قصائد الشعراء العراقيين في ساحة التظاهر

من الدلال والترف إلى الصراخ عالياً

من مظاهرات ساحة التحرير ببغداد
من مظاهرات ساحة التحرير ببغداد
TT

قصائد الشعراء العراقيين في ساحة التظاهر

من مظاهرات ساحة التحرير ببغداد
من مظاهرات ساحة التحرير ببغداد

شكل شعر عدد كبير الشعراء مصدراً مهماً لكثير من الثورات والاحتجاجات، سواء على مستوى التاريخ أو على المستوى المعاصر، بل اتخِذ من بعض النصوص مصدراً رئيساً لتلك الأحداث. وبهذا، اعتمد الباحثون على تلك القصائد بوصفها وثيقة تؤرخ لمرحلة ما، أو لنهضة ما، أو لثورة ما. وبسبب هذا التوجه المهم في خريطة الشعر العربي - بعيداً عن فنية الأعمال من عدمها - ذهب أدونيس في «ديوان الشعر العربي»، وفي مقدمته العظيمة، في جزئها الأول، إلى تقسيم الشعر العربي من الجاهلية حتى أواسط القرن الثامن الميلادي إلى خمسة اتجاهات، بين ميتافيزيقية، وصورية، واتجاه اللامنتمي، واتجاه سحري، ووضع الاتجاه الخامس لـ«الآيديولوجي». ويقول عن هذا الاتجاه إننا لأول مرة نرى «إشارات إلى الفقراء والجائعين، وإلى الذين يتمتعون بالخيرات دون سواهم من حكام ومغتصبين». وبهذا، فقد أخذ هذا الاتجاه مساحة كبيرة من وجدان الناس، ومن قارة الشعر العربي، وغير العربي أيضاً.
فقد وجد المتلقون أو الجمهور في أصوات هؤلاء الشعراء العالية حائطاً يستندون إليه، وضميراً يلجأون له لحظة انعدام الضمائر، فقد حفظ لنا صندوق الشعر العربي عبر خزانته القديمة عدداً كبيراً لنصوصٍ احتجاجية تنطق بلسان الجماعة والناس، المقهورين على وجه التحديد، وهو اتجاه بخلاف الاتجاه السائد: اتجاه المديح الأكثر انتشاراً وهيمنة على نوع الشعر. وقد تبين بشكل واضح مثل هذا النوع من الشعر في شعر الصعاليك الجاهليين، المطالب بالعدالة الاجتماعية، وتوزيع الحقوق، فيما ورث الكميت هذا النمط من الصوت الشعري، ولكنه غلب عليه طابع السياسة والأدلجة، والولاءات الخاصة، مع احتجاجه الشعري بالعدالة الاجتماعية داخل الأوساط الحاكمة في العصر الأموي.
إنَّ هذا التوجه في الكتابة الشعرية، وبهذه الطريقة الاحتجاجية، يبدو أنه يُسمع به لأول مرة، حيث المطالبة بالحريات والعدالة الاجتماعية، ولم يقتصر الأمر على الولاءات السياسية والدينية والعقائدية في استنبات الشعراء بطين المذاهب أو العقائد، إنما أخذت الثورات السريعة منها والدائمية، ابتداء بالخوارج حتى ثورة الزنج، مئات الشعراء الذين تناوبوا على تلك الحركات، مؤيدين ومحرضين.
وحين نصل إلى العصر الحديث، أو إلى الشعر المعاصر، فإنَّ الشعر السياسي يكاد يأخذ حصة الأسد في الأنواع الشعرية، حيث بدايات الاستعمار، وبدايات الحركات التحررية، وبدايات تشكل الأحزاب الوطنية، وبداية طباعة الصحف، وبدايات تشكل الحكومات التي تسمى الوطنية، وكأن فاصلاً زمنياً حقيقياً بين سقوط بغداد 1228 وتشكيل تلك الحكومات، حيث رافق الشعر كل هذه التحولات، متمثلاً بدينامية الشعراء الذين وثقوا تلك المراحل والتحولات في قصائدهم، من دخول المستعمر حتى لحظة خروجه، فقد كان صوت الرصافي والزهاوي والشبيبي والشرقي، وغيرهم كثير، واضحاً في العراق من خلال قصائدهم السياسية والاحتجاجية، فمثلاً يقول الزهاوي:
تقدم أهله الطاوين يمشي
إلى ذي نعمة أثرى وأجمعْ
فغمغم قائلاً إنا جياعٌ
فقال يرده جوعوا لنشبعْ
وهي نصوص في معظمها خطابية، وكأنها مقالات، ولكن كُتبتْ منظومة، إلا أنها تلاقي نجاحاً كبيراً في وقتها، بسبب زخم العواطف والمشاعر التي كانت تسمح لمثل هذا النوع من الشعر بأنْ ينمو، ويجد آذاناً مصغية، بل إنَّ بعض القصائد أسهمت بخروج آلاف المتظاهرين في تلك الفترة، كما حدث مع الشاعر محمد مهدي البصير، وقصيدته الشهيرة:
إنْ ضاق يا وطني عليَّ فضاكا
فلتتسعْ بي للأمام خطاكا
وصولاً لقصائد الجواهري التي كانت تُلهب المشاعر، وتُديم زخم الاحتجاج في العصر الملكي، على كل شاردة وواردة، وما قصيدته برثاء أخيه «جعفر» إلا أحد النصوص التي بقيت حية تُستعاد في كل لحظة انكسار أو نهوض:
أتعلم أم أنت لا تعلمُ
بأنَّ جراح الضحايا فمُ
لقد بقي الشعر بكل أحواله عنصراً مهماً لإدامة زخم الناس، وكأنَّ النصوص الصاخبة عبارة عن عقل جمعي يحرك الناس، وهذا ما التفت إليه نظام «صدام حسين» في دعم حروبه بالأناشيد الحماسية، وبوضع عدد كبير من الشعراء لكتابة النصوص لحظة بلحظة، أيَّام الحرب مع إيران على سبيل المثال، حيث يروي البعض أنَّ الشعراء والملحنين يواظبون على الدوام يومياً في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، وعند أي حدث يكتب الشعراء مباشرة، ويلحن الملحنون باللحظة نفسها، وتُسجَّل الأناشيد لتبث بعد ساعات من إنتاجها؛ إنَّ كل ذلك هو جزء كبير من التحشيد لأي قضية من القضايا، بل إنَّ بعض الأناشيد ارتبطت بذاكرة قوى سياسية، وحزبية، مثل أغنية الحزب الشيوعي التي يرددونها في كل محفل (لا تفرح يلقطاعي - صويحب من يموت المنجل يداعي)، أو أغنية القوميين العرب (بلاد العُرْب أوطاني، من الشام لبغدان).
لقد تذكرت هذا الموضوع وأنا أشاهد عدداً كبيراً من أصدقائي الشعراء، حيث أتجول في صفحاتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، وهم يديمون زخم احتجاج العراقيين الأخير للمطالبة بالإصلاحات بوهج النصوص والمقاطع الشعرية، فبمجرد الوقفة النبيلة لسواق «التكتك» البسطاء، وجدنا في اليوم الثاني للمظاهرات أغنية حماسية تمجد عمل هذه الشريحة (بعد روحي يبو التكتك)، وقد حظيت بمساحة انتشار هائلة في غضون أيام، وإن كانت الأنشودة أو الشعر الشعبي أو القصيدة العمودية أكثر استجابة من غيرها من الأشكال الشعرية الأخرى، ذلك أن الحداثة أسهمت كثيراً ببناء جدار بين النصوص الحداثية والناس المستهلكين اليوميين للثقافة التي يحتاجون إليها، فمعظم نصوص الحداثة - رغم ذهاب بعض الرواد إلى منطقة الشعر الواقعي، ومن ثم غادروها سريعاً - أقول إن الحداثة أسهمت بهذه العزلة في التفاعل بين اللغة نفسها وقصيدتها الحداثية وبين الأحداث السياسية أو الاجتماعية، انطلاقاً من مفهوم نفي الوظيفية للشعر، والاكتفاء به كحادثة جمالية.
أعود وأقول إني وجدتُ هذه المرة أن صوت «قصيدة النثر» التي لا تستطيع المزاحمة والصراخ في أجواء التظاهر والاحتجاج كان عالياً، فقد وجدتْ لها مكاناً، ومكاناً مهماً في أنْ تكون جزءاً من عملية التحول، ذلك أنَّ قصيدة النثر تلك البنت المدللة خرجتْ من بيتها حافية هذه الأيام، لتصرخ في صفحات التواصل الاجتماعي بأعلى صوتها، وهي تدعم الشباب الغاضب، أو تصرخ بأعلى صوتها لأخذ الحقوق.
والسؤال هنا: هل فكرة الصراخ الشعري لها علاقة بشكل الشعر الذي يكتب أم لا؟ أم إن علاقتها بالكائن الذي تخرج منه هذه الانفعالات؟ ذلك أن كثيراً من الشعراء التقليديين اختفت أصواتهم في هذه المظاهرات، ولم نرَ لهم بيتاً واحداً يدعم الشباب، أو على الأقل يطالب بحقوقهم، وإنْ بطريقة غير مباشرة. وعلى العكس، وجدنا عدداً من شعراء قصيدة النثر والتفعيلة يملأون صفحاتهم غضباً واحتجاجاً.
فهل هو تحول في الرؤية أم أن منسوب الاحتجاج أكبر من مراعاة فكرة الأشكال ودلالها وتربيتها الخاصة؟ لذلك خرجت قصائد النثر حافية هذه المرة، دون أنْ تنظر لمن يقف في الشارع. فبمجرد تصفح الفيسبوك لعدد من الشعراء العراقيين، سنشم رائحة الاحتجاج عالية هذه المرة، متفاعلة مع الحدث السياسي، فمثلاً الشاعر حمدان طاهر المالكي يقول في صفحته الشخصية:
حين ترى جثة في شارع ما
قل إنَّها ثمرة ناضجة
لم تحتمل صبر الشجرة
حين ترى شارعاً مغلقاً
لا تيأسْ
ترجل من المركبة
وقل يكفيني ممرٌّ صغيرٌ لأعبرَ
إذا صادفتك جنازة شهيدٍ
لا تفكرْ بصغاره
قلْ سيكبرون
ويحملون
راية البلاد الثقيلة
إن هذا النص الضاج بحركة الاحتجاج، الكاشف لواقع حركة الشارع، من غلقٍ دائمٍ، وقوافل شهداء، نرى فيه كيف وظَّف حمدان هذه التفاصيل اليومية التي تمرُّ بنا، وبحركة الاحتجاج. كما أن هناك كثيراً من شعراء قصيدة النثر والتفعيلة الذين واكبوا هذه الحركة الاحتجاجية الكبيرة، مثل عماد جبار وأحمد عبد الحسين وعمار المسعودي ورياض الغريب وحسين السلطاني وعلي الحمزة وإيهاب شغيدل ووسام الموسوي وفرقان كاظم، فضلاً عن الشواعر اللواتي تحولن من نص كتابي إلى نص حياتي، كنورس الجابري التي سكنت ساحة التحرير لتداوي الجرحى بوصفها شاعرة طبيبة، وإيناس فيليب، وأخريات لم يغادرن ساحة الاحتجاج، فضلاً عن عشرات آخرين من شعرائنا وشاعراتنا، هذا بالإضافة إلى شعراء العمود المعروفين، كأجود مجبل وحسين القاصد ورحمن غركان وسراج محمد ومهدي النهيري ومسار رياض ونعمة حسين، وآخرين كثر جداً. كما لاحظت أن عدداً من شعراء قصيدة النثر لم يستطع شكل قصيدة النثر أن يستوعب حجم صراخهم، فصرخوا موزونين بقصائد عمودية، مثل رعد زامل ومهند الخيكاني، وغيرهما.
هذه عينة بسيطة لحجم الشعراء الموجودين، وهي عينة ربما تكفي لفحص بعض التحولات، كقطرة الدم حين نحلل من خلالها أمراضنا، المزمنة أو الطارئة.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.