الموضة الهندية تتلون بالأصباغ الأيورفيدية لأهداف صحية

تصاميم تراعي البيئة وتعالج البشرة بالزنجبيل والكركم والصويا والحليب

عارضات يرتدين أزياء من علامة «أوباسانا» التي تعتمد الأصباغ «الأيورفيدا»
عارضات يرتدين أزياء من علامة «أوباسانا» التي تعتمد الأصباغ «الأيورفيدا»
TT

الموضة الهندية تتلون بالأصباغ الأيورفيدية لأهداف صحية

عارضات يرتدين أزياء من علامة «أوباسانا» التي تعتمد الأصباغ «الأيورفيدا»
عارضات يرتدين أزياء من علامة «أوباسانا» التي تعتمد الأصباغ «الأيورفيدا»

مع التحول نحو كل ما هو عضوي وصديق للبيئة بشتى قطاعات الحياة، صار كبار صناع الموضة بالهند في المسار ذاته؛ من خلال العمل على خلق سلسلة عرض أخلاقية وعضوية ورحيمة بالبيئة.
يقود هذا المسار جيل جديد من مصممي الأزياء يعتمدون على «أيورفاسترا»، وهو فن قديم يعود إلى قرون كثيرة مضت، يقوم على معالجة النسيج بأعشاب «أيورفيدية» بهدف إضفاء خصائص علاجية على الملابس. وتجري معالجة المنسوجات العضوية بأصباغ طبيعية، تضم مزيجاً من نباتات طبية، مثل الريحان، والصبار، والكركم، وأوراق الكاري، والنعناع، والزهور، والرمان... إلخ. من ناحية، تنقل هذه الأعشاب ألوانها الطبيعية إلى النسيج، ومن ناحية أخرى، تسهل على الجسم البشري التغلب على مجموعة متنوعة من العدوى الجلدية، والإكزيما، والصدفية، والربو، وارتفاع ضغط الدم. وقد ورد ذكر «أيورفاسترا» في نصوص هندية قديمة، وهو ما يعني أنها ليست فكرة جديدة، لكنها بالتأكيد، سبيل أقل تكلفة وأكثر سهولة من المنسوجات الاصطناعية التي تكتسح السوق؛ وتؤثر على البيئة وعلى الصحة أيضا، إذ من الممكن استخدام حلول «أيورفاسترا» من قبل الذين يعانون مرض السكري وضغط الدم، أو يحاولون السيطرة على معدلات الكولسترول، والتغلب على ضعف الذاكرة.
في هذا السياق، تقول أوما براجاباتي، مؤسسة علامة «أوباسانا» التجارية التي يعود تاريخها إلى عام 1997، إنها تحاول تقليل التكاليف البيئية لمنتجاتها، من أجل خلق مستقبل مستدام عبر الاعتماد على هذه الأساليب العضوية.
وشرحت براجاباتي: «نستخدم الريحان مطهراً للجلد، ومساعداً للتعامل مع الضغوط العصبية، والذي نستخلص منه لوناً رمادياً. كما اعتمدنا على خشب الصندل الأحمر؛ الذي إلى جانب أنه يخلق تأثيراً يحقق التناغم ويقوي المناعة، يُعطينا لوناً أحمر خفيفاً، فيما يعود استعمالنا إلى زهرة الأرجوان الهندية إلى ما تتميز به من خصائص تخلص الجسم من السموم، ولون أصفر باهت».
وأضافت أن أسعارها أعلى بعض الشيء من غيرها، إلا إنها تأمل في تشجيع الاستهلاك المستدام، وتقليص معدلات إلقاء الملابس والتخلص منها، مشيرة إلى أن الأسعار الأعلى تكلفة تجعل المستهلك يتردد أكثر تجاه التخلي عنها، وأكثر إدراكاً لنوعية المنسوجات التي يستثمر فيها.
تتابع: «الناس الذين يبحثون عن الجمال السطحي ينبغي عدم السماح لهم بلمس منسوجات أيورفيدية، التي أعتبرها (حية)، فهي منسوجات صنعت من أجل الأشخاص المدركين لأهميتها وقيمتها وبالتالي على استعداد للاستثمار بها».

أهمية الملابس الأيورفيدية
يسهم ارتداء هذه الملابس في ضمان صحة عملية الأيْض، لأن الجلد أكبر عضو بالجسم، وبصفته يتنفس، فلهذا عندما تدخل مواد سامة إلى الجسم من خلال مسام الجلد، يمكن للخصائص العلاجية للأعشاب مساعدة الجسم على التخلص منها. وعندما يتفاعل الجسم مع شيء ما يحوي كثيراً من الأعشاب؛ يبدو الأمر كأنه يتنفس كثيراً من الأكسجين النقي. ويرى البعض أن الاختلاف يشبه الاختلاف بين العيش في دلهي والعيش في الهيمالايا!
وبالمثل، يحاول المصممان لكوانيت وهيمانيت، الجمع بين الموضة، وسلامة الجسد وصحته، من خلال الاعتماد على أعشاب طبية في علامة «أيورغانيك» التجارية التي أطلقاها منذ عقد مضى. يذكر أن بعضاً من تصميماتهما معروضة بشكل دائم في متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن، والمتحف التاريخي الألماني في برلين، وكذلك متحف الموضة والدانتيل في كاليه.
يقول المصمم هيمانت ساغار شارحاً: «أطلقنا (أيورغانيك) في وقت لم يكن هناك تعريف واضح للموضة المستدامة به. والآن، أصبحت لهذا النوع من الموضة أصداء طيبة لدى جيل جديد من المشترين».
تركز «أيورغانيك» على ملابس المنزل المريحة، مع لمسة خفيفة من ملابس الخروج العصرية المميزة لشوارع المناطق الحضرية، مثل فساتين بقلنسوة للرأس، وبلوزات مبطنة، وغيرها. وتحمل جميع المنتجات القطنية علامة تشير إلى أنها مصنوعة من مواد عضوية، بما في ذلك الأزرار والخيوط. وشرح ساغار أن هذه الملابس «مناقضة للفكرة السائدة عن الموضة، فهي ليست بحاجة للتغيير حسب تغير المواسم والتوجهات».
وتعالج «أيورغانيك» منتجاتها بالاعتماد على وصفة حصلت عليها من عائلة تعيش في كيرالا، تناقلتْها عبر أجيال. واعتادت هذه العائلة صنع ملابس أفراد العائلات الملكية بجنوب الهند، وتستخدم في ذلك جذور الزنجبيل والكركم. اليوم، تطور هذا الأسلوب ليصبح «أيورفاسترا» الذي يعتمد على جميع الخلطات الممكنة من الأعشاب، لإضفاء طابع خاص على المنسوجات.
ويعتبر كيه. راجان، الخبير بمجال الأعشاب الأيورفيدية، الجيل العاشر من سلسلة من الخبراء بمجال الأعشاب. ورغم أنه حريص على عدم كشف أسرار الوصفات التي يستخدمها، فإن دراسات وتجارب جرت حول ممارسات مشابهة من قبل باحثين في كلية «أيورفيدا» الحكومية. وتحاول حكومة كيرالا، من جانبها، التشجيع على إحياء هذه الممارسات. ومن بين هذه الأساليب تطهير القطن من المواد السامة العالقة به وعليه، في مزيج خاص من الأعشاب الطبية، وتركه ليجفَّ في غرفة مظلمة لمدة 14 يوماً، قبل غسله بالماء، ونشره على صخور جافة تحت أشعة الشمس. بعد ذلك، يتم شحن هذا النسيج إلى الأتيلييه الخاص بلكوانيت وهيمانيت في غوروغرام، لتقطيعه واستخدامه في إنتاج ملابس لحساب «أيورغانيك»، العلامة التجارية، التي تصنَّف منتجاتها بأنها تجمع بين أناقة التصميم و«عناصر علمية وروحية مستدامة».
وقد وصلت هذه المنتجات إلى العالمية، إذ تباع في ألمانيا، وسويسرا، والنمسا، والولايات المتحدة.

كيف يمكن العناية بالمنسوجات الطبية؟

ينبغي أن يدرك المرء أن هذه الملابس ليست كيانات ميتة، وإنما تتفاعل باستمرار كلما لمست الجلد. ومن الممكن أن يتسبب هذا الإدراك نفسه؛ في جعل الناس أكثر حساسية تجاه هذه الملابس، وتقديراً لها. ومن الممكن أن يؤدي تعرض هذه المنسوجات لكيماويات قاسية أو درجات حرارة مرتفعة، إلى إتلافها. وشرحَت براجاباتي: «هذه منسوجات رائعة للغاية، وتبقى الخصائص الطبية بها لثلاث سنوات. بعد ذلك، تبقى لديك ملابس جميلة فحسب. اليوم، نعمل على تطوير أنواع معينة من الصابون ستكون شديدة الفعالية في تنظيف هذه الملابس».
وقال جاينام كوماربال، مؤسس شركة بهوساتفا: «نحن متفردون لأننا نقدم تجربة عضوية من خلال ملابسنا. من الحقل إلى الموضة، منتجاتنا عضوية بصورة كاملة. نوفر ضمانات إعادة شراء لمحصول بأكمله بسعر ممتاز، وهذا المحصول عضوي تماماً، من التربة حتى المنتج النهائي».
يذكر أن «بهوساتفا» يرتبط بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أكثر من ألفي شخص. وبدأت الشركة عملها بإنتاج ملابس الرجال، وتنتج اليوم ربطات عنق وتتعاون مع مصممين بشتى أرجاء العالم، منها باريس. إلا إن الطريق لم تكن معبدة دائماً بالورود أمام الشركة. فقد اضطرت للانتظار 6 أشهر كاملة لتتلقى أول طلب شراء. يقول كوماربال، أحد مسؤولي الشركة، في هذا الشأن: «واجهنا كثيراً من المشكلات، بدءاً من الحصول على المواد الخام، وصولاً إلى ضمان التدفق المستمر لها، مروراً بعملية التصنيع؛ بما في ذلك صبغ النسيج وحياكته، وخلط عناصر مختلفة مثل نسيج الموز، والأناناس، والصويا، والحليب، بل والبامبو». أيضاً، واجهت الشركة صعوبة في إقناع نساجين ومصممين بالتعاون معها، واستغرق الأمر نحو 4 أشهر.
اليوم، يوجد لدى الشركة وكلاء بمختلف أرجاء العالم، بينهم 3 يغطون أوروبا، وآخرون في المكسيك وسنغافورة والفلبين. كما بدأت مؤخراً في تصدير منسوجات إلى جنوب أفريقيا، وتنوى طرح منتجاتها أيضاً في الولايات المتحدة وكندا.
وبالمثل، تركز علامة «سوي» التجارية التي أسَّستها ماهيما غوجرال عام 2018، على إنتاج قطع ملابس حضارية وصديقة للبيئة، من أجل المرأة. فمنذ البداية، رغبت غوجرال في الابتعاد عن الأصباغ الكيماوية. وبالفعل اعتمدت في أول مجموعتين لها على أصباغ تخلو تماماً من مادة «أزو». ومع هذا، اكتشفت أن الأصباغ الخالية من «أزو» لا تزال تحتوي على كيماويات أخرى، كما أنه لم يكن هناك ما يضمن خلو المياه الجوفية من التلوث. تُعلق غوجرال: «عند هذه النقطة، التقيت مسؤول الأصباغ لدينا حالياً، وكان يقيم في غوجارات، ويعمل على صناعة أصباغ من الأعشاب، وناقشنا الأمر لإيجاد حلول». واليوم، تأتي ألوان الملابس التي تطرحها من الكركم والأزهار المجففة، والكثير من العناصر الطبيعية الأخرى. وتعرف كذلك باسم «الأصباغ الأيورفيدية» لامتلاكها خصائص تشفي الجلد.



عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
TT

عرض «إيرديم» لخريف وشتاء 2026... بين الذكرى والذكريات

أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)
أثمر الحوار المتخيل بين الماضي والحاضر تصاميم مبتكرة لكل زمان (إيرديم)

لم يكن عرض إيرديم مواليوغلو لخريف وشتاء 2026 عادياً. كان احتفالاً بتأسيس علامة أطلقها شاب في الـ28 عاماً، وكبرت معه لتتحول إلى قصة نجاح بلغت الـ20 عاماً. أعاد المصمم حكاية هذه القصة وعنوانها «المحادثة المتخيلة» بوصفها تحية لكل النساء اللواتي ألهمنه وساهمن من خلال قصصهن وإنجازاتهن في استمراريته وضمان استقلاليته، ولو بشكل رمزي. عاش حياتهن وتخيَّل ما يُمكن أن يُفكِرن فيه وصاغ لكل واحدة تشكيلات تحمل اسمها عبر السنوات.

من هذا المنظور لم يكن العرض الأخير استرجاعاً للذكريات بالمعنى التقليدي، بل مجموعة حوارات ومحادثات مع كل واحدة من ملهماته، مثل ماريا كالاس، دوقة ديفونشر، العالمة النباتية ماريان نورث، راقصة الباليه مارغو فونتين، الشاعرة رادكليف هول، وغيرهن. نساء غير عاديات، من حيث أنهن يُمثلن التقاليد ويتمرّدن عليها في آن واحد.

فستان «بانير» باللون الأحمر من الدانتيل المطرز تزينه خيوط أزهار وشرائط متدلية (إيرديم)

هذه الازدواجية بين التقليدي وغير المألوف، شكَّلت أسلوبه منذ بداياته. ورغم أنها تخلق بعض التوتر لدى الناظر أحياناً، أثبتت مع الوقت أنها مكمن قوته، لأن نتيجتها دائماً تصاميم مطرزة برومانسية غُرست في مخيلته منذ طفولته، وهو يرى والدته في فساتين أنيقة وأحمر شفاه قاني وقارورة عطر شاليمار لا تفارق طاولتها.

كل هذا ظهر في إطلالات أعاد تخيَّلها للحاضر، تارة في فساتين غير مكتملة الأطراف جمع فيها الدانتيل بالجاكار والنعومة بالصرامة، وتارة في معاطف خاصة بالأوبرا تستحضر ماريا كالاس، لكنها أكثر تحرراً، إلى جانب أخرى بقصات وخطوط وزخارف منمقة.

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري ومزين بساتان أزرق يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة مبتكرة (إيرديم)

افتتح العرض بمعطف مفصل من الجاكار بلون زهري مزين بساتان أزرق، يُرتدى مع قميص بوبلين أبيض وياقة من الدانتيل يربط بحزام على شكل فيونكة من القماش نفسه. بكل تناقضاته جاء متناغماً على المستوى الفني. واختتمه بفستان غير متماثل مركب من الساتان فضي مطبوع وتول أسود، تخترقه قطع من الساتان الأصفر والوردي تزينه فيونكة مطرزة الحدود.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يشرح إيرديم أنه قلب في الدفاتر القديمة على تيمات مألوفة وفككها ليُعيد ابتكارها بما يناسب العصر والخبرات التي اكتسبها طوال الـ20 عاماً. فستان زفاف من عرضه الأول مثلاً يعود في عام 2026 بتنورة تبدو صاخبة ومتحدية، وكأنها تستعرض ماضيه ومستقبله.

48 إطلالة لم تكن استنساخاً لما سبق وقدمه، فكل إطلالة هنا تحكي قصتها الخاصة، وفي كل حوار يدور بين هذه الشخصيات تأخذ التصاميم أشكالاً ربما تعكس عصرها السابق، لكنها تأخذ أيضاً بعين الاعتبار المرحلة الحالية. يقول المصمم أن هذه الخيالات أو التخيلات التي عاد فيها إلى أرشيفه الخاص، حرَرته وأطلقت العنان لخياله. وانطلاقاً من هذا الإحساس بالحرية، جعل الكاتبة مثلاً تميل إلى راقصة، وعالمة النباتات تُنصت إلى ممثلة باهتمام، وهكذا. لا يتفقن دائماً في الهوى والثقافة والذوق، لكن المصمم غزل اختلافهن بخيوط من ذهب وفضة، ما أضفى على التشكيلة تماسكاً.

استوحى المصمم العديد من تصاميمه مجموعات سابقة مثل هذا المعطف الذي يستحضر صورة ماريا كالاس والأوبرا (إيرديم)

يضيف إيرديم في بيانه الصحافي: «قبل عشرين عاماً، بدأت هذه المحادثة المتخيلة. لم تكن مونولوغاً ولا صوتاً واحداً فقط، بل تبادل أفكار وآراء، مستمر بين الماضي والحاضر، وبين الذاكرة والخيال، ركَّزت فيه على نساء لا يزال صداهن يتحدى الزمن ويتجاوز الحدود». لكنه يُصر أن المجموعة ليست عن الحنين بل عن الاستمرارية، وتلك القدرة الفطرية لدى ملهماته على مواجهة النكسات والأزمات، وهو ما ينعكس أيضاً على مسيرته الشخصية.

فستان «بانير» يجمع بين الهندسية الكلاسيكية والأناقة المعاصرة (إيرديم)

فنجاح تجربته مقارنة بغيره من أبناء جيله، تؤكد أنه نجح في اختبار الزمن، بدليل أنه تجاوز الأزمات الاقتصادية التي شهدها العقد الماضي، ونكسات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وإفلاسات الحاضر التي أودت بمحلات كبيرة كان لها فضل كبير في عرض إبداعاته حتى قبل أن يُصبح اسماً لامعاً، مثل «بارنيز» و«ساكس» وموقع «ماتشز» وغيرها. والآن يقف صامداً مع الكبار مثل «بيربري» في أسبوع أصبح ضعيفاً مقارنة بسنوات المجد في التسعينات وبداية الألفية.

فستان غير متماثل من الساتان الفضي المطبوع والتول الأسود مع أجزاء من الساتان الأصفر والوردي اختتم به العرض (إيرديم)

يتذكر أنه عندما أطلق مشروعه الخاص في عام 2005 كانت ساحة الموضة في لندن تعج بالمواهب والإبداع. أسماء كثيرة كانت تجذب أنظار العالم للعاصمة البريطانية، منهم جايلز ديكون، جوناثان أندرسون، روكساناد إلينشيك، ريتشارد نيكول، كريستوفر كاين، ماريوس شواب، وآخرون. كانوا مثله في ذلك الزمن، يُسجلون بداياتهم، لكن العديد منهم تعامل مع أسبوع لندن بوصفه مسرحاً يستعرضون فيه جرأتهم الفنية. هؤلاء كانوا يؤمنون أن الإبداع، حتى في أقصى حالات جنونه، فن غير عابئين لجانب التسويق. في هذا المشهد الفائر بروح الشباب، دخل إيرديم مُفضِلاً مساحة جمالية آمنة نسبياً: أكثر أنوثة تعتمد على الورود والتفاصيل الرومانسية أكثر من اعتمادها على الجلود والأساليب القوطية أو «الغرانجية» وما شابه.

جعل الأزهار والورود تيمة تتكرر في أغلب مجموعاته حيث طبعها حتى على الجلود (إيرديم)

وفي الوقت الذي كان فيه أقرانه يختبرون هذه الأساليب إضافة إلى بداية تجاربهم مع «الجندرية» بدمج الأنثوي بالذكوري، وفي كل موسم يزيدون الجرعة، آمن إيرديم أن المرأة لها وجود خاص وقائم بذاته في أعماله، فسخّر لها كل إمكاناته وخبرته في تطريز ورود تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها وياقاتها. لم تكن نيته أن تُحدث تصاميمه الصدمات. أرادها فقط أن تحمل بصمة يمكن التعرف عليها من بعيد من دون صراخ «اللوغوهات».


كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
TT

كيف جسّدت «لورو بيانا» روح السفر والترحال في مجموعتها لخريف 2026 وشتاء 2027؟

جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)
جعلت الدار العرض بمثابة رحلة من الشرق إلى الغرب من خلال الأزياء والإكسسوارات (لورو بيانا)

خلال أسبوع الموضة بميلانو، كشفت «لورو بيانا» داخل «كروتيله ديلا سيتا»، وهو مقرها الرئيسي، عن مجموعة خريف 2026 وشتاء 2027. حوَّلت الدار المساحة مسرحاً يُجسّد فكرة السفر، ليس إلى وجهات جغرافية فحسب، بل أيضاً إلى ثقافات بعيدة مركّزة على الشرق. فهناك إطلالات كثيرة تستحضر الدراويش الرحالة وتنانيرهم المستديرة بطبقاتها المتدفقة والطرابيش العالية، بينما تستحضر أخرى فخامة القصور الأوروبية والعثمانية من خلال قماش البايزلي ونقشته المعروفة.

إيحاءات شرقية واضحة ظهرت في القبعات والكثير من التصاميم (لورو بيانا)

منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها العرض، يدخل الضيوف عالَماً مُتخيَّلاً رسمته الدار الإيطالية بكل تجليات ألوان «البايزلي»، في حين غطَّت الأرض بسجاد بني وكأنه بساط الريح الذي يعبر الزمن والمحيطات.

تم تتوالى الإطلالات وتتفتَّح كـ«حلم رحال»، وهو عنوان المجموعة؛ لتمنح الضيوف انطباعاً كما لو أنهم يسافرون على متن قطار الشرق السريع ويتابعون العالم وهو يمر أمام أعينهم. عند المدخل، يستقبلهم صوت رخيم يقرأ سلسلة من قصائد قصيرة تتغنى بتبدُّل الفصول وتحوّل الألوان. كان هذا الصوت يتردد في المكان على صدى إيقاع ديناميكي يشبه صوت عجلات القطار. يتصاعد الإيقاع في الممر الضيق المؤدي إلى القاعة الرئيسية، ليجد الحضور أنفسهم في مكان يحاكي في تصميمه مقصورة قطار. تصطف على جوانبها نوافذ تكشف عن مشاهد ضبابية تتلاشى مسرعة، لتظهر المجموعة بتسلسل متناغم يتكرر فيه البايزلي بدرجات دافئة.

نقشة «البايزلي» تكررت في أغلب التصاميم (لورو بيانا)

البايزلي... بطل المجموعة

فهذا القماش بنقشته الشهيرة على شكل دمعة، يغطي الفضاء بأكمله تقريباً. كمية السخاء في استعماله لا تترك مجالاً للشك بأن الدار تريد استعراض مهارتها في تنفيذه رغم ما يشكله من تحديات. تعترف بأن زخارفه معقدة وتتطلب خبرة عالية في الطباعة للحفاظ على نعومة الكشمير وخفة الأقمشة، التي تفخر «لورو بيانا» بأنها متفردة في غزله. فقد قدَّمت للعالم قبل عرضها بأسابيع قليلة آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». استغرق تطويره عامين من البحث والعمل في مشاغلها الواقعة في روكا بييترا وكوارونا الإيطالية، ليأتي إنجازاً استثنائياً جديداً ينضم إلى إنجازاتها السابقة.

بعض الإطلالات تستحضر تنورات الدراويش المستديرة والمتدفقة (لورو بيانا)

ورغم أن اهتمامها بالصوف وتطوير أليافه يبقى على رأس أولوياتها دائماً، فإن الأمر لم يختلف عندما اختارت البايزلي بطلاً لهذه المجموعة، لا سيما وأن علاقته به ليست وليدة الأمس القريب. فمنذ أواخر الستينات والسبعينات وهي تستلهم من زخرفاته وتتفنن في نقشته، ليُصبح مع الوقت توقيعاً مألوفاً على شالاتها وعنصراً مهماً في تصاميمها. نظرة على ما تم طرحه في مجموعتها للخريف والشتاء المقبلين، يؤكد أنها حقَّقت الهدف في تطويعه ومن ثم ترسيخ مهاراتها في التلاعب بالأقمشة. فتأثير البايزلي هنا كان أقوى من ذي قبل؛ نظراً للمعتة الهادئة وخفته، لكن أيضاً لأنه يحمل طابعاً شرقياً وتاريخياً يأخذنا إلى قصور المَهَارَاجَات وبلاطات أرض فارس وغيرهم.

الألوان كانت البوصلة التي حددت رحلة هذه المجموعة من الشرق إلى الغرب (لورو بيانا)

رحلة إلى الشرق

فالمجموعة بنسختيها النسائية والرجالية تتكشَّف كما لو أنها تُرى بعين مسافر على متن قطار يعبر تضاريس متنوعة وثقافات مختلفة. يحطّ لوقت في الشرق قبل أن يتوجه إلى أوروبا، وهو ما يُفسّر أن بعض الإطلالات تعيد إلى الذهن صور الدراويش الذين يسافرون خفيفي الحركة، ليتواصلوا مع المكان والزمن والروح. إلى جانب أهمية الأقمشة، كانت الألوان هي البوصلة هنا. تبدأ بدرجات التراكوتا والأصفر المائل إلى البني ثم البيج والرمادي والبني العميق قبل أن تتعمَّق في الأخضر والأزرق الغامق. لم يغب الأبيض ولا الأسود، فهما ثنائية عابرة للزمن، لكن الدار اقتصرت عليهما في أزياء المساء والسهرة.

تصاميم خفيفة تترك مساحة بينها وبين الجسم لضمان راحته وحركته (لورو بيانا)

مرة أخرى حضر الكشمير وصوف الميرينو والكشمير وصوف الميرينو وألياف «بيكورا نيرا» الطبيعية التي تفخر بها الدار، إلى جانب التويد وخيوط المولينيه وقماش الشانيل الناعم. خامات تلامس الجسد بخفة وتمنحه كل الدفء الذي يحتاج إليه، لكن المسافة بينها وبين الجسد تبقى واسعة إلى حد ما؛ لتتيح له التنفس والانطلاق وفي الوقت ذاته لتعكس مدى خفتها ونعومتها، سواء كانت معاطف طويلة منسدلة، بنطلونات واسعة يصل بعضها إلى نصف الساق أحيانا، أو تنورات تم تنسيقها مع بنطلونات..تناسق الأحجام مع هذه الخامات والألوان زاد من جمالها ورقيِها، رغم غرابة بعض الإكسسوارات المثيرة للنظر.

أزياء السهرة والمساء تميزت هي الأخرى برغبة في أن تمنح الجسد راحة وانطلاق (لورو بيانا)

أزياء المساء

حتى في المساء لا تفقد هذه التصاميم تحررها وانطلاقها. بالعكس، تبقى راقية عبر قصات واسعة وألوان كلاسيكية تعتمد على الأبيض والأسود، في حين ازدانت بدلات التوكسيدو والمعاطف الطويلة بتفاصيل من الساتان، وحلت الياقة العالية محل القميص. وجاءت النتيجة أزياء كلاسيكية بلغة شبابية معاصرة تؤكد أنها هي الأخرى عابرة للزمن وتخاطب كل المواسم.


نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
TT

نسيج ملكي جديد يجمع حرير التوت بصوف الميرينو

تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)
تكاد تكون رقة الخيط شفافة ما يجعل حياكته تحدياً للحرفيين لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها (لورو بيانا)

قبل أن تقدم «لورو بيانا» مجموعتها لخريف وشتاء 2026 - 2027 بأسابيع، قدَّمت للعالم آخر ما جادت به معاملها من نسيج أطلقت عليه «خفة ملكية Royal Lightness». نسيج يجمع خفة غير مسبوقة ولمعة هادئة.

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك» وأجود أنواع صوف الميرينو (لورو بيانا)

في صيغته الأولى، يأتي خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو، وفي صيغته الثانية يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير بعد أن تم التعامل معهما في ورشاتها بعناية فائقة. تشرح الدار بأن أهمية هذا الخيط تكمن في رقته. فهي تكاد تكون شفافة؛ ما يجعله إنجازاً جديداً رغم أن حياكته تُعدّ تحدياً لحرفيي الدار، وذلك أن التعامل مع هذه الألياف يتطلّب مهارةً استثنائيةً لضمان سلامة الخيوط ومنع تكسّرها.

مرحلة الخياطة النهائية تتم بتقنية Fell Stitching وهي من أندر أساليب الخياطة إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط (لورو بيانا)

نسيج من حرير التوت والميرينو

يتكوّن خيط Royal Lightness Yarn من مزيجٍ من حرير التوت المعروف باسم «رويال سيلك»، وأجود أنواع صوف الميرينو، بسُمْكٍ بالغ الرقة يبلغ 13.5 ميكرون فقط. ولا تتجاوز نسبة هذا المستوى من النعومة 0.05 في المائة من إجمالي الإنتاج السنوي العالمي لصوف الميرينو، ضمن نطاقٍ يتراوح بين 13.0 و13.8 ميكرون.

يأتي النسيج في البداية خيطاً بالغ الرقة يمزج الحرير بصوف الميرينو قبل أن يتحول قماشاً فاخراً يجمع الحرير بالكشمير (لورو بيانا)

تبدأ عملية ابتكاره بتمشيط الألياف وغزلها بعناية، ثم لفّ خيطين معاً وفق قياساتٍ بالغة الدقة. وتُسهِم هذه التقنية في إبراز الخصائص الطبيعية لكل ليفة، تٌنتج بعدها خيطاً فائق الرقة لا يتميّز بخفّةٍ عالية فحسب، بل أيضاً بقدرة على عكس الضوء.

بعدها يتحول إلى قماش Royal Lightness Fabric، بوزن لا يتجاوز 350 غراماً للمتر الواحد، وقابل للارتداء على الوجهين بين حرير الأورغانزينو بسُمْك 21 دنيراً، وكشميرٍ طويل الألياف بسُمْك 15 ميكروناً.

عندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج (لورو بيانا)

في المراحل النهائية، يخضع القماش المنسوج لعملية تمليسٍ دقيقةٍ تمنحه ملمساً زغبياً ناعماً يحمل بصمة «لورو بيانا» المميّزة. وعندما تصبح قطع الملابس جاهزةً للحياكة، تُفصل طبقات القماش وتُعزّز حوافها بشريطٍ رفيع، قبل أن تمرّ بأكثر مراحل التصنيع تعقيداً واستغراقاً للوقت، وهي مرحلة الخياطة بتقنية Fell Stitching، وتُعدّ هذه التقنية الحرفية القديمة من أندر أساليب الخياطة؛ إذ تُنفَّذ يدوياً بالكامل باستخدام الإبرة والخيط، لضمان لمسةٍ نهائيةٍ متقنةٍ وسلسةٍ من الداخل والخارج.