تشهد قاعة محكمة فيدرالية كشف النقاب عن معلومات مثيرة حول النشاطات الغامضة لأحد مكاتب البنتاغون المعنية بالإشراف على عمليات سرية بالخارج. ويأتي ذلك في إطار تحقيق جنائي كشف عن برنامج سري للأسلحة تحيطه مزاعم حول شارات مزيفة وآثار أدلة تعرضت للتدمير.
وبعد التحقيق الذي استمر قرابة عامين، من المقرر عقد جلسات محاكمة منفصلة هذا الشهر داخل محكمة مقاطعة الاسكندرية بولاية فيرجينيا لمسؤول مدني بالاستخبارات البحرية وخبير فني في الأسلحة الأوتوماتيكية من كاليفورنيا يتهمه المدعون بالتآمر لتصنيع حزمة من كاتمات الصوت للبندقيات الآلية يتعذر تتبع مصدرها.
وما يزال الغموض يحيط بالغرض المحدد من وراء هذه الكاتمات، لكن ملف القضية بالمحكمة وشهادات ما قبل بدء المحاكمة توحي بأنها كانت جزءًا من عملية بالغة السرية لمساعدة عصابات مسلحة أو قوات خاصة بالخارج.
وصدر أمر للحصول على الكاتمات - عددها 349 - من جانب مكتب استخبارات غير معروف على نطاق واسع يتبع القوات البحرية داخل البنتاغون ويحمل اسم «إدارة التخطيط والسياسات والرقابة والتكامل»، تبعًا لما ورد بوثائق الاتهام. وتتألف هذه الإدارة من أقل عن 10 موظفين مدنيين، معظمهم من العسكريين المتقاعدين.
وتزعم سجلات المحاكمة المقدمة من قبل الادعاء أن القوات البحرية دفعت للخبير الفني - وهو شقيق رئيس الإدارة - 1.6 مليون دولار مقابل الكاتمات، رغم أن تكلفتها حال الحصول عليها في صورة أجزاء ثم تصنيعها لا تتجاوز 10.000 دولار.
الملاحظ أن معظم وثائق التحقيق قدمت للمحكمة مع فرض السرية عليها لدواع تتعلق بالأمن الوطني. إلا أنه تبعًا لوثائق القضية المعلنة، فإن الجزء الأكبر من القضية يتعلق بما إذا كانت صفقة شراء الكاتمات قد جرت بصورة مناسبة لحساب مهمة سرية مصرح بها أم أنه جرى تجميعها لصالح عملية غير قانونية.
من جهته، علق أحد كبار المسؤولين السابقين بالقوات البحرية على علم بالتحقيق على الإدارة الخاضعة للتحقيق بقوله: «أعلم أن كلامي هذا قد يبدو أحمق، لكنهم كانوا يبنون ما يشبه نموذجا مصغرا من وكالة لفرض القانون والاستخبارات خاصة بهم».
يذكر أن الإدارة عبارة عن مكتب يخضع لإدارة مدنية، ومن المفترض أن يوفر الدعم ويتولى الإشراف على العمليات الاستخباراتية البحرية. إلا أن بعض نشاطات المكتب امتدت لمناطق رمادية وتحولت لمشاركة أكثر نشاطًا في مهام سرية، حسبما أفاد مسؤول بارز سابق بوزارة الدفاع على علم بعمل الإدارة.
وأضاف المسؤول السابق الذي اشترط التكتم على هويته لأن معظم عمل الإدارة سري: «من المفترض أن يضطلع هذا المكتب بنشاطات تتعلق بوضع السياسات والإشراف على البرامج، لكن يبدو أن أمرًا ما حدث جعله يضل طريقه. لقد تحول لما يشبه قيام ثعلب بحماية حظيرة الدجاج، وأشك أن الأمر ربما يخفي وراءه قضايا أخرى أعمق».
من جانبهم، رفض مسؤولون بالقوات البحرية التعليق على القضية، باعتبار أن المحاكمة المرتبطة بها ما تزال جارية.
وقال المحققون إن كاتمات الصوت جرى الحصول عليها لصالح «برنامج خاص» أو عملية عسكرية على درجة عالية من السرية. وأشارت وثيقة تعاقد ضمن ملف القضية إلى أن الكاتمات لازمة لدعم برنامج يحمل اسم شفري هو «أبستيرز»، لكن لم تكشف أي تفاصيل أخرى.
وتبعًا لوثائق المحكمة التي قدمها المحققون، فإن أحد مسؤولي الإدارة أخبر شاهدا لم يكشف عن اسمه أن الكاتمات لازمة من أجل «سيل تيم 6» التابع للقوات البحرية، وهي وحدة نخبوية من القوات الخاصة اضطلعت بقتل أسامة بن لادن.
بيد أن ممثلين عن الوحدة نفوا أمام المحققين الفيدراليين طلبهم لكاتمات صوت، وأكدوا عدم علمهم بأي شيء بخصوص هذا الأمر، تبعًا لما ورد بملف القضية في المحكمة.
خلال إحدى جلسات الاستماع، اتهم محامي الدفاع القوات البحرية بإعاقة التحقيق من خلال تدميرها مخبأ للبنادق الآلية التي كان من المفترض تزويدها بالكاتمات. وعلى الفور، اعترض المدعون على مناقشة مزيد من هذا الأمر خلال محاكمة علنية، واصفين الأمر بالسرية.
يذكر أن الأسلحة المدمرة كانت جزءًا من مخزون يضم قرابة 1.600 بندقية طراز «إيه كيه -47» جمعتها القوات الأميركية بالخارج ووضعتها بمخزن في بنسلفانيا، طبقًا لما أفاد به مصدر مطلع. وأضاف المصدر أنه حال إضافة كاتمات غير محددة الهوية للأسلحة المصنعة بالخارج، فإنه سيصبح من الممكن استغلالها من جانب قوات أميركية أو أجنبية في عمليات خاصة داخل دول أخرى من دون مخاطرة اقتفاء أثر الأسلحة ومعرفة أن مصدرها الولايات المتحدة.
وأكد مصدر آخر وهو مسؤول حالي رفيع المستوى بالقوات البحرية أن ترسانة من بنادق «إيه كيه -47» بأحد المخازن في بنسلفانيا جرى تدميرها بالفعل خلال العام الماضي. إلا أنه لمح إلى أن هذا الإجراء كان للتمويه فحسب، مشيرًا إلى أن الأسلحة كان محتفَظا بها لغرض آخر ولم يكن هناك أي برنامج لتزويدها بكاتمات.
وفي خطوة منفصلة دمرت مزيدا من الأدلة المحتملة، أحرق مسؤولون أمنيون بالقوات البحرية العام الماضي وثائق حصلوا عليها من مكاتب الإدارة داخل البنتاغون، تبعًا لما ورد بملف القضية.
وشهد اثنان من ضباط الأمن أنهما جمعوا الأوراق وحرقوها في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 – بعد 3 أيام من نشر «واشنطن بوست» مقالا في صدر صفحتها الأولى حول التحقيق الفيدرالي بخصوص كاتمات الصوت.
وأفاد أحد الضابطين، وهو سيدة تدعى فرانسين كوكس، أنه لم يخطر ببالها أن الوثائق ينبغي الاحتفاظ بها، رغم سياسات القوات البحرية التي تحظر تدمير سجلات قد تكون ذات صلة بقضية أو تحقيق جنائي.
واعترفت كوكس بأنها كانت على علم بأن الإدارة تخضع للتحقيق وأنها قرأت مقال «واشنطن بوست» قبيل حرقها للوثائق، لكنها أضافت أنها لم تعتقد أن تلك الأوراق مهمة.وقالت خلال جلسة استماع عقدت في يوليو (تموز): «لم أعتقد أن المعلومات التي كانت بأيدينا على صلة بالأمر. إذا لم يخبرني أحد بالاحتفاظ بوثائق، لا يصبح لزامًا علي الاحتفاظ بها».
في المقابل، أكد لي إم. هال، مسؤول الاستخبارات البحرية، المتهم بشراء كاتمات بصورة غير قانونية والذي من المقرر أن تبدأ محاكمته هذا الشهر، أن الوثائق التي أحرقت محورية بالنسبة لحجته في الدفاع. وأضاف أن الوثائق تضمنت مذكرات مكتوبة بخط اليد وأوراقا أخرى تكشف أن وكيل القوات البحرية حينها وافق على المشروع.
* خدمة «واشنطن بوست» ـ خاص بـ {الشرق الأوسط}
