احتجاجات إيران تتواصل لليوم الثالث تحت شعار «انتفاضة البنزين»

عشرات القتلى والجرحى وأكثر من ألف معتقل... والسلطات الأمنية تلجأ للعنف في مدن عدة

مركبات عامة تعرضت للحرق في احتجاجات طهران أمس (أ.ب)
مركبات عامة تعرضت للحرق في احتجاجات طهران أمس (أ.ب)
TT

احتجاجات إيران تتواصل لليوم الثالث تحت شعار «انتفاضة البنزين»

مركبات عامة تعرضت للحرق في احتجاجات طهران أمس (أ.ب)
مركبات عامة تعرضت للحرق في احتجاجات طهران أمس (أ.ب)

تواصلت «احتجاجات الوقود» في إيران أمس لليوم الثالث على التوالي، واتسع نطاقها وعدد المشاركين فيها، وكذلك ازداد عدد الضحايا والجرحى في مدن مختلفة، فيما أيّد كل من المرشد الإيراني علي خامنئي، ورئيس الجمهورية حسن روحاني، قرار رفع أسعار الوقود، وألقيا باللوم في موجة الاحتجاجات على «أعداء إيران، والمشاغبين».
من جانبها، أعلنت السلطات الأمنية أنها ستتصدى بكل الحزم لأعمال التخريب، وبالفعل اعتقلت أعداداً كبيرة من المواطنين.
وأكدت المعارضة الإيرانية، أمس الأحد، أن الاحتجاجات التي بدأت يوم الجمعة الماضي تواصلت وانتشرت إلى عشرات المدن، ونقل الموقع الإلكتروني لمنظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المعارضة أن المظاهرات تواصلت في أكثر من 75 مدينة إيرانية، وأن المحتجين دمروا كثيراً من المقار الأمنية والحكومية. كما أفادت ببدء إضراب عام واحتجاجات في سوق طهران الكبير صباح أمس. وذكرت أن ما لا يقل عن 80 شخصاً قتلوا في مواجهات مع قوات الأمن، فيما ذكرت مصادر قناة «العربية» أن عدد القتلى بلغ 27 شخصاً.
وأضافت المصادر أن قوات الأمن الإيرانية أطلقت الرصاص الحي وقنابل الغاز لتفريق المحتجين في ميدان الخميني بطهران، فيما امتدت الاحتجاجات إلى معظم المدن الإيرانية تحت ما سميت «انتفاضة البنزين». وأفادت وكالة «فارس» باعتقال نحو ألف متظاهر في إيران خلال يومين، وسط أنباء عن وقوع قتلى في صفوف المتظاهرين خلال احتجاجات أمس. وعلى وقع هذا التصعيد، أفادت وكالة «مهر» بمصادقة مجلس الأمن القومي الإيراني على مشروع قانون تقنين استهلاك الوقود، ودعا البرلمان في جلسة مغلقة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة للسيطرة والإشراف على أسعار الوقود حتى لا يتضرر الشعب، بحسب وكالة «مهر» للأنباء.
وازدادت وتيرة الاحتجاجات وعمّت مناطق واسعة شملت أكثر من مائة مدينة وإقليم إيراني. وبحسب الفيديوهات المتداولة من مدينة إسلام شهر، فقد ظهر محتجو إيران وهم يحرقون صورة المرشد علي خامنئي ويهتفون: «الموت لخامنئي». وقالت وكالات أنباء إيرانية ومواقع للتواصل الاجتماعي إن شرطة مكافحة الشغب وقوات الأمن اشتبكت مع المتظاهرين في طهران وعشرات المدن بعد يوم من رفع الحكومة سعر الوقود بنسبة 50 في المائة.
وأفادت مصادر أن محتجين في قرتشك جنوب طهران أغلقوا عدداً من الطرق، كما أغلقت السلطات المترو في طهران وأصفهان لمنع نقل المحتجين. وأفادت وكالة «فارس» بوقوع أضرار في 60 حافلة و5 محطات مترو في احتجاجات أصفهان. وفي وقت سابق، أفادت المصادر ببدء إضراب عام واحتجاجات في سوق طهران الكبير صباح أمس، فيما انطلقت مظاهرات لطلاب جامعة «سنندج» بمحافظة كردستان غرب إيران، كما شارك طلاب جامعة أصفهان في المظاهرات أيضاً، في حين تواترت الأنباء عن مقتل متظاهر في الأحواز أول من أمس السبت، بعد إصابته بقنبلة غاز في رأسه.
تهديد بالقمع
وحذّر المتحدث باسم الشرطة أحمد نوريان بأن قوات الأمن «لن تتردد في مواجهة الذين يزعزعون السلام والأمن، وستحدد قادة هذه المجموعات وستحشد القوات وتواجههم». ودعا، في تصريحات نشرتها وكالات الأنباء الإيرانية، المواطنين إلى كشف «الانتهازيين والمرتزقة» ومساعدة الشرطة في الحفاظ على السلام. كما أعلنت وزارة الاستخبارات في بيان أنّ «العناصر الأساسيين في أعمال الشغب خلال اليوم الماضيين تم تحديدهم، وجارٍ اتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم، وسيتم إعلان نتائجها للشعب».
وفي طهران، شوهد متظاهرون يغلقون طريقاً بينما تجمع محتجون في أماكن أخرى من العاصمة حول سيارات محترقة. ووقعت حوادث مماثلة في مدينتي شيراز وأصفهان في وسط البلاد، وعدد من المدن الأخرى. وأظهرت لقطات فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي شرطة مكافحة الشغب وهي تطلق الغاز المسيل للدموع وتستخدم العصي لتفريق المحتجين في مدن عدة، وأظهر فيديو على «تويتر» محتجين يضرمون النار في بعض البنوك. كما أظهرت مقاطع مصورة بثت على مواقع للتواصل الاجتماعي قيام محتجين بإشعال النار في مبانٍ، واشتباكهم مع قوات مكافحة الشغب. وفي مقاطع فيديو أخرى أغلق محتجون الطرق وأشعلوا حرائق في شوارع بطهران ومدن أخرى. وردد البعض هتافات ضد كبار المسؤولين.
وقالت وزارة الاستخبارات في إيران إنها ستتخذ إجراءات قوية بحق المتظاهرين، الذين شاركوا في «عمليات التخريب». ونقلت وكالة أنباء «إرنا» عن الوزارة قولها في بيان إنها «لن تدخر جهداً» في مسعاها لضمان الأمن القومي للبلاد. وقال المدعي العام الأول محمد جعفر منتظري: «بالتأكيد، يتم توجيه مثيري الشغب، من الخارج، وأنشطتهم تعدّ غير مشروعة وإجرامية، ومن هنا فسوف نتخذ إجراءات مناسبة ضدهم». وأضاف منتظري أنه يتعين على المواطنين أن ينأوا بأنفسهم عن مثيري الشغب هؤلاء حتى لا يتعرضوا للعقوبة.
وفاة شرطي
وتوفي شرطي متأثراً بجروحه في مدينة كرمانشاه السبت، وفق ما أفاد به قائد شرطة المنطقة علي أكبر جاويدان في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية. وأفاد جاويدان بأن الشرطي توفي «إثر مواجهة مع عدد من مثيري الشغب والعصابات»، موضحاً أنه أصيب بعيار ناري بينما كان يحاول الدفاع عن مركز الشرطة الذي يعمل فيه، من المهاجمين الذي حاولوا السيطرة على المبنى. وقال جاويدان إن «أهالي كرمانشاه إلى جانب أشخاص في مدن أخرى، تظاهروا بشكل سلمي ضد التطورات الأخيرة، وسيتم بالتأكيد الاستماع لمخاوفهم». وأضاف أن «غالبية المواطنين لا يوافقون على الفوضى التي تسبب بها بعض الأفراد المعروفين، ويطالبون بوضوح بالتصدي لهم».
وأكدت وكالة «فارس» الإيرانية أنه تم إلقاء القبض على نحو ألف شخص خلال الاحتجاجات التي شهدتها إيران خلال الأيام الماضية. وأضافت أنه جرى الاعتداء على العشرات من المصارف والمتاجر وتم نهبها. ونسبت «وكالة أنباء الطلبة» إلى ممثل ادعاء محلي قوله أمس إن 40 شخصاً اعتقلوا خلال الاحتجاجات في مدينة يزد وسط البلاد، وأغلبهم ليسوا من سكان المنطقة. وأضافت الوكالة أن كثيراً من المتاجر في سوق طهران أغلقت أبوابها أمس الأحد بعد «اضطرابات» قام بها أشخاص من خارج المنطقة التجارية، مشيرة إلى أن المتاجر ستفتح أبوابها على الأرجح بعد وصول تعزيزات الشرطة.
ويحرص رجال السلطة الذين يحكمون إيران على منع تكرار الاضطرابات التي حدثت في أواخر عام 2017 حينما خرجت احتجاجات في 80 مدينة وبلدة بسبب تدني مستوى المعيشة، والتي ترددت فيها دعوات لتنحي رجال الدين عن الحكم. وقال المسؤولون الإيرانيون إن 22 شخصاً لقوا حتفهم في تلك الاحتجاجات، لكن مصادر المعارضة تحدثت عن مئات القتلى وآلاف المعتقلين في تلك الأحداث.



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».