المصارف اللبنانية تتشدد في السماح بتحويل الأموال وسحبها

تساؤلات مستعرة في الشارع عن «قيود ناعمة» و«حجم الملاءة»

تزايدت حدة الانتقادات الموجهة إلى البنك المركزي اللبناني وسط الأزمة الأخيرة (رويترز)
تزايدت حدة الانتقادات الموجهة إلى البنك المركزي اللبناني وسط الأزمة الأخيرة (رويترز)
TT

المصارف اللبنانية تتشدد في السماح بتحويل الأموال وسحبها

تزايدت حدة الانتقادات الموجهة إلى البنك المركزي اللبناني وسط الأزمة الأخيرة (رويترز)
تزايدت حدة الانتقادات الموجهة إلى البنك المركزي اللبناني وسط الأزمة الأخيرة (رويترز)

ما من حديث عن الأزمة المالية والاقتصادية والنقدية الحالية في لبنان إلا وتتربع فيه المصارف اللبنانية على رأس النقاش. سلسلة من الأسئلة يطرحها الشارع اللبناني، بينها: «هل لم تعد هنالك ملاءة كافية لدى المصارف لتلجأ إلى تحديد سقف للسحوبات والتحويلات المالية، وترفع العمولة عليها، وتتخذ أكثر الإجراءات تعقيداً على العميل للحؤول دون تلبية حاجاته المالية؟»، و«هل تمارس المصارف نوعاً من القيود على حركة الأموال بطريقة سلسة أو ما يعرف بـ(الكابيتال كونترول) الناعم؟»، و«إلى أي مدى تصرفاتها هذه قانونية؟».
يؤكد كبير الاقتصاديين، ورئيس مديرية الأبحاث والتحاليل الاقتصادية في مجموعة بنك «بيبلوس» الدكتور نسيب غبريل، أن المصارف اللبنانية تتمتع بالملاءة الكافية نظراً إلى التدابير الاحترازية التي اتخذتها على مرّ السنوات ونظراً إلى التعاون الوثيق والمستمر مع مصرف لبنان. إذ إن المصارف امتثلت للمعايير الدولية للعمل المصرفي حسب مقررات ومتطلبات «بازل 3 - Basel III»، لا بل تخطّت هذه المعايير، إذ إن المعيار العالمي لنسبة كفاية رأس المال (capital adequacy ratio) هي 10.6%، بينما فرض مصرف لبنان حدّاً أدنى للمصارف اللبنانية هو 15%، ووصلت هذه النسبة إلى 16% في يونيو (حزيران) الماضي.
كما أن المصارف بدأت تطبيق معيار المحاسبة الدولية (IFRS9). ورفعت رأسمالها لتمتثل لهذه المعايير الدولية، مما ساعد القطاع المصرفي على مواجهة التقلبات السياسية والأمنية المحلية والإقليمية، كما التطورات الاقتصادية والمالية.
وفي هذا السياق، أصدر مصرف لبنان قراراً وسيطاً طلب من المصارف زيادة أموالها الخاصة الأساسية بنسبة 20% من حقوق حَمَلة الأسهم العادية، وذلك بنسبة 10% قبل نهاية السنة المالية الحالية، و10% إضافية في مهلة لا تتخطى منتصف عام 2020، كما طلب من المصارف عدم توزيع أرباح عن السنة المالية 2019، وهذا التعميم يأتي في سياق التدابير الاحترازية لتعزيز رؤوس أموال المصارف التجارية لمواجهة التحديات القائمة والمستقبلية. تعميم حاكم مصرف لبنان، جاء قبل أيام قليلة من تقرير التصنيف الائتماني لـ«موديز»، والتي خفّضت فيه درجة تصنيف لبنان من «caa1» إلى «caa2»؛ أي أن الدولة اللبنانية قد تلجأ إلى جدولة ديونها، أو تدبير مشابه لذلك، أو قد تصبح غير قادرة على الوفاء بمستحقاتها... مع نظرة مستقبلية «سلبية».

حقيقة القيود
يقول غبريل إن مفهوم القيود على حركة رؤوس الأموال، هو عدم السماح من قبل السلطات الرسمية بدخول أو خروج رؤوس أموال إلى بلد ما. والمعروف أن القوانين اللبنانية، تضمن حركة رؤوس الأموال، وآخر دليل على ذلك، توقع البنك الدولي أن تبلغ تحويلات المغتربين إلى لبنان 7.3 مليار دولار في 2019.
وبناءً عليه، يؤكد غبريل: «إذا كانت هناك قيود على هذه الحركة، فكيف يمكن وصول هكذا مبالغ إلى لبنان؟ لا توجد قيود رسمية على حركة رؤوس الأموال من وإلى لبنان، وهذا يشكل إحدى ركائز الاقتصاد اللبناني. وكل ما يشاع عن قيود (غير رسمية) هو غير صحيح، إذ إن المصارف تلبّي طلبات جميع زبائنها، وبما أن لدى المصارف مئات الآلاف من الزبائن، تحاول تلبية طلباتهم وإتمام معاملاتهم تدريجياً. ومن الطبيعي أن تكون لدى الأشخاص نزعة طلب إتمام معاملاتهم أولاً، ولكن طبيعة العمل المصرفي والعدد الكبير للزبائن، والطلبات والمعاملات، تحتم على المصارف أن تلبي جميع زبائنها بالتساوي، وبأخذ في عين الاعتبار الظروف التي يمر بها لبنان. أما بالنسبة إلى نظريات الاقتطاع من الودائع وتخفيض قيمة الدين العام، فهي مجرد نظريات لا تصلح للبنان ولا يتم التداول الجدي بها أصلاً، وهي تدخل ضمن حملات التشويه على وسائل التواصل الاجتماعي».
ويرى غبريل أن الحلّ الأنسب لمشكلة الدين العام في لبنان هو تخفيض النفقات العامة بشكل جذري ومُقنِع، وزيادة الإيرادات من خلال مكافحة التهرب الضريبي وتفعيل الجباية، وإغلاق المعابر غير الشرعية، ومكافحة التهرب الجمركي، وتطبيق أشد التزاماً لقوانين تُطَّبَق جزئياً، وإيجاد حلّ نهائي لمعضلة الأملاك العامة البحرية والنهرية، كما للكسّارات غير الشرعية، وفرض ضريبة على كل أصحاب مولدات الكهرباء التي هي غير شرعية. فهذه الإجراءات يمكن أن تُدخل إلى الخزينة اللبنانية نحو مليار دولار إضافي سنوياً من الإيرادات الضريبية.
ويتابع أن هناك إجراءً ملحّاً وضرورياً لمعالجة النفقات المرتفعة والعجز في الموازنة العامة، وهو إيجاد حلّ سريع لمعضلة الكهرباء. إذ إنه ليس مقبولاً أنه بعد قرابة عشر سنوات من الوعود بإصلاح هذا القطاع أن يبقى موضوع الكهرباء عبئاً على الاقتصاد والخزينة العامة. والحلول المطروحة طويلة الأمد ومكلفة، فالحل السريع هو لامركزية الإنتاج وإعطاء رخص لشركات القطاع الخاص لتنتج الكهرباء حسب قانون 2014، مع أن عدداً من الشركات الخاصة قدمت طلباً للحصول على رخصة منذ سنين، ولكن لم تتجاوب الوزارة المعنية. وتوجد أمثلة عدة على بلدات وقرى، بالإضافة إلى مدينة زحلة، حيث إنتاج الكهرباء محلي، وحيث المقيم في هذه المناطق يحصل على كهرباء 24 ساعة في اليوم. وحين يُطَبَّق هذا الحل تستطيع الوزارة المعنية إلغاء الدعم ورفع التعريفة، وبالتالي توفير ما يقارب ملياري دولار سنوياً على الخزينة اللبنانية. فالحلول موجودة ولا تتطلب سوى إرادة سياسية جدية ومصداقية لتطبيقها، فلا حاجة إلى الترويج والتهويل باقتطاع قسم من ودائع الناس كحلٍّ لمسألة الدين العام.

مشكلة الدين العام
ويرى غبريل أن المصارف اللبنانية ليست بحال انتظار أي طرح جديد لتسهم في تخفيض خدمة الدين العام، إذ إنها تسهم في هذه العملية منذ سنوات عديدة. فالمصارف التجارية تحمل في محفظتها سندات خزينة بالليرة اللبنانية تبلغ ما يوازي 17 مليار دولار، وسندات سيادية بالعملات الأجنبية بلغت ما يوازي 15 مليار دولار، وهذا يشكل 36.7% من الدين العام. الجدير بالذكر أن مصرف لبنان يحمل في محفظته 37.2% من الدين العام. إذاً يحمل الجهاز المصرفي 74% من الدين العام اللبناني، ما أدى إلى فوائد منخفضة على الدين العام مقارنةً بنسبة العجز في الموازنة ونسبة الدين العام إلى الناتج المحلي، والتصنيفات الائتمانية للبنان. فمعدّل الفائدة على سندات الخزينة بالليرة اللبنانية يبلغ 6.4%، بينما معدّل الفائدة على سندات اليوروبوند يبلغ 6.8%، وهذه نسب فوائد مقبولة مقارنةً مع الاختلالات في المالية العامة وعدم جدية السلطة السياسية في تطبيق الإصلاحات المنشودة لتخفيض حاجات الدولة للاستدانة ولتقليص العجز في الموازنة العامة.
كما أن مساهمة المصارف في الدين العام أدّت إلى استقرار في المالية العامة. والجدير بالذكر أن الجهاز المصرفي يتحمل منفرداً منذ 25 سنة مسؤولية الاستقرار النقدي، والاستقرار في المالية العامة، والاستقرار الاقتصادي، وبالتالي الاستقرار الاجتماعي. وقد حان الوقت لتتحمل السلطة التنفيذية جزءاً من هذه المسؤولية؛ إذ إن «لامبالاة» العديد من المكونات السياسية لهذه السلطة أوصلت الاقتصاد اللبناني إلى وضعه الحالي. ويلفت غبريل إلى أن البلاد ليست على شفير الإفلاس، ولا المالية العامة في لبنان متجهة إلى سيناريو اليونان، ولا إلى سيناريو تركيا، ولا إلى سيناريو قبرص أو حتى الأرجنتين. فالحلول والمعالجات موجودة كما ذكر أعلاه. ويقول غبريل: «لبنان يتمتع بالطاقات والموارد التي تمكّنه من الخروج من الأزمة الحالية. وهو يواجه تحديين أساسيين، أولهما تخفيض حاجات الدولة للاستدانة، وثانيهما إعطاء حوافز لتحريك عجلة الاقتصاد اللبناني... وعلاج هذين التحديين موجود، ولا يتطلب سوى إرادة سياسية ومصداقية وجدية في التعاطي مع متطلبات وتحديات المرحلة الحالية».



الذهب يرتد عن الـ5000 دولار بفعل رهانات التشدد النقدي

بائع يعرض أساور ذهبية للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)
بائع يعرض أساور ذهبية للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)
TT

الذهب يرتد عن الـ5000 دولار بفعل رهانات التشدد النقدي

بائع يعرض أساور ذهبية للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)
بائع يعرض أساور ذهبية للبيع في متجر للذهب في البازار الكبير بإسطنبول (أ.ف.ب)

انخفضت أسعار الذهب يوم الاثنين، متأثرةً بمخاوف من أن يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى تفاقم التضخم ودفع البنوك المركزية الكبرى، بما فيها الاحتياطي الفيدرالي، إلى تبني سياسة نقدية أكثر تشدداً، مما يقلل من جاذبية هذا الأصل الذي لا يدرّ عائداً.

وانخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 1 في المائة إلى 4966.39 دولار للأونصة، بعدما كان تراجع بنسبة 0.7 في المائة إلى 4983.17 دولار بحلول الساعة 09:44 بتوقيت غرينتش. كما انخفضت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 1.5 في المائة إلى 4987.30 دولار.

وقال برنارد دحداح، المحلل في «ناتيكس»: «حوّل سوق الذهب تركيزه من دراسة تداعيات إغلاق منجم هرمز التجاري، إلى تداعيات التضخم على المدى الطويل».

وأضاف: «ارتفاع أسعار النفط يعني ارتفاع التضخم، وهذا بدوره يؤثر على الاحتياطي الفيدرالي. فقد يتراجع الاحتياطي الفيدرالي عن خفض أسعار الفائدة، مما يضغط على أسعار الذهب نحو الانخفاض».

استقر سعر النفط فوق 100 دولار للبرميل، مرتفعاً بأكثر من 40 في المائة هذا الشهر إلى أعلى مستوياته منذ عام 2022، بعد أن دفعت الضربات الأمبركية الإسرائيلية على إيران طهران إلى وقف الشحنات عبر مضيق هرمز.

وفي سياق متصل، انخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 2.6 في المائة إلى 78.46 دولار للأونصة. واستقر سعر البلاتين الفوري عند 2024.85 دولار، بينما انخفض سعر البلاديوم بنسبة 0.5 في المائة إلى 1542.92 دولار.


«المركزي الأوروبي» يودع «الوضع الجيد»... فهل يرفع الفائدة الخميس؟

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
TT

«المركزي الأوروبي» يودع «الوضع الجيد»... فهل يرفع الفائدة الخميس؟

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

يجتمع البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس، ويتوقع المتداولون أن يدفع ارتفاع أسعار النفط البنك إلى رفع أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا العام. فقد أعادت الحرب في الشرق الأوسط إحياء المخاوف من صدمة تضخمية مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة، في وقت لا تزال فيه ذكريات أزمة 2022 التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا حاضرة.

وبعد أن تراجعت توقعات صناع السياسات عن «الوضع الجيد» الذي كانوا يعتقدون أنهم فيه قبل أسابيع فقط، أصبحت توقعات البنك المركزي الأوروبي الآن «في أيدي قادة عسكريين»، كما وصفها أحد المصادر لـ«رويترز».

وفيما يلي خمسة أسئلة رئيسية للأسواق:

1. ما الذي سيفعله البنك المركزي الأوروبي يوم الخميس؟

من المتوقع أن يُبقي البنك على أسعار الفائدة عند 2 في المائة. ومع صعوبة التنبؤ بمدة النزاع ومستوى أسعار الطاقة، سيقر البنك بعدم اليقين، وقد أكدت رئيسة البنك، كريستين لاغارد، بالفعل على استعدادها لبذل كل ما يلزم لكبح جماح التضخم.

وقال كبير الاقتصاديين الأوروبيين في بنك «يو بي إس»، راينهارد كلوز: «لم يعد بإمكانهم الادعاء بأنهم في وضع جيد لأنهم لا يعلمون ما إذا كانوا كذلك بالفعل. كل شيء سيتوقف على ما سيحدث لاحقاً».

2. هل تعني الحرب صدمة تضخمية جديدة؟

من المتوقع ارتفاع التضخم، لكن تحوله إلى صدمة يعتمد على مدة النزاع وموعد عودة ناقلات النفط لعبور مضيق هرمز الحيوي. شهدت أسعار النفط تقلبات، واقتربت من 120 دولاراً الأسبوع الماضي.

وبلغت أسعار النفط والغاز حوالي 105 دولارات يوم الاثنين، أي بزيادة تتجاوز 40 في المائة منذ بدء الحرب، و70 في المائة هذا العام، فيما ارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنحو 60 في المائة خلال الشهر نفسه. ومن شأن ذلك أن يرفع التضخم بشكل ملحوظ.

وأظهر تحليل سابق للبنك المركزي الأوروبي أن ارتفاعاً دائماً في أسعار النفط والغاز بنسبة 14 في المائة سيرفع التضخم بنسبة 0.5 في المائة ويؤثر سلباً على النمو بنسبة 0.1 في المائة، مع تأثير مماثل للعام الثاني على التوالي قبل أن يتلاشى. كما ارتفع أحد المشتقات المالية المستخدمة للتحوط من مخاطر التضخم في منطقة اليورو خلال العامين المقبلين إلى حوالي 2.70 في المائة من 1.75 في المائة قبل الحرب.

وقبل النزاع، كان البنك المركزي الأوروبي يتوقع أن يكون التضخم أقل من هدفه البالغ 2 في المائة هذا العام والعام المقبل، مما يوفر هامش أمان. وبالمقارنة بعام 2022، تميل المخاطر الآن أكثر نحو تراجع النمو بدلاً من ارتفاع التضخم، وفقاً لما ذكره الخبير الاقتصادي دافيد أونيليا من شركة «تي إس لومبارد»، نظراً لأن الاقتصاد لا يزال بعيداً عن ازدهار ما بعد الجائحة، وسوق العمل أضعف.

3. كيف سيتعامل البنك المركزي الأوروبي مع صدمة تضخم الطاقة؟

في الوقت الراهن، من الواضح أن احتمال خفض سعر الفائدة هذا العام مستبعد، ويتوقع المتداولون رفع سعر الفائدة مرة واحدة هذا العام، مع احتمال كبير لرفعه مرة أخرى بنهاية العام.

بعد تجربة عام 2022، حين أخطأ البنك في توقع بداية ما تبين لاحقاً أنه صدمة تضخم تاريخية، من المرجح أن يتجنب وصف التضخم بأنه «مؤقت». ويبدو أن صناع السياسات سيحافظون على هدوئهم، لكنهم وعدوا باتخاذ إجراءات سريعة حال لاحظوا أن التضخم معرض لخطر الترسخ نتيجة ارتفاع توقعات التضخم أو المطالب المتعلقة بالأجور أو أسعار السلع.

يقول بعض الاقتصاديين إن ذلك سيتطلب بقاء أسعار النفط فوق 100 دولار لعدة أشهر، وظهور أدلة على الآثار الثانوية، لتبرير رفع أسعار الفائدة.

4. ماذا ستُظهر توقعات البنك المركزي الأوروبي الجديدة؟

ستقتصر التوقعات على الأيام الأولى من الحرب، لذا من غير المرجح أن تعكس الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة. وسيتركز الاهتمام على أي تحليل للسيناريوهات قد يقدمه البنك المركزي الأوروبي.

وقال نائب الرئيس لويس دي غيندوس إن هذا التحليل محتمل، كما حدث عند غزو روسيا لأوكرانيا. وكانت أسعار النفط قد بدأت بالارتفاع قبل النزاع، وقفز التضخم في منطقة اليورو بشكل غير متوقع الشهر الماضي، مما زاد الضغط على توقعات البنك المركزي الأوروبي التي قدمها في ديسمبر (كانون الأول).

5. هل ستكمل لاغارد ولايتها في البنك المركزي الأوروبي؟

حاولت لاغارد تهدئة التكهنات حول احتمال مغادرتها منصبها مبكراً، دون نفي ذلك بشكل قاطع، ما قد يتيح للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فرصة المشاركة في تعيين خليفتها.

ولا يزال الباب مفتوحاً أمام رحيلها المبكر. ويرى المستثمرون أن كلاس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هيرنانديز دي كوس، الرئيس السابق للبنك المركزي الإسباني، مرشحان محتملان. ويُنظر إلى نوت على أنه متشدد ولكنه عملي، بينما يُنظر إلى دي كوس على أنه أكثر ميلاً للتيسير النقدي، مع توقع عدم تغيير أي منهما طريقة عمل البنك المركزي الأوروبي.

ويشير المحللون إلى أن مسألة اختيار خليفة لاغارد لا تزال غير واضحة، نظراً لأنها لم تكن مرشحة في البداية عام 2019، وقد يترك القائد الجديد بصمة أكبر في حال ارتفاع التضخم. ومع ذلك، أشار «دويتشه بنك» إلى أن التهديد التضخمي الجديد يزيد من احتمالية أن تُكمل لاغارد ولايتها كاملة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2027.


أهمُّ 7 بنوك بالعالم في «كماشة هرمز»... فهل تفرض صدمة الطاقة تشدداً نقدياً؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
TT

أهمُّ 7 بنوك بالعالم في «كماشة هرمز»... فهل تفرض صدمة الطاقة تشدداً نقدياً؟

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» (رويترز)

تتجه أنظار المستثمرين هذا الأسبوع إلى سبعة من أهم البنوك المركزية في العالم، والتي تجتمع في ظروف اقتصادية بالغة التعقيد. وبينما كان العالم يترقب «دورة خفض الفائدة»، جاءت صدمة الحرب الإيرانية وإغلاق مضيق هرمز لتعيد صياغة المشهد؛ حيث قفز خام برنت فوق 120 دولاراً، ما وضع البنوك المركزية بين فكَّي كماشة: التضخم الطاقي المتسارع، وتباطؤ النمو الاقتصادي.

وفي خطوة تضع الأسواق في حالة ترقب، يترقب المحللون اجتماع «الاحتياطي الأسترالي» يوم الثلاثاء، وسط توقعات بأن يواصل البنك «نهجه المتشدد» برفع الفائدة مجدداً، استكمالاً للزيادة التي أقرها في فبراير (شباط) الماضي. هذا التحرك، إذا تحقق، سيثبت أن البنك الأسترالي عازم على كبح «تضخم الطاقة» بأي ثمن، ما يجعله في مقدمة البنوك المركزية التي ترفض الاستسلام لضغوط الركود مقابل أولوية استقرار الأسعار.

معضلة تضخم الوقود

تعتبر البنوك المركزية أن صدمة النفط الحالية هي «صدمة عرض» خارجة عن سيطرتها، ولكنها لا تملك رفاهية تجاهلها. فتاريخياً، كل زيادة بنسبة 5 في المائة في أسعار النفط تضيف 0.1 نقطة مئوية للتضخم. ومع قفزة الأسعار بنسبة 50- 60 في المائة منذ مطلع العام، يتوقع المحللون أن تضيف هذه الأزمة وحدها 1 في المائة كاملة إلى معدلات التضخم العالمية، مما ينسف جهود البنوك المركزية التي بذلتها في العامين الماضيين.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول في مؤتمر صحافي عقب قرار لجنة السياسة النقدية في ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

ماراثون الثلاثاء والأربعاء

وفي تحول لافت للأنظار، يترقب المحللون اجتماع «الاحتياطي الأسترالي» الثلاثاء، وسط توقعات قوية بأن يقوم برفع الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، بعدما كان رفعها أيضاً بواقع 25 نقطة أساس في فبراير.

هذا التحرك المتوقع لا يعكس فقط حالة الاقتصاد المحلي؛ بل يرسل إشارة قوية حول مدى خطورة «صدمة الطاقة» الحالية.

ويرى المحللون أن هذا التحرك الاستباقي يهدف إلى حماية الاقتصاد من قفزة تكاليف النقل والوقود، قبل أن تتجذر في توقعات التضخم المحلية.

أما يوم الأربعاء، فتنتقل الأنظار إلى «الاحتياطي الفيدرالي» وبنك كندا. وبعد أن كانت الأسواق تراهن على خفض الفائدة الأميركية في يونيو (حزيران)، تشير التوقعات الآن إلى أن رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول سيتبنى لهجة حذرة للغاية. وقد أرجأت التوقعات الحالية أول خفض للفائدة إلى سبتمبر (أيلول) أو ديسمبر (كانون الأول) 2026، مع مراقبة دقيقة لأسعار البنزين التي بدأت تؤثر بالفعل على ثقة المستهلك الأميركي.

من جهته، يتبنى بنك كندا بقيادة المحافظ تيف ماكلم نهجاً أكثر هدوءاً؛ حيث تشير التوقعات إلى تثبيت أسعار الفائدة عند 2.25 في المائة في اجتماع الأربعاء. وكان بنك كندا قد قام بأربع عمليات خفض للفائدة خلال عام 2025 (بإجمالي 100 نقطة أساس)، ليصل بالفائدة إلى مستوى يُعتبر «متوازناً»؛ أي أنه لا يحفز التضخم ولا يخنق النمو بشكل مفرط. ويركز البنك حالياً على مراقبة «الآثار غير المباشرة»؛ فبينما يستفيد قطاع الطاقة، تتضرر القوة الشرائية للأسر الكندية بسبب ارتفاع أسعار البنزين والتدفئة، وهو ما قد يؤدي إلى تباطؤ الاستهلاك المحلي.

يتوقع المحللون أن يتسم بيان بنك كندا بـ«الحذر الشديد». فمن جهة، سيقر البنك بأن المخاطر الجيوسياسية رفعت توقعات التضخم، ومن جهة أخرى، سيؤكد أن نمو الاقتصاد لا يزال هشاً، ولا يتحمل العودة لرفع الفائدة في الوقت الحالي.

أعلام الاتحاد الأوروبي ترفرف أمام مقر البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

«الخميس الكبير»

يشهد يوم الخميس ذروة النشاط النقدي بصدور قرارات 4 بنوك مركزية كبرى، هي:

  • البنك المركزي الأوروبي: يراقب المسؤولون بقلق عوائد السندات الألمانية التي سجلت مستويات قياسية. وقد تحوّلت التوقعات من «متى نخفض الفائدة؟» إلى «هل نحتاج لرفعها مجدداً؟» لمواجهة تكاليف الطاقة المستوردة.
  • بنك إنجلترا: تراجعت فرص خفض الفائدة الفوري مع ارتفاع أسعار الديزل التي بدأت تضغط على قطاعَي الزراعة والتجزئة البريطانيين.
  • بنك اليابان: يواجه تحدي ضعف الين مقابل ارتفاع تكلفة استيراد الطاقة. التوقعات تشير لتثبيت الفائدة عند 0.75 في المائة، ولكن مع إشارة قوية للرفع إلى 1 في المائة بحلول منتصف العام، للسيطرة على التضخم المستورد.
  • البنك الوطني السويسري: يستفيد من قوة الفرنك في امتصاص جزء من التضخم العالمي، مما يرجح كفة تثبيت الفائدة عند مستوى 0 في المائة في الوقت الراهن.

علم سويسرا أمام البنك الوطني السويسري في برن (رويترز)

ما وراء أسعار الفائدة

تجمع هذه البنوك السبعة مخاوف مشتركة تتجاوز مجرد أرقام الفائدة؛ فصدمة النفط الحالية لا ترفع أسعار الوقود فحسب؛ بل تمتد آثارها إلى:

  • الأمن الغذائي: ارتفاع تكاليف الأسمدة والديزل للمزارعين يهدد برفع أسعار الغذاء عالمياً في النصف الثاني من العام.
  • سلاسل التوريد: زيادة تكاليف الشحن الجوي والبحري تضع ضغوطاً إضافية على الشركات، مما قد يقلص الاستثمارات المؤسسية.
  • ميزانية الأسر: تآكل الدخل المتاح للاستهلاك لصالح فواتير الطاقة، مما يزيد من احتمالات التباطؤ الاقتصادي.

لن تراقب الأسواق هذا الأسبوع أرقام الفائدة فقط؛ بل ستدقق في «النبرة». فهل ستعترف البنوك المركزية بعجزها عن مواجهة صدمة العرض؟ أم ستضحي بالنمو وتستمر في سياسة «الفائدة المرتفعة» لكسر موجة التضخم الجديدة؟

الأيام القادمة ستحدد ما إذا كنا بصدد «هبوط ناعم» للاقتصاد العالمي، أم «ارتطام عنيف» نتيجة تعطل مضيق هرمز.