مواجهات التنديد بأحداث كوباني تدخل الجامعات التركية.. ومخاوف من «الصدامات الأهلية»

مصادر تركية لـ («الشرق الأوسط»): تفاهم مع أوجلان على التهدئة

جانب من مراسم تشييع احد عناصر الشرطة التركية أمس الذي قضى في المواجهات شرق تركيا (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع احد عناصر الشرطة التركية أمس الذي قضى في المواجهات شرق تركيا (أ.ف.ب)
TT

مواجهات التنديد بأحداث كوباني تدخل الجامعات التركية.. ومخاوف من «الصدامات الأهلية»

جانب من مراسم تشييع احد عناصر الشرطة التركية أمس الذي قضى في المواجهات شرق تركيا (أ.ف.ب)
جانب من مراسم تشييع احد عناصر الشرطة التركية أمس الذي قضى في المواجهات شرق تركيا (أ.ف.ب)

استمرت المواجهات المتقطعة في المناطق التركية لليوم الرابع، احتجاجا من الأكراد على الموقف التركي مما يجري في مدينة عين العرب السورية التي يحاصرها تنظيم «داعش»، وبدأ التوغل فيها منذ يومين، ما أثار غضب أكراد تركيا على ما يعتبرونه «تواطؤا» من حكومة بلادهم مع التنظيم المتطرف.
وقالت مصادر تركية لـ«الشرق الأوسط» إن اتصالات جرت بين المسؤولين الأتراك ورئيس تنظيم «حزب العمال الكردستاني» المحظور عبد الله أوجلان في مسعى لضبط الشارع الكردي، خصوصا مع تحول المواجهات إلى ما يشبه «الحرب الأهلية»، خصوصا في أوساط الأكراد. وأوضحت المصادر أن الأجواء كانت إيجابية وأن أوجلان وجه رسائل إلى قيادات حزب «حرية الشعوب» الذي يمثل الذراع السياسية للتنظيم المحظور بضرورة التهدئة، غير أن مصادر كردية تركية نفت في اتصال مع «الشرق الأوسط» المعلومات عن طلبه وقف المظاهرات، مؤكدة أن المظاهرات ستستمر. وأكدت أن الأحزاب الكردية لم تدع لحظة إلى أعمال العنف، متهمة «الطرف الآخر» بالتجييش.
ووصلت مظاهرات التنديد بالهجوم على كوباني التي تشهدها معظم المدن التركية إلى الجامعات، حيث شهدت جامعات إسطنبول وأنقرة والشرق الأوسط للعلوم التقنية بأنقرة أعمال عنف وشغب، عندما تجمع بعض المتظاهرين في جامعة الشرق الأوسط للعلوم التقنية وأرادوا السير إلى المبنى الرئيس لحزب العدالة والتنمية، إلا أن قوات الشرطة لم تسمح لهم بالخروج من الجامعة. ورشق الطلاب المتظاهرون قوات الشرطة بالحجارة والألعاب النارية وقنابل المولوتوف، وحاولت الشرطة تفريق المتظاهرين بخراطيم المياه والرصاص المطاطي، واستمرت الأحداث قرابة 3 ساعات، كما ذكرت صحيفة «زمان» المعارضة على موقعها الإلكتروني. كما تجمع بعض الطلاب في جامعة أنقرة وخرجوا إلى شارع «جمال كورسل» وتسببوا في شلل بالحركة المرورية، ما دفع الشرطة إلى إطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه. ولجأ الطلاب المتظاهرون إلى كليات العلوم السياسية والحقوق والاتصالات، فلحقت بهم قوات الشرطة ودارت مواجهات. أما في إسطنبول فقد حصلت المواجهات بين مؤيدي الأكراد ومؤيدي الحزب الحاكم ونشب في كلية العلوم الطبيعية والآداب بجامعة إسطنبول.
وتسببت الاحتجاجات بمقتل نحو 35 شخصا، وإصابة ما لا يقل عن 150 آخرين حتى الآن، كما جرى إحراق 3 آلاف متجر، و260 مبنى عاما، و190 بنكا، و80 مبنى للأحزاب السياسية، و556 سيارة، و30 مبنى بين جمعية وسكن طلابي خاص. وتعرضت مئات من أنظمة كاميرات مراقبة الطرق ومصابيح الطرق ومحولات الطاقة الكهربائية واللوحات الإعلانية لأضرار.
وأشارت التقارير الاستخباراتية إلى أن أحداث الشغب ستزداد في المدن وعلى رأسها إسطنبول ومدن شرق وجنوب شرقي الأناضول. وقالت مصادر إن مسؤولي اتحاد الجماعات الكردية أوعزوا بتصعيد أعمال الشغب، لا سيما في محافظة وان وديار بكر وحكاري وشرناق، شرق وجنوب شرقي تركيا.
وقال وزير الداخلية التركي أفكان آلا إن 31 شخصا سقطوا جراء أعمال العنف التي شهدتها البلاد مؤخرا، إضافة إلى عنصري شرطة، كما أصيب 221 مواطنا و139 عنصر شرطة». وأوضح آلا في مؤتمر صحافي، عقده بمقر وزارة الداخلية بالعاصمة أنقرة، أن قوات الأمن التركية أوقفت ألفا و24 شخصا شاركوا في أعمال العنف، وأن أمرا صدر باعتقال 58 منهم، لافتا إلى أن التحقيقات مع الآخرين مستمرة». وأشار آلا إلى الهجوم المسلح الذي أسفر عن مقتل نائب مدير الأمن، ورئيس الشرطة بولاية بينغول، ليلة أول من أمس، لافتا إلى مقتل 5 إرهابيين قاموا بتنفيذ الهجوم.
وانتقد الوزير التركي أحزاب المعارضة، معتبرا أنه «في الوقت الذي ينبغي فيه خروج تصريحات تدعو إلى إنهاء أعمال العنف والشغب بشكل تام نرى أن تلك التصريحات تحتوي على لغة تدعم تلك الأعمال»، مضيفا: «مع الأسف فإن من أدلى بتلك التصريحات هما الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي (صلاح الدين دميرطاش) ورئيس الحزب المعارض الرئيس».
وفي الإطار نفسه انتقد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أحزاب المعارضة، وتحديدا زعيم حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض كمال كليتشدار أوغلو، لمطالبته باستصدار تفويض للجيش التركي بشأن مدينة كوباني السورية، متسائلا: «هل يفعل ذلك من أجل حماية الأسد؟ هل الموضوع فقط كوباني وإخوتنا الأكراد فيها؟»، مضيفا: «لماذا صمت حزب الشعب الجمهوري وحزب آخر في البرلمان (في إشارة إلى حزب الشعوب الديمقراطي المعارض) حيال مقتل ما بين 200 - 250 ألف سوري؟ ما الذي تغير الآن لكي يخرجوا عن صمتهم؟».
واتهم إردوغان بعض دول الجوار بعمل كل ما بوسعها لحماية نظام بشار الأسد، مؤكدا أن هناك إرهابا على صعيد المنظمات وأن هناك إرهاب دولة، مبينا أن نظام الأسد مثال على ذلك، إذ قتل نحو 250 ألفا من الشعب السوري.
وانتقد إردوغان حزب الشعب الجمهوري لوقوفه إلى جانب مثيري الشغب الذين أحرقوا العلم التركي ودمروا تمثال مؤسس الجمهورية التركية «مصطفى كمال أتاتورك» والممتلكات العامة والخاصة في البلاد.
وبدوره هاجم رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو كليتشدار أوغلو، وقال: «فليقم المحرضون بالتحريض كما يشاءون، نحن كحكومة تركية لن نسمح أبدا بنشوب أي شكل من أشكال الصراع بين الإخوة، كما أن فهمنا لمرحلة السلام الداخلي يتضمن احتضان جميع المكونات في أجواء من الأخوة، وإفساح المجال أمام الجميع لاستخدام لغته الأم، وإحياء ثقافته، لكن بعيدا عن الإرهاب والعنف». وأضاف: «إن مرحلة إحلال السلام الداخلي ليست بديلا بأي شكل من الأشكال عن النظام العام، وليست ذريعة لأولئك الراغبين في الحصول على ذريعة من أجل تكدير النظام العام، أتوجه من هنا بالقول لكل من شارك بعمليات التخريب وقطع الطريق ونشر الفوضى والإرهاب في الأيام الثلاثة الأخيرة والـ48 ساعة الماضية، احذروا أن تحلموا بأنكم قادرون على النيل من وحدة الأمة وتضامنها. فهذه الأمة تقاسمت المصير المشترك منذ عهد السيد بطال غازي (بطل قومي لدى الأتراك عاش في القرن الثامن الميلادي ويعود نسبه إلى أسرة عربية استقرت في مدينة ملاطية إبان الفتح الأموي للأناضول) حتى معركة جناق قلعة، ونحن لن نسمح لأحد أن ينال من تلك الوحدة والتآلف».
وتوعد نائب رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، والناطق باسم الحزب بشير أطالاي، بإنزال أشد العقوبات بحق من وصفهم بالجناة والمخربين ومنظمي الشغب ومثيري الاستفزازات في البلاد، مشددا على أن الحكومة ستكون حازمة في ذلك. وذكر أطالاي في اجتماع عقده الحزب بشأن الأحداث أن زعيم الحزب أحمد داود أوغلو أطلع اللجنة المركزية للحزب على آخر الإجراءات المتبعة، وأن الاجتماع خلص إلى اتخاذ عدد من القرارات بهذا الشأن.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.