إسرائيل تعتبر تصفية أبو العطا تمهيداً لاستئناف محادثات التهدئة مع «حماس»

انتقادات واسعة لعملية الاغتيال وإعلان نتنياهو الانتصار فيها

جندي إسرائيلي يوجه سلاحه إلى تظاهرة في بيت لحم ضد قصف غزة الأربعاء (إ.ب.أ)
جندي إسرائيلي يوجه سلاحه إلى تظاهرة في بيت لحم ضد قصف غزة الأربعاء (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تعتبر تصفية أبو العطا تمهيداً لاستئناف محادثات التهدئة مع «حماس»

جندي إسرائيلي يوجه سلاحه إلى تظاهرة في بيت لحم ضد قصف غزة الأربعاء (إ.ب.أ)
جندي إسرائيلي يوجه سلاحه إلى تظاهرة في بيت لحم ضد قصف غزة الأربعاء (إ.ب.أ)

أكد الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، هداي زلبرمان، أمس الخميس، أن تصفية القائد في الجهاد الإسلامي، بهاء أبو العطا، والاتفاق على وقف إطلاق النار بين إسرائيل ومنظمته يمهد الطريق الآن أمام استئناف قريب للمحادثات حول اتفاق التهدئة مع حركة حماس. وقال إنه «ما من شك في أن أبو العطا كان عقبة كأداء أمام جهود التهدئة»، مدعيا أن «تصرفاته وإصراره على إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل، لم تثر غضب إسرائيل وحدها بل أثارت غضب الوسيط المصري وكذلك حركة حماس وحتى رفاقه قادة الجهاد الإسلامي الفلسطيني في سوريا» بحسب قوله.
وكان زلبرمان يلخص بذلك الصدام مع الجهاد في غزة، خلال اليومين الماضيين، والذي انتهى باتفاق لوقف النار توسطت فيه مصر، فقال إن إسرائيل حققت خلال اليومين كل أهدافها من هذه العملية، التي أطلق عليها اسم «حزام أسود». فسئل: أي أهداف وضعتم؟ هل يوجد هدف آخر سوى اغتيال أبو العطا؟ فأجاب: «بالتأكيد، فقد تمت تصفية 25 قائدا ميدانيا من الجهاد، معظمهم ضبطوا وهم يستعدون لإطلاق الصواريخ، وتم تدمير عدد كبير من القدرات الصاروخية للجهاد وعدد من معسكراته وآلياته وقوته البحرية».
ونفى زلبرمان ما نقلته وسائل الإعلام الإسرائيلية، أمس الخميس، من أن خطة اغتيال أبو العطا وضعت قبل سنتين، وقال إنها وضعت قبل خمسة شهور، وتحديدا في شهر يونيو (حزيران) الماضي، حيث قام بافتعال مشكلة كبيرة وعلى مدار يومين أرسل زخا من الصواريخ. وقال إن الجيش بعث بعدة رسائل تحذير له بطرق غير مباشرة ولكنه لم يرتدع. وحتى بعدما اتفق قادة الجهاد الإسلامي مع المصريين، بحضوره وموافقته، على وقف إطلاق الصواريخ، لم يتوقف. وحسب زلبرمان، فإن الانطلاق إلى تنفيذ قرار اغتياله تم يوم الجمعة الماضي بعدما أطلق الصواريخ من دون أي مبرر.
وحرص الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي على الإشادة بموقف حركة حماس، التي امتنعت عن المشاركة في القصف على إسرائيل طيلة اليومين. وقال: «لقد تصرفت حماس بشكل مستقل وقررت أن دخولها إلى المعركة لن يفيد شيئا لها أو لأهل غزة. ونحن وجهنا لها رسائل بالموضوع ونصحناها أن لا تتدخل. وها هي النتيجة. فقد انتهى الاشتباك في وقت قصير ومن دون خسائر كبيرة لنا أو لأهل غزة ومن دون أي خسائر لحماس. واليوم صباحا أعدنا فتح المعابر وأتحنا للصيادين العودة إلى البحر».
وكان قرار وقف النار بهذه السرعة قد أثار ردود فعل واسعة في إسرائيل، انطوت على اختلافات قطبية في وجهات النظر. ففي الحكومة دافعوا عنه واعتبروه انتصارا، لكن وزير الدفاع السابق، أفيغدور ليبرمان، اعتبره «مسخرة». وقال خلال مقابلة أجرتها معه إذاعة الجيش الإسرائيلي، أمس، إن «نتانياهو يضلل الجمهور الإسرائيلي ويتعمد خداعه من خلال شعارات لا قيمة لها على الأرض. فهناك جهة واحدة انتصرت في هذه المعركة وهي إيران، وهناك جهة واحدة خسرت وهي إسرائيل». وأضاف ليبرمان: «تنظيم صغير مثل الجهاد الإسلامي فرض حظر التجوال على إسرائيل ثلاثة أيام ويأتي نتانياهو ويقول انتصرنا؟ إنه ينتج لنا نموذج حزب الله آخر في غزة. وبسبب سياسة نتنياهو ستكون حماس، بعد بضع سنوات، أقوى من حزب الله وتملك أسلحة مدمرة. فمن لا يرى عليه أن يرى. نتانياهو ينسق مع حماس ويسهل دعمها بالمال وتثبيت سلطتها. هذه هي الحقيقة. وليست الحقيقة أن إسرائيل تحتفل بالانتصار على منظمة صغيرة مثل الجهاد الإسلامي استطاعت قصف تل أبيب وغوش دان ودفع سكان عسقلان ليعيشوا ثلاثة أيام في الملاجئ».
وقال مراسل الشؤون الفلسطينية في التلفزيون الإسرائيلي الرسمي، جال بيرغر، إنه «من الآن فصاعدا لا يوجد عنوان واحد في غزة اسمه حماس، وعلى إسرائيل أن تعرف أن هناك عنوانين هما الجهاد الإسلامي وحماس». وقالت خبيرة الشؤون العربية في صحيفة «يديعوت أحرونوت»: «من العيب أن تخرج حكومة إسرائيل بعنوان «انتصرنا على الجهاد الإسلامي»، وهو فصيل رقم 3 في الساحة الفلسطينية وتخفي الحقيقة أن اللعبة الكبيرة هي اللعبة الإقليمية وأن إسرائيل تنهزم في اللعبة الإقليمية وتبحث عن انتصار عن طريق اغتيال شاب غير معروف في غزة. وفي النهاية تذهب لعقد صفقة وقف إطلاق نار مع الجهاد الإسلامي».
وكتب المعلق السياسي في القناة 12 التلفزيونية الإسرائيلية، أمنون أبراموفيتش، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، أمس، أن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أفيف كوخافي، ورئيس الشاباك، ناداف أرغمان، أيدا عملية الاغتيال فعلا، لكنه لمح إلى أنه لم يكن بإمكانهما معارضتها بسبب الأزمة السياسية في إسرائيل، وكأن قرار نتنياهو بتنفيذ الاغتيال نابع من أزمته السياسية. «ولو عارضا لاتهما بمزج اعتبارات سياسية في اعتبارات عسكرية. وقد عارضا الاغتيال قبل الانتخابات وبعد إطلاق قذائف صاروخية على أسدود، عندما كان نتنياهو يخطب في مهرجان انتخابي، لأنه كان واضحا لهما أن اغتيال أبو العطا سيقود إلى حرب، يقرر بشأنها الكابينيت فقط». وقال أبراموفيتش إن «الجهاد الإسلامي، وهو فصيل إرهابي صغير، تمكن من تعطيل إسرائيل في اليومين الماضيين. فماذا سيحدث، لا قدر الله، إذا نشبت حرب مع إيران وحزب الله وحماس معا؟ عندها لن نقوم بتعداد مئات القذائف الصاروخية التي تحمل رؤوسا حربية صغيرة جدا، وإنما مائة ألف صاروخ وأكثر تحمل رؤوسا حربية أكبر بعشرات المرات ودقتها بالغة».
وطالب رئيس حزب العمل، النائب عمير بيرتس، الحكومة بالتوجه نحو تسوية سياسية شاملة مع الفلسطينيين. وقال: «حسنا، لقد قمنا باغتيال قائد في تنظيم إرهابي. وتوصلنا إلى وقف نار. لكننا لم نأت بحل للمعضلة الكبرى، التي بسببها نتنقل من معركة إلى أخرى، مثلما يتنقل أولادنا من ملجأ إلى آخر. لقد حان الوقت لأن نضع حدا لكل هذا».
وأصدرت «حركة السلام الآن» في تل أبيب بيانا صحافيا تستغرب من خلاله إعلان إسرائيل انتصارها في الحرب، وتساءلت: «هل يوجد أي انتصار في الحرب. في الحرب الجميع يخسر والأجدر بالإسرائيليين تشكيل حكومة سلام وليس حكومة اغتيالات».

- مصادر أمنية إسرائيلية: نقص الحذر سهّل اغتيال أبو العطا
> كشفت مصادر أمنية، أمس الخميس، تفاصيل عملية اغتيال القائد في الجهاد الإسلامي في قطاع غزة، بهاء أبو العطا، فتبين منها أنه كان بإمكانه أن ينجو لو اتبع وحراسه بعض الحذر.
وقالت هذه المصادر لقناة التلفزيون «i24news» التي تبث من يافا، إن الجيش الإسرائيلي باشر تنفيذ عملية الاغتيال منذ يوم الجمعة، الأول من الشهر الجاري. وقد راح يفتش عن أبو العطا في عدة أماكن، منها البيت الذي تم اغتياله فيه، فجر الثلاثاء الماضي. وتم إرسال طائرة صوّرت المنزل بدقة، في وقت لم يكن بداخله أبو العطا. ففي حينه توصلت إسرائيل للقناعة بأن أبو العطا هو الذي أمر بإطلاق الصواريخ من غزة تجاه بلدة سديروت الإسرائيلية قرب الحدود مع غزة، ثم عادت الأحد والاثنين للتحليق مرتين في ساعات الليل، وتمت محاولة إطلاق النار في إحداهما على تلك الطائرة.
وأشارت المصادر إلى أن طائرات مماثلة، حلّقت بشكل مباشر فوق منازل 3 قيادات ميدانية من سرايا القدس في شمال قطاع غزة، يعملون بشكل مباشر مع أبو العطا. إحدى هذه الطائرات، وهي من طراز «كواد كابتر» حلقت قبل اغتياله ببضع دقائق فوق منزله، مع العلم أنه لا يكثر من التردد عليه. ثم اقتربت من «الشرفة» المطلة على غرفة منزله، واخترقتها باتجاه الغرفة بشكل مباشر، واستطاعت التقاط صورته. وكانت تلك الطائرة، تحمل قنابل يدوية، ففجرتها بالقرب منه. وبعد أقل من دقيقة من تفجير الطائرة، والتي لم تسبب سوى أضرار محدودة بالممتلكات، أطلقت طائرة حربية في الجو صاروخين بشكل مباشر على الغرفة، ما أدى إلى تدميرها بالكامل.
وأوضحت المصادر، أن أبو العطا دخل منزله قبل نصف ساعة من اغتياله، وكانت طائرات استطلاع ترصد المنزل باستمرار، رغم أنها تعرف أنه لا يتردد إليه كثيرا بسبب الملاحقة الإسرائيلية المكثفة له. ما يعني أنه كان بمقدوره أن يدرك أن الإسرائيليين يضيقون الخناق على تحركاته ويوجهون سهامهم لبيته.
وطائرات «كواد كابتر»، هي دورونات صغيرة الحجم تحمل كاميرات وبطاقات ذكية للتصوير وتخزين المعلومات، وبإمكانها حمل قنابل خفيفة، في تصوير مواقع وأهداف للفصائل الفلسطينية بغزة. وهي معروفة للغزيين، وقد تم إسقاط العديد منها في الأشهر الأخيرة، بفعل إطلاق النار تجاهها، أو سقوطها بفعل خلل فني. ونجحت تلك الطائرات، في وضع أجهزة تجسس صغيرة في عدة مناطق بغزة، منها سيارات تتبع لقيادات ميدانية من حماس والجهاد، وتم فيما بعد ضبطها من قبل أجهزة أمن الفصائل. وكان رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلي «الشاباك»، نداف أرغمان، قد صرح بعيد الاغتيال بأن الجهاز نجح في الوصول إلى غرفة، بل إلى سرير بهاء أبو العطا حيث كان ينام.



اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

اليمن يضغط دولياً لمحاصرة مصادر تمويل وتسليح الحوثيين

موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)
موالون للجماعة الحوثية خلال حشد في صنعاء (إ.ب.أ)

تسعى الحكومة اليمنية إلى نقل التنسيق مع المملكة المتحدة من مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات أكثر تأثيراً في مواجهة الميليشيات الحوثية، تشمل تصنيف الجماعة منظمة إرهابية، وتجفيف مصادر تمويلها وتسليحها، وتشديد الرقابة على التقنيات والمكونات التي تستخدمها في تطوير قدراتها العسكرية، بالتزامن مع تحركات دولية مرتقبة لحشد الدعم الاقتصادي والإنساني لليمن.

وجاءت هذه الملفات خلال لقاء رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط ستيفن دوتي، الذي بحث معه تطورات الأوضاع اليمنية والتهديدات التي تمثلها الجماعة الحوثية على الأمن الإقليمي والملاحة الدولية، إلى جانب الترتيبات الجارية لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية الشهر الحالي.

وأكد العليمي أن حماية الملاحة الدولية لا يمكن تحقيقها بمعزل عن إنهاء مصادر التهديد الحوثية، داعياً إلى دعم قدرات الدولة اليمنية في حماية أراضيها ومياهها الإقليمية، ومشدداً على ضرورة اقتران المواقف السياسية والقانونية بإجراءات عملية تستهدف شبكات التمويل والتسليح والتهريب التي تمد الجماعة بقدراتها العسكرية.

رشاد العليمي يطلب دعماً بريطانياً أوسع لمواجهة الحوثيين (سبأ)

وطالب رئيس مجلس القيادة اليمني المملكة المتحدة بدور أكثر فاعلية في حشد موقف دولي لتصنيف الحوثيين منظمة إرهابية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لحظر الجماعة وفق القانون البريطاني، مؤكداً أن استمرار التعامل مع تهديداتها دون تدابير رادعة يترك مصادر قوتها خارج دائرة الاستهداف.

تهديد يتجاوز اليمن

وضع العليمي أمام الوزير البريطاني صورة التصعيد الحوثي، مشيراً إلى استهداف مطارَي عدن والريان المدنيين، والهجمات المتواصلة على مدينة تعز، وما تتعرض له أحياؤها السكنية والمنشآت المدنية والأسواق والمدارس والمنازل من قصف، فضلاً عن الاعتداءات على الأعيان المدنية في السعودية وتهديد الممرات المائية وخطوط الملاحة الدولية.

وربط رئيس مجلس القيادة اليمني بين أمن المنطقة واستعادة مؤسسات الدولة اليمنية قدرتها على بسط سلطتها، عادَّاً أن دعم الحكومة في هذا الاتجاه يمثل الضمانة المستدامة لحماية الممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.

الحوثيون دفعوا بعشرات الآلاف من مسلحيهم لاقتحام محافظة تعز (إ.ب.أ)

كما أثار العليمي ملف الانتهاكات الحوثية لحقوق الإنسان، في ضوء وفاة موظف في المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان أثناء احتجازه، وما وصفه باستمرار الاعتقال التعسفي لأكثر من 70 شخصاً من موظفي الأمم المتحدة، إلى جانب تعطيل المبادرات الرامية إلى تخفيف المعاناة الإنسانية.

وفي الجانب الاقتصادي والإنساني، أطلع الوزير دوتي رئيس مجلس القيادة اليمني على زيادة الدعم البريطاني لمواجهة تداعيات الأزمة الإنسانية في اليمن، مؤكداً استمرار مساندة بلاده للقيادة السياسية والحكومة في المجالات السياسية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وتناول اللقاء التحضيرات لعقد مؤتمر دولي لدعم اليمن نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، والجهود المبذولة لإنجاحه وتوجيه الاستجابة نحو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة.

وثمّن العليمي المواقف البريطانية الداعمة لليمن، خصوصاً دور لندن بوصفها حاملة القلم بشأن الملف اليمني في مجلس الأمن، كما أشاد بالدعم السعودي عبر مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بما في ذلك الاستجابة للاحتياجات الإنسانية في تعز والمحافظات الأخرى.


الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
TT

الحصار الحوثي على تعز يرفع أسعار السلع 5 أضعاف

عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)
عبوات بنزين معروضة للبيع في أحد شوارع مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين (رويترز)

​ضاعف الحصار الذي يفرضه الحوثيون على مدينة تعز اليمنية معاناة مئات الآلاف من سكانها، بعدما ارتفعت أسعار السلع الأساسية إلى 5 أضعاف مستوياتها المعتادة، وسط استمرار إغلاق الطرق المؤدية إلى المدينة، وتعثر الجهود الإنسانية الرامية إلى فتح ممر آمن لإيصال المساعدات، في وقت تتسع فيه موجة النزوح من مناطق القتال غرب البلاد وجنوبها.

وقالت المنظمة الدولية للهجرة، إن التصعيد العسكري الأخير والقتال الناتج عنه تسببا في ارتفاع حاد لأسعار المواد الأساسية في تعز؛ حيث زادت تكلفتها ما بين 3 و5 أضعاف، نتيجة قطع طرق الوصول إلى المناطق المحيطة بالمدينة، الأمر الذي جعل حتى المواد الغذائية الضرورية بعيدة عن متناول كثير من العائلات.

وأضافت المنظمة أن أكثر من 300 ألف شخص اضطروا إلى الفرار من منازلهم مع تصاعد القتال في غرب اليمن، وأن معظم عمليات النزوح وقعت خلال الشهرين الماضيين، وسط صعوبات متزايدة تواجه الأسر في العثور على مأوى وتأمين احتياجاتها الأساسية، بالتزامن مع قيود تعرقل وصول وكالات الإغاثة إلى المتضررين.

الحوثيون يفرضون حصاراً على مدينة تعز منذ 4 أسابيع (إعلام محلي)

وقال رئيس بعثة المنظمة الدولية للهجرة، عبد الستار إيسويف، إن العائلات اليمنية تجد نفسها، بعد سنوات من الصراع، مضطرة إلى النزوح مجدداً، وغالباً لا تملك سوى الملابس التي ترتديها، مؤكداً حاجتها العاجلة إلى المأوى والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

وحذر إيسويف من أن نقص التمويل قد يترك آلاف العائلات دون المساعدة التي تحتاج إليها بشدة، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الإنسانية مع اتساع رقعة المواجهات والنزوح.

ومنذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول)، نزح أكثر من 43 ألف شخص من مديرية المضاربة والعارة في محافظة لحج، وهو أعلى عدد مسجل في مديرية واحدة على مستوى اليمن، وفق المنظمة. وفي المقابل، تزداد حركة النزوح داخل محافظة تعز، بينما تتجه عائلات كثيرة إلى مدينة عدن التي تستضيف حالياً أكثر من 56 ألف نازح.

وفي محاولة لتخفيف التداعيات الصحية للأزمة، تشغِّل المنظمة 5 فرق طبية متنقلة في 4 محافظات، هي مأرب ولحج وعدن وتعز، بينها فريقان في الأخيرة، لتقديم خدمات الرعاية الصحية الأولية والاستشارات الطبية والصحة الإنجابية، إلى جانب معالجة سوء التغذية الحاد والتطعيم والإحالات الطبية وخدمات الصحة النفسية والحماية والرعاية الطارئة.

وقدمت الفرق الخمسة نحو ألف استشارة طبية خلال الأسبوع الماضي، في المناطق التي تعاني نقصاً في الخدمات أو تتأثر بالأزمات الإنسانية.

45 مليون دولار للاحتياجات العاجلة

في ظل اتساع الاحتياجات، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن الاستجابة الإنسانية لا تزال بحاجة إلى تمويل إضافي، رغم المساهمات التي تلقَّتها لتوسيع نطاق تدخلاتها، محددة احتياجاتها بنحو 45 مليون دولار خلال الأشهر الستة المقبلة.

ويُفترض أن يغطي التمويل المطلوب المساعدات المنقذة للحياة، بما فيها المأوى والمساعدات النقدية الطارئة والمواد الأساسية غير الغذائية والحماية والرعاية الصحية والمياه النظيفة والصرف الصحي، فضلاً عن تنسيق مواقع النزوح وتتبع حركة السكان.

موجة نزوح مستمرة جرَّاء استهداف الحوثيين التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وتأتي هذه التدخلات ضمن خطة الاستجابة لأزمة اليمن التي تستهدف الأسر النازحة والمجتمعات المضيفة، إلى جانب خطة الاستجابة الإقليمية للمهاجرين في القرن الأفريقي واليمن، المعنية بمساعدة المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي عبر الأراضي اليمنية.

ورغم أن الحوثيين يفرضون الحصار على مدينة تعز، ويواصلون استهداف التجمعات السكانية في أريافها ومناطق غرب لحج، اكتفت المنظمة الدولية للهجرة بدعوة جميع أطراف النزاع إلى حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة ودون عوائق؛ خصوصاً إلى المناطق التي يصعب الوصول إليها في محافظة تعز.

استهداف القرى

في سياق متصل، أفادت مصادر حكومية يمنية «الشرق الأوسط» باستمرار تدفق الفارين من مناطق سيطرة الحوثيين في غرب محافظة لحج ومناطق التماس مع تعز، نتيجة استمرار استهداف القرى السكنية بالقذائف الصاروخية والطائرات المُسيَّرة؛ خصوصاً في مديريتي المقاطرة والمضاربة.

أكثر من 300 ألف نازح يمني جرَّاء العدوان الحوثي المستمر منذ سبتمبر الماضي (إعلام محلي)

وذكرت المصادر أن الحوثيين، بعد إغلاق الطرق المؤدية إلى أرياف محافظة تعز، صعَّدوا استهداف التجمعات السكانية في أطراف مديرية المقاطرة، بالتزامن مع مواصلة إطلاق القذائف والطائرات المُسيَّرة على قرى مديرية المضاربة، التي تشهد أطرافها مواجهات متواصلة مع القوات الحكومية منذ أكثر من شهر.

وتضيف هذه التطورات ضغوطاً جديدة على السكان في المناطق الريفية؛ حيث يتزامن إغلاق الطرق واستهداف القرى مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وتراجع فرص الحصول على الغذاء والمياه والخدمات الصحية، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المتضررين.


«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
TT

«كرامات» مصطنعة في صنعاء لتوسيع التجنيد الحوثي

مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)
مقبرة لقتلى الميليشيات الحوثية في أحد أحياء العاصمة المختطفة صنعاء (فيسبوك)

​لجأت الميليشيات الحوثية إلى أساليب دعائية لاستقطاب مزيد من المقاتلين إلى صفوفها، عبر رش العطور وروائح المسك والعنبر والعود على قبور قتلاها، قبل تنظيم زيارات للسكان إليها، في محاولة لتصوير الروائح المنبعثة منها بوصفها «كرامات» دينية، وإضفاء هالة من القداسة على الموتى، بما يخدم حملات التعبئة والتجنيد، ويقدم الانخراط في جبهات القتال بوصفه طريقاً إلى منزلة استثنائية.

وكشفت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، عن صدور تعليمات من زعيم الجماعة إلى أتباعه، تقضي بتوفير العطور ورشها على قبور عدد من قتلاها؛ خصوصاً المنتمين إلى سلالته المزعومة، قبل تنظيم زيارات ميدانية للسكان إلى المقابر، يُجبَر كثيرون، بينهم طلاب مدارس، على المشاركة فيها ضمن الفعاليات السنوية التي تقيمها الجماعة تحت اسم «أسبوع الشهيد».

وحسب المصادر، تتعمد الجماعة استغلال الروائح المنبعثة من القبور، بعد إغراقها بالعطور، للترويج لروايات عن «كرامات» مزعومة، وإيهام الزوار بأنها دليل على منزلة استثنائية لقتلاها، في مسعى للتأثير على مشاعر ذويهم وتوظيف المعتقدات الدينية للسكان؛ خصوصاً الشباب وصغار السن، ودفعهم إلى الالتحاق بجبهات القتال.

تربويون وطلاب يمنيون أجبرهم الحوثيون على تنظيم زيارة لمقابر قتلاهم (إكس)

وخصصت ما تسمى «مؤسسة الشهداء» و«الهيئة العامة لرعاية الشهداء»، التابعتان للجماعة، أموالاً لشراء العطور ورشها على قبور القتلى، في مقابر استحدثتها خلال السنوات الماضية في أحياء متفرقة من صنعاء، بينها عصر والجراف ومسيك، في مديريات معين والثورة وآزال.

وسبقت هذه التحركات أعمال تزيين وتوسعة لعدد من المقابر، تمهيداً لتنظيم الزيارات والفعاليات الدعائية المرتبطة بالمناسبة. وأوضحت المصادر أن هذه الممارسات ظلت خلال السنوات الماضية محصورة إلى حد بعيد في صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، قبل أن تتجه الجماعة إلى تعميمها في صنعاء ومدن أخرى، بالتزامن مع تصعيد حملات التجنيد، لتعويض خسائرها البشرية في جبهات القتال.

وتسعى الجماعة، من خلال هذه الأنشطة، إلى تحويل مقابر قتلاها إلى منصات للتعبئة الآيديولوجية واستقطاب مقاتلين جدد، وتوظيف مشاهد الموت ومآسي الأُسَر لتسويق القتال في صفوفها، وتصوير القتلى بوصفهم نماذج يُحتذى بها، بينما لا تحصد عائلاتهم -وفقاً للمصادر- سوى الفقد والتشرد وتفاقم الأعباء الاجتماعية والإنسانية.

استياء من استغلال المقابر

أثارت هذه الممارسات موجة من السخرية والاستياء في أوساط سكان صنعاء، الذين اعتبروا رش العطور على القبور ثم تقديم روائحها بوصفها «كرامات» محاولة للتضليل والاستخفاف بعقول المواطنين، واستغلال الحزن الذي تعيشه أُسَر القتلى، لتحويل المقابر إلى أدوات دعائية تخدم حملات التجنيد والتحشيد.

وقال تربوي، أُجبر مع طلاب مدرسة حكومية في صنعاء، قبل أيام، على زيارة إحدى مقابر الجماعة، إن مشرفين حوثيين حاولوا إقناع الزوار بوجود روائح طيبة تنبعث من بعض القبور، وقدموا ذلك بوصفه دليلاً على ما وصفوه بـ«الكرامات».

جانب من زيارات قيادات حوثية لمقابر قتلاهم في ريف صنعاء (إعلام حوثي)

وأضاف أن المشرفين تعمدوا لفت انتباه الطلاب والزوار إلى تلك الروائح، في محاولة لترسيخ روايات الجماعة حول قتلاها، والتأثير على قناعات الأجيال الصغيرة. وقال: «من المعيب جداً أن تتحول قبور القتلى إلى وسيلة لخداع الناس والتأثير على عقولهم، عبر خرافات مصطنعة تخدم أهدافاً ترمي إلى استدراج مزيد من المقاتلين إلى الجبهات».

من جهته، يقول ناصر -وهو صاحب متجر في صنعاء- إن الميليشات الحوثية لم تكتفِ بمصادرة حياة السكان وفرض الضغوط عليهم؛ بل امتدت ممارساتها إلى استغلال المقابر ومآسي الأُسَر لتسويق مشروعها القتالي، وإقناع الشباب وصغار السن بأن الالتحاق بصفوفها غاية تستحق التضحية بالحياة.

وأضاف أن الجماعة تنفق الأموال على سكب العطور وتزيين القبور وتنظيم الفعاليات الدعائية حولها، بدلاً من توجيهها إلى رعاية أسر القتلى، وتعويض الأطفال الذين فقدوا آباءهم في حروبها. وقال: «من السهل سكب العطور على القبور، ولكن الأصعب هو مواجهة أُسَر القتلى بحقيقة ما خسرته».