كازورلا... الرجل الذي قهر المستحيل ليعود متألقاً مع منتخب إسبانيا

كازورلا... الرجل الذي قهر المستحيل ليعود متألقاً مع منتخب إسبانيا

آخر لاعب في الجيل الذهبي المتوج أوروبياً وعالمياً كان مهدداً ببتر ساقه
الثلاثاء - 29 شهر ربيع الأول 1441 هـ - 26 نوفمبر 2019 مـ رقم العدد [ 14973]
لندن: بارني روناي

منذ عدة سنوات كتب الروائي الأميركي نيكولسون بيكر كتاباً عن رجل لديه القدرة على إيقاف العالم من حوله. وفي هذه الرواية كان البطل قادرا على النظر إلى جيوب الناس وفحص أدراج الجوارب الخاصة بهم وترتيبها، واشترك في سلسلة من سباقات الماراثون لمدة 12 ساعة متواصلة دون تعب!

وعندما تشاهد الألعاب الرياضية على جميع المستويات، قد تشعر في بعض الأحيان بأن هناك بعض الرياضيين الذين يملكون هذه القوة الخارقة، وخير مثال على ذلك النجم الإسباني سانتي كازورلا الذي مر بأوقات قاسية وتعرض لإصابات متتالية وخضع للكثير من العمليات الجراحية، لكنه نجح في العودة للتألق مع نادي فياريال، ثم الانضمام للمنتخب الإسباني.

عندما كنت أشاهد كازورلا وهو يتألق بقميص الماتادور الإسباني أمام رومانيا الأسبوع الماضي في إطار تصفيات كأس الأمم الأوروبية، انتابني شعور بأن هذا اللاعب قد قهر الزمن، حيث كان يصول ويجول داخل الملعب وكأنه في بداية مسيرته الكروية، وليس لاعبا في الرابعة والثلاثين من عمره عانى من الكثير من الإصابات التي جعلت كثيرين يرون أنه من الصعب، بل ومن المستحيل، أن يعود للتألق في ملاعب كرة القدم مرة أخرى. وخلال هذه المباراة، كان كازورلا يتحرك من اليسار إلى اليمين بكل رشاقة، رغم الرقابة اللصيقة عليه من مدافع روماني قوي.

وفي لمحة فنية أخرى، راوغ كازورلا لاعب الفريق المنافس وأطلق تسديدة قوية باتجاه المرمى. وبين هذه اللقطة وتلك، كان كازورلا يتحرك بشكل رائع في نصف ملعب الفريق المنافس. وكان أكثر ما يلفت النظر في تألق كازورلا في هذه المباراة هو أنه يلعب بقميص المنتخب الإسباني الذي غاب عنه لسنوات بسبب الإصابة، والحقيقة أن المرء كان يشعر بسعادة غامرة في كل مرة يظهر فيها كازورلا على الشاشة ويتألق من جديد، لأنه أحد اللاعبين الموهوبين الذين أمتعوا الجمهور كثيرا بفنياته وقدراته الكبيرة.

وسيكمل كازورلا عامه الخامس والثلاثين في شهر ديسمبر (كانون الأول) القادم. وقبل عامين من الآن، أعرب الأطباء عن مخاوفهم من احتمال بتر قدمه اليمنى بعد إصابته بالتهاب شديد إثر تعرضه لإصابة خطيرة في الكاحل. لقد كان بحاجة إلى نقل الجلد من بعض الأماكن في جسده إلى أماكن أخرى لدرجة أن اسم ابنته كان مرسوما كوشم على جلد ذراعه، لكن نصف هذا الوشم تم إزالته من مكانه الطبيعي ليصبح مكانه الحالي فوق الكاحل الذي أصيب لكي يتم تغطيته بالجلد!

ولم يلعب كازورلا لمنتخب إسبانيا لمدة أربع سنوات، ولم يلعب سوى 12 مباراة فقط بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 وأغسطس (آب) 2018، لكن خلال الموسم الحالي، فإن كازورلا صنع وسجل أهدافا أكثر من أي لاعب خط وسط آخر في الدوري الإسباني الممتاز، ويقدم مستويات رائعة مع المنتخب الإسباني، الذي حقق الفوز في آخر مباراتين بمجموع 12 هدفا مقابل لا شيء. ويمكن القول إن ما حدث يعد «معجزة رياضية» بكل المقاييس.

