوماسي أوكراني لـ«رويترز»، الاثنين، إن إسرائيل تخاطر برد كييف دبلوماسياً وقضائياً إذا سمحت لسفينة تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية التي تحتلها روسيا بالرسوّ في ميناء حيفا.

وذكرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في وقت سابق أن السفينة «بانورميتيس»، التي قالت إنها تحمل حبوباً من الأراضي الأوكرانية المحتلة التي تعدّها كييف مسروقة، تنتظر الحصول على إذن للرسوّ في حيفا.

وقال المصدر الأوكراني، طالباً عدم ذكر اسمه: «إذا لم تُرفض هذه السفينة وحمولتها، فإننا نحتفظ بالحق في اتخاذ مجموعة كاملة من الإجراءات الدبلوماسية والقضائية الدولية».

ولم ترد وزارة الخارجية الإسرائيلية بعدُ على طلب للتعليق.

سفينة شحن تنقل حبوباً من أوكرانيا تعبر مضيق البسفور في تركيا (رويترز)

وأفادت «هآرتس»، الأحد، بأن 4 شحنات حبوب من الأراضي الأوكرانية المحتلة تم تفريغها بالفعل في إسرائيل هذا العام.

وقال المصدر: «ممارسة غسل البضائع المسروقة أمر غير مقبول، وإسرائيل تجاهلت بصورة أساسية مطالبنا بشأن السفينة السابقة».

وأضاف المصدر أن كييف تتعقب السفينة، محذرة بأن السماح لها بالرسوّ ستكون له عواقب على العلاقات الثنائية بين أوكرانيا وإسرائيل.


بوتين يبحث مع عراقجي تحقيق سلام «يلبي مصالح إيران ودول المنطقة»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)
TT

بوتين يبحث مع عراقجي تحقيق سلام «يلبي مصالح إيران ودول المنطقة»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل اجتماعهما (أ.ب)

عكست زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى روسيا، ومحادثاته مع الرئيس فلاديمير بوتين توجهاً إيرانياً لدعم جهود الوساطة التي اقترحتها موسكو لتسوية الأزمة المتفاقمة في الشرق الأوسط.

وحمل عراقجي، الذي وصل إلى روسيا، الاثنين بعد زيارتين إلى إسلام آباد ومسقط، رسالة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إلى بوتين، في خطوة رآها محللون روس أن اختيار موسكو محطة ثالثة في جولة الوزير يعكس رغبة إيرانية في إشراك روسيا في جهود الوساطة الجارية.

ومع أنه لم يكشف عن مضمون رسالة خامنئي، شدّد الرئيس الروسي، خلال استقباله عراقجي، على متانة العلاقة بين موسكو وطهران، وأشاد بما وصفه «صمود الإيرانيين في مواجهة مرحلة صعبة».

وقال بوتين: «نأمل بصدق أن يتجاوز الشعب الإيراني، بفضل شجاعته ورغبته في الاستقلال، هذه المرحلة الصعبة من المحن تحت قيادة قائد جديد، وأن يعم السلام».

وخاطب عراقجي قائلاً: «أود أن أطلب منكم نقل خالص شكري وتقديري، وأؤكد أن روسيا، مثل إيران، تعتزم مواصلة تعزيز علاقاتنا الاستراتيجية. أرجو منكم نقل شكري وتقديري للمرشد (مجتبى خامنئي) على هذه الرسالة، وأتمنى له كل التوفيق والصحة والنجاح».

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يلتقي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ)

وفي إشارة إلى الجهد الروسي المتكرر لعرض وساطة لإنهاء الصراع، أكد بوتين أن بلاده ستواصل «بذل قصارى جهدها لمصلحة إيران ودول المنطقة الأخرى لتحقيق السلام في الشرق الأوسط بأسرع وقت ممكن».

وبدوره، أكد وزير الخارجية الإيراني، خلال اللقاء، توجه البلدين إلى تعزيز «الشراكة الاستراتيجية»، وقال: «بالنسبة لنا، تمثل العلاقات الإيرانية - الروسية شراكة استراتيجية على أعلى مستوى. ونحن مستمرون في هذا المسار».

وشكر عراقجي موسكو على دعمها لطهران، مضيفاً أن بلاده ستواصل مواجهة الولايات المتحدة. وقال: «لقد أكد العالم أجمع أن الشعب الإيراني، بمقاومته وشجاعته، قادر على صدّ الهجمات والعدوان الأميركي، وسيكون قادراً على الصمود خلال هذه الفترة».

ومن الجانب الروسي، حضر الاجتماع إلى جانب وزير الخارجية سيرغي لافروف، الذي أجرى لاحقاً جولة محادثات مطولة مع نظيره الإيراني، مساعد الرئيس يوري أوشاكوف، ورئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة إيغور كوستيوكوف. وضم الوفد الإيراني، إلى جانب عراقجي، نائبه كاظم غريب آبادي، وسفير إيران لدى موسكو كاظم جلالي.

وقبل المحادثات، صرّح وزير الخارجية الإيراني بأنه يعتزم مناقشة تنسيق الجهود مع روسيا لإنهاء الصراع في الشرق الأوسط.

وكانت عروض الوساطة الروسية تكررت أكثر من مرة قبل اندلاع الحرب وبعدها، لكنها قوبلت بتجاهل كامل من جانب إسرائيل، وبفتور من جانب الولايات المتحدة. وقال الرئيس دونالد ترمب في وقت سابق إن على بوتين أن يعمل على دفع التسوية السياسية مع أوكرانيا قبل عرض وساطته لتسوية صراعات أخرى.

برغم ذلك، يرى خبراء روس أن لدى موسكو فرصة كبيرة لدفع جهودها في هذا المسار، خصوصاً في إطار العمل على تسوية نهائية لملف البرنامج النووي الإيراني.

وكانت موسكو قد عرضت نقل المخزون الإيراني من الوقود المخصب إلى الأراضي الروسية، بالتنسيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. ومع أن هذا العرض تقابله رغبة قوية لدى ترمب في نقل المخزون إلى الأراضي الأميركية، يرى خبراء أن التوافق على دور روسي في هذا الملف قد يكون أحد الحلول الوسط للتوصل إلى تسوية مستدامة، خصوصاً أن موسكو أدت دوراً مماثلاً في الدفع نحو الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي خلال اجتماعهما (إ.ب.أ)

إضافة إلى ذلك، يرى خبراء روس أن موسكو يمكن أن تكون وسيطاً مقبولاً لدى الأطراف الإقليمية، خصوصاً دول الخليج العربي. فقد حافظت روسيا على موقف متوازن يقوم على دعم دول الخليج في مواجهة الهجمات الإيرانية عليها، وعرض بوتين على القادة الخليجيين التدخل لدى الإيرانيين لوقف هذه الهجمات.

وجاء حديث بوتين، خلال استقباله عراقجي، عن تسوية تضمن مصالح إيران ودول المنطقة، ليعزز هذا التوجه الروسي.

وفي السياق نفسه، يقول سياسيون روس إن واشنطن قد تقبل دوراً روسياً إذا استمر التعثر الحالي في مسار التسوية. كما أن غياب الدور الأوروبي، وعدم رغبة واشنطن في منح الصين دوراً مباشراً مؤثراً، قد يدفعان نحو تعزيز حضور الكرملين في أي تسوية مقبلة.

في المقابل، تحمل التأكيدات الروسية والإيرانية بشأن نية تعزيز التعاون في المجالات المختلفة، وترسيخ اتفاق الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بُعداً مهماً يتصل بنوع الدعم الذي قد تقدمه موسكو إلى طهران في حال استئناف العمليات القتالية.

ونفى الطرفان صحة معطيات غربية تحدثت عن تقديم موسكو معلومات استخباراتية إلى إيران ساعدتها في استهداف مواقع أميركية.

وقال لافروف، في وقت سابق، إن معطيات الأقمار الاصطناعية ومواقع تحرك السفن الأميركية «معروفة لكل الأطراف»، مضيفاً أن موسكو ليست بحاجة إلى دعم إيران في هذا المجال.

لكنّ الطرفين الروسي والإيراني أكدا، في الوقت ذاته، عزمهما مواصلة تطبيق الاتفاقيات السابقة المبرمة بينهما. وكان عراقجي قد قال في وقت سابق إن موسكو لا تدعم إيران عسكرياً في الحرب الراهنة، لكن موسكو وطهران تواصلان تنفيذ عقود سابقة واتفاقيات أُبرمت قبل الحرب.

ويرى خبراء أن هذا المدخل قد يوفر لموسكو مجالات لمواصلة دعم إيران من دون التورط في حضور عسكري مباشر وظاهر في المواجهة.

واللافت أن اتفاق الشراكة الاستراتيجية المبرم بين الطرفين لا ينص، خلافاً لاتفاقية مماثلة أبرمتها موسكو مع كوريا الشمالية، على بند الدفاع المشترك. لكن الاتفاقية تشتمل، رغم ذلك، على شق أمني وشق عسكري، وتفاهمات واسعة بشأن تبادل الخبرات والمعلومات، وتنفيذ أنشطة مشتركة في إطار التدريبات وغيرها من الفعاليات.

إضافة إلى ذلك، فإن غياب البند المتعلق بالدفاع المشترك لم يمنع الإيرانيين في وقت سابق من تقديم أشكال متعددة من الدعم العسكري لروسيا في الحرب الأوكرانية، بما في ذلك تزويدها بكميات كبيرة جداً من المسيّرات والصواريخ بطرازات متنوعة.


نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

نساء من دون حجاب في إيران... رغم استمرار القيود الصارمة

امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
امرأة تغادر متجراً بعد التسوق في طهران يوم 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

تنتشر في الآونة الأخيرة في طهران مشاهد نساء يتنزّهن في الشوارع أو يجلسن في المقاهي من دون حجاب، في تحدٍّ لقواعد اللباس الصارمة في إيران، غير أن بعض سكان العاصمة لا يرون في ذلك دليلاً على أي تبدّل في توجهات السلطات حيال حقوق النساء.

وحذّرت إلناز، الرسامة البالغة 32 عاماً والمقيمة في طهران، من أن «هذا ليس إطلاقاً مؤشر تغيير من جانب الحكومة»، مؤكدة أنه «لم يتم إحراز أي تقدم على صعيد حقوق النساء»، وفق تقرير لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وشددت الفنانة، طالبة عدم الإفصاح عن اسمها الكامل على غرار إيرانيات أخريات اتصلت بهنّ «وكالة الصحافة الفرنسية» من باريس، على أنه «بالرغم من المظاهر لم يحصل أي تغيير فعلي في ما يتعلق بالحرية الفردية».

امرأة إيرانية تستخدم هاتفها الجوال لالتقاط صورة في بحيرة تشيتغار وهي بحيرة اصطناعية بشمال غرب طهران يوم 26 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ولا يزال قانون إلزامية الحجاب الذي اعتُمد بعد انتصار الثورة عام 1979 سارياً رغم الليونة التي سُجلت بعد احتجاجات 2022-2023 تحت شعار «امرأة... حياة... حرية».

وأسست موجة المظاهرات هذه، والتي أعقبت وفاة الشابة مهسا أميني في 16 سبتمبر (أيلول) 2022 أثناء توقيفها من قبل «شرطة الأخلاق» لعدم التزامها بمعايير اللباس الصارمة، لتغيير بدا جلياً في بعض أنحاء طهران والمدن الكبرى، وهو تخلّي العديد من النساء عن الحجاب أو تغطية شعرهن في الأماكن العامة.

وتواصل هذا التوجه خلال حرب يونيو (حزيران) 2025 مع إسرائيل، ثم خلال الاحتجاجات الأخيرة التي انطلقت أواخر ديسمبر (كانون الأول) في طهران رفضاً للتدهور الاقتصادي، قبل أن تتوسّع إلى مناطق مختلفة وتشمل مطالب سياسية، ومؤخراً خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية مع إيران.

وقالت زهراء، ربة المنزل البالغة 57 عاماً في أصفهان بوسط البلاد: «كان هذا مجرد حلم قبل ثلاث سنوات فقط»، مضيفة: «لم أعد أضع الحجاب، لكنني كنت أود لو عشت ذلك عندما كنت شابة».

امرأة إيرانية تبكي أحد أحبائها الذي قُتل خلال الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران في مقبرة «بهشت ​​زهراء» جنوب طهران يوم 23 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«ثمن باهظ»

غير أن الحجاب ما زال شائعاً، وبعض النساء ما زلن يخترن من تلقاء أنفسهن ارتداءه. وإن كانت دوريات «شرطة الأخلاق» باتت شبه غائبة عن الشوارع، فما زال بوسع السلطات استدعاء النساء السافرات، ويتحتم عليهن بصورة عامة وضع الحجاب في المصارف والمدارس والمباني الإدارية.

ولفتت ناغين التي تدير مقهى في طهران إلى أنه خلف «الصورة الجميلة» التي تنتشر حالياً لنساء سافرات في المقاهي، أصحاب هذه المقاهي الذين «دفعوا ثمناً باهظاً».

وأوضحت المرأة البالغة 34 عاماً: «واجهنا معاملة قاسية للغاية طوال هذه السنوات، وما زال الأمر على حاله اليوم. تم إغلاق مقاهينا مراراً، وحُكم علينا بدفع غرامات، واضطررنا إلى دفع رشى»، مضيفة: «يشتدّ غضبنا حين يسمّون ذلك حرية ويقولون إن النساء أصبحن أكثر حرية».

وتبقى حرية النساء مقيّدة في إيران. وأوقفت السلطات عشرات آلاف الأشخاص خلال الاحتجاجات الأخيرة في يناير (كانون الثاني)، وعشرات الآلاف خلال الحرب الحالية، بحسب منظمات حقوقية.

وترى منظمة العفو الدولية أن «المقاومة المعمّمة» للحجاب الذي يعتبر إحدى الركائز الأساسية التي يقوم عليها النظام الإيراني، شكلت ضغطاً على السلطات في السنوات الأخيرة. لكنها أكدت أن السلطات واصلت فرض «إلزامية الحجاب في أماكن العمل والجامعات وغيرها من المؤسسات العامة، ما يعرّض الفتيات والنساء اللواتي يقاومنها للمضايقات، والاعتداءات، والاعتقالات الاعتباطية، والغرامات، والإقصاء من الوظائف والتعليم».

امرأة تشتري كرة كأس العالم من متجر في طهران يوم 23 أبريل 2026 (رويترز)

«لكن ماذا بعد ذلك؟»

وبات التلفزيون الرسمي ينقل الآن مشاهد لإيرانيات بلا حجاب، بشرط أن يؤيدن الجمهورية الإيرانية ويندّدن بأعدائها.

وأوضحت شهرزاد، ربة العائلة البالغة 39 عاماً، أن «عدداً متزايداً من النساء يتغلبن يومياً على خوفهن ويتجرّأن على الخروج بلا حجاب، وهذه ظاهرة تتعمّم. لكنني لا أرى أي تغيير في نظام الحكم». وتابعت: «لم يتغيّر شيء، باستثناء مقاطع الفيديو هذه لفتيات يظهرن أمام كاميرات الشبكات الإخبارية الرسمية ويهتفن: زعيمي زعيمي، حياتي فداه».

والوضع ليس هو نفسه في جميع أنحاء البلاد؛ ففي مشهد، المدينة الكبرى في شرق إيران، والتي تضم أحد أقدس المقامات لدى الشيعة، قالت مهسا، الطالبة البالغة 32 عاماً، إن القواعد أكثر صرامة. وروت: «قبل حرب الـ12 يوماً (في يونيو) لم يكن يُسمح لنا بالدخول إلى أي مكان من دون حجاب. أما الآن، فيدعوننا ندخل، لكننا لا نرى المستوى نفسه من التغيير كما في طهران خلال السنوات الثلاث الأخيرة».

وفي أصفهان، إحدى كبرى المدن المحافظة في البلاد، قالت فرناز (41 عاماً) إنه تم استدعاؤها للمثول أمام المحكمة في أبريل (نيسان) لعدم التزامها بوضع الحجاب.

وأضافت: «إنهم يعاودون منذ بضعة أيام إغلاق المقاهي بسبب مسألة وضع الحجاب... هنا نواجه الحكومة والسكان في آن واحد. وفي بعض الأحياء، عاود بعض رجال الدين تحذيرنا ومضايقتنا كما من قبل. لا يقتصر الأمر على (شرطة الأخلاق)».

كما قالت مريم (35 عاماً)، وهي أيضاً من سكان طهران: «إن كنتِ تزاولين نشاطاً اجتماعياً أو اقتصادياً، يتوقعون منكِ وضع الحجاب».

ولا يمكن لأحد أن يتكهن بما إذا كان هذا التسامح النسبي سيستمر. وأوضحت زهراء: «دفعنا ثمناً باهظاً جداً للوصول إلى هنا»، في إشارة إلى القمع الذي استهدف مظاهرات 2022، وأودى بالمئات بحسب منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. وتابعت أن السلطات «منشغلة في الوقت الحاضر بالحرب. لكن من يدري ماذا ستفعل بعد ذلك».