وثائق سرية مسربة تكشف تغلغل إيران ونشاطها المخابراتي في العراق

طهران حاولت استقطاب موظف داخل الخارجية الأميركية وجواسيسها دفعوا أموالاً لتبديل ولاء عملاء «سي آي إيه»

محتجون عراقيون يشعلون النار في قنصلية إيران بمدينة كربلاء في وقت سابق من هذا الشهر (غيتي)
محتجون عراقيون يشعلون النار في قنصلية إيران بمدينة كربلاء في وقت سابق من هذا الشهر (غيتي)
TT

وثائق سرية مسربة تكشف تغلغل إيران ونشاطها المخابراتي في العراق

محتجون عراقيون يشعلون النار في قنصلية إيران بمدينة كربلاء في وقت سابق من هذا الشهر (غيتي)
محتجون عراقيون يشعلون النار في قنصلية إيران بمدينة كربلاء في وقت سابق من هذا الشهر (غيتي)

نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» وثائق سرية مسرّبة تقول، إنها تقدم صورة مفصلة عن مدى عمل طهران بقوة على إقحام نفسها في الشؤون العراقية، وعن الدور الفريد لقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني هناك.
وتحتوي الوثائق التي حصل عليها موقع «ذي إنترسيبت» وقام بمشاركتها مع الصحيفة، على مئات التقارير التي كتبها ضباط إيرانيون في الأمن والمخابرات عامي 2014 و2015.
وتوضح التسريبات التي وصفتها الصحيفة بـ«غير المسبوقة»، تأثير طهران الهائل في العراق، حيث تكشف عن سنوات من الجهود الشاقة التي قام بها الجواسيس الإيرانيون لاختيار قادة البلاد، ودفع الأموال للوكلاء العراقيين الذين يعملون لصالح الولايات المتحدة لتبديل مواقفهم، والتسلل إلى كل جانب من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والدينية في العراق.

700 صفحة من الوثائق السرية

تم إرسال ما يقرب من 700 صفحة من التقارير التي تم تسريبها من شخص مجهول إلى «ذي إنترسيبت»، والذي قام بترجمتها إلى الإنجليزية ومشاركتها مع الصحيفة، وتحقق الموقع من صحة المستندات، لكنه لم يتوصل إلى هوية من قام بالتسريب. وأثناء التواصل عبر قنوات مشفرة مع مصدر التسريب قال: «أريد إعلام العالم بما تفعله إيران في بلدي العراق».
ووفقاً لإحدى البرقيات الاستخباراتية الإيرانية التي تم تسريبها، فإن رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي كان له «علاقة خاصة» مع إيران عندما كان وزيراً للنفط في عام 2014، لكن لم يتم توضيح طبيعة تلك العلاقة، إلا أن الصحيفة أكدت أنه لا يمكن لأي سياسي عراقي أن يصبح رئيساً للوزراء دون مباركة إيران. وفي 2018، عندما أصبح رئيساً للوزراء، كان عبد المهدي يُنظر إليه بصفته مرشحاً توافقياً مقبولاً لدى كل من إيران والولايات المتحدة.
وتقدم الوثائق المسربة نظرة استثنائية داخل النظام الإيراني السري، كما أنها توضح بالتفصيل إلى أي مدى خضع العراق للنفوذ الإيراني منذ الغزو الأميركي في عام 2003.
ويُعدّ الحرس الثوري الإيراني، وخاصة «فيلق القدس» بقيادة سليماني، هو الجهة الأساسية التي تحدد سياسات طهران في العراق ولبنان وسوريا، والتي تعتبرها إيران دولاً حاسمة بالنسبة لأمنها القومي، حيث يتم تعيين سفراء هذه الدول من قبل الرتب العليا في الحرس الثوري، وليس من قبل وزارة الخارجية، وذلك وفقاً لعدد من المستشارين للإدارات الإيرانية الحالية والسابقة.
وتقول المصادر، إن الضباط في وزارة المخابرات الإيرانية وفي الحرس الثوري في العراق كانوا يعملون بالتوازي مع بعضهم بعضاً، وكانت عملية زراعة المسؤولين العراقيين جزءاً رئيسياً من عملهم، فالكثير من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين في العراق أقاموا علاقات سرية مع طهران، بحسب الوثائق.
وأشارت الوثائق أيضاً إلى أن هناك أعضاء رئيسيين في حكومة رئيس الوزراء العراقي السابق حيدر العبادي كانت لهم علاقات وثيقة مع إيران. وتقول إحدى البرقيات: «الهدف الحالي هو أن يقدم الشخص رؤى استخباراتية حول خطط الحكومة الأميركية في العراق، سواء كان ذلك للتعامل مع تنظيم (داعش) أو أي عمليات سرية أخرى؛ فالهدف النهائي هو أن يكون الشخص مخبراً إما في وزارة الخارجية الأميركية أو مع القادة العراقيين من السنة أو الأكراد المستعدين للتعاون».
وعلى الرغم من أن إيران كانت في البداية متشككة في ولاء العبادي، فإن هناك تقريراً كُتب بعد بضعة أشهر من حصوله على منصب رئيس الوزراء يشير إلى أنه كان على استعداد تام لإقامة علاقة سرية مع المخابرات الإيرانية. ويشير تقرير، صدر في يناير (كانون الثاني) 2015، إلى لقاء خاص بين العبادي وضابط بالمخابرات الإيرانية يُعرف باسم بوروجردي، عُقد في مكتب رئيس الوزراء «من دون وجود سكرتير أو شخص ثالث».
وبحسب البرقية، فإنه خلال الاجتماع قام بوروجردي بالحديث حول الانقسام السُني - الشيعي في العراق، قائلاً: «اليوم، يجد السنة أنفسهم في أسوأ الظروف الممكنة وقد فقدوا ثقتهم بأنفسهم». وأضاف: «السنة مشرّدون، ومدنهم قد باتت مدمرة، وهناك مستقبل غير واضح ينتظرهم، لكن يستطيع الشيعة إعادة ثقتهم بأنفسهم». وتابع: «اليوم يقف شيعة العراق عند نقطة تحول تاريخية، حيث يمكن للحكومة العراقية وإيران الاستفادة من هذا الوضع». ووفق البرقية ذاتها، أعرب العبادي عن «موافقته الكاملة» على ما قاله الضابط الإيراني.
ووفقاً للوثائق، فإنه بعد انسحاب القوات الأميركية في 2011، تحركت إيران بسرعة لضم المخبرين السريين العاملين سابقاً لدى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إيه). وتظهر فقرة غير مؤرخة في إحدى البرقيات المسربة من وزارة الاستخبارات الإيرانية، أن طهران قامت بجهود لتجنيد جاسوس داخل وزارة الخارجية الأميركية، لكن من غير الواضح ما الذي أسفرت عنه تلك الجهود، لكن وفقاً للتسريبات، فإن طهران قامت بمقابلة الشخص، وعرضت عليه مكافأة مالية، وعملات ذهبية، وهدايا أخرى، لكن لم يتم ذكر اسم مسؤول وزارة الخارجية في البرقية، لكن تم وصفه بأنه شخص قادر على تقديم «رؤى استخباراتية حول خطط الحكومة الأميركية في العراق، سواء كان ذلك للتعامل مع (داعش) أو أي عمليات سرية أخرى». ورفضت وزارة الخارجية الأميركية التعليق على الأمر.
وصحيح أن قادة الحرس الثوري وسليماني عملوا على القضاء على «داعش» في العراق، لكن ذلك كان يتم مع إيلاء تركيز أكبر على الإبقاء على بغداد باعتبارها دولة تابعة لطهران والتأكد من بقاء الفصائل السياسية الموالية لها في السلطة.

أخبرهم أننا في خدمتهم

ولطالما كان لإيران وجود كبير في جنوب العراق، وقد أقامت مكاتب دينية في المدن المقدسة لدى الشيعة، كما أنها تدعم أقوى الأحزاب السياسية هناك، وترسل الطلاب الإيرانيين للدراسة في الحلقات الدراسية العراقية، كما ترسل عمال البناء الإيرانيين لبناء الفنادق العراقية وتجديد الأضرحة هناك.
وكان صعود إيران لاعباً قوياً في العراق نتيجةً مباشرة لافتقار واشنطن إلى أي خطة بعد غزوها البلاد. ووفقاً لوثائق وزارة الاستخبارات الإيرانية، فقد واصلت طهران الاستفادة من الفرص التي منحتها الولايات المتحدة لها في بغداد، حيث حصلت على سبيل المثال على مجموعة كبيرة من الأسرار الأميركية بعد تراجع الوجود الأميركي هناك في أعقاب انسحاب القوات في 2011، حيث قامت وكالة «سي آي إيه» في ذلك الحين بتسريح الكثير من عملائها السريين القدامى، والذين وجدوا أنفسهم عاطلين عن العمل في بلد ما زال محطماً من الغزو، كما كانوا يخشون أن يتم قتلهم بسبب صلاتهم بالولايات المتحدة، وربما من قبل إيران. وبسبب الاحتياج إلى الأموال بدأ الكثيرون منهم في تقديم خدماتهم إلى طهران، حيث كانوا سعداء بإخبار الإيرانيين بكل ما يعرفونه عن عمليات المخابرات الأميركية في العراق.
ويقول المسؤولون العراقيون، إن الجواسيس الإيرانيين موجودون في كل مكان في الجنوب، وكانت المنطقة منذ فترة طويلة بمثابة خلية نحل للجواسيس. وهناك، في كربلاء، في أواخر 2014، التقى ضابط مخابرات عراقي بمسؤول مخابرات إيراني وعرض الأول التجسس لصالح إيران وإخبار الإيرانيين بكل ما لديه بشأن الأنشطة الأميركية في العراق، وقال المسؤول العراقي للضابط الإيراني، بحسب إحدى البرقيات، إن «إيران هي بلدي الثاني وأحبها»، وأكد له أنه جاء برسالة من رئيسه في بغداد، اللواء حاتم المقصوسي، قائد الاستخبارات العسكرية في وزارة الدفاع العراقية في ذلك الوقت، يقول فيها: «أخبرهم أننا في خدمتهم، وكل ما يحتاجون إليه سيكون تحت تصرفهم، فنحن شيعة ولدينا عدو مشترك».
وتابع الضابط (رسول اللواء المقصوسي) قائلاً: «اعتبر كل المعلومات الاستخباراتية الخاصة بالجيش العراقي ملكك». كما أخبر ضابط المخابرات الإيراني عن برنامج الاستهداف السري الذي قدمته الولايات المتحدة للعراقيين، وعرض تسليمه إلى الإيرانيين، وقال: «إذا كان لديك جهاز كومبيوتر محمول حديث، فقم بإعطائه لي حتى أتمكن من وضع البرنامج عليه». ونفى اللواء مقصوسي صحة هذه المزاعم الواردة في التقرير الاستخباراتي الإيراني.

مرشح الأميركيين

وبحلول أواخر 2014، كانت الولايات المتحدة تقوم بضخ الأسلحة والجنود مرة أخرى في العراق؛ وذلك لبدء حملتها ضد «داعش»، وقد كان لإيران أيضاً مصلحة في هزيمة المتشددين هناك، لكنها، كما توضح البرقيات المسربة، كانت تنظر أيضاً إلى الوجود الأميركي المتزايد باعتباره تهديداً و«غطاءً» لجمع المعلومات الاستخباراتية عن طهران.
وكان رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، الذي عاش في المنفى في إيران في الثمانينات، هو الشخصية المفضلة لدى طهران، بينما كان يُنظر لخلفه حيدر العبادي، الذي تلقى تعليمه في بريطانيا، على أنه أكثر ودية للغرب وأقل طائفية. ولمواجهة حالة عدم اليقين حول رئيس الوزراء الجديد، دعا سفير إيران في العراق في ذلك الوقت، حسن دانييفار، إلى عقد اجتماع سري لكبار الموظفين في السفارة الإيرانية، وأثناء الاجتماع أصبح من الواضح أن الإيرانيين ليس لديهم سبب يدعو للقلق بشأن الحكومة العراقية الجديدة، حيث تم رفض العبادي باعتباره «رجلاً بريطانياً» و«مرشح الأميركيين»، لكن الإيرانيين رأوا أن لديهم الكثير من الوزراء الآخرين في جعبتهم. ووفقاً للتسريبات، فإن إبراهيم الجعفري، الذي كان قد شغل منصب وزير الخارجية في حكومة العبادي، كانت لديه علاقات وثيقة أيضاً مع إيران، وهو ما لم ينكره الجعفري، لكنه قال إنه كان يتعامل دائماً مع دول أجنبية؛ لأن مصلحة العراق كانت تتطلب منه ذلك.
وتظهر هيمنة إيران على السياسة العراقية بشكل واضح في جزء مهم من خريف 2014، عندما كانت بغداد في قلب دوامة متعددة الجنسيات، حيث كانت الحرب الأهلية السورية مستعرة، في حين استولى مقاتلو «داعش» على ثلث العراق تقريباً، وكانت القوات الأميركية تتجه إلى المنطقة لمواجهة الأزمة المتفاقمة. وعلى هذه الخلفية الفوضوية، استقبل وزير النقل العراقي حينها، بيان جبر، سليماني في مكتبه، وكان الأخير قد جاء ليطلب منه السماح لإيران بالوصول إلى المجال الجوي العراقي لنقل طائرات محمّلة بالأسلحة وغيرها من الإمدادات لدعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وهو الأمر الذي وافق عليه جبر.
ويُنقل عن جبر قوله في إحدى البرقيات: «جاء سليماني إليّ وطلب أن نسمح للطائرات الإيرانية باستخدام المجال الجوي العراقي للوصول إلى سوريا». ولم يتردد وزير النقل في الموافقة، وحينها بدا سليماني سعيداً. وتابع التقرير نقلاً عن جبر: «وضعت يدي على عيني وقلت: على عيني، كما تتمنى... وحينها نهض سليماني واقترب مني وقام بتقبيل جبهتي». وذلك جاء في الوقت الذي كان مسؤولو إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يحاولون إقناع الحكومة العراقية بإيقاف الرحلات الجوية الإيرانية عبر مجالهم الجوي.
وقد أكد جبر اجتماعه مع سليماني، لكنه قال إن الرحلات الجوية من إيران إلى سوريا كانت تحمل الإمدادات الإنسانية والحجاج الدينيين المسافرين إلى سوريا لزيارة الأماكن المقدسة، وليس الأسلحة والإمدادات العسكرية لمساعدة الأسد كما يعتقد المسؤولون الأميركيون.
وفي هذه الأثناء، خضع المسؤولون العراقيون المعروفون بعلاقاتهم مع الولايات المتحدة لتدقيق خاص، وكانت إيران تتخذ تدابير لمواجهة النفوذ الأميركي، حيث تظهر الكثير من البرقيات أنه بينما التقى كبار الدبلوماسيين الأميركيين خلف الأبواب المغلقة مع نظرائهم العراقيين في بغداد، كانت محادثاتهم تُرسل بشكل روتيني إلى الإيرانيين.
وخلال 2014 و2015، عندما باتت هناك حكومة جديدة في العراق، التقى السفير الأميركي، ستيوارت جونز، كثيراً مع سليم الجبوري، الذي كان رئيساً للبرلمان العراقي حتى العام الماضي. وعلى الرغم من كونه سنياً، فإن الجبوري كان معروفاً بعلاقته الوثيقة مع إيران، لكن الملفات تكشف الآن أن أحد كبار مستشاريه السياسيين، المعروف في البرقيات باسم المصدر 134832 كان أحد رجال المخابرات الإيرانية، وقال المصدر للضابط الإيراني المشرف عليه: «أنا موجود في مكتب الجبوري بشكل يومي، وأتابع اتصالاته بعناية مع الأميركيين»، في حين أكد الجبوري، في إحدى المقابلات، أنه لا يعتقد أن أي شخص من موظفيه يعمل وكيلاً لإيران، وأنه يثق تماماً في مساعديه.
وقد حث المصدر الإيرانيين على بناء علاقات أوثق مع الجبوري؛ وذلك لعرقلة الجهود الأميركية لرعاية طبقة جديدة من القادة الشباب السنة في العراق، وربما لتحقيق المصالحة بين السنة والشيعة هناك.
وتكشف برقية أخرى، عن أن رئيس إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، التقى كبار المسؤولين الأميركيين والبريطانيين والعبادي في بغداد في ديسمبر (كانون الأول) 2014، ثم توجه على الفور لمقابلة مسؤول إيراني ليقول له كل ما قيل. ونفى بارزاني صحة هذا الزعم.
وكشف تقرير من مستشار الجبوري، عن أن الولايات المتحدة مهتمة بالوصول إلى حقل غني بالغاز الطبيعي في عكاس بالقرب من الحدود العراقية مع سوريا. وأوضح المصدر، أن الأميركيين قد يحاولون تصدير الغاز الطبيعي هناك إلى أوروبا، وهي إحدى الأسواق الرئيسية للغاز الطبيعي الروسي، وأوصى ضابط وزارة الاستخبارات، في برقية إلى طهران: «أن يتم استخدام المعلومات المذكورة أعلاه في تبادل مع الروس وسوريا»، وقد كتب البرقية بينما كانت روسيا تقوم بتصعيد تدخلها في سوريا بشكل كبير، وبينما واصلت إيران تعزيزاتها العسكرية هناك لدعم الأسد.
وكشفت التسريبات أيضاً، عن أن مجزرة طالت السنة في جرف الصخر عام 2014 كانت بمثابة مثال حي على الفظائع الطائفية التي ارتكبتها الجماعات المسلحة الموالية لـ«فيلق القدس» الإيراني. فعندما طردت الميليشيات المدعومة من إيران المسلحين التابعين لـ«داعش» من جرف الصخر أصبحت المنطقة بمثابة مدينة للأشباح، حيث تم تشريد عشرات الآلاف من السنة، وتم العثور على سياسي محلي، هو العضو السُني الوحيد في المجلس الإقليمي، مقتولاً برصاصة في رأسه.
كما كشفت الوثائق أيضاً عن استخدام إيران نفوذها في العراق للحصول على صفقات مربحة، حيث تظهر إحدى البرقيات أن «فيلق القدس» حصل على عقود متعلقة بالنفط والتنمية من أكراد العراق مقابل مدهم بالأسلحة وغيرها من المساعدات. وفي الجنوب تم منح إيران عقوداً لمياه المجاري وتنقية المياه بعد دفعها رشوة قيمتها 16 مليون دولار لأحد أعضاء البرلمان.
وطلبت «نيويورك تايمز» من 3 مسؤولين إيرانيين التعليق على تقريرها، وهم المتحدث باسم بعثة الأمم المتحدة الإيرانية، علي رضا ميروسفي، وسفير إيران لدى الأمم المتحدة، ماجد تخت رافانشي، ووزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، لكن الأول قال إنه لن يكون متاحاً للرد حتى وقت لاحق من هذا الشهر، ولم يرد الثاني على طلب مكتوب تم تسليمه باليد إلى مقر إقامته الرسمي، في حين لم يرد الثالث على الطلب الذي تم إرساله له عبر البريد الإلكتروني.
وعندما تم الاتصال به هاتفياً، رفض نائب قائد القوات البحرية للحرس الثوري سابقاً، حسن دانييفار، الإقرار بصحة هذه الوثائق، لكنه أشار إلى أن إيران لديها اليد العليا في جمع المعلومات في العراق، قائلاً: «نعم، لدينا كثير من المعلومات من العراق حول قضايا متعددة، خصوصاً حول ما كانت تفعله أميركا هناك».



ماكرون يعتزم التواصل مع السلطات في طهران

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)
ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)
TT

ماكرون يعتزم التواصل مع السلطات في طهران

ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)
ماكرون وميرتس على هامش قمة تأمين مضيق هرمز 17 أبريل (أ.ف.ب)

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يوم الاثنين، أنه سيتحدث إلى السلطات ‌الإيرانية بعد ‌زيارته التي تستغرق ‌يومين ⁠إلى أندورا، مشيراً ⁠إلى أنه سيصر على إعادة فتح مضيق ⁠هرمز.

وأضاف للصحافيين ‌في ‌أندورا: «لقد أنشأنا ‌تحالفاً ‌يهدف تحديداً إلى ضمان الأمن وتأمين الوضع ‌وتحقيق الاستقرار، وإظهار أن المجتمع الدولي ⁠يدعم ⁠فتح مضيق هرمز؛ ولذلك آمل أن نتمكن من إقناع الأطراف المعنية خلال الأيام المقبلة».

من جانبه، قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن القيادة الإيرانية «تذل» الولايات المتحدة، وتجعل المسؤولين الأميركيين يتوجهون إلى باكستان، ثم يغادرون دون نتائج، في توبيخ مفاجئ وغير معتاد بشأن الصراع.

وأضاف أنه لا يفهم استراتيجية الخروج التي تتبعها الولايات المتحدة في الحرب الإيرانية، وهي تعليقات أكدت الانقسامات العميقة بين واشنطن وشركائها الأوروبيين في «حلف شمال الأطلسي» (الناتو)، والتي كانت تتزايد بالفعل بسبب أوكرانيا وقضايا أخرى.

«بارعون ‌جداً في ‌التفاوض»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لدى وصوله إلى إسلام آباد يوم 24 أبريل 2026 (رويترز)

وقال أيضاً المستشار الألماني: «من الواضح أن الإيرانيين بارعون ‌جداً في ‌التفاوض، أو بالأحرى بارعون للغاية في عدم ‌التفاوض؛ ⁠إذ تركوا الأميركيين ⁠يذهبون إلى إسلام آباد، ثم يغادرون خالين الوفاض».

وأضاف: «القيادة الإيرانية، ولا سيما ما يسمى (الحرس الثوري)، تذل أمة بأكملها؛ لذا آمل أن ينتهي هذا الأمر في أسرع وقت ممكن».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب انتقد بشدة أعضاء حلف «الناتو» لعدم إرسالهم قوات بحرية ⁠للمساعدة في فتح مضيق هرمز خلال النزاع. ولا ‌يزال المضيق مغلقاً فعلياً، ‌مما تسبب في اضطرابات في الأسواق، وانقطاع غير مسبوق في ‌إمدادات الطاقة.

وأكد ميرتس مجدداً أنه لم تحدث مشاورات ‌مع الألمان والأوروبيين قبل أن تبدأ الولايات المتحدة وإسرائيل الهجوم على إيران في 28 فبراير (شباط)، وأنه نقل شكوكه مباشرة إلى ترمب بعد ذلك.

وقال ميرتس: «لو كنت أعلم أن الوضع سيستمر ‌على هذا النحو لخمسة أو ستة أسابيع، بل وسيزداد سوءاً، لأخبرته بذلك على ⁠نحو أكثر وضوحاً»، ⁠مشبّهاً الوضع بحربَي الولايات المتحدة السابقتين في العراق وأفغانستان.

وتضاءلت آمال إحياء جهود السلام منذ أن ألغى ترمب زيارة مبعوثَيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم السبت.

وقال ميرتس إنه من الواضح أن أجزاء على الأقل من مضيق هرمز بها ألغام، مضيفاً: «لقد عرضنا، بصفتنا أوروبيين، إرسال كاسحات ألغام ألمانية لتطهير المضيق الذي من الواضح أن ألغاماً زُرعت في أجزاء منه».

وأكد أن الصراع يكلف ألمانيا «أموالاً طائلة، وكثيراً من أموال دافعي الضرائب، وجانباً كبيراً من قوتها الاقتصادية».

دعوة لمجلس الأمن

مجلس الأمن يصوت بالإجماع على القرار «2231» بعد أسبوع من توقيع الاتفاق النووي بفيينا في 20 يوليو 2015 (أرشيفية - الأمم المتحدة)

وفي السياق نفسه، دعا وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول أعضاء مجلس الأمن الدولي إلى الاضطلاع بمسؤولياتهم في حرب إيران، والقيام بدورهم في أقوى هيئة داخل الأمم المتحدة.

وقال الوزير قبيل توجهه إلى نيويورك، يوم الاثنين: «إذا تحمّل مجلس الأمن الآن مسؤوليته، فإنه يعزز بذلك أيضاً النظام الدولي»، مضيفاً أن الأمم المتحدة يجب أن تصبح «محوراً رئيسياً للدبلوماسية في الأزمات

الحالية» فيما يتعلق بقضايا السلام والأمن.

ومع ذلك، انتقد فاديفول ما وصفه بأنه عرقلة متكررة لعمل المجلس، قائلاً: «نرى مراراً كيف تقوم جهات ذات مصالح متعارضة بعرقلة مجلس الأمن في كثير من الأحيان».

وتجدر الإشارة إلى أنه كثيراً ما تعرقل الصين وروسيا، بصفتهما عضوين دائمين يتمتعان بحق «النقض» (الفيتو) في مجلس الأمن، مبادرات لحل النزاعات. وطالب الوزير بأن تتحلى الأمم المتحدة بالشجاعة لإجراء إصلاحات، وأن تصبح أكثر قدرة على العمل، وتحافظ على مصداقيتها من أجل حل النزاعات.

وفي سياق المناقشات المتعلقة بالمشاركة في مهمة أمنية عسكرية في مضيق هرمز، تأمل ألمانيا الحصول على تفويض من الأمم المتحدة. ولا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الصين وروسيا ستدعمان ذلك.

ويعد المضيق، الذي قامت إيران بإغلاقه، ذا أهمية كبيرة لإمدادات النفط والغاز العالمية؛ إذ يعبر من خلاله نحو 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وحذر فاديفول من أن نقص الطاقة والأسمدة قد يعرض إمدادات الغذاء العالمية أيضاً لخطر كبير. وعقب وصوله إلى نيويورك، يشارك فاديفول في مناقشة بمجلس الأمن الدولي حول الأمن البحري، حيث يلقي كلمة بلاده.

كما يُعقد في مقر الأمم المتحدة في نيويورك مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. وقال فاديفول إن المؤتمر يتيح فرصة لمناقشة سبل جديدة للحفاظ على إنجازات المعاهدة، ووضع نزع السلاح النووي في دائرة الاهتمام، مضيفاً: «ما دامت التهديدات النووية مستمرة ضدنا وضد شركائنا، فإننا ما زلنا بحاجة إلى ردع موثوق».

وكان أحد المبررات الرئيسية للهجوم الذي شنته الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران هو حرمان طهران من القدرة على تطوير قنبلة نووية.

ويخطط فاديفول أيضاً لإجراء محادثات في نيويورك مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ومسؤولين بارزين آخرين، إضافة إلى عدد من نظرائه الحاضرين، حيث ستتناول المناقشات أيضاً مستقبل المنظمة الدولية.

«من السابق لأوانه تخفيف العقوبات»

من جهة أخرى، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير ‌لاين، يوم الاثنين، ‌إنه ⁠من السابق لأوانه تخفيف ⁠العقوبات المفروضة على إيران. وقالت في ⁠برلين: «نعتقد ‌أن ‌رفع العقوبات سابق ‌لأوانه»، ‌موضحة أن العقوبات فُرضت بسبب ‌قمع إيران لشعبها. وأضافت: «علينا ⁠أولاً أن ⁠نرى تغييراً جذرياً في إيران قبل رفع العقوبات».


الحصار الأميركي يعيد ناقلات نفط إيرانية إلى الموانئ

سفينة «سيفان» المدرجة ضمن 19 سفينة من «أسطول الظل» قبل اعتراضها في بحر العرب بواسطة مروحية تابعة للبحرية الأميركية وإعادتها إلى إيران تحت الحراسة السبت (سنتكوم)
سفينة «سيفان» المدرجة ضمن 19 سفينة من «أسطول الظل» قبل اعتراضها في بحر العرب بواسطة مروحية تابعة للبحرية الأميركية وإعادتها إلى إيران تحت الحراسة السبت (سنتكوم)
TT

الحصار الأميركي يعيد ناقلات نفط إيرانية إلى الموانئ

سفينة «سيفان» المدرجة ضمن 19 سفينة من «أسطول الظل» قبل اعتراضها في بحر العرب بواسطة مروحية تابعة للبحرية الأميركية وإعادتها إلى إيران تحت الحراسة السبت (سنتكوم)
سفينة «سيفان» المدرجة ضمن 19 سفينة من «أسطول الظل» قبل اعتراضها في بحر العرب بواسطة مروحية تابعة للبحرية الأميركية وإعادتها إلى إيران تحت الحراسة السبت (سنتكوم)

أظهرت بيانات لتتبع السفن، الاثنين، أن 6 ناقلات محملة بالنفط الإيراني أُجبرت أخيراً على العودة إلى إيران جراء الحصار الأميركي، بما يعكس تأثير الحرب مع إيران على حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أبرز الممرات الرئيسية لصادرات النفط العالمية.

وقالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في وقت مبكر الاثنين، إن قواتها تواصل فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، ومنع السفن من الدخول إليها أو الخروج منها.

وأضافت أن بحاراً أميركياً يراقب سفينة تجارية، بينما تواصل القوات الأميركية تنفيذ الحصار، مشيرةً إلى أن القوات الأميركية وجّهت 38 سفينة إلى تغيير مسارها أو العودة إلى الميناء.

وقبل بدء الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، كانت ما بين 125 و140 سفينة تعبر المضيق يومياً، غير أن 7 سفن فقط عبرته خلال اليوم الماضي، وفق بيانات تتبع السفن من شركة «كبلر» وتحليلات الأقمار الاصطناعية من شركة «سينماكس». ولم تكن أي من هذه السفن تحمل نفطاً متجهاً إلى السوق العالمية، حسب«رويترز».

وأشارت البيانات إلى أن من بين السفن العابرة سفينة الشحن الجاف «بافاند»، التي ترفع العلم الإيراني وغادرت من ميناء إيراني، إضافة إلى سفن أخرى غادرت من موانئ عراقية.

وفرضت إيران قيوداً على الملاحة في المضيق، في حين أعلنت الولايات المتحدة في 13 أبريل (نيسان) أنها ستفرض حصاراً على حركة الملاحة المرتبطة بإيران. وفي 25 أبريل، أعلن الجيش الأميركي أن القوات الأميركية أعادت 37 سفينة منذ بدء الحصار.

ولم يقدم الجيش الأميركي تفاصيل كاملة عن أنواع السفن التي حوّل مسارها، أو المواقع الدقيقة لعمليات الاعتراض.

وقالت شركة الوساطة البحرية «كلاركسونز»، في مذكرة الاثنين، إن «إيران هاجمت سفناً واحتجزتها لعدم التزامها بشروط العبور المطلوبة، بينما واصلت الولايات المتحدة فرض حصارها».

وأظهرت تحليلات لصور أقمار اصطناعية من موقع «تانكر تراكرز دوت كوم» أن 6 ناقلات إيرانية عادت إلى الموانئ، ثم عبرت المضيق مجدداً خلال الأيام القليلة الماضية، وعلى متنها نحو 10.5 مليون برميل من النفط.

وبينما أصدرت القوات الأميركية في خليج عمان تعليمات لبعض السفن بالعودة، سُمح لسفن أخرى بمواصلة الإبحار.

وأظهرت بيانات «تانكر تراكرز دوت كوم» أن ناقلتين تحملان نحو 4 ملايين برميل من النفط الإيراني أبحرتا في 24 أبريل متجهتين إلى آسيا رغم الحصار الأميركي.

ووفق تحليل الموقع نفسه، شوهدت 4 ناقلات نفط إيرانية فارغة آخر مرة قبالة سواحل باكستان، بعد عودتها من آسيا.

وقال محللون إن القوات الأميركية تحول مسار سفن مرتبطة بإيران شرقاً حتى مضيق ملقة، لذلك لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت هذه الشحنات ستصل إلى المشترين، أم سيجري اعتراضها وإعادتها إلى إيران.

ولا تزال مئات السفن ونحو 20 ألف بحار عالقين في الخليج العربي.


صلاحيات «قانون الحرب» تضغط على ترمب للحسم مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

صلاحيات «قانون الحرب» تضغط على ترمب للحسم مع إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

صار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مسافة ساعات فحسب من موعد قانوني رئيسي داخل الولايات المتحدة بغية اتخاذ قرار ينهي حال اللاحرب واللاسلم السائدة حالياً، علماً أن «عملية الغضب الملحمي» التي بدأها ضد إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، لم تؤدِّ بعد إلى نتائجها المرجوّة أميركياً.

وفي وقت لم تفض فيه الجهود الدبلوماسية الجارية، وأبرزها الوساطة الباكستانية، إلى أي اختراق معلن يمكن أن يؤدي إلى نهاية الأزمة، يقترب الرئيس ترمب من استحقاق الأيام الـ60 التي يحددها قانون صلاحيات الحرب لعام 1973، الذي صدر خلال حرب فيتنام بهدف الحد من قدرة الرئيس الأميركي حينها، ريتشارد نيكسون، وتعزيز سلطة الكونغرس على إعلان الحرب.

خلال الأسابيع الثمانية من الحرب الإيرانية، وما سبقها، تغيّرت الأولويات والأهداف التي وضعها الرئيس ترمب من فرض شروط حازمة، يتجلى أبرزها في وضع حد لتوسع البرنامج النووي الإيراني عبر وقف تخصيب اليورانيوم نهائياً على الأراضي الإيرانية، وتسليم الكميات المخصبة بدرجة 60 في المائة إلى الولايات المتحدة.

وسعى أيضاً إلى تقييد برنامج الصواريخ الباليستية والمسيرات التي استخدمها «الحرس الثوري» بدرجات متفاوتة خلال العمليات العسكرية، مستهدفاً بصورة خاصة دول الجوار أكثر من التصويب على القوات الأميركية أو على إسرائيل.

وضغط من أجل لجم الميليشيات والجماعات المسلحة الموالية لإيران، خصوصاً «حزب الله» في لبنان، لمنع توسيع رقعة الحرب، وزعزعة الاستقرار أكثر فأكثر في الشرق الأوسط.

«حصار الحصار»

إيرانيون عند شاطئ سورو في بندر عباس على مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وحاول النظام الإيراني استخدام مضيق هرمز ورقة مساومة مع إدارة ترمب؛ إذ تمكنت طهران من إغلاقه، مهددة بأزمة عالمية متعددة الأبعاد. وأدى ذلك إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط ومشتقاته، بالإضافة إلى وجود أزمة في الأسمدة الحيوية التي تأتي بصورة خاصة من الدول الخليجية؛ ما ينذر بزيادة التضخم، ودفع الاقتصاد العالمي نحو الركود.

في المقابل، فرضت القوات الأميركية حصاراً خانقاً على الموانئ الإيرانية؛ ما يمكن أن يؤدي إلى قطع الصادرات النفطية الإيرانية، وخنق ما تبقى من حركة الاقتصاد في إيران. وأدى «حصار الحصار» إلى إدخال الولايات المتحدة وإيران والعالم بأسره، في دوامة «عض أصابع» لاختبار من يمكنه تحمل مزيد من الألم مع الاقتراب من عتبة الأيام الـ60.

في غضون ذلك، أكد الرئيس ترمب مراراً خلال الأسابيع الماضية أن الولايات المتحدة تحقق نصراً ساحقاً في الحرب، واعداً بإنهائها قريباً، لكنه أبدى أيضاً كثيراً من الحزم في تحقيق كامل الأهداف التي سعى إليها. وأكد أخيراً أن مفاوضيه ينتظرون مكالمة هاتفية من إيران، لكنهم ليسوا على عجلة من أمرهم، متجاهلاً حتى الآن قيود قانون صلاحيات الحرب.

غير أن واقع الحال يشير إلى خلاف ذلك؛ فالمشرعون الديمقراطيون حاولوا لخمس مرات تقييد سلطات ترمب في الحرب الدائرة مع إيران، مع أنه تمكن منذ عودته الثانية إلى البيت الأبيض في مطلع عام 2025، ليس فقط من فرض إرادته إلى حد كبير على الغالبية الجمهورية في مجلسي النواب والشيوخ، بل أيضاً من تهميش دور الكونغرس في قضايا رئيسية تشغل الولايات المتحدة داخلياً وخارجياً، بما في ذلك قراره بدء هذه الحرب مع إيران.

وأدى هذا الإخفاق إلى حال انتظار لانتهاء مدة الـ60 يوماً لعلها تكون مفترقاً حاسماً في التجاذبات الأميركية الداخلية على «مشروعية» استمرار العمليات العسكرية، طبقاً لقانون صلاحيات الحرب الذي يتألف من 3 عناصر رئيسية: يتمثل أولها في ضرورة أن يحصل الرئيس على تفويض بإعلان الحرب قبل إرسال قوات إلى الخارج، إلا إذا تعرضت الولايات المتحدة أو القوات المسلحة الأميركية لهجوم. ويركز الثاني على أنه إذا بدأ الرئيس أعمالاً حربية، فلا يجوز أن تستمر أكثر من 60 يوماً، ويجب إنهاؤها ما لم يأذن الكونغرس باستمرارها.

أما الثالث فيؤكد أنه إذا لم يصدر التفويض بالحرب خلال الأيام الـ60، فيجوز للكونغرس مطالبة الرئيس بإنهاء مشاركة الولايات المتحدة في الأعمال العدائية في أي وقت.

تاريخ بداية المهل

وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث مستمعاً إلى رئيس هيئة الأركان المشتركة دان كاين خلال مؤتمر صحافي (أ.ف.ب)

وتبدأ المهل الواجبة ليس مع الإعلان المشترك من الولايات المتحدة وإسرائيل بشن ضربات مشتركة في 28 فبراير الماضي، حين أكد ترمب أنه يتصرف بموجب سلطته بوصفه قائداً أعلى للقوات المسلحة لحماية القواعد الأميركية في الشرق الأوسط، ولـ«تعزيز المصالح الوطنية الحيوية للولايات المتحدة»، بل من تاريخ إبلاغ ترمب للكونغرس رسمياً بـ«عملية الغضب الملحمي» في 2 مارس (آذار) الماضي، وهو الموعد الذي يؤدي إلى بلوغ فترة الأيام الـ60 في 1 مايو (أيار) المقبل.

ويكمن مأزق ترمب القانوني في أن بعض الجمهوريين أعلنوا صراحة أنهم لن يدعموا أي تمديد يتجاوز الأيام الستين. وهذا ما عبَّر عنه السيناتور جون كورتيس والنائب براين ماست.

وبموجب القانون، يحق لأي عضو في الكونغرس طلب التصويت لمطالبة الرئيس بسحب القوات المسلحة من الأعمال العدائية. وبموجب القواعد الإجرائية لهذا القانون، تُمنح مشاريع قوانين الحرب صفة «العجلة»، ويتم التصويت عليها خلال مدة لا تتعدى 15 يوماً.

وإذا أخفقت عمليات التصويت على غرار ما حصل حتى الآن، فإنه ينبغي للرئيس الشروع في الانسحاب من الأعمال العدائية في غضون 30 يوماً. وهذا ما لم تظهر أي مؤشرات عليه حتى الآن.

وبمجرد انقضاء المهلة الأولى، تصير خيارات ترمب لمواصلة حملة عسكرية من دون موافقة الكونغرس محدودة. وابتداءً من الجمعة، ستكون أمام ترمب 3 خيارات: طلب تفويض من الكونغرس لمواصلة الحملة، أو البدء في تقليص التدخل الأميركي، أو منح نفسه تمديداً.

ويسمح القانون بتمديد الانتشار العسكري الأميركي لمرة واحدة لمدة 30 يوماً إذا صادق الرئيس كتابة على ضرورة وجود وقت إضافي لتسهيل الانسحاب الآمن للقوات الأميركية، لكنه لا يمنح صلاحية مواصلة شن حملة هجومية.

ويأخذ المسؤولون الأميركيون في الحسبان أن الكونغرس لم يُصوت لصالح استخدام القوة العسكرية منذ عام 2002 ضد العراق. وكثيراً ما جادلت الإدارات التي قادها رؤساء من الحزبين بأن الدستور يمنح القائد الأعلى صلاحيات واسعة؛ ما يعني أن القيود التي يفرضها قانون صلاحيات الحرب على الرئيس غير دستورية.

ويستشهد البعض بأنه في عام 2011، واصل الرئيس الأسبق باراك أوباما التدخل العسكري في ليبيا بعد انقضاء مهلة الأيام الـ60. ويتوقع بعض المشرعين أن تُقدم إدارة ترمب حججاً مماثلة في حرب إيران الحالية.