السياحة البيئية العربية... من التعافي إلى الاستدامة

السياحة البيئية العربية... من التعافي إلى الاستدامة
TT

السياحة البيئية العربية... من التعافي إلى الاستدامة

السياحة البيئية العربية... من التعافي إلى الاستدامة

بين جبال محمية ضانا للمحيط الحيوي، وفي نهاية طريق وعرة جنوب البحر الميت، يحتضن وادي فينان الخلّاب نزلاً بيئياً منعزلاً أقامته الجمعية الملكية الأردنية لحماية الطبيعة وتديره شركة الفنادق البيئية. وقبل أيام قليلة، حصل النزل على الجائزة الذهبية في فئة تخفيض الكربون، ضمن احتفالية الإعلان عن الجوائز العالمية للسياحة المسؤولة التي جرت في لندن. كما اختير كفائز نهائي بين الفائزين الخمسة عشر في فئات الجوائز الست، وحصل بالتالي على المرتبة الأولى عالمياً.
ويمثل النزل منذ افتتاحه سنة 2005 إحدى أهم قصص النجاح العربية في السياحة المستدامة ودعم المجتمع المحلي. فما الذي يجعله يحظى بهذه المكانة على خريطة السياحة البيئية الدولية؟ وما هي آفاق السياحة المستدامة في العالم العربي؟

- نمو سريع ومخاطر أكبر على البيئة
وفقاً لمنظمة السياحة العالمية، بلغ عدد السيّاح الدوليين في سنة 2018 نحو 1.4 مليار شخص. كما شهدت السنة ذاتها نمو الصادرات السياحية بمقدار 4 في المائة، وهو معدل يتجاوز للسنة السابعة على التوالي نمو الصادرات السلعية الذي يبلغ 3 في المائة. وبالنظر إلى هذه الوتيرة السريعة في النمو، فإن التوقع بوصول عدد السياح الدوليين إلى 1.8 مليار سائح سنوياً بحلول 2030 يبدو محافظاً.
وفي مقابل الفرص الواعدة لزيادة أعداد السيّاح، تلوح في الأفق مخاطر «السياحة المفرطة»، بما تحمله من تأثير سلبي على المقاصد السياحية اجتماعياً وبيئياً، خصوصاً عندما تتجاوز قدرتها الاستيعابية. وتعرّف منظمة السياحة العالمية التابعة للأمم المتحدة القدرة الاستيعابية بأنها «الحد الأقصى لعدد الأشخاص الذين قد يزورون مقصداً سياحياً في الوقت نفسه من دون التسبب في تدمير البيئة المادية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وحصول تناقص غير مقبول في نوعية رضا الزوّار». لكن رغبة بعض الدول في زيادة عوائدها من السياحة يدفعها لتجاوز القدرة الاستيعابية. على سبيل المثال، تم تحديد القدرة الاستيعابية لجزر غالاباغوس بـ12 ألف زائر سنوياً، إلا أن الحكومة الأكوادورية تسمح لـ50 ألف سائح بزيارة هذا الأرخبيل الغني بالأنواع الحية النادرة، وذلك لأسباب اقتصادية.
وعلى الرغم من أن مفهوم السياحة المستدامة، على ما يعنيه من زيارة مكان ما كسائح، ومحاولة إحداث تأثير إيجابي على البيئة والمجتمع والاقتصاد، ظهر منذ نحو نصف قرن، إلا أن تحقيق غايات هذا المفهوم لا تزال موضع نقاش مستمر. من دون سفر لا توجد سياحة، لذلك ترتبط السياحة المستدامة ارتباطاً وثيقاً بالنقل المستدام. وتشهد البصمة الكربونية للسياحة العالمية ارتفاعاً متزايداً سنة بعد سنة، ليس فقط بسبب ازدياد عدد السياح، ولكن أيضاً نتيجة لزيادة متوسط المسافة التي يقطعها السائح سنوياً.
ويقدر بحث نُشر منتصف 2018 في دورية «نيتشر» الخاصة بتغيُّر المناخ، أن البصمة الكربونية العالمية لقطاع السياحة ازدادت خلال الفترة بين 2009 و2013 من 3.9 إلى 4.5 مليار طن مكافئ كربوني، وهذه الانبعاثات السنوية تمثل 8 في المائة من الانبعاثات العالمية لغازات الدفيئة. وتتصدر الولايات المتحدة قائمة الدول الأكثر تسبباً في الانبعاثات المرتبطة بالسياحة نتيجة كثافة الرحلات الداخلية، تليها الصين وألمانيا والهند. وفي الدول الجزرية الصغيرة، مثل المالديف وموريشيوس وقبرص وسيشيل، تشكل السياحة ما بين 30 إلى 80 في المائة من الانبعاثات السنوية الوطنية. ويرى معدّو البحث أن هذه النتائج تشير إلى ضرورة إدراج السياحة ضمن الالتزامات المناخية الدولية، بما فيها اتفاقية باريس. كما تشير إلى أن الدول التي تتطلع إلى توسيع السياحة لتعزيز التنمية الاقتصادية تحتاج إلى النظر في تأثير هذه الصناعة على انبعاثاتها الوطنية وأهدافها المناخية.
ويمكن من خلال اتباع مجموعة من الترتيبات خفض البصمة الكربونية للمنشآت السياحية إلى حد بعيد. ولعل ما يُطبَّق في نزل فينان الأردني يعد حالة نموذجية يمكن اعتمادها في الكثير من مرافق السياحة عربياً وعالمياً. فالنزل، المكون من 26 غرفة تستوعب 60 نزيلاً في الليلة الواحدة، مستقل عن شبكة الكهرباء العامة منذ افتتاحه، وهو يؤمن حاجته من الكهرباء من خلال نظام ألواح كهروضوئية توفر 72 طناً من انبعاثات الكربون سنوياً.
ويعتمد النزل على الإضاءة باستخدام الشموع المصنعة محلياً، مما يوفر فرص عمل إضافية لأهالي المنطقة. كما يستخدم لتجفيف الغسيل الأسلوب التقليدي بالنشر في الهواء الطلق، ويؤمن المياه الساخنة بواسطة ألواح التسخين الشمسية. ويعمل نظام إدارة المياه العادمة وفضلات الطعام العضوية في النزل على تحويل البقايا إلى غاز حيوي يُستخدم في الطهي، في حين تذهب المياه المعالجة لري النباتات.
ويستخدم النزل مخلفات عصر الزيتون كمصدر للطاقة بديل عن الحطب، مما يعني توفير أربعة أطنان من الأشجار سنوياً. ونظراً لوجود النزل في منطقة منعزلة نسبياً، يتم توصيل الطعام إليه مرة واحدة في كل أسبوع، مما يؤدي إلى تخفيض البصمة البيئية للنقل. ومن الواضح أن الترتيبات المتبعة في نزل فينان لا تمثل فقط نجاحاً على المستوى البيئي، بل هي أيضاً نجاح على المستوى الاجتماعي والاقتصادي، من خلال توفير فرص العمل للأهالي والحفاظ على الموارد.

- البحث عن موطئ قدم بأي ثمن
وفيما يشهد العالم العربي تعافياً في قطاع السياحة، بعد حالة التراجع خلال السنوات الماضية نتيجة غياب الاستقرار تحت تأثير أحداث «الربيع العربي» ونشوب بعض النزاعات، فإن الدول العربية معنية أكثر من غيرها بإعادة النظر في سياساتها، ليكون هذا التعافي قائماً على أسس الاستدامة وحماية الموارد الطبيعية.
ويشير تقرير «تنافسية السياحة والرحلات»، الصادر هذه السنة عن المنتدى الاقتصادي العالمي، إلى حصول تحسن في تنافسية دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا اعتباراً من 2017، لا سيما في البلدان العربية شمال أفريقيا. وينسب التقرير هذا التحسن إلى زيادة الأمن والأمان والانفتاح أكثر على العالم ودعم الاستدامة البيئية وتطور بنية النقل الجوي إلى جانب الأسعار التنافسية التي توفرها المنطقة.
وحسب التقرير، تأتي الإمارات في صدارة الدول العربية من حيث التنافسية؛ حيث تحتل المرتبة 33 عالمياً، تليها قطر في المرتبة 51 عالمياً، ثم عُمان في المرتبة 58، فالبحرين ومصر والمغرب والسعودية والأردن وتونس والكويت ولبنان والجزائر واليمن. ويبلغ عدد السياح الدوليين الوافدين إلى المنطقة نحو 85 مليون سائح، ينفقون 85 مليار دولار سنوياً ويوفرون فرص عمل لأكثر من 4.655 ملايين شخص.
وفي إطار تنويع موارد اقتصادها الوطني بعيداً عن الوقود الأحفوري، تسعى الدول الخليجية إلى زيادة عوائدها من قطاع السياحة الدولية وتشجيع السياحة الداخلية. وتتمتع منطقة الخليج بتنوع طبيعي وإرث حضاري يمثلان قيمة مضافة، إلى جانب البنية التحتية المتطورة والموقع الجغرافي المتميز ومناخ الاستقرار وبيئة الأعمال المرنة التي تدفع السياحة قدماً إلى الأمام.
ففي السعودية مثلاً، يهدف برنامج التحوُّل (رؤية السعودية 2030) إلى زيادة مساهمة قطاع السياحة، بحيث تصل عائداته إلى 10 في المائة من الناتج الوطني، مع توفير 1.6 مليون فرصة عمل في سنة 2030. وتعد البلاد أكبر وجهة للمسافرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، باجتذابها لأكثر من 24 مليون شخص في سنة 2018، وإن كان أغلبهم من زوار المشاعر المقدسة. كما تمتاز بتوفر البنية التحتية المتميزة والأسعار التنافسية. وفيما كانت متطلبات التأشيرة الصارمة تعيق تدفُّق السيّاح، استحدثت السعودية مؤخراً تأشيرة سياحية تتيح للزوار من جميع أنحاء العالم القدوم إليها، وفق ترتيبات أكثر مرونة. وعدا عن الشواطئ والشعاب المرجانية والتنوُّع الطبيعي بين الواحات الصحراوية والجبال، تحتضن السعودية مواقع أثرية مهمّة لم تتم الإضاءة عليها على نحو كافٍ من قبل.
وفيما ينعكس تطوير القطاع السياحي في الدول الخليجية إيجاباً على المحيط الحيوي من خلال دعم إنشاء المحميات الطبيعية والحفاظ على مواقع التراث العالمي، كما في محمية رأس الخور في إمارة دبي التي تعد مقصداً مهماً لهواة مراقبة الطيور المهاجرة، لا سيما طيور الفلامنغو الوردية، فإن الأثر البيئي لا يظهر بشكل صريح في معظم الخطط الوطنية لتطوير هذا القطاع. وتكاد المؤشرات تقتصر على المعايير المرتبطة بالاقتصاد (عدد ليالي إقامة السائح، عدد التأشيرات السياحية، عدد المرشدين السياحين، وغيرها) من دون ربط معلن مع القدرة الاستيعابية للمقاصد السياحية.
وباستثناء المغرب، تأثرت الدول العربية في حوض المتوسط إلى حد كبير بفقدان الاستقرار منذ منتصف 2010، وفقاً لمعطيات منظمة السياحة العالمية والبنك الدولي. وأدت الحرب في سوريا إلى القضاء بشكل تام على قطاعها السياحي في منتصف 2012، بعد نمو كبير في أعداد السياح الدوليين خلال السنوات السابقة. وقد بدأ القطاع السياحي في مصر وتونس مؤخراً يشهد بعض التعافي نتيجة الاستقرار وعودة الأمان.
ويرى تقرير صادر عن الصندوق العالمي للطبيعة سنة 2015، أن منطقة المتوسط تشهد تدفقاً غير مسبوق للسياح. ومن المتوقع خلال السنوات الخمس عشرة المقبلة أن تتوسع الأنشطة المتعلقة بالبحر، بما فيها النقل البحري والرحلات والمأكولات البحرية وغيرها، مما يخلق تنافساً متزايداً على الموارد الطبيعية المحدودة ويؤدي إلى مزيد من الضغط على النظام البيئي المجهد مسبقاً.
ويتطلب تحقيق الاستدامة وحماية البيئة في قطاع السياحة العربية مراجعة شاملة للسياسات القائمة والخطط المستقبلية، تقوم على المنهج الإقليمي، الذي يتيح تنظيم التدفقات السياحية ويعيد توجيهها إلى مقاصد أخرى لا تعاني من مشكلات الاكتظاظ والضغط على النظم البيئية والموارد الطبيعية. كما يجب السعي لتحقيق التكامل مع القطاعات الأخرى مثل الزراعة والحرف اليدوية، للتخفيف من آثار الأزمات، بحيث لا تكون السياحة هي العامل المصيري في ديمومة المجتمعات المحلية، وإنما داعم مهم لمواردها، وهذا يسمح للسياحة بالاستمرار في النمو.
يبقى أن رغبة البلدان العربية في الحصول على موطئ قدم على خريطة السياحة العالمية يجب ألا تتجاهل الحاجة لتعزيز السياحة المستدامة، التي يتمتع فيها الزوّار والمضيفون بعلاقات متوازنة ومحترمة ومثمرة، تقدّر التراث البيئي والإنساني والثقافي الفريد للمنطقة، مع ضمان التنمية الاجتماعية الاقتصادية الشاملة التي تراعي القدرة الاستيعابية للنظم الإيكولوجية، وتعزيز التكامل بين قطاعات الأعمال في المقاصد السياحية.


مقالات ذات صلة

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس)

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.


ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
TT

ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، الخميس، من أن ظاهرة «النينيو» القادمة ستكون الأقوى منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل 4 عقود، وكما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن العالم في «منطقة خطر الطقس المتطرف». وأفادت المنظمة بأن هذه الظاهرة المناخية ستصبح «شديدة للغاية» في الأشهر المقبلة.

وقالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة، للصحافيين في جنيف: «إذا استمر هذا المسار، فقد تكون هذه الظاهرة أقوى من أي شيء شهدناه منذ بدء رصدنا لها». وتؤدي ظاهرة النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتحدث ظاهرة النينيو عادةً كل سنتين إلى 7 سنوات، وتستمر من 9 إلى 12 شهراً. ويمكنها أن تُغير أنماط الطقس والمناخ على بُعد آلاف الكيلومترات من المحيط الهادئ الاستوائي.

التأثير المتوقع على منطقتنا العربية

قال جوش ويليس، عالم محيطات في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، أحد المختبرات التابعة لوكالة «ناسا» الأميركية: «يمتد نطاق ظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من المحيط الهادئ. حيث تتفاعل هذه الحرارة المخزنة مع الغلاف الجوي، مُحدثةً تيارات الحمل الحراري، ومؤديةً إلى تغيرات في أنماط الرطوبة وهطول الأمطار بعيداً عن المنطقة التي بدأت فيها».

تظهر الخريطة موجة دافئة عملاقة تعبر المحيط الهادئ (ناسا)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للمنطقة العربية، يميل الوضع نحو ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فيما تميل شمال أفريقيا عادةً إلى الجفاف. لكن هذه مجرد مؤشرات، وليست ضمانات.

فظاهرة النينيو هي أحد العوامل المؤثرة من بين مجموعة عوامل، ويمكن للأنماط الإقليمية أو الظواهر المناخية الأخرى، مثل تأثيرات ظاهرة النينيو في المحيط الهندي، أن تُضخّم أو تُبطل من هذا التأثير. وضربت عاصفة جوية صيفية نادرة وحالة من عدم الاستقرار الجوي لبنان وسوريا في أواخر شهر أغسطس (آب) 2026، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام وتشكل سيول مفاجئة.

وقال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية والتضاريس الموجودة فيها من جبال ووديان ومنخفضات قد يعرض السكان في مثل هذه الظروف لخطر السيول، وحالات من عدم استقرار الظواهر المناخية والطقس، خصوصاً في الفصول الانتقالية مثل الربيع والخريف».

وأَضاف أن المنخفضات الجوية أيضاً هي أحد مظاهر فصل الخريف وتتكون على منطقة الشرق الأوسط، بعضها قادم من القارة الأفريقية من الجنوب وشمال السودان، وهناك أخرى تكون قادمة من جنوب أوروبا وتؤثر على المناطق الشمالية من المنطقة العربية. وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تشتدّ ظاهرة النينيو لتصبح حدثاً قوياً للغاية في الأشهر المقبلة، مع تأثيرات كبيرة على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وما يصاحبها من مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة».

مخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة في المنطقة العربية (د.ب.أ)

ووفق التحديث المناخي الموسمي العالمي فإن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية. وتمتد أقوى مؤشرات هذا الاتجاه عبر أفريقيا، وجنوب أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومناطق أخرى من العالم.

وتُظهر توقعات هطول الأمطار للفترة من أغسطس إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2026 أنماطاً نموذجية لظاهرة النينيو القوية. ومن المتوقع هطول أمطار أكثر من المعتاد على منطقة القرن الأفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى، وجنوب أوروبا، وكذلك في مناطق أخرى بعيدة من العالم. في المقابل، من المرجح أن تسود ظروف أكثر جفافاً من المعتاد في شبه القارة الهندية، وجنوب وشرق أستراليا، وجنوب أميركا الوسطى وأجزاء من منطقة البحر الكاريبي، وشمال غرب أميركا الجنوبية، وشمال أوروبا.

الآثار الاستراتيجية على المنطقة العربية

ووفق مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) يتزامن حدث النينيو لعام 2026 مع اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد، لا سيما حول مضيق هرمز. ويخلق هذا وضعاً بالغ الخطورة لانعدام الأمن الغذائي، حيث تتضافر عوامل فشل المحاصيل الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود.

ووفق قطب فإن أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية هي الزراعة؛ لأن المحاصيل الزراعية تحتاج لظروف مناسبة من درجة الحرارة والرطوبة ومعدلات المطر. وأضاف أن النقل البحري أيضاً أحد أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية، لا سيما شدة الأمطار وارتفاع الأمواج، وهو ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد في المنطقة.

تؤدي النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

وحسب سيداري فإنه من المتوقع أن يؤدي النقص الناتج في المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الزراعية، إلى تأجيج التوترات على مستوى المجتمعات المحلية، والنزاعات المحلية، والاحتجاجات المتعلقة بالمياه. وقد تهدد موجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة المحتملة البنية التحتية.

يقول ويليس: «لتأثيرات ظاهرة النينيو تداعيات اقتصادية عالمية. فالمياه الدافئة التي نرصدها من الفضاء لها ثمنها، وقد يظهر هذا الثمن في أسعار أعلاف الحيوانات والغذاء بعيداً عن المحيط الهادئ».

إدارة استباقية

وتُعد المنطقة العربية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، التي من المرجح أن تزيدها ظاهرة النينيو. ويؤدي تداخل الصراعات مع الظاهرة المناخية إلى تعطيل إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وهي ضرورية لإنتاج الغذاء في المنطقة. ومع وجود 19 دولة عربية تعاني بالفعل من شح المياه، فإن النينيو تهدد بشكل مباشر إمدادات المياه الأساسية، وفق سيداري.

وحثت رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ساولو، سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، على الاستعداد. وقالت: «إن ظاهرة النينيو الاستثنائية هذه لديها القدرة على توجيه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم».

مخاوف علمية من حدوث سيول وفيضانات مفاجئة (أ.ب)

وشدد قطب على ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة للتكيف مع التغيرات المناخية، مثل سياسات التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقات الجديدة والمتجددة، والدفع نحو استخدام السيارات الكهربية والقطارات الحديثة الموفرة للطاقة والتي تقلل من نسب التلوث البيئي أيضاً، وبالطبع التوسع في إقامة المناطق الخضراء، وإنشاء مبانٍ سكنية صديقة للبيئة.

ووفق سيداري، تتطلب ظاهرة النينيو لعام 2026 إدارةً استباقيةً ومعززةً للموارد، بما في ذلك تسريع الاستثمارات في تحلية المياه والزراعة المستدامة، وتأمين طرق بديلة لإمدادات الغذاء، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة الاضطرابات الاجتماعية المحتملة. كما أنه لا بدّ لنا من التساؤل: هل بنيتنا التحتية العربية مُهيأة لمواجهة ظاهرة مُتفاقمة على كوكبٍ ذي حساسيةٍ أعلى وحمايةٍ أقلّ؟ هل إجراءاتنا المعتادة للإغاثة الزراعية والإنسانية كافيةٌ لمواجهة تحوّل جذري؟ إننا نشهد أزمة متوقعة تواجه عالماً غير مُستعد. لم يعد السؤال ما الذي سيحدث، بل هل نحن أخيراً على أهبة الاستعداد للاستجابة لما يُشير إليه هذا الحدث؟


ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الإدارة الأميركية، الجمعة، أنها تعتزم إنهاء الحماية الممنوحة للذئاب كأحد الأنواع المهددة بالانقراض، مما أثار غضباً واسعاً لدى المنظمات البيئية.

وفي مرسوم يهدف إلى مساعدة مربي المواشي للحدّ من خسائرها، طلب الرئيس دونالد ترمب من وزير داخليته دوغ بورغوم أن يحدّد في غضون 90 يوماً ما إذا كانت الذئاب الرمادية والذئاب المكسيكية تستوفي المعايير التي «تتيح رفع الحماية عنها، أو إعادة تصنيفها بموجب قانون الأنواع المهددة بالانقراض».

وإذا استوفت الذئاب المعايير، فبإمكان بورغوم البدء في شطبها من القائمة، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى تشجيع الولايات على تخفيف القيود المفروضة على صيد الذئاب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طريقه إلى مروحية «مارين وان» للانتقال إلى نادي الغولف الذي يملكه في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي لتمضية عطلة نهاية الأسبوع (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة تضم ما لا يقل عن 250 ألف ذئب قبل وصول المستوطنين الأوروبيين الذين تسببوا في انخفاض أعدادها بشكل كبير مع توسعهم غرباً.

وتضم الولايات المتحدة القارية حالياً نحو 7600 ذئب رمادي، بحسب منظمة «وولف كونسرفيشن سنتر»، بينما قُدّر عدد الذئاب المكسيكية بنحو 317 ذئباً في نهاية عام 2025، بحسب المنظمة المكلفة بمراقبة أعدادها.

وقررت إدارة ترمب إلغاء قرار حماية الذئب الرمادي الذي صدر في سبعينات القرن الفائت بعد أن كاد ينقرض في الولايات المتحدة. وقد أعاد قاضٍ فدرالي العمل بالقرار في العام 2022.

ورأى بن غرويل، من منظمة «سييرا كلوب» المدافعة عن البيئة، أن هذا القرار محاولة لتهدئة مخاوف مربي المواشي الغاضبين من قرار الحكومة رفع الرسوم الجمركية مؤقتاً عن لحوم الأبقار المستوردة.

وأضاف: «إن تحويل حماية الذئاب إلى قضية تُدار سياسياً بذريعة الحد من الأضرار لن يُساهم في خفض أسعار المواد الغذائية، أو مساعدة الأسر التي تُعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة».

وكانت إدارة ترمب قد أضعفت في يوليو (تموز) حماية موائل الأنواع المُهددة بالانقراض، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».