وفي الواقع، كان كازورلا دائما لاعبا مختلفا، وواحدا من الرياضيين النادرين الذين يبدو أن بنيتهم الجسدية تناسب لعبة أخرى، إذ يصل طوله إلى 1.65 متر فقط، ويصل وزنه إلى 67 كيلوغراما، وهو ما يعني أن طوله ووزنه ربما يناسبان صبيا يبلغ من العمر 13 عاما، وليس لاعب كرة قدم يلعب في أعلى المستويات.

لكن ما هو أفضل مركز يلعب فيه كازورلا؟ لقد لعب في مركز المهاجم الوهمي، وكجناح وكمحور ارتكاز، ويجعلك تشعر في بعض الأحيان وكأنه يلعب في مركز غير تقليدي لم يكن موجودا من قبل، نظرا لخفة حركته وقدرته الهائلة على الاستحواذ والسيطرة على الكرة، فضلا عن مهاراته الاستثنائية وذكائه الكروي الحاد وسرعته الفائقة. إن ما قام به كازورلا يعد درسا لأي شخص في الحياة، حيث أثبت في البداية أن بنيته الجسدية الضعيفة لن تعوقه عن التألق في الرياضة التي يعشقها، ثم أثبت للجميع بعد ذلك أنه يمكن للشخص أن يحقق كل ما يريد إذا كان يمتلك العزيمة والإرادة.

وكان كازورلا أحد أفراد الجيل الذهبي للمنتخب الإسباني في عام 2008، وهو الجيل الذي غيّر النظرة التقليدية للمواصفات التي يجب أن يتحلى بها لاعبو كرة القدم، بلاعبين من أمثال كازورلا وسيسك فابريغاس وأندريس إنييستا وتشافي وديفيد سيلفا وديفيد فيا.

لقد كان فريقاً مليئاً بالنشاط والحيوية يعتمد على لاعبين يمتلكون فنيات وقدرات هائلة لكنهم قصار القامة، في وقت كانت تعتمد كرة القدم العالمية فيه على اللاعبين أصحاب البنية الجسدية الضخمة والقوة البدنية الهائلة، لكن هذا المنتخب الإسباني تفوق على الجميع بفضل مهارات لاعبيه وقدرتهم على نقل الكرة بسرعة وتبادل المراكز والأدوار وتجنب الالتحامات القوية مع لاعبي الفرق المنافسة، وحتى عام 2008 لم يكن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم يصدر بيانات تتعلق بنسبة استحواذ الفرق على الكرة، لكن بفضل ما قدمه المنتخب الإسباني في تلك الفترة، بدأ الاتحاد الأوروبي لكرة القدم بعد ذلك بأربع سنوات يصدر بيانات تتعلق بنسبة الاستحواذ، قبل أن ينتقل هذا الأمر إلى مختلف البطولات بعد ذلك.

وفي الحقيقة، كان اختيار كازورلا مفاجئاً في هذا الفريق، لكنه ظل موجودا بشكل منتظم بعد ذلك. لكنه الآن آخر لاعب من هذا الجيل الذهبي للماتادور الإسباني، كما يعد اللاعب الوحيد من هذا الجيل الذي لم يعتزل كرة القدم حتى الآن. وعلاوة على ذلك، يحظى هذا اللاعب بحب كبير في إنجلترا ككل، وليس فقط من قبل مشجعي آرسنال الذي لعب له من قبل، حيث كان في تلك الفترة أحد أفضل لاعبي خط الوسط في الدوري الإنجليزي الممتاز، للدرجة التي كان يجعلك تشعر وكأنه لاعب قادم من زمن آخر.

والآن، هناك احتمال أن يشارك كازورلا مع المنتخب الإسباني في كأس الأمم الأوروبية 2020، وقد تسوقه الأقدار لمواجهة المنتخب الإنجليزي في البطولة. ولو حدث ذلك، فسيكون أكثر منافس يتم الترحيب به.


اسبانيا الكرة الاسبانية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة