توتنهام كان يبحث عن المجد... لكن رئيسه يهتم بالأمور المالية فقط

الفريق اللندني ينظر إلى كرة القدم الآن على أنها صناعة وليس مجرد لعبة لإمتاع الجماهير

بوكيتينو وليفي رئيس توتنهام عندما تخطى الفريق أياكس وتأهل إلى نهائي دوري الأبطال
بوكيتينو وليفي رئيس توتنهام عندما تخطى الفريق أياكس وتأهل إلى نهائي دوري الأبطال
TT

توتنهام كان يبحث عن المجد... لكن رئيسه يهتم بالأمور المالية فقط

بوكيتينو وليفي رئيس توتنهام عندما تخطى الفريق أياكس وتأهل إلى نهائي دوري الأبطال
بوكيتينو وليفي رئيس توتنهام عندما تخطى الفريق أياكس وتأهل إلى نهائي دوري الأبطال

أقال نادي توتنهام مديره الفني الأرجنتيني ماوريسيو بوكيتينو بعد خمسة أشهر فقط من قيادته للنادي للوصول إلى المباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا في إنجاز يمكن وصفه بالإعجازي. ونقل الكاتب الصحافي المتخصص في الشؤون الرياضية، كين جونز، عن كيث بوركينشو قوله بعد إقالته من تدريب توتنهام في عام 1984 رغم قيادته للفريق للفوز بكأس الاتحاد الأوروبي: «لقد كان هذا نادياً لكرة القدم في وقت من الأوقات، لكنه لم يعد كذلك».
وكان بوركينشو يعمل في نادٍ يسعى لاستغلال الأموال التي سيحصل عليها من مشاركته في بطولات كرة القدم لكي يصبح أول نادٍ يطرح أسهمه في البورصة، متجاوزاً بذلك القيود التي كانت تفرضها اللعبة على مدار قرن كامل والتي كانت تمنع مالكي الأندية من تحقيق أرباح بعيداً عن أنشطة النادي الرياضية. وبعد ثماني سنوات، نظم آلان شوجار، بصفته رئيساً للنادي آنذاك، تصويتاً لاختيار شبكة «بي سكاي بي» كمذيع حصري لمباريات الفريق في الدوري الإنجليزي الممتاز على حساب قناة «آي تي في» المجانية، وفي الوقت نفسه كانت شركة «أمسستراد» المملوكة لشوجار تصنع أطباق الأقمار الصناعية.
ويجب أن ندرك أن كرة القدم لم تعد تلك اللعبة التي كانت ذات يوم تعتمد في المقام الأول والأخير على النواحي الرياضية بعيداً عن الأمور المالية، لكن البعض ما زال يتذكر تصريح قائد توتنهام الفائز بالثنائية المحلية عام 1961. داني بلانشفلاور، عندما قال: «هناك مغالطة كبيرة تقول إن كرة القدم تتعلق في المقام الأول والأخير بالفوز ولا شيء غير ذلك، لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد شيء من هذا القبيل. هذه اللعبة تدور حول المجد، وحول القيام بالأشياء بطريقة أنيقة ومتقدمة».
وبغض النظر عن الأسباب التي دفعت رئيس نادي توتنهام، دانييل ليفي، لإقالة بوكيتينو من منصبه بعد الانتقال إلى الملعب الجديد والتعاقد مع المدير الفني البرتغالي جوزيه مورينيو، فمن الإنصاف القول إن ما حدث مع بوكيتينو يختلف كثيراً عما قاله بلانشفلاور. ومن المؤكد أن الجميع سيظل يتذكر النجاحات الكبيرة التي حققها بوكيتينو مع توتنهام، والتي كان أبرزها الوصول للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا والانتصارات المذهلة في ذلك الموسم على مانشستر سيتي وأياكس أمستردام بعدما كان الفريق متأخراً في النتيجة، وسيتذكر الجميع أن المدير الفني الأرجنتيني كان يعمل بكل جدية وتواضع لتحقيق تلك الإنجازات. وبعد أن استجمع بوكيتينو قواه واستوعب ما حدث، وجه الشكر لكرة القدم نفسها على ما وصفه بهداياها الرائعة.
أما ليفي، فكان يظهر على شاشات التلفزيون إلى جانب مجموعة من كبار المسؤولين في النادي خلال تحقيق هذه الانتصارات لكي يشيد بالمدير الفني الأرجنتيني وبالمجهود الكبير الذي يبذله، ويصفق لبوكيتينو بينما يبكي الأخير متأثراً بما حققه هو ولاعبوه. لكن الآن، وبعد فترة وجيزة من تحقيق هذه الإنجازات، يجب أن يدرك الجميع أن العمل والأمور المالية هي التي تحكم كل شيء في هذه اللعبة. وفي الحقيقة، ربما لم يكن بلانشفلاور وبوركينشو، وربما لورد شوجار نفسه، يتصورون أنه من الممكن أن تصل كرة القدم الحديثة إلى هذا الهيكل المالي الضخم الذي أصبحت عليه الآن. ولا يتصورون أيضاً كيف يفكر ليفي، الذي يترأس النادي المملوك لتاجر العملة جو لويس عبر جزر البهاما، في بناء ملعب ضخم جديد للفريق وكيف يحصل على الأموال اللازمة لذلك.
إن إقالة بوكيتينو في وقت مبكر من هذا الموسم كانت بهدف إعطاء أكبر وقت ممكن لمورينيو من أجل العمل على قيادة الفريق لاحتلال أحد المراكز الأربعة الأولى في جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز والتأهل للمشاركة في دوري أبطال أوروبا، لأن هذه هي الأولوية القصوى للنادي الآن. ويمكن تلخيص هذا الأمر ببساطة في أن هناك ستة أندية كبرى في الدوري الإنجليزي الممتاز من حيث تحقيق الأرباح والنتائج بشكل منتظم، لكن أربعة أندية فقط هي التي تتأهل لدوري أبطال أوروبا، لذلك فإن المنافسة تكون شرسة للغاية على حجز هذه المقاعد. ويعني هذا أن ناديين من هذه الأندية الستة سيفشلان في الوصول لدوري أبطال أوروبا، وعندما يحدث ذلك فإن هذين الناديين يعانيان بشدة، سواء على مستوى كرة القدم نفسها أو على المستوى المالي، وهو الأمر الذي يجعلهما يشعران بالمرارة وكأنهما قد هبطا من الدوري الإنجليزي الممتاز إلى دوري الدرجة الأولى!
وفي الحقيقة، يمكن النظر إلى بوكيتينو على أنه ضحية للإنجازات التي حققها بشكل يفوق القدرات المالية للفريق، حيث قاد الفريق للمشاركة في دوري أبطال أوروبا بشكل متوالٍ، رغم أن الفريق كان يلعب على ملعب «وايت هارت لين» ثم لعب بعد ذلك بشكل مؤقت على ملعب ويمبلي، ورغم أن النادي يأتي في المرتبة السادسة بين أندية الدوري الإنجليزي الممتاز من حيث الإيرادات.
ولم ينشر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم حتى الآن البيانات والأرقام المتعلقة بالملايين التي حصلت عليها الأندية من النسخة الماضية من دوري أبطال أوروبا، وهو الموسم الأول ضمن صفقة عائدات البث التلفزيوني الجديدة والتي تصل قيمتها إلى أربعة مليارات يورو والتي تغطي الفترة بين عامي 2018 و2021. وكان توتنهام قد حصل على 61 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم في موسم 2017 - 2018، رغم خروجه من دور الستة عشر. وسيعلن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم الأرقام الخاصة بالموسم الماضي خلال الأيام القليلة المقبلة، ومن المتوقع أن يحصل توتنهام على نحو 80 مليون يورو، بسبب وصول النادي للمباراة النهائية لدوري أبطال أوروبا بقيادة بوكيتينو.
ويجب أن نعرف أن هذه المبالغ المالية الكبيرة، التي تساعد الأندية الستة الكبرى في الدوري الإنجليزي الممتاز على التفوق بشكل كبير على منافسيها الطامحين، هي الأموال التي تحصل عليها هذه الأندية من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم فقط، فبالإضافة إلى ذلك تحصل هذه الأندية المشاركة في دوري أبطال أوروبا على مبالغ مالية أخرى من استضافة المباريات الأوروبية الكبرى على ملاعبها، كما تزيد عائداتها المالية من حقوق الرعاية، رغم أن اللاعبين يحصلون على جزء من هذه الأموال في صورة مكافآت.
وبالنسبة لتوتنهام، فإن مشروع بناء الملعب الجديد قد حول مشاركة الفريق في دوري أبطال أوروبا من مكافأة سعيدة إلى هدف كبير وأولوية قصوى ينبغي تحقيقها لتغطية النفقات، حيث اقترض النادي 637 مليون جنيه إسترليني. ولكي يتم سداد هذه الأموال، ينبغي استغلال المزايا التجارية لهذا الاستاد الجديد الفخم في العاصمة البريطانية لندن بشكل كامل، وينبغي الاستمرار في المشاركة في دوري أبطال أوروبا من أجل الحصول على المكافآت المالية، وهي الأسباب التي تفسر قرار ليفي بالإطاحة ببوكيتينو بعد 12 جولة فقط من الموسم الحالي، لأن توتنهام ينظر إلى كرة القدم الآن على أنها صناعة وليس مجرد لعبة لإمتاع الجماهير.


مقالات ذات صلة


نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.