لقاء وزيري خارجية فرنسا وتركيا: مشروع المنطقة العازلة يراوح مكانه

لقاء وزيري خارجية فرنسا وتركيا: مشروع المنطقة العازلة يراوح مكانه

مصادر فرنسية لـ («الشرق الأوسط») : عملية «عض أصابع» بين واشنطن وأنقرة.. والأولى أجهضت المشروع
السبت - 17 ذو الحجة 1435 هـ - 11 أكتوبر 2014 مـ رقم العدد [ 13101]
وزيرا خارجية فرنسا لوران فابيوس وتركيا مولود جاويش أوغلو يجيبان عن أسئلة الصحافيين في باريس أمس (أ.ف.ب)

تشهد باريس مطلع الأسبوع القادم مشاورات دولية مكثفة أهمها المحادثات الأميركية - الروسية التي سيجريها الوزيران جون كيري وسيرغي لافروف فضلا عن المحادثات مع نظيرهما الفرنسي لوران فابيوس. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن الملف السوري - العراقي والحرب على الإرهاب سيكون على رأس جدول الأعمال خصوصا على ضوء وجود اختلاف في وجهات النظر داخل التحالف لجهة إقامة «منطقة آمنة» على الحدود السورية - التركية من جهة وبين التحالف وروسيا من جهة أخرى.
ويصل كيري إلى باريس الاثنين قادما من القاهرة حيث سيشارك في المؤتمر الدولي لإعادة إعمار غزة ويلتقي لافروف يوم الثلاثاء. ومن جانبه، يلتقي فابيوس الوزيرين بصورة منفردة.
وكان مجمل الوضع السوري - العراقي والحرب على الإرهاب وخصوصا الاقتراح التركي القاضي بإنشاء «منطقة أمنية» عازلة داخل الأراضي السورية محل بحث معمق أمس بين فابيوس ونظيره التركي حيث تسعى باريس وأنقرة إلى بناء «شراكة استراتيجية شاملة» من ضمنها التعاون السياسي والتنسيق فيما يخص أزمات المنطقة وكيفية مواجهة صعود تنظيم داعش. وحرص فابيوس ومولود جاويش أوغلو، في حديثهما إلى الصحافة عقب الاجتماع، على إبراز «وحدة الموقف» من مجمل هذه القضايا حيث كرر الوزير الفرنسي دعم بلاده لمشروع تركيا الداعي إلى إقامة المنطقة الآمنة على الحدود السورية - التركية. واللافت في موقف الوزير الفرنسي أنه أشار إلى أن «تنفيذ هذا المشروع يحتاج لتنسيق دولي وثيق جدا» ما يعني ضمنا أنه ليس بحاجة لقرار جديد من مجلس الأمن الدولي وهو عكس الموقف الروسي الذي يشدد على الحاجة لمثل هذا القرار. وبالمقابل، شدد جاويش على الحاجة لـ«استراتيجية شاملة» ومن ضمنها المنطقة الآمنة وإقامة منطقة حظر جوي لحمايتها باعتبار أن الضربات الجوية «غير كافية». كما شدد الوزير التركي على أن محاربة الإرهاب يتعين أن تشمل أيضا النظام السوري الذي هو «في أساس الإرهاب» كما أنه يمثل «الخطورة نفسها» التي يمثلها «داعش». وربط جاويش بين المنطقة الآمنة والحاجة إلى إيواء مئات الآلاف من النازحين السوريين الذين لم تعد تركيا «قادرة على تحمل أعبائهم وحدها».
وما قاله جاويش سبقه إليه فابيوس الذي أشار إلى «حرص» بلاده على ألا تفضي الحرب على داعش إلى تقوية النظام السوري الذي وصفه بـ«المسخ». وأعاد فابيوس إلى طاولة النقاش موضوع «الانتقال السياسي» في سوريا الذي وصفه بأنه «لا محيد عنه» كما دعا إلى إبقاء كافة الخيارات «مفتوحة».
بيد أن المشروع التركي (المنطقة العازلة) الذي حظي بدعم فرنسي على أعلى مستوى، لا يبدو أنه سيبصر النور وفق ما قالت مصادر فرنسية رسمية لـ«الشرق الأوسط» بسبب المعارضة الأميركية وبالتالي يمكن اعتباره قد «ولد ميتا». وبحسب هذه المصادر، فإن المنطقة الآمنة بحاجة إلى حماية جوية وغير جوية وبالتالي فإنها تحتاج لإقامة منطقة حظر جوي. والحال أنه من غير مشاركة أميركية لأن أي بحث من هذا القبيل سيكون «كلاما في فراغ». وتشير هذه المصادر إلى «عض أصابع» بين أنقرة وواشنطن سببها «اختلاف الأهداف والمصالح». وبينما تدفع واشنطن باتجاه تدخل تركي فوري في سوريا على الأقل في المنطقة المحاذية للحدود التركية، فإن أنقرة ترفض التحرك من غير «غطاء أميركي - دولي». وفي أي حال، فإن الجانب الأميركي «أجهض» المسعى التركي عندما عده «غير مطروح على الطاولة». ولمزيد من الوضوح أعلن طوني بلينكن، نائب مستشارة الأمن القومي الأميركي أنه «ليس في دائرة الاهتمام» الأميركي وأنه «لم يأت بجديد».
والواقع أن الدبلوماسية الفرنسية تجد نفسها، مرة جديدة، في موقع حرج إذ سيبدو الدعم الذي عبر عنه الرئيس هولاند غير ذي معنى بسبب الرفض الأميركي. وتساءلت أوساط سياسية فرنسية عن الأسباب التي دعت هولاند «للمغامرة» واتخاذ موقف متقدم ليجد نفسه وحيدا كما كانت حاله في العام الماضي عندما تراجع الرئيس أوباما عن خطط ضرب النظام السوري معاقبة له على استخدام السلاح الكيماوي في شهر أغسطس (آب). عندها قفز أوباما على المبادرة الدبلوماسية الروسية ليطوي صفحة التدخل العسكري في سوريا. وبسبب تراجعه، وجدت فرنسا نفسها وحيدة واضطرت لسحب تهديدها بحجة أنها «لن تضرب سوريا بمفردها».
إزاء هذا الواقع، ترى هذه الأوساط أن باريس أرادت أن تعطي الانطباع بأنها لا تقف مكتوفة الأيدي إزاء ما يحصل في معارك عين العرب (كوباني) وإزاء ما قد يستتبعها من مجازر على غرار ما قام به تنظيم داعش في المناطق التي احتلها في العراق. أما التفسير الآخر فقوامه أنها أرادت الوقوف إلى جانب تركيا لتشجيعها على التدخل في عين العرب وإنقاذ ما يمكن إنقاذه باعتبارها الطرف الأقرب والمعني الأول بما يحصل على بعد مئات الأمتار من حدودها. لكن تبين من تلاحق الأحداث أن لتركيا حساباتها الاستراتيجية الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع القراءة الفرنسية رغم أن البلدين يسعيان لإقامة علاقة استراتيجية «شاملة» من ضمنها السعي لموقف سياسي «موحد» من بؤر المنطقة المتفجرة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة