«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة الدولي(3): حكايات غريبة تنجز نجاحاً قصير الأمد

تيري غيليام المحتفى به

من فيلم «برازيل»
من فيلم «برازيل»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان القاهرة الدولي(3): حكايات غريبة تنجز نجاحاً قصير الأمد

من فيلم «برازيل»
من فيلم «برازيل»

أوحت الكلمة القصيرة التي ألقاها المخرج الأميركي تيري غيليام عندما اعتلى المنصة في الصالة الرسمية لدار الأوبرا لتسلم جائزته الشرفية احتفاء به وبسينماه بمخرج يرفض أن تتقاعد أحلامه. بالتالي يرفض أن يتقاعد ولو أنه، وكما قال، كان بدأ يعتقد أنه اقترب من حافة نسيان المحافل الدولية وشركات الإنتاج به.
إنه من الصعب على مخرج يختلف في طموحاته وفي اهتماماته ورؤاه أن يجد عملاً هنا. من الأصعب إذا كانت رؤيته تلك منفصلة تماماً عما يروج في سوق العروض السينمائية. تيري غيليام من هذا النوع الذي يتناقص وقد يؤول إلى الانقراض. ولد قبل 77 سنة في مدينة مينابوليس، ولاية مينيسوتا، وأحب الرسم منذ أن تعلم الكتابة، لكنه لم يكترث لشق طريق في أي منحى فني إلا من بعد أن درس السياسة والفيزياء وتخرج منهما بشهادات كانت تكفيه للعمل في هذين الحقلين لو أراد. في أحد الأيام التقى بالممثل الكوميدي البريطاني جون كليز وهذا أقنعه بالتمثيل في حلقة تلفزيونية أنتجتها محطة BBC بعنوان «السيرك الطائر لمونتي بايثون» (1969)‪.
لجانب ظهور محدود له في ذلك العمل، قام غيليام برسم المشاهد الأنيميشن التي احتواها الفيلم. قامت الفكرة بكاملها على توفير كوميديا سوريالية ساخرة وغير تقليدية على الإطلاق وهذه قادت إلى بقائه في بريطانيا (منذ ذلك الحين) والعمل على الانتقال إلى الإخراج سنة 1975 بفيلم «مونتي بايثون والكأس المقدسة».
هذا الفيلم كان بداية متعددة التوجهات فهو كتب ورسم وأنتج ومثّل وأخرج عدداً من الأفلام التي عكست نظرته الساخرة للحياة واستلهمت، فيما بعد حكايات فانتازية مستلهمة من روايات أدبية مثل «عصابة الزمن» Time Bandit و«مغامرات البارون منشوزن» (The Adventures of Baron Munchausen). هذا بالطبع جنباً إلى جنب أعمال كثيرة من تأليفه مثل «اثنا عشر قرداً» و«ذا فيشر كينغ».
لكن أعمال غيليام السينمائية (كمخرج) لم تزد عن أربعة عشر فيلماً والسبب مزدوج: من ناحية هي أفلام صعبة التخطيط والتصوير والتركيب، ومن ناحية أخرى هي أفلام صعبة الترويج والتسويق.
تميز الكوميديا كل فيلم من أفلامه لكن النوع الكوميدي يتألف بدوره من أنواع وهو عمد إلى سينما التهريج (Slapstick) في البداية. لكن هذه المدرسة التي من الصواب النظر إليها بالريبة على أساس أنها أقل أنواع الكوميديا قيمة فنية تختلف عنده من حيث إن غيليام استخدمها خصوصاً في سلسلة «بايثون» كوسيلة ساخرة حتى من النص السينمائي المعهود. قوامها صناعية ومصطنعة إلا أن هناك نقادا قدّروها على هذين الأساسين رغم ذلك.
بعد فيلمه الثاني Jabberwocky سنة 1977 حقق غيليام «معنى الحياة» الذي وضعه على عتبة بداية جديدة. هو أكثر التزاماً هنا بالتقليد من دون التخلي تماماً عن رؤيته المعهودة وقلبه ناصية الأمور لتزيد من غرابة ما يعرضه على الشاشة.

ثقة أعلى
تتشابه أفلام غيليام بعضها مع بعض (كذلك تتشابه أفلام فديريكو فيلليني أو أفلام ألفريد هيتشكوك على أكثر من نحو). على سبيل المثال نجد «معنى الحياة» يسير في المنهج ذاته لفيلم «عصابة الزمن» الذي يشبه «معنى الحياة» على أكثر من وجه. والعلاقة بين فيلميه «برازيل» و«الأخوان غريم» محفورة بخطوط وملامح متشابهة. ثم نجد أن كل أفلام غيليام تلتقي تحت مظلة فنان يريد أن يفكر على نحو مختلف ويحقق أفلاماً مختلفة تناقض أي اختيار سرد تقليدي يمكن أن يعيد سينماه إلى أرض سهل التعرف عليها والاندماج كاملاً معها.
«عصابة الزمن» مهم في هذا النطاق لأنه نموذجي الدلالات فغيليام لا يكتفي بأن يستعين فيه بممثلين أقزام بل يضع الكاميرا في مساواة قاماتهم القصيرة طوال الوقت لدرجة أن ظهور أي ممثل طويل القامة سينضوي على بعض جسده وليس كله. بالتالي وجوه الممثلين ذوي الطول العادي تختفي عن الظهور تبعاً لاختيارات المخرج.
حين خرج «عصابة الزمن» سنة 1981 للعروض التجارية فوجئ المخرج بنجاحه. آنذاك كان تحقيق 40 مليون دولار بمثابة نجاح جيد خصوصاً لفيلم يناهض التقليد، لكن الفيلم حقق هذا المبلغ فقط في الولايات المتحدة، وإذا ما أضفنا ما حققه حول العالم (نحو 25 مليون دولار أخرى) نقف عند تيري غيليام وقد بات أكثر ثقة بما ينجزه.
تبعاً لذلك ازداد غيليام يقيناً بأنه يستطيع أن يحقق المزيد من النجاح إذا ما توفرت لديه المزيد من الميزانيات. وكان على حق في ذلك ولو أن الأرضية كانت لا تزال رخوة وغير ثابتة. فأفلام من هذا النوع تكسب صاحبها، إذا ما نجح واحد منها، موقعاً يمكن من خلاله تحقيق أفلام أخرى مشابهة لكن هذا وحده لا يعني أنها ستكرر النجاح ذاته.
في سنة 1985 كان لغيليام موعد آخر مع النجاح تمثل في فيلم «برازيل» الذي كان أحد أفلامه الجادة من غير الاستغناء عن السخرية التي يمكن إطلاقها في أي عمل من أي نوع. الحكاية هنا في نطاق موظف عادي يجد نفسه وقد انتقل من منفذ أمين لوصايا الشركة التي يعمل فيها إلى عدو لها. في طيات ذلك يرتدي الفيلم الطرح الرمزي فالموظف بيروقراطي والشركة قد تكون مؤسسة حكومية والعداوة قد تكون على مستوى السلطة أيضاً.
الفيلم ذاته كان مناسبة جيدة للتعليق على التقدم الصناعي والتقني (كانت الثمانينات التمهيد الحثيث للثورة الحالية في هذا المجال) وكيف أنه يتعارض مع مفاهيم العلاقات الإنسانية في المجتمع.
الديكور الذي أوجده غيليام لبعض مشاهده يؤسس لعالم مغلق والعالم المغلق يؤدي إلى فوضى تختلف عن تلك التي نعيشها نحن في بيئة خارجية وداخلية مختلطة. فوضاه نتيجة توق ما للحرية من المكتب ومن روتينية الحياة وهذا التوق يدفع بطل الفيلم (جوناثان برايس) للعيش في أحلامه المستحيلة. فانتازيات لا يحق له الحديث فيها وعنها لأنه في عصر مستقبلي ينتمي إلى رواية جورج أورول «1984».
بناء على نجاح «برازيل» و«معنى الحياة» و«عصابة الزمن»، وجد غيليام طريقه للتعاون مع هوليوود كمؤسسة داعمة لفانتازياته. هذه لديها حبل قصير تمده لتنفيذ مثل هذه المشاريع فالإيراد لكل فيلم على حدة هو الذي يبرم، أو لا يبرم، الاتفاق للفيلم المقبل. وهكذا، وجد غيليام نفسه يتراجع في نهاية التسعينات وإثر المزيد من النجاحات الفنية والتجارية في أفلام مثل «اثنا عشر قرداً» (1995) و«خوف وازدراء في لاس فيغاس» (1998).
في العام 2013 أنجز فيلماً لم يحز على أي إقبال يذكر هو «النظرية صفر» ونتيجة فشل ذلك الفيلم انتظر خمس سنوات قبل أن ينجز في العام الماضي «الرجل الذي قتل دون كيشوت» الذي فشل بدوره في تحقيق النجاح.



«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
TT

«جحيم العابرين» يصل إلى صالات السينما السعودية في نوفمبر

بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)
بوستر فيلم «جحيم العابرين» للروائي السعودي أسامة المسلم (الشرق الأوسط)

أعلنت «استوديوهات MBC»، الذراع الإنتاجية لـ«مجموعة MBC»، اكتمال المراحل الأخيرة من فيلم «جحيم العابرين»، المقتبس من رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب السعودي أسامة المسلم، تمهيداً لعرضه في صالات السينما السعودية اعتباراً من 19 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، على أن يصل لاحقاً إلى عدد من المدن العربية.

وصُوّرت جميع مشاهد الفيلم في السعودية، وتولت إخراجه المخرجة السعودية هناء العمير، فيما كتب أسامة المسلم السيناريو المقتبس من روايته، ويشارك في بطولته أضواء بدر، وباسل الصلي، ومحمد علي، وشجاع نشاط، وعزيز غرباوي.

وينتمي «جحيم العابرين» إلى سينما التشويق والغموض والرعب، مستنداً إلى الأسلوب الذي عُرف به المسلم في أعماله الأدبية، والقائم على مزج الفانتازيا بالإثارة النفسية، وتقديم شخصيات وأحداث غامضة ضمن حبكة متسارعة.

وتبدأ أحداث الفيلم على طريق منعزلة، عندما تصادف فتاة تقود سيارتها بمفردها شاباً تعطلت مركبته، فتقرر مساعدته وإيصاله إلى أقرب محطة، رغم شعورها بالقلق تجاه الموقف. وسرعان ما تتحول الرحلة في عتمة الليل إلى سلسلة من الأحداث الغريبة والمخيفة، لتدخل الشخصيتان في مواجهة متصاعدة مع مخاطر تضع إمكانية نجاتهما موضع تساؤل.

يأتي الفيلم ضمن شراكة أعلنت عنها «استوديوهات MBC» وأسامة المسلم قبل نحو عامين، تستهدف تحويل عدد من روايات الكاتب السعودي إلى أعمال درامية وسينمائية.

ويحمل الفيلم بصمة المنتج محفوظ الزهراني، فيما تولى سفيان الفاني إدارة التصوير، وتولت شركة «Aflam Production» التنفيذ، وهو من إنتاج «استوديوهات MBC»، وإخراج هناء العمير، وقصة وسيناريو أسامة المسلم.


«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
TT

«غودزيللا» حمل رسالات سياسية استغنت السينما عنها لاحقاً

من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)
من «غودزيللا ضد كونغ» (وورنر)

في عام 1954، وبينما كانت سفينة مدنية تمخر عباب البحر، فوجئ الركاب بوحش يخرج من تحت الماء. وحش ضخم ما لبث أن هاجم السفينة وأطاح بها وبمن فيها، قبل أن يغوص مجدداً في أعماق البحر.

تحرّكت القوات البحرية للتحقيق في الحادث، وأخذت تجمع شهادات بعض من شاهدوه في قرى الساحل، قبل أن يعاود الوحش ظهوره، مطيحاً بمزيد من السفن ومنتقلاً إلى اليابسة، حيث تسبّب في مقتل ضحايا كثيرين. لم يكن هناك ريب في أن مدينة طوكيو ستكون الهدف التالي لهذا الوحش الذي لم تنفع معه جميع الأسلحة. وكان الدمار الذي لحق بطوكيو شبيهاً بذلك الذي لحق بمدينتَي هيروشيما وناغازاكي، خصوصاً أن الوحش كان ملوّثاً بالإشعاع النووي.

قال أحد المسؤولين حينها: «إذا لم تقضِ عليه القنبلة النووية، فكيف سنقضي نحن عليه؟».

سؤال وجيه، لكن ذلك لم يوقف محاولات اليابانيين التصدّي للوحش والقضاء عليه... أو هكذا خُيّل لهم.

«غودزيللا» الأول: الوحش في المدينة (توهو كومباني)

تميُّز

ورد كل ما سبق في فيلم «غودزيللا» الذي أخرجه حينها إيشيرو هوندا. وقد عاد الوحش للظهور 38 مرّة في أفلام يابانية، ثم أميركية - يابانية. وسيحطّ الفيلم الـ39 خلال أيام على الشاشات تحت عنوان «غودزيللا ناقص صفر» (Godzilla Minus Zero)، وسنراه في الشهر الثالث من العام المقبل في فيلم يجمعه مجدداً بكينغ كونغ، عنوانه «Godzilla x Kong: Supernova».

باتت أفلام غودزيللا منذ سنوات عدَّة تقدّمه وحشاً كارثياً يهدّد السلامة البشرية بقوّته الطاغية. وما بات يغيب عن معظم تلك الأفلام هو التعامل مع الدوافع التي وفّرها الفيلم الأول وبعض الأفلام التي تبعته في الخمسينات والستينات؛ وهي أن الوحش لم يكن ليظهر على السطح لولا التجارب النووية التي أجراها الروس والأميركيون، بموافقة اليابان، في البحار القريبة.

بذلك حمل «غودزيللا» وتوابعه الأولى رسائل سياسية تحذّر من مغبّة السلاح النووي. وهو أمر شاركت هوليوود في إثارته في الستينات عبر أفلام لا علاقة لها بالوحوش، مثل «على الشاطئ» لستانلي كرامر، و«دكتور سترانجلف» لستانلي كوبريك، و«لعبة الحرب» لبيتر ووتكنز.

ما ميّز سلسلة «غودزيللا» عن تلك الأفلام الهوليوودية هو أنها دمجت سينما الوحوش الجوراسية بالرسالة السياسية. لاحقاً، جرى تخفيف الرسالة السياسية والدفع باتجاه التقليل من التحذير من الويلات النووية، لصالح إنتاجات ضخمة تحتفي بالوحش بوصفه مصدر خطر بذاته فقط؛ بقوّة بدنية طاغية سيفشل البشر في التصدّي لها، قبل أن يعود إلى أعماق البحر ويتنفّس الناس الصعداء، بانتظار فيلمه المقبل.

وكان على الفيلم المقبل، تبعاً للتقاليد، أن يكون أكبر، والخطر أشدّ. فلمَ لا يُجمع هذا الوحش الأسطوري مع وحش آخر من النوع نفسه وبالضخامة نفسها، مثل كينغ كونغ؟

سبق كينغ كونغ غودزيللا في الظهور على الشاشة، إذ اكتشفه فيلم «كينغ كونغ» لماريون س. كوبر سنة 1933. فيه نتابع سفينة تبحث عن قبيلة على جزيرة مخفية، فتكتشف وجود وحوش ما قبل التاريخ، وفي مقدّمتها تلك الغوريلا الضخمة التي تقع في حب بطلة الفيلم (فاي راي). وعندما يُقبض عليه ويُنقل إلى نيويورك للمتاجرة به، يفكّ قيوده وينطلق باحثاً عن الفتاة الشقراء التي أحبّها من النظرة الأولى، ليحملها إلى سطح مبنى الإمباير ستايت، مواجهاً الطائرات الحربية التي تهاجمه، قبل أن يقضي عليه حبّه.

الفيلم المقبل من السلسلة «غودزيللا ناقص صفر» (روبوت كوميونيكاشن)

استلهام حادثة حقيقية

كان «كينغ كونغ» الأصلي، في الواقع، رومانسياً في الباطن وتشويقياً في الظاهر. وما يجمعه مع «غودزيللا» هو تلك النبرة الحزينة عن حال وحش كان يفضّل البقاء مجهولاً، لولا قيام الإنسان بانتشاله من بيئته.

بدأ الجمع بين «غودزيللا» و«كينغ كونغ» سنة 1963 بفيلم آخر لإيشيرو هوندا، هو «King Kong vs. Godzilla». لكن المخرج، إذ استعار كينغ كونغ من الغرب ليجمعه مع ندّه الشرقي، حافظ على النبرة السياسية وأدان، عبر حكايته، المتاجرة بالوحشين، كما فعل «كينغ كونغ» الأول.

لاحقاً، عندما اندفعت هوليوود لإنتاج «غودزيللا» الخاص بها سنة 1989، بفيلم من إخراج رولاند إيميريش، استغنت عن المعاني التي تداولتها السلسلة اليابانية لصالح الإبهار التقني. وتكرّر ذلك في «غودزيللا» هوليوودي آخر سنة 2014، عبر فيلم لغارث إدواردز. ولم تمضِ إلا بضع سنوات حتى بدأ الجمع بين الوحشين الضخمين على الطريقة الهوليوودية، في فيلمين أخرجهما آدم وينغارد، هما «غودزيللا ضد كينغ كونغ» (2021)، و«غودزيللا ضد كونغ: الإمبراطورية الجديدة» (2023). هذا مع العلم أن السينما اليابانية نفسها جمعت كذلك بين بطلها غودزيللا ووحوش جوراسية أخرى، ضمن الفحوى نفسه الملائم للفيلم الأول من السلسلة.

لكن لا شيء مما يُنتج حالياً يشابه، في فحواه وغاياته، نسخة هوندا سنة 1954. ففيها أمانة في ضمّ البعد السياسي إلى الحكاية الخيالية. وبداية الفيلم، حيث تتعرّض سفينة الصيد لغضب الوحش، تلتقي مع حادثة فعلية لسفينة صيد يابانية تعرّض بحّارتها لإشعاع نووي، بفعل تجربة نووية أجرتها الولايات المتحدة قبل 3 سنوات من إنتاج الفيلم.

مضى «غودزيللا»، كما قدّمه هوندا، إلى أبعد من مجرّد ربط الحادثة ببداية الفيلم؛ فالوحش الذي أُوقظ من سباته في أعماق المحيط بدا غير قادر على استيعاب ما أيقظه. بات الإنسان عدوّاً له. وأكثر من ذلك، يدمّر معظم طوكيو في ثورته، مذكّراً بما حاق بمدينتَي ناغازاكي وهيروشيما. وعندما يعود إلى حيث أتى، يترك بصمته لنا لنتذكّر.

إنها رسالة بالغة الأهمية، ضاعت في طيّات الرغبة في استغلال غودزيللا كوحش مخيف فقط. فالأفلام اللاحقة، في العقدين الأخيرين على الأخص، أبقت على الوحش وأهملت رسالته، في الوقت الذي كان يمكن لها أن تنجز الاثنين معاً، كما فعلت الأفلام الأولى. لم يهتمّ صانعو أفلام «غودزيللا» الحديثة إلا بكيفية تحويل الوحش إلى مصدر مادي، شأنه شأن كل السلاسل الأخرى، من «باتمان» إلى «جوراسيك بارك»، ومن «كوكب القردة» إلى «سبايدر مان» و«ستار وورز».


شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
TT

شاشة الناقد : «المواطن أسامة» و«القضية رقم صفر»... الإنسان بين الحرب وأزماته النفسية

«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)
«القضية رقم صفر» (كوزموز كرياتورز)

مخرج «المواطن أسامة» أحمد حسّونة (حسابه الشخصي)

المواطن أسامة

(جيد)

* إخراج: أحمد حسّونة

* فلسطين (2026) | النوع: تسجيلي

الكاميرا التي تصوّر «كاميرا مان» فلسطينياً ينتقل في الشوارع العارية من الحياة وبين المباني المدمّرة تقول كل شيء عن المصوّر وغزّة. هناك نوع من الإخراج المباشر للواقع لا يحتاج إلى تقنيات عالية، ولا إلى إدخال عناصر تكمّل ما يهدف المخرج إلى إيصاله للمشاهدين.

كل شيء في «المواطن أسامة» واضح. هو عن رجل وكاميرا وأسرته وعلاقاته بالبشر الآخرين. كذلك هو عن غزّة وما كابدته من دمار وإبادة نتج عنهما مقتل قرابة 200 مصوّر وصحافي، من بين العدد الهائل الذي تجاوز 70 ألف ضحية. نشاهد المصوّر الصحافي أسامة العشّي تلازمه أصوات القصف ومشاهد الدمار. أسامة محمّل بالحزن على الواقع وبالخوف على سلامة عائلته. لا يذكر الكثير عن سلامته، لكن الفيلم يوحي دوماً بأنها مهدّدة في أي لحظة. قيمة الفيلم هي أنه لا يطلب منّا أن نشاهد ما يفعله الإسرائيليون بالفلسطينيين، بل أن نشاهد كيف يعيش الفلسطينيون حياتهم، من خلال متابعة شخص واحد لا يريد التوقّف عن عمله.

لا يصف المخرج حسّونة العدوان بالكلام، ولا يهتم بإيراد شهادات ضحايا الوضع أو بتصوير مشاهد العنف لذاتها. هذا كلّه ظهر في أفلام أخرى. رغم ذلك، لا يفتر تأثير الفيلم على مشاهديه؛ لأن موضوعه هو إنسان عليه أن يعمل لينقل إلى العالم صورة، وعليه أن يُعنى بتأمين الطعام والماء لأسرته والتعامل مع ظروف النزوح.

هذا فيلم تسجيلي عارٍ من الإضافات التقنية والتدخّلات الفنية التي نراها في أفلام تسجيلية أخرى. لذا فهو، مثل «صوت هند رجب»، ولو كان بعيداً عنه أسلوباً وموضوعاً، يعرض الحالة جيّداً، ولا يطلب لنفسه أكثر من ذلك.

القضية رقم صفر

(جيد)

* إخراج: كاظم فيّاض

* لبنان/الإمارات (2026) | النوع: دراما نفسية

هناك لقطة خاطفة في الدقائق الأخيرة من الفيلم تصوّر المحامي، محور الفيلم، بكاميرا بعيدة، وهو يتحدّث بصوت عالٍ وحادّ. المشكلة هي أن أحداً ليس موجوداً حوله. اللقطة التالية تعود إلى ما سبقها، حيث يواجه المحامي أسئلة عن الأزمة التي يعاني منها، ما يكشف سرّاً دفيناً يتجاوز الوضع الراهن ليعود إلى أمس بعيد.

في أساسه، «القضية رقم صفر» دراما نفسية ذات عقدة تبحث في العلاقة بين الإنسان ووالديه، وبينه وبين فكرة الموت، باعتبار الحياة فخّاً فُرض عليه العيش فيه. شخصيات الفيلم مجتمعة في مكان واحد، ومتنافرة في الأفكار والمواقف في كل اتجاه.

الطريقة التي صاغ بها المخرج رؤيته هذه مثيرة للاهتمام؛ إذ تدخلنا في واقع، ثم تأخذ هذا الواقع وتدمجه بالخيال، قبل أن تطيح به أيضاً. ليس تنفيذ هذا سهلاً، وفي البال صنع «ثريلر» منه، خصوصاً أن الأحداث تقع غالباً داخل مكان واحد. وعندما تنتقل إلى أماكن أخرى، تبقى في الداخل، باستثناء مشهد واحد يقع في الشارع. فيلم كاظم فيّاض، وهو فيلمه الثاني بعد «يوسف» الذي قدَّمه قبل 3 سنوات، دراما داكنة مع موجات من الكوميديا السوداء، تتجلّى في الفصل الثاني، من أصل 4، عندما يبدو أن جميع من في مكتب المحاماة يعانون من فوضى التواصل. ويتّضح السبب في ذلك في الفصلين التاليين، حيث يُكشف عمّا تؤول إليه أحوال كل هذه الشخصيات. للأسف، هناك بعض التكرار في مشاهد الفصل الرابع، وإن كان لا يؤثر على سياق الفيلم إلا بقدر محدود.

«القضية رقم صفر» عمل جادّ ومختلف عمّا يتوقّعه معظمنا. القصّة نفسها يمكن أن تُروى بأكثر من وسيلة أو أسلوب، لكن اختيار المخرج لوسيلته يعكس رغبته في ذلك الاختلاف ورؤيته الخاصّة لما يطرحه. فيلم طموح بأسلوب يحتاج من المشاهد إلى بعض المثابرة قبل الوصول إلى قاع أزمات أبطاله. والتمثيل ممتاز من الجميع بلا استثناء، ويعود ذلك إلى إدارة محكمة وعلاقة هندسية يرسمها المخرج جيّداً بين المكان واللقطة والشخصية